arrow down

آلية تفعيل الحسبة في حياة الأمة

حوار موقع المحتسب مع فضيلة د. عبدالوهاب بن محمد الحميقاني ( عضو رابطة علماء المسلمين )

المحتسب: بسم لله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد:

مرحباً بكم أيها الإخوة الكرام في موقع المحتسب، الموقع المعني بقضايا الحسبة ونشرها بين الناس، ونشر مفاهيم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، في وقت غاب عن الناس أهمية هذا الأمر الذي هو صمام أمان المجتمع، والذي عاشه المسلمون قروناً متطاولة يرونه ديواناً عاماً من دواوين الدولة الإسلامية، أو وزارة من وزاراتها يعمل فيهم بالأمر بالمعروف وينهاهم عن المنكر.

في هذا اللقاء نستضيف فضيلة الشيخ عبد الوهاب بن محمد الحميقاني عضو هيئة علماء اليمن، ورئيس مجلس إدارة جمعية الرشد الخيرية، ومدرس مادة الفقه بجامعة الإيمان.

مرحباً بك يا شيخ!

الحميقاني: حياكم الله، ومرحباً بكم.

المحتسب: بداية لو نتحدث عن الاحتساب كمنظومة عامة تشمل جميع الأطراف، وجميع الأشخاص والهيئات في العمل الإسلامي، ماذا يمكننا أن نقول حول هذا الأمر؟

الحميقاني: الحسبة أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قبل أن نتكلم عنه كمنظومة أو كمؤسسة أو كهيئة، يجب أن ندرك بأنه فريضة فرضها ربنا عز وجل علينا، سواء قلنا: إن نوع هذا الفرض على التعيين أو على الكفاية، فلا ريب أنه بفشو المنكرات، وانتشار المخالفات في شتى مجالات الحياة، وضعف أهل الاحتساب، أصبح القيام بالحسبة فريضة متعينة على كل قادر عليها، ولذا كان حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، عن النبي عليه الصلاة والسلام واضحاً: «من رأى منكم منكراً فليغيره بيده» و: (من) اسم شرط، وأسماء الشرط من ألفاظ العموم، أي: كل من رأى منكم منكراً فليغيره، فالخطاب لنا جميعاً، فإذا أدركنا أنه فريضة نعبد الله عز وجل بها، ونخرج من الإثم والوزر بالقيام بها، وعدم التفريط بها، عند ذلك سننطلق إلى كيف نقوم بها في هذه المجتمعات، وكيف أننا يجب أن ننقل الاحتساب من دور شخصي إلى دور مؤسسي، بل إلى دور جماعي، بل إلى دور المجتمع، ونفعل الحسبة بحيث تكون منظومة وشبكة قائمة في المجتمع.

وهذا السؤال جاءني وأنا أعقد هذه الأيام مع إخوة عدة لقاءات لإعداد مشروع "شبكة الحسبة في اليمن"، وفكرة هذا المشروع تقوم على أننا كيف أننا نفعل جميع أبناء المجتمع في الحسبة، ونرصد جميع المخالفات في المجتمع، ونضمن عدم تهور أي محتسب في تغيير المنكر بما يؤدي إلى مفاسد أعظم من المنكر، أو بما يعيق عمل الحسبة، والأمر بسيط، يعني: نحن لا نحتاج إلى كثرة أموال، ولا إلى كثرة إدارات بقدر ما نحتاج إلى نخبة وهيئة ومكتب يدير هذا الأمر، ونريد شبكة، واستمارة تسجيل نقنع بها جميع الإخوة المتدينين وعموم الناس، الشخص في مدرسته، أنت مدرس أنا ما أحتاجك، ابق في وظيفتك، العامل في عمله، صاحب المتجر في متجره، الطالب في مدرسته، الجامعي في جامعته، الجندي في معسكره، أنا ما أريد أن أوظف هؤلاء وأنقلهم من وظائفهم، بل أريده أن يمارس حياته الطبيعية، لكن فقط أريده أن يكون محتسباً في دائرته، كيف؟

أن يرتبط معي برقم هاتف محدد وثابت، أو أن يرتبط معي عبر الإيميل، أو بأحد هذه الوسائل، وأن يتيح لنا الوسيلة المناسبة لنتواصل معه، وسوف تسجل عندنا في المكتب وفي هذه الشبكة أسماء المحتسبين في كل أنحاء اليمن.

المطلوب منه أن يعبئ الاستمارة، ويعطينا معلوماته، ويقول: أنا أقبل أن أكون عضواً في شبكة الاحتساب، ونحن سنقول له ماذا سيفعل بالتخاطب معه، ونقول له: ما دوره، والمطلوب منه، وعندما يرى منكراً فقط يوصله إلينا، ونبين له كيف يوصله، ثم كيف يغير هذا المنكر؟ ليس عليه. يعني: سيدرسه مجموعة من أهل العلم، ويرون الخطوات والإجراءات المناسبة لتغيير هذا المنكر من الناحية القضائية والإعلامية وكذا، وسيعلم هذا المحتسب وغيره بما يجب عليه في هذه القضية، يقال له: افعل كذا. أرسل كذا. تحرك إلى المكان الفلاني فقط، فيصبح الناس كأنهم يدارون من مكتب مركزي.

وأيضاً هؤلاء المسجلون في هذه الشبكة سيصنفون باعتبار مناطقهم، يعني: أنا أريد المحتسبين في البيضاء أو صنعاء أو تعز أو عدن، أو أريد المحتسبين باعتبار مهنهم، المحتسبين الذين هم في دائرة الجنود والعسكر، المحتسبين الذين هم في دائرة المدرسين، فقد تحتاج دائرة في قطاع معين أو في منطقة معينة أو كذا.

فهذا مشروع نناقشه لتأسيس أو لعقد منظومة حسبة نرفع بها مستوى الحسبة عند الشعب، ولا نحتاج لفتح مكاتب، نحتاج فقط إلى مكتب واحد يدير هؤلاء المحتسبين، فقط نريد من المحتسب أن يفعل نفسه محتسباً ويرصد المنكرات فيوصلها، يستجيب للدور الذي يوكل إليه من جهة إدارة الحسبة، وعند ذلك لن نكلفه إلا ما يقدر عليه في إطاره، وبقية الأمر سيوكل إلى لجان وجهات مختصة.

المحتسب: نسأل الله عز وجل أن يعينكم، كأنه أتى في وقته إن شاء الله.

أنت بهذا تفتح لنا الباب حقيقة على مصراعيه لنسألك أسئلة كثيرة، نبدأ أولاً يا شيخ بأهم أو أكثر القضايا الشائكة، ولعلك أشرت إليها في كلامك، فقد أصبح من يحتسب تعد له المصائد -إن صح التعبير- فمن أمر بمعروف أو نهى عن منكر، أو احتسب على هؤلاء أصحاب المنكرات، وخاصة من يجاهرون بها يُشهر به في الإعلام، ويتناوله القاصي والداني، فهل تضعون هذا في الحسبان؟

الحميقاني: الباطل يحاول أن يعيق الحق، وهذه السنة القدرية، {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا} [الفرقان:31]، فكل من أخذ بحظ من النبوة يكون له عداوة من المجرمين بقدر ذلك الحق، ولذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو وظيفة النبيين، يعني: إذا جئنا نعرف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على حقيقته كما هو نقول: هو الإسلام، ما من خير إلا ويدعى إليه، وما من شر إلا ويحذر منه، فكل خير هو المعروف، وكل شر هو المنكر، أعلى المعروف هو التوحيد، وأدناه إماطة الأذى عن الطريق، وأعظم منكر هو الشرك، وأدناه وضع الأذى في الطريق، فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو تطبيق الإسلام، ووظيفة الأنبياء، ماذا جاء الأنبياء يفعلون؟

ما أتوا إلا ليأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر، وما من خير إلا ودلنا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما من شر إلا وحذرنا منه، فهذه وظيفة النبيين، فإذا أخذ الإنسان هذه الوظيفة قطعاً سيكون هناك أعداء {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا} [الفرقان:31]، يقول ابن القيم:" كل من قام بحظ مما جاء به الأنبياء كلما كانت له عداوة من المجرمين بقدر قيامه بذلك الحظ من تلك النبوة"، فهذه المسألة لا تفزعنا ولا نخاف منها، ولا تهولنا قعقعات هؤلاء المجرمين، نحن سنحتسب لكن علينا أن نفوت عليهم بعض الأمور التي يتذرعون بها، أنت الآن في دولة، وأنت من حيث الواقع محكوم لا حاكم، ويجب على الشاب المحتسب أن يفرق بين وقت الاختيار وبين الدولة لما تكون قائمة بالإسلام، وبين دولة مفرطة ومضيعة.

المحتسب: لعلنا -يا شيخ- نأخذ جزئيات هذا الموضوع كل على حدة، ونفرد بعضها بمزيد من التفصيل. لو نبدأ بالاحتساب على ذوي الهيئات، كيف يحتسب على هؤلاء؟ خصوصاً أنه ورد في حديث النبي عليه الصلاة والسلام الأمر بإقالة عثرات ذوي الهيئات، فكيف نتعامل مع هذه النصوص؟

الحميقاني: أصلاً الاحتساب يختلف باختلاف المحتسب وحال المحتسب عليه، فلما يكون الشخص ليس من أهل المنكر، وإنما وقع في المنكر فلتة أو زلة أو مرة فلا ينبغي أن يشهر به، ولا يجاهر هو بالمنكر، فيفرق بينه وبين الشخص المستمرئ للمنكرات، المصر على المنكرات، ولذا جاء عند أحمد والترمذي في شارب الخمر: «فإذا شربها الرابعة فاقتلوه»، يعني: مع تكراره.

المحتسب: فهل نحدد ذوي الهيئات بأنهم أصحاب صفات معينة؟

الحميقاني: لا نحدد، بل حتى الشخص العادي، أنا أعرف أن هذا الشخص بسيط وليس عالماً، لكنه رجل محافظ، ورجل مستقيم، أو من عموم الناس، لكن وقعت منه هذه الزلة، أنا أجلس معه، بل الأصل في الاحتساب هو النصيحة في السر، فإذا استقام كان بها، إلا إذا جاهر أو دعا إلى منكره، فإذا دعا إلى منكره يجب أن يحذر منه الناس، أو جاهر يجب أن ينصح ويحذر مما جاهر به، حتى لا يقع الناس في هذه الفتنة، فعلينا أن ننظر إلى نوعية وحال الواقع في المنكر، هل هو من المستمرئين المستكثرين، أم هو من الذي وقع فلتة وزلة؟ ننظر إلى نوعية المنكر في دائرته وحجمه ومقداره، فيحتسب لكل شيء قدره، سواء الشخص والقضية التي وقع فيها، ففي قضية تارك الصلاة أعطيها من جهد الاحتساب، ومن عملية الاحتساب مثل المفرط الذي يشرب الدخان، يجب أن تكون قضية إقامة الصلاة من حيث الجهد والمتابعة والاحتساب والبيان والبذل أعظم من قضية شرب الدخان، أنا ما ينبغي لي -كما يقع من بعض الشباب- أن أحاجج الناس وأطالبهم بأن يطلقوا لحاهم وهم ما دخلوا المساجد.

المحتسب: باعتبارنا في اليمن قلة منا هم من يستوطنون المدن، وأكثر الناس أو يغلب على المجتمع المدني القبلية، فما هي طرق الاحتساب على الناس في القرى؟

الحميقاني: المجتمعات القروية والبدوية والقبلية في اليمن هي أشد -في الجملة- محافظة من المجتمعات المدنية في جوانب، وإن كان هناك منكرات تفشو في هذه المجمتعات مثل القتل والاستهانة بالدماء، وأكل أموال الناس بالباطل، وقطع طرقات، ونهب أموال الناس عنوة، بل بعضهم يفاخر بذلك، ولكل مجتمع منكرات تخصه أو تغلب عليه لا توجد في المجتمع الآخر، وإن كانت تشترك في جزيئات كبيرة من هذه المنكرات، فالمسألة ليست باعتبار المجتمع، وإن كان يراعى ظرف المجتمع، لكن باعتبار المنكر السائد فيهم، والمنكر البارز، وأعظم منكر في هذه القبائل هي التحاكم للأعراف، والإعراض عن الشريعة، وربما تجد شيخ القبيلة يصلي ويريد الخير، لكنه يظن أن هذا من الإصلاح بين الناس، يخلط بين الصلح بين المسلمين وبين التحاكم إلى تقنين قبلي والإعراض عن الشريعة، فهؤلاء جهلة يحتاجون إلى وفود من العلماء؛ لنصحهم وإرشادهم وتعليمهم وتبصيرهم، وإرشادهم إلى السبل الشرعية لحل المشاكل؛ لأنهم يحلون المشاكل، ويصونون الدماء، ويصونون الأعراض بهذا الحل.

المحتسب: ولهم وجاهة بين الناس.

الحميقاني: ولهم وجاهة، وهم في مصدر السلطة على الناس مشايخ وأعيان ووجهاء، فكيف تقدم له البديل أو المنظومة الصحيحة التي بها يحل مشاكل الناس دون أن يقع في هذه المحظورات؟!

المحتسب: بأسلوب الرفق واللين.

الحميقاني: الرفق طبعاً، وكذا زيارات النصح الزيارات المتكررة، وتجييش الخطباء، يعني: بعض القرى والبوادي لا تجد فيها خطباء يفقهون الشريعة، ربما فقيه تقليدي متوارث يخطب من كتاب معين لسنين طوال، ولا يعرفون العلماء، أريد طلاب العلم والدعاة إلى الله بين الفينة والأخرى يسعون على الأقدام، من قرية إلى قرية، يقفون في المساجد وانظر وأمر وانه، وأبشرك أن هذه المجتمعات تفرح بأهل الدين، وتكرم أهل الدين، وتكرم أهل الحسبة، وما تجد من يستنكف.

أعرف قبائل في اليمن لا تورث المرأة، هذا منكر عظيم، ومحادة لله وللرسول، فينتقل طلاب علم وخطباء ووعاظ لزيارة الأعيان والمشايخ ووجهاء القبيلة لتحذيرهم من هذا المنكر؛ لأنه لا يرى أنه يفعل منكراً، يقول: كيف نعطي أموالنا لأولاد الناس.

المحتسب: ويرى أنه هذا هو الصحيح.

الحميقاني: بل عندنا يقولون:" المرأة ما لها إلا هدية وقدية"، فقط.

المحتسب: القوة في الاحتساب، أين ترون مواطنها ومتى تستخدم؟

الحميقاني: أولاً: هي قوة إيمان المحتسب، قوة إيمانه بهذه الفريضة ليس عملاً وظيفياً، ثم قوة إيمانه بالله عز وجل أنه هو الذي يؤيده وينصره، وأنه بهذا العمل ينصر الله وأن الله ناصره، قوة اليقين على الله عز وجل، هذه هي القوة الحقيقية، أعظم من القوة المادية التي يزيل بها المنكر.

أما القوة المادية فهي الأصل في إزالة المنكر، «من رأى منكم منكراً فليغيره بيده»، هي الأصل، وهي المقدمة لكل مستطيع، لكن الظروف التي نعيشها، وانعدام السلطان القائم بالحسبة في مجتمعاتنا، وأنت لست في مقام الولاية، وإزالتك للمنكرات بالقوة يترتب عليها مفاسد، فأنت في حال اضطرار، فأنت ليس لك سلطة، وليس معك دولة، فتقوم بالقوة بالتغيير باليد في إطارك.. في إطار بيتك في إطار مؤسستك، في إطار وظيفتك، وكل الذي لك ولاية عليها، أما من ليس لك ولاية عليه فقيامك بالتغيير باليد سيجلب لك ولغيرك من أهل الحسبة مشاكل، وهناك طرق قضائية واحتسابية ربما لو سلكناها تزيل المنكر أعظم من التغيير بالقوة، ففي هذه المجتمعات، وفي ظل هذه الظروف أنا لا أنصح أي أخ أن يقوم بالاحتساب باليد، وهذا هو منهج النبي عندما كان في مكة لم يكن يغير بيده، بل أمر هو وأصحابه بأن يكفوا أيديهم، ولذلك ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم أن حالة الضعف وحالة الاضطرار يلجأ المسلم فيها إلى المجادلة والنصح بالتي أحسن، ودعوة الناس بالحكمة، وأن هذا الأمر باقٍ إلى قيام الساعة بحسب حال المسلمين، فنحن في وضع علينا أن نفعل دور بالموعظة الحسنة، الاحتساب القضائي، الزيارات، النصح، الإرشاد، التحذير. هذا الذي ما يستطيع أحد أن يمنعك منه اليوم، لكن أن تمارس باليد يقول لك أي شخص: أنت لست جهة قضائية، ولست جهة ضبط.

المحتسب: التغيير باليد رأي يرى الكثير أنه يستخدم مع المبتدعة، فمثلاً في اليمن وفي غيرها من البلاد العربية يحدث أن تقام سوق للبدعة، ومواسم، وتزار قبور، ويفد أجانب إليها وإلى غيرها، فكيف ترون توجيه دفة الحسبة على هؤلاء؟

الحميقاني: أولاً: طريقة الاحتساب على هذه المنكرات من عدة أوجه، أولاً: مناصحة هؤلاء المبتدعة؛ لأنهم في النهاية فئة يجب أن تقام عليهم الحجج، ويجب أن ينصحوا، بالمراسلات من باب إقامة الحجة، بعض الناس يأتي يقول لك: يا أخي لو أقمنا ما في فائدة، {وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} [الأعراف:164] ثم قال: {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ} [الأعراف:165] ففائدة البيان والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ثلاثة كما بينها القرآن وذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية:

أولاً: القيام بالفريضة والإعذار إلى الله، وأخرج من تكليف الله لي.

علي نحت القوافي من معادنها *** وما علي إذا لم تفهم البقر

أنا علي أن أذهب وأبين له الكتاب والسنة والحق، بعد ذلك استجاب فلله الحمد والمنة، ما استجاب أنا علي هداية الإرشاد وليس هداية التوفيق. هذا الإعذار إلى الله.

الأمر الثاني: {وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} [الأعراف:164]، و«القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء»، وكم أناس كانوا في ضلالات وفي زيغ أصبحوا من الهداة المهديين، وكان الصحابة مشركين قبلهم، عمر كان يعبد صنماً ووثناً فأصبح إمام المسلمين، فلا نيأس من روح الله.

الجانب الثالث: النجاة من عذاب الله.

الجانب الرابع: استحقاق هؤلاء العذاب؛ لأن من فوائد إقامة الحجج على الخلق؛ أنك لما تقيم عليه الحجة فيعرض يستوجب عقوبة الله عز وجل، وأنت تنجو من الله عز وجل، ففوائد الحسبة عظيمة، فيجب أن نبين لهم ولو غلب على ظننا أنه لن يرتدع، قالوا: على متعاطي الكأس أن ينهى الجلاس، وعلى المحتسب أن يحتسب ولو غلب على ظنه أن المنكر لن يتغير.

الجانب الثاني: أن نحذر عامة الناس بالرسالات بالخطب مما يدعوا إليه هؤلاء.

الجانب الثالث: أن نستغل هذه التجمعات ولا نتركها لهم؛ لأنه يدخل فيها جهال، ولذلك نستنفر فئة مؤهلة علمياً، ومؤهلة خلقياً، وعندها من الصبر؛ فتدخل في هذه التجمعات بالاحتساب في داخلها، وليس هذا من باب تكثير سواد أهل المنكر؛ لأن اقتحام وارتياد أماكن المنكر جائزة إذا كانت من باب التحذير، ومن باب النصح، ومن باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولذلك ذهب النبي عليه الصلاة والسلام مع الصحابة إلى ابن صياد كما في مسلم، وقال: «اخسأ فلن تعدو قدرك»، فهو ذهب إليه وهو يدعي النبوة، ويدعي التنجيم، ويدعي علم الغيب، وهو القائل: «من أتى كاهناً أو عرافاً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد».

صاحب المنكر أنا ممكن أذهب لبيان حاله للناس، وأنه منحرف، ولتحذير الناس مما يفعل، ولتحذير الجهال من فعله، لكن أن أذهب وأكثر سوادهم، وأقف معهم وأسكت؛ فهذا من باب تكثير سواد أهل البدع، وأما الذهاب إلى أماكنهم لنصحهم فهذا من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وطمس هذه البدع وإزالتها.

المحتسب: تصورك لمجتمع بلا حسبة، كيف يكون؟

الحميقاني: كما قال العزالي عليه رحمة الله، قال:" خربت البلاد، وهلكت العباد، ولم يشعروا بالهلاك إلا يوم التناد"، وأعظم من ذلك قول النبي عليه الصلاة والسلام في حديث النعمان بن بشير في البخاري: «فإن أخذوا على أيديهم نجو ونجو جميعاً، وإن تركوهم وما أرادوا هلكوا وهلكوا جميعاً»، وخير من ذلك قول الله عز وجل: {فَلَوْلا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُوْلُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ * وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ} [هود:116-117]، فغياب الحسبة هلاك للمجتمع.

المحتسب: نختم بنصيحة، لكنها ليست لكل محتسب وإنما لمحتسب أخطأ في أمر فعابه الناس عليه؟

الحميقاني: تطبيقنا نحن للإسلام ليس هو الإسلام، الإسلام معصوم، وأنا وأنت غير معصومين، فمطلوب من الناس أن يحاكموني وأن يحاكموا أفعالي إلى الكتاب والسنة، فإن وُفقت؛ فلله الحمد والمنة، وإن أخطأت؛ فأشكرهم على نصحهم، «ورحم الله امرأ أهدى إلي عيوبي»، ولسنا فوق الخطأ نقول: والله نحن محتسبين. لا، إذا أنا أخطأت في باب الاحتساب في أي باب وجاء شخص عادي واحتسب علي جزاه الله خيراً، الحمد لله الذي سخر لي هذا ليبصرني، فلا نستنكر المحتسب إذا نقد أو كذا.. السؤال: هل أنت نقدت بحق أم بباطل؟ فإذا نقدت بحق عليك أن ترجع للصواب وللحق كائناً من كان، حتى لو كان قائل هذا الحق كافر، قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي هريرة في البخاري في الحديث لما كان خازن بيت المال لما علمه إبليس رقية آية الكرسي، قال: «أما إنه صدقك وهو كذوب»، ما قال النبي صلى الله عليه وسلم: لا تقبل منه هذا.

وقال معاذ كما روى عنه أبو داود: «اقبل الحق ممن قال به و لو كان كافراً»، وفي رواية: «ولو كان فاجراً»، فنحن نقبل الحق من كائن من كان على العين والرأس، وكما قال بعض السلف:" لأن أكون ذنباً في الحق أحب إلي من أن أكون رأساً في الباطل".

المحتسب: جزاكم الله خيراً فضيلة الشيخ على هذا اللقاء الماتع.

في الختام أسأل الله عز وجل أن يجزي شيخنا خير الجزاء، وأن يوفقنا للعمل بما قال، وأن يهدينا سبل السلام.

دمتم بخير، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

تويتر

جديد الموقع

الآداب المتعلقة بالمستفتي ومن أراد السؤال عن مسألة شرعية أجاب فضيلة أ.د. سلمان بن...تتمة30
مسألة في الطلاق أجاب فضيلة د. عبدالآخر حماد الغنيمي ( عضو رابطة علماء المسلمين...تتمة108
حكم إهداء ثواب العمل الصالح للوالدين وغيرهم أجاب فضيلة أ.د. سلمان بن نصر الداية (...تتمة86
هل يعتبر الذين يحكمون بغير ما أنزل الله كفاراً؟ أجاب فضيلة د. سعيد عبدالعظيم ( عضو...تتمة127
2018-09-12-13-34-48 العام الجديد وحسن الظن بالله خطبة لفضيلة د. أحمد بن حسن المعلم ( عضو رابطة علماء المسلمين ) الحمد لله الذي قضى...
111
2018-09-11-14-39-40 الهجرة .. قراءة أخرى خطبة لفضيلة د. أحمد بن حسن المعلم ( عضو رابطة علماء المسلمين ) الحمد لله الذي كتب على رسله...
143
2018-08-30-14-46-48 يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك خطبة لفضيلة د. عبدالله بن فيصل الأهدل ( عضو رابطة علماء المسلمين ) ملخص...
150
2018-08-29-13-49-15 غدير خم في روايات أهل السنة والشيعة خطبة لفضيلة د. صالح بن علي الوادعي ( عضو رابطة علماء المسلمين ) الخطبة...
136
user_93
الحسبة , الأمر بالمعروف , النهي عن المنكر
1411
user_84
حوار , حول , المولد , النبوي , الشريف
4147
user_43
حوار , مع , الشيخ , قاسم , العصيمي , حول , عاشوراء
4629
د. محمد إبراهيم شقرة
5780
2018-09-18-15-42-11 من دروس الهجرة النبوية: بين محبة الأوطان وتقديسها بقلم...تتمة73
2018-09-16-13-20-10 العام الجديد وحسن الظن بالله بقلم فضلية د. أحمد بن حسن...تتمة111
2018-09-15-14-25-57 فضل شهر الله المحرم .. وفضل الصوم فيه أ.د. سلمان بن نصر...تتمة121
2018-09-12-14-02-29 نبي المرحمة ونبي الملحمة بقلم فضيلة د. عبدالرحمن...تتمة165
الاتفاق والافتراق الأقليات المسلمة في أوروبا نموذجاً الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام... تتمة 1837
أمواج الردة وصخرة الإيمان الردة مفهومها وأسبابها في العقيدة والشريعة هناك ظاهرة، تتكرر كل حين، في... تتمة 1763
فضل العشر من ذي الحجة ووظائف المسلم فيها بقلم فضيلة د. مهران ماهر عثمان ( عضو رابطة علماء المسلمين... تتمة 1132
عاشوراء بين الإتباع والابتداع بحث لفضيلة د. مراد بن أحمد القدسي ( عضو رابطة علماء المسلمين ) منزلة شهر... تتمة 1296
الخروج على الجماعة وضرره في الحال والمآل بحث لفضيلة د. عقيل بن محمد المقطري ( عضو رابطة علماء المسلمين... تتمة 1575
الرجم حد الله تعالى دراسة لفضيلة د. مهران ماهر عثمان ( عضو رابطة علماء المسلمين ) بسم الله الرحمن... تتمة 201
بيان رقم (110)الجمعة 27 / ذي الحجة / 1439هـ بيان في مكانة علماء المسلمين وحرمة أعراضهم الحمد الذي...تتمة
1646
07/09/2018
بيان رقم (109)الأربعاء 25 / ذي الحجة / 1439هـ بيان بشأن العدوان الروسي والنصيري على المسلمين في...تتمة
944
05/09/2018
بيان رقم (108)الأحد 15 / ذي الحجة/ 1439هـ   دعوى مساواة المرأة بالرجل في الميراث الحمد لله الذي...تتمة
426
26/08/2018
نداء استغاثة تدعوا رابطة علماء المسلمين الأمتين العربية والإسلامية بالوقوف مع إخوانهم ومد...تتمة
491
28/06/2018

فيديوالأسبوع

القائمة البريدية

ليصلك جديد الموقع إدخل بريدك هنا

تصاميم دعوية