arrow down

شهر رجب بين المشروع والممنوع

بحث لفضيلة د. أحمد بن حسن المعلم ( عضو رابطة علماء المسلمين )

نقاط الموضوع:

1- أسباب اختيار الموضوع:

2- لمحة عن الأشهر الحرم ومالها من ميزة عن سائر الشهور.

3- تعظيم الجاهلية لشهر رجب وما نتج عن ذلك من آثار في عقيدة وعمل المسلمين.

4- كثرة الأحاديث الموضوعة في شهر رجب.

5- المؤلفون في شهر رجب على الخصوص.

6- الذين أدرجوا بدع شهر رجب ضمن مؤلفاتهم بشكل متميز.

7- قائمة بأنواع الاعتقادات والأعمال المخالفة في شهر رجب.

8- تفصيل تلك المخالفات.

أسباب اختيار الموضوع:

1- خطورة البدع وضرورة التحذير منها.

2- لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، والحاجة الآن داعية لبيان ما في شهر رجب من اعتقادات وبدع.

3- أن سكوت أهل العلم عن بيان البدع والتحذير منها أوقع عوام المسلمين في اللبس فظنوها سننا.

4- أنه يوجد دعاة للبدع يحثون عليها ويزينونها للناس فوجب بيان الحق والذب عنه.

لمحة عن الأشهر الحرم وميزتها على غيرها من الأشهر:

قال الله تعالى: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ وَقَاتِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} [التوبة: 36](1).

قوله {فِي كِتَابِ اللّهِ}: أي في حكم الله وقيل في اللوح المحفوظ.

{أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ}: هي ذو القعدة، وذو الحجة، ومحرم، ورجب.

{ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ}: أي الحساب المستقيم.

{فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ}: قيل المراد جميع شهور السنة. وقيل: بل الأشهر الحرم خاصة، والظلم فيهن؛ قيل: جميع أنواع الظلم، وقيل: استحلال القتال فيهن وجعل حلالهن حراما وحرامهن حلالا كفعل أهل الشرك وهو النسيء(2).

فالأشهر الحرم تتميز:

1- بحرمة القتال فيهن على قول كثير من العلماء(3).

2- بتشديد حرمة المعاصي فيهن أكثر من غيرهن؛ كما ذكر ذلك المفسرون عند قوله تعالى: {فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ} [التوبة: 36].

3- ذكر العلماء أنهن يتميزن باستحباب الصيام فيهن عامة؛ وذلك بناء على حديث مجيبة الباهلية عن أبيها أو عمها أنه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم انطلق فأتاه بعد سنة وقد تغيرت حالته وهيئته فقال: «يا رسول الله أما تعرفني؟ قال: ومن أنت؟ قال: أنا الباهلي الذي جئتك عام الأول. قال: فما غيرك وقد كنت حسن الهيئة؟ قال: ما أكلت طعاما إلا بليل منذ فارقتك. فقال رسول الله صلـى الله عليه وسلم: لم عذبت نفسك؟ ثم قال: صم شهر الصبر ويوما من كل شهر، قال: زدني فإن بي قوة. قال: صم يومين، قال: زدني. قال: صم ثلاثة أيام، قال: زدني. قال: صم من الحرم واترك صم من الحرم واترك صم من الحرم واترك، وقال بأصابعه الثلاثة فضمها ثم أرسلها»(4) وهو حديث ضعيف.

وعلى هذا فلا تثبت تلك الخاصية، غير أن إفراد تلك الأشهر قد ثبت في بعضها، استحباب الصيام بوجه عام أو في أيام معلومة منه.

فقد ثبت استحباب صيام يوم عرفة لحديث أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده، وصيام يوم عاشوراء أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله».

وفي رواية: وسئل عن صوم يوم عرفة فقال صلى الله عليه وسلم: «يكفر السنة الماضية والباقية» قال: وسئل عن صوم يوم عاشوراء فقال: «يكفر السنة الماضية»(5).

وقد استحب كثير من العلماء الصيام في عشر ذي الحجة لعموم الأمر بفعل الخير وفضله فيها(6).

كما ورد استحباب صوم المحرم بوجه خاص، كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أفضل الصيام بعد رمضـان شهر الله المحرم»(7).

ومعلوم ما ورد في صيام يوم عاشوراء وهو اليوم العاشر من المحرم، لحديث ابن عباس في الصحيحين(8), وحديث أبي قتادة المتقدم.

وجاء في فضل صيام رجب أحاديث ليس فيها حديث صحيح يصلح للحجة، وقد جزم بذلك الحافظ ابن حجر في تبيين العجب(9) وقال: وقد سبقني إلى الجزم بذلك الإمام أبو إسماعيل الهروي الحافظ.اهـ

وأمثل ما ورد في ذلك: كما أشار إليه الحافظ في الكتاب المذكور حديث أسامة بن زيد قال قلت: «يا رسول الله لم أرك تصوم شهرا من الشهور ما تصوم من شعبان، قال: ذلك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان، وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم»(10).

فيفهم من هذا أنهم كانوا يصومون في رجـب، قال الحافظ ابن حجـر: "فهذا فيه إشعار بأن في رجـب مشابهة برمضان، وأن الناس يشتغلون من العبادة بما يشتغلون به في رمضان، ويغفلون عن نظير ذلك في شعبـان؛ لذلك كان يصومه، وفي تخصيصه ذلك بالصوم إشعار بفضل رجـب، وأن ذلك كان من المعلوم المقرر لديهم"ا.هـ(11).

وهناك آثار عن بعض الصحابة يفهم منها استحباب الصيام فيه غير أنهم نهوا عن صيامه كاملا كما سيأتي.

النسيء في الأشهر الحرم:

قال الله تعالى: {إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُحِلِّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِّيُوَاطِؤُواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللّهُ فَيُحِلُّواْ مَا حَرَّمَ اللّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} [التوبة: 37](12).

قال البغوي رحمه الله في تفسيره: "ومعنى النسيء هو تأخير تحريم شهر إلى شهر آخر؛ وذلك أن العرب كانت تعتقد تعظيم الأشهر الحرم، وكان ذلك مما تمسكت به من ملة إبراهيم عليه السلام، وكانت عامة معايشهم من الصيد والغارة؛ فكان يشق عليهم الكف عن ذلك ثلاثة أشهر على التوالي، وربما وقعت لهم حرب في بعض الأشهر الحرم فيكرهون تأخير حربهم فنسأوا أي: أخروا تحريم ذلك الشهر إلى شهر آخر، وكانوا يؤخرون تحريم المحرم إلى صفر؛ فيحرمون صفر ويستحلون المحرم، فإذا احتاجوا إلى تأخير تحريم صفر أخروه إلى ربيع، هكذا شهراً بعد شهر حتى استدار التحريم على السنة كلها، فقام الإسلام وقد رجع المحرم إلى موضعه الذي وضعه الله عز وجل فيه، وذلك بعد دهر طويل، فخطب النبي صلى الله عليه وسلم في حجته كما أخبرنا.. فساق بسنده من طريق الإمام البخاري إلى أبي بكرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، السنة اثنا عشر شهرا، منها أربعة حرم، ثلاثة متواليات: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان»ا.هـ(13) والحديث متفق عليه(14).

تعظيم الجاهلية لشهر رجب، وما نتج عن ذلك من آثار في عقيدة وعمل المسلمين:

شهر رجب وتعظيمه عند العرب:

أولا: من تعظيم شهر رجب عند العرب أنهم وضعوا له أسماء كثيرة نذكر منها عشرة (15) وربما وجد غيرها:

1- رجب: لأنه كانت الجاهلية يرجبونه أي يعظمونه.

2- رجم: لأنه ترجم فيه الشياطين أي تطرد.

3- الأصم: لأنهم كانوا يتركون القتال فيه فلا يسمع صوت سلاح ولا استغاثة.

4- الأصب: لاعتقادهم أن الرحمة تصب فيه صبا.

5- الهرم: لأن حرمته قديمة من زمن مضر بن نزار بن معد بن عدنان.

6- المقيم: لأن حرمته ثابتة لم تنسخ.

7- المعلى: لأنه رفيع عندهم بين الشهور.

8- منصل الأسنة: لأنهم ينزعون فيه أسنة الرماح لعدم جواز الحرب فيه.

9- المبرئ: لأنه من لا يستحل القتال فيه برئ من الظلم عندهم.

10- القشقش: لأنه به كان يتميز المتمسك بدينه من المستحل لحرماته.

ثانيا: تعظيمه بترك القتال فيه.

روى البخاري(16) عن أبي رجاء العطاردي قال: كنا نعبد الحجر فإذا وجدنا حجراً هو أخير منه ألقيناه وأخذنا الآخر، فإذا لم نجد حجراً جمعنا جثوة من تراب ثم جئنا بالشاة فحلبناه عليه ثم طفنا به، فإذا دخل شهر رجب قلنا: منصل الأسنة فلا ندع رمحاً فيه حديدة، ولا سهما فيه حديدة إلا نزعناه وألقيناه شهر رجب.

وهذا عند مضر خاصة وعند العرب عامة ولهذا سمي رجب مضر.

ثالثا: اختصاصه بالعتيرة.

روى أبو داود(17) والنسائي(18) وابن ماجة(19) وغيرهم.. عن نبيشة الهذلي رضي الله عنه قال: نادى رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنا كنا نعتر عتيرة فى الجاهلية في رجب فما تأمرنا قال «اذبحوا لله في أي شهر كان وبروا الله عز وجل وأطعموا»(20).

وفي الصحيحين(21) من حديث الزهري عن ابن المسيب عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا فرع ولا عتيرة " والفرع أول النتاج كانوا يذبحونه لطواغيتهم والعتيرة في رجب (22).

وقال أبو عبيد: العتيرة هي الرجبية ذبيحة كانوا يذبحونها في الجاهلية في رجب يتقربون بها لأصنامهم.اهـ(23)

رابعا: وربما كانوا يخصونه بعبادات أخرى.

فقد ثبت في أكثر من أثر عن الصحابة أن أصحاب الجاهلية كانوا يعظمون رجباً فمن ذلك ما رواه ابن أبي شيبة(24) عن عمر رضي الله عنه في نهيه عن صيام رجب أنه يقول لمن ينهاهم: كلـوا إنما هو شهـر كانت تعظمه الجاهلية(25).

وفي رواية الطبراني(26): رجب وما رجب؟! إنما رجب شهر كان يعظمه أهل الجاهلية فلما جاء الإسلام ترك.

رجب في الإسلام:

لقد أقر الإسلام لرجب ما كان له من حرمة مأخوذة عن الوحي مستمدة عن ملة إبراهيم عليه السلام، وألغى ما أضافه العرب من عند أنفسهم مما ليس له أصل، فمما أقره:

- تثبيت أنه من الأشهر الحرم:

كما جاء صريحاً في خطبة حجة الوداع التي رواها الشيخان(27) وغيرهما.

- إقرار العتيرة مع إبطال ما كان يعتقده أهل الجاهلية في ذلك من الاعتقادات الباطلة:

وقد تقدم قريبا حديث أبي هريرة رضي الله عنه الذي رواه البخاري ومسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا فرع ولا عتيرة».

وروى أصحاب السنن وغيرهم عن مخنف بن سليم قال: كنا وقوفا عند النبي صلى الله عليه وسلم بعرفة فقال: «يا أيها الناس إن على كل أهل بيت في كل عام أضحية وعتيرة أتدرون ما العتيرة؟ هي التي يسميها الناس الرجبية» (28).

ونقل النسائي(29) عن معاذ بن معاذ العنبري قال: كان ابن عون يعتر أبصرته عيني في رجب. ونقل النووي في شرح مسلم(30) عن الشافعي استحبابها.

وقد جمع بين هذه النصوص بأوجه من الجمع انظرها في فتح الباري(31) ونيل الأوطار(32) ومن تلك الأوجه ما ذكره الشوكاني(33) رحمه الله: "ويمكن أن يجعل النهي موجهاً إلى ما كانوا يذبحونه لأصنامهم فيكون على حقيقته ويكون غير متناول لما ذبح من الفرع والعتيرة لغير ذلك مما فيه وجه قربة".اهـ

- ومنها الصوم:

إن ما يقال عن أن الصوم مما أخذه المسلمون، وورثوه عن الجاهلية، لا نستطيع الجزم به، غير أن احتمال ذلك وارد؛ لأن الصوم من أوجه التعظيم، وقد كان أهل الجاهلية يصومون بعض الأيام تعظيما لها، كما ثبت أن قريشا كانت تصوم يوم عاشوراء في الجاهلية(34).

ويؤيد ذلك قول عمر لمن رآهم يكثرون من الصيام في رجب: "كلوا إنما هو شهر كانت تعظمه الجاهلية"(35).

وقد وردت في الحث على صيامه أحاديث كثيرة وصريحة؛ لكنها كما حكى ابن السبكي عن محمد بن منصور السمعاني أنه قال: "لم يرد في استحباب صوم رجب على الخصوص سنة ثابتة والأحاديث التي تروى فيه واهية لا يفرح بها عالم".اهـ(36).

قلت: أما حديث صحيح صريح في استحباب صوم رجب على الخصوص فلا يصح، ولكن تقدم معنا حديث أسامة قال: قلت: «يا رسول الله لم أرك تصوم من شهر من الشهور ما تصوم من شعبان. قال: ذلك شهر يغفل عنه الناس بين رجب ورمضان»، الحديث، وقد حسنه شيخنا الألباني في السلسلة الصحيحة كما ذكرنا.

وهو حديث يفهم منه أن الصحابة كانوا يصومون في شهر رجب ما لا يصومون في غيره من الشهور.

قال الشوكاني رحمه الله: "(فائدة) ظاهر قوله في حديث أسامة: «إن شعبان شهر يغفل عنه الناس بين رجب ورمضان» أنه يستحب صوم رجب لأن الظاهر أن المراد أنهم يغفلون عن تعظيم شعبان بالصوم كما يعظمون رمضان ورجباً به..

ثم ذكر احتمالا آخر قال: ويحتمل أن المراد غفلتهم عن تعظيم شعبان بصومه كما يعظمون رجباً بنحر النحائر فيه فإنه كان يعظم بذلك عند الجاهلية وينحرون فيه العتيرة كما ثبت في الحديث.

ثم قال: والظاهر الأول لأن المراد بالناس الصحابة فإن الشارع قد كان إذ ذاك محا آثار الجاهلية، ولكن غايته التقرير لهم على صومه وهو لا يفيد زيادة على الجواز.اهـ (37).

وهناك آثار تدل على ظهور صوم رجب وانتشاره في عهد الصحابة رضي الله عنهم، وأنهم أنكروا بعض ذلك وخصوصاً أنكروا على من يصومه كله.

فثبت ذلك عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه؛ فعن خرشة بن الحر قال: رأيت عمر يضرب أكف المترجبين حتى يضعوها في الطعام ويقول: "كلوا فإنما هو شهر كانت تعظمه الجاهلية"(38)، والمترجبون هم الذين يفردون شهر رجب بالصوم.

وعن ابن عمر أنه كان إذا رأى الناس وما يعدون لرجب كرهه وقال: صوموا منه وأفطروا فإنما هو شهر كانت تعظمه الجاهلية(39).

وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "لا تتخذوا رجباً عيداً، ترونه حتما مثل شهر رمضان إذا أفطرتم منه صمتم وقضيتموه"(40)، وعنه أيضاً أنه كان ينهى عن صيام رجب كله لئلا يتخذ عيداً(41).

وقد علق شيخنا الألباني رحمه الله على أثر ابن عمر المتقدم فقال: قلت وهذا سند صحيح على شرط الشيخين، ولم أقف الآن على سند أحمد لنعرف منه صحة هذه الزيادة "صوموا وأفطروا" وإن كان يغلب على الظن صحتها، وهي نص على أن نهي عمر رضي الله عنه عن صوم رجب المفهوم من ضربه للمترجبين كما في الأثر المتقدم ليس نهيا لذاته؛ بل لكي لا يلتزموا صيامه ويتموه كما يفعلون برمضان.

وهذا ما صرح به بعض الصحابة فقد أورد ابن قدامة في المغني(42) عقب أثر ابن عمر هذا من رواية أحمد عن أبي بكرة أنه دخل على أهله وعندهم سلال جدد وكيزان؛ فقـال ما هذا؟ فقالوا: رجب نصومه، فقال: أجعلتم رجب رمضان؟ فأكفأ السلال وكسر الكيزان. ثم قال ابن قدامة عقبه قال أحمد: من كان يصوم السنة صامه، وإلا فلا يصومه متوالياً يفطر فيه ولا يشبه برمضان(43).اهـ

وقد وجه الطرطوشي النهي عن صيامه توجيها جيدا ختم بقوله: "فلم يبق لتخصيصه بالصيام وجه فكره صومه والدوام عليه حذراً من أن يلحق بالفرائض أو بالسنن الراتبة عند العوام، وإن أحب امرؤ أن يصومه على وجه يؤمن فيه الذريعة وانتشار الأمر حتى لا يعد فرضـاً أو سنـة فلا بأس من ذلك"(44).اهـ

- ومنها العمرة:

قال ابن رجب: واستحب الاعتمار في رجب عمر بن الخطاب وغيره، وكانت عائشة تفعله وابن عمر أيضاً، ونقل ابن سيرين عن السلف أنهم كانوا يفعلونه، فإن أفضل الأنساك أن يؤتى بالحج في سفرة والعمرة في سفرة أخرى في غير أشهر الحج، وذلك جملة إتمام الحج والعمرة المأمور به كذلك قاله جمهور الصحابة: كعمر وعثمان وعلي وغيرهم(45).اهـ

كثرة الأحاديث الموضوعة والبدع في رجب:

لقد وجد الزنادقة والمندسون في الصف الإسلامي في رجب مجالاً رحباً للكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ونشر البدع التي هي من أخطر المعاول لهدم الإسلام.

ولكثرة ما روي من أحاديث موضوعة وواهية في فضل رجب؛ فقد انبرى علماء السنة لبيانها وتحذير الأمة منها ومما يترتب على ذلك من بدع.

وقد أفردها جماعة منهم بالتأليف، فمنهم:

1- الحافظ أبو الخطاب بن دحية ألف كتابا سماه: "أداء ما وجب في بيان وضع الوضاعين في رجب".

2- والحافظ ابن حجر في: "تبيين العجب بما ورد في فضل رجب".

3- وألف في زماننا هذا الأخ الشيخ عقيل المقطري رسالة صغيرة في ذلك بعنوان "إظهار العجب في بيان بدع شهر رجب".

كما تعرض لهذه المسألة ضمن كتب عامة جماعة من العلماء:

1- منهم: الإمام ابن وضاح في كتاب "البدع والنهي عنها".

2- ومنهم: الإمام الطرطوشي في كتابه "الحوادث والبدع".

3- ومنهم: الإمام أبو شامة الدمشقي الشافعي في كتابه "الباعث على إنكار البدع والحوادث".

4- ومنهم: الإمام ابن القيم في كتابه "المنار المنيف".

5- ومنهم: الإمام السيوطي في كتابه "الأمر بالأتباع".

6- ومنهم: الإمام العز بن عبد السلام في رسالة خاصة اسمها: "التهريب عن صلاة الرغائب".

- عدم صحة أي حديث صريح في فضل رجب:

قال الحافظ في تبيين العجب:

"فصل: لم يرد في فضل شهر رجب ولا في صيامه ولا في صيام شيء منه معين ولا في قيام ليلة مخصوصة فيه حديث صحيح يصلح للحجة، وقد سبقني للجزم بذلك الإمام أبو إسماعيل الهروي الحافظ رويناه عنه بإسناد صحيح وكذلك رويناه عن غيره"(46).اهـ

قلت: ثبت فيه ما قدمناه من كونه من الأشهر الحرم، وكذا العتيرة.

نماذج من الأحاديث الضعيفة الموضوعة في فضل رجب:

- عن أنس بن مالك قال كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل رجب قال: «اللهم بارك لنا في رجب وشعبان وبارك لنا في رمضان»(47).

- حديث أنس أيضاً قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من صلى المغرب أول ليلة من رجب، ثم صلى بعدها عشرين ركعة يقرأ في كل ركعة بفاتحة الكتاب وقل هو الله أحد مرة، ويسلم فيهن عشر تسليمات، أتدرون ما ثوابه؟ فإن الروح الأمين جبريل علمني ذلك، قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: حفظه الله تعالى في نفسه، وماله، وأهله، وولده، وأجير من عذاب القبر، وجاز على الصراط كالبرق بغير حساب ولا عذاب»(48).

قائمة بأنواع الاعتقادات والأعمال المخالفة في شهر رجب:

1- اتخاذ اليوم الأول منه عيداً:

وهذا لم أره لدى أحد ممن ألف في هذا الموضوع، ولكن لما رأيت بعض الجهات في بلادنا يتخذونه عيداً؛ أحببت أن أبين أن ذلك مما ليس له أصل، وأنه ليس في الإسلام عيد سوى الأضحى والفطر؛ كما روى أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما فقال: ما هذان اليومان؟ قالوا: كنا نلعب فيهما في الجاهلية. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله قد أبدلكم بهما خيراً منهما يوم الأضحى ويوم الفطر»(49).

قال الإمام ابن تيمية رحمه الله: "فوجه الدلالة أن العيدين الجاهليين لم يقرهما رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تركهما يلعبون فيهما بل قال: "إن الله قد أبدلكم بهما يومين آخرين" والإبدال من الشيء يقتضي ترك المبدل منه إذ لا يجتمع البدل والمبدل منه"(50) الخ.

قلت: ولعل من اعتقد هذا اليوم يوم عيد حصل له ذلك الوهم من جهة العتيرة، حيث إن العتيرة "وهي الذبيحة لله عز وجل" مستحبة في شهر رجب دون تحديد ليوم معين منه، وربما كان أهل الجاهلية يجعلونها في العشر الأوائل منه، وفهم العامة قاصر يظنون أن كل يوم يشرع فيه الذبح هو يوم عيد؛ لذلك حددوها باليوم الأول واعتبروا ذلك اليوم عيداً وذلك خطأ وجب التنبيه عليه، ولا يعني هذا القدح في مشروعية العتيرة.

وقد نبه على أمر قريب من ذلك الإمام ابن النحاس الشافعي رحمه الله في كتابه "تنبيه الغافلين" حيث يقول: ومنها -أي من البدع- ما اصطلحوا عليه من اتخاذ أول خميس من رجب موسماً يتخذون فيه أنواع الحلاوات رياء وسمعة"(51).اهـ

2- بدعة صلاة الرغائب فيه:

وهي صلاة محدثة مبتدعة لها هيئة خاصة، قال الإمام أبو شامة في كتابه "الباعث على إنكار البدع والحوادث": "وأما صلاة الرغائب فالمشهور بين الناس اليوم أنها هي التي تصلى بين العشائين ليلة أول جمعة من شهر رجب"(52).اهـ

ثم قال بعد كلام سبق: قد ثبت أن هاتين الصلاتين -أعنى صلاتي رجب وشعبان- صلاة بدعة قد كذب فيهما على رسول الله صلى الله عليه وسلم بوضع ما ليس من حديثه، وكذب على الله تعالى بالتقدير عليه في جزاء الأعمال ما لم ينزل به سلطاناً، ولم يقترن بغير صلاة البدع من ذلك شيء، وكان من الغيرة لله ولرسوله ولدينه تعطيل ما كذب عليه وهجره واطراحه واستقباحه وتنفير الناس عنه، إذ يلزم من الموافقة عليه مفاسد..

ثم عدد تلك المفاسد وهذه هي باختصار:

1- فمنها: اعتماد العوام على ما جاء في فضلها وتكفيرها للذنوب فيحمل كثيراً منهم على أمرين عظيمين:

أحدهما: التفريط في الفرائض.

والثاني: الانهماك في المعاصي.

2- الثانية: إن فعل البدع مما يغري المبتدعين الوضاعين بوضعها، وافترائها والزيادة عليها إذا رأوا رواج ما اقترفوه ووضعوه وانهماك الناس عليه، ويقع لهم الطمع في إضلال الناس واستدراجهم من بدعة إلى بدعة.. الخ.

3- الثالثة: أن الرجل العالم المقتدى به والمرموق بعين الصلاح إذا فعلها كان موهما للعامة أنها من السنن.. الخ.

4- الرابعة: إن العالم إذا صلى هذه الصلاة المبتدعة كان متسبباً إلى أن تكذب العامة على رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فيقولوا: هذه سنة من السنن والتسبب إلى الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يجوز؛ لأنه يورط العامة في عهدة قوله صلى الله عليه وسلم: «من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار»(53).. الخ(54).

والخلاصة أن هذه الصلاة مكذوبة مفتراة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد صرح عدد من الأئمة بوضعها وبدعيتها: منهم الطرطوشي، وابن وضاح، وأبو شامة، وابن رجب الذي قال في "لطائف المعارف" والأحاديث المروية في فضل صلاة الرغائب في أول ليلة جمعة من شهر رجب: كذب وباطل لا تصح، وهذه الصلاة بدعة عند جمهور العلماء، ومن ذكر ذلك من أعيان العلماء المتأخرين من الحفاظ أبو إسماعيل الأنصاري، وأبو بكر بن السمعاني، وأبو الفضل بن ناصر، وأبو الفرج بن الجوزي وغيرهم، إنما لم يذكرها المتقدمون لأنها أحدثت بعدهم وأول ما ظهرت بعد الأربعمائة فلذلك لم يعرفها المتقدمون ولم يتكلموا فيها(55).اهـ

وقال الإمام ابن النحاس الشافعي الدمشقي: "وهي بدعة والحديث الوارد فيها موضوع باتفاق المحدثين(56).اهـ

وقال الإمام النووي رحمه الله: "الصلاة المعروفة بصلاة الرغائب: وهي ثنتي عشرة ركعة، تصلى بين المغرب والعشاء ليلة أول جمعة في رجب، وصلاة ليلة نصف شعبان مائة ركعة، وهاتان الصلاتان بدعتان ومنكران قبيحتان، ولا يغتر بذكرهما في كتاب "قوت القلوب" و "إحياء علوم الدين" ولا بالحديث المذكور فيها فإن كل ذلك باطل، ولا يغتر ببعض من اشتبه عليه حكمهما من الأئمة فصنف ورقات في استحبابهما فإنه غالط في ذلك، وقد صنف الشيخ الإمام أبو محمد عبد الرحمن بن إسماعيل المقدسي(57)، كتاباً نفيساً في إبطالهما فأحسن فيه وأجاد رحمه الله"(58).اهـ

3- بدعة زيارة مسجد الجند:

قال الشيخ عقيل المقطري حفظه الله في كتابه "إظهار العجب": "ومن البدع الشنيعة التي يرتكبها كثير من العوام وشجعهم على الاستمرار عليها ما يسمونه بحج المساكين وهو شد رحالهم إلى مسجد الجند مسجد معاذ بن جبل الكائن في الجند خارج مدينة تعز، وينسبون في ذلك حديثا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم معناه: «من ذهب في أول جمعة من رجب إلى مسجد الجند كان كمن حج» وهذا حديث باطل.

وحدث عن المنكرات التي تحدث في ذلك اليوم ولا حرج من اختلاط الرجال بالنساء وحضور الفسقة، ومن لا خير فيه وتلطيخ المسجد بالقاذورات، وأكل القات، وشرب الدخان داخل المسجد، ثم تركهم لصلاة العصر في جماعة على وقتها؛ لأنهم يكونون أو أكثرهم في حال مضغ القات(59).اهـ

4- ومنها صيامه كله أو تمييزه عن غيره بكثرة الصيام:

سبق أن ذكرنا أن هناك ما يدل على مشروعية الصيـام في رجب على وجه العموم، وأصح ما في ذلك حديث أسامة المتقدم(60)، ولكن الصحابة رحمهم الله أنكروا على من خصوه بزيادة عناية؛ كما في أثر عمر الذي أخرجه ابن أبي شيبة(61) وأثر أبي بكرة الذي ذكره صاحب المغني(62) وعزاه لأحمد.

وغير ذلك من الآثار وقد تقدمت وتقدم تفصيل الكلام عليها، وخلاصته أنه لا مانع من الصيام فيه بشرط أن لا يعتقد وجوبه، أو أنه من السنن الراتبة، أو أن يصومه جميعاً، أو أن يخشى من اعتقاد العامة فيه بما لم يأت به الشرع.

5- ومنها تخصيص ليلة السابع والعشرين منه بعبادة أو احتفال خاص:

وقد انبنى ذلك على أصلين:

- أما الأصل الأول: فهو أحاديث موضوعة مكذوبة على رسول الله صلى الله عليه وسلم(1)، منها ما روي عن سلمان الفارسي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «في رجب يوم وليلة من صام ذلك اليوم وقام تلك الليلة كان كمن صام الدهر مائة سنة وقام مائة سنة وهو لثلاث بقين من رجب وفيه بعث الله محمداً».

قال الحافظ ابن حجر(63): هذا حديث منكر إلى الغاية(2) ومنها حديث ابن عباس رضي الله عنهما: «من صلى ليلة سبع وعشرين من رجب اثنتي عشرة ركعة يقرأ في كل ركعة منها بفاتحة الكتاب وسورة فإذا فرغ من صلاته قرأ فاتحة الكتاب سبع مرات وهو جالس ثم يقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم أربع مرات، ثم أصبح صائماً حط الله عنه ذنوبه ستين سنة وهي الليلة التي بعث فيها محمد»،(64)، (3)، ومنها حديث أنس رضي الله عنه: «في رجب ليلة يكتب للعامل فيها حسنات مائة سنة وذلك لثلاث بقين من رجب»(65).(4) ومنها حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: «من صام يوم سبع وعشرين من رجب كتب له صيام ستين شهراً، وهو اليوم الذي هبط جبريل فيه بالرسالة»(66).

- وأما الأصل الثاني: فهو ما شاع وانتشر وغلب على نفوس أكثر الناس، من أن هذه الليلة هي ليلة الإسراء والمعراج وذلك لا يصح، قال الحافظ ابن كثير في "البداية والنهاية"(67): "فعلى قول السدي يكون الإسراء في شهر ذي القعدة، وعلى قول الزهري وعروة يكون في ربيع الأول.

وقال أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا عثمان عن سعيد بن مينا، عن جابر، وابن عباس قالا: "ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفيل، يوم الاثنين الثاني عشر من ربيع الأول، وفيه بعث، وفيه عرج به إلى السماء، وفيه هاجر، وفيه مات" فيه انقطاع.

وقد اختاره الحافظ عبد الغني بن سرور المقدسي في سيرته وقد أورد حديثاً لا يصح سنده ذكرناه في فضائل شهر رجب، أن الإسراء كان ليلة السابع والعشرين من رجب.

والله أعلم.

ومن الناس من يزعم أن الإسراء كان أول ليلة جمعة من شهر رجب، وهي ليلة الرغائب التي أحدثت فيها الصلاة المشهورة ولا أصل لذلك والله أعلم".اهـ

وأما الحافظ ابن حجر فذكر في الفتح(68)، اختلاف أقوال أهل العلم في تحديد وقت المعراج.

ونوجز ذلك فيما يلي:

1- قبل الهجرة بسنة، قاله ابن سعد وغيره.. وبه جزم النووي، وبالغ ابن حزم فنقل الإجماع فيه وهو مردود كما قال ابن حجر.

2- قبل الهجرة بثمانية أشهر، حكاه ابن الجوزي، وحكى ابن حزم مقتضاه؛ لأنه قال: كان في رجب سنة اثنتي عشرة من النبوة.

3- قبل الهجرة بستة أشهر، حكاه أبو الربيع بن سالم.

4- قبل الهجرة بأحد عشر شهراً، جزم به إبراهيم الحربي حيث قال: كان في ربيع الآخر قبل الهجرة بسنة، ورجحـه ابن المنير في شرح السيرة لابن عبد البر.

5- قبل الهجرة بسنة وشهرين، حكاه ابن عبد البر.

6- قبل الهجرة بسنة وثلاثة أشهر، حكاه ابن فارس.

7- قبل الهجرة بسنة وخمسة أشهر، قاله السدي، فعلى هذا كان في شوال، أو في رمضان، على إلغاء الكسرين منه ومن ربيع الأول، وبه جزم الواقدي وعلى ظاهره ينطبق ما ذكره ابن قتيبة وحكاه ابن عبد البر أنه كان قبلها بثمانية عشر شهراً.

8- في رمضان قبل الهجرة بثمانية عشر شهراً، عند ابن سعد عن ابن أبي سبرة.

9- في رجب، حكاه ابن عبد البر، وجزم به النووي في الروضة.

10- قبل الهجرة بثلاث سنين، حكاه ابن الأثير.

11- قبل الهجرة بخمس سنين، حكاه عياض، وتبعه القرطبي والنووي عن الزهري، وأما في تبيين العجب(69) فقال: "وذكر بعض القصاص أن الإسراء كان في رجب قال: وذلك كذب".اهـ

فإذا علمنا عدم صحة الأحاديث في فضل هذه الليلة، وعدم صحة تعيين الليلة التي أسري فيها بالنبي صلى الله عليه وسلم؛ بطل ما يتعلل به من يخص هذه الليلة بالاحتفال والعبادة، ولو فرضنا صحة ذلك لما كان فيه دليل على مشروعية شيء من تلك الطقوس، لأنه لا يلزم من ثبوت فضيلة ليوم أو ليلة معينة أن نخترع لأنفسنا فيه ما نشاء من العبادات، فالعبادات مبناها على التوقيف.

قال أبو شامة رحمه الله في كتابه "الباعث على إنكار البدع والحوادث"(70): "فقد بان ووضح بتوفيق الله تعالى صحة إنكار من أنكر شيئاً من هذه البدع وإن كان صلاةً ومسجداً، ولا مبالاة بشناعة جاهل يقول كيف يؤمر بتبطيل صلاة وتخريب مسجد، فما وزانه إلا وزان من يقول: كيف يؤمر بتخريب مسجد إذا سمع أن النبي صلى الله عليه وسلم خرب مسجد الضرار، ومن يقول: كيف ينهى عن قراءة القرآن في الركوع والسجود وإذا سمع حديث علي رضي الله عنه المخرج في الصحيح(71): «نهاني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أقرأ القرآن في الركوع والسجود».

واتباع السنة أولى من اقتحام البدعة، وإن كانت صلاة في الصورة فتركه واتباع السنة أكثر فائدة وأعظم أجرا إن سلمنا أن لتلك الصلاة أجراً".اهـ

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "فأما إنشاء صلاة بعدد مقدر وقراءة مقدرة في وقت معين تصلى جماعة راتبة كهذه الصلوات المسئول عنها، "كصلاة الرغائب" في أول جمعة من رجب، "والألفية" في أول رجب، ونصف شعبان، وليلة سبع وعشرين من شهر رجب، وأمثال ذلك فهذا غير مشروع باتفاق أئمة الإسلام كما نص على ذلك العلماء المعتبرون، ولا ينشئ مثل هذا إلا جاهل مبتدع، وفتح مثل هذا الباب يوجب تغيير شرائع الإسلام وأخذ نصيب من حال الذين شرعوا من الدين ما لم يأذن به الله. والله أعلم"(72).اهـ

وقال رحمه الله تعالى كما نقل عنه ابن القيم رحمه الله في زاد المعاد(73): ".. هذا إذا كانت ليلة الإسراء تعرف عينها، فكيف ولم يقم دليل معلوم لا على شهرها، ولا على عشرها، ولا على عينها، بل النقول في ذلك منقطعة مختلفة، ليس فيها ما يقطع به، ولا شرع للمسلمين تخصيص الليلة التي يظن أنها ليلة الإسراء بقيام ولا غيره".اهـ

تخصيص يوم السابع والعشرين منه بالصيام:

قد سبق ذكر الأحاديث التي اعتمد عليها في استحباب صيام هذا اليوم وأنها موضوعة، وتصريح العلماء بأنه لا يصح في فضل صيامه حديث، وعلى هذا فتخصيصه بالصيام بدعة من البدع.

زيارة قبر هود عليه السلام وما فيها من ضلالات ومنكرات:

ومن ذلك التهويدة التي تدشن فيه وهي الإشهاد، والحث، والتذكير بزيارة النبي هود عليه السلام، في ليلة السابع العشرين من شهر رجب، تقرأ في المساجد والجوامع قصة الإسراء والمعراج، وعند الانتهاء تكون التهويدة، وفي آخر يوم أربعاء من شهر رجب، تقرأ قصة المولد بتريم، وعند الانتهاء تكون التهويدة، وهي تسجيعات تحث على زيارة قبر هود، وعند كل آخر تسجيعة تغنى لفظ الجلالة ثم يقول الجميع بأصوات مرتفعة: "هود يا هود، يا غافل اذكر الله وقل لا إله إلا الله موجود في كل مكان، الله.. الله.. الله.. يا هود يا نبي الله، يا اللي كلمه الغزال، وحنت عليه الجمال، رسول الله مولى بلال، شفيع الخلق عند الله، يا هود.. يا هود.. يا نبي الله.

وانظر تفصيلاً مطولاً لبدعتهم تلك في كتابنا "الكشف المبين عن حقيقة القبوريين، زيارة هود عليه السلام وما فيها من ضلالات ومنكرات".

الاستغفار الخاص بشهر رجب:

لا شك أن الله قد أمر بالاستغفار، والرسول صلى الله عليه وسلم كان يكثر منه، وأنه من أفضل الأذكار، وهذا الفضل ليس خاصاً بالاستغفار؛ فللتهليل فضله، وللتكبير فضله، وللتسبيح فضله، ولكل نوع من أنواع الذكر فضله، وكله خير والمداومة عليه مطلوبة؛ لكن الشأن كل الشأن في تخصيص ذكر معين في زمن معين بعدد معين وتقديمه للناس على أنه سنة وفضيلة، فذلك هو عين البدعة المنهي عنها.

وقد اعتاد الناس في جهتنا على تخصيص شهر رجب بالإكثار من الاستغفار، وذلك مبني على حكايات إسرائيلية وأحاديث موضوعة لا يثبت منها شيء، ففي كتاب "تحفة الإخوان في قراءة الميعاد في رجب وشعبان ورمضان"، وهو كتاب في الترغيب والترهيب محشو بالأحاديث الضعيفة والموضوعة، والحكايات المنمقة التي لا تعقل، والإسرائيليات، وغير ذلك مما قد أغنانا الله عنه بالكتاب الحكيم والسنة المطهرة.

ومما جاء في ذلك الكتاب(74): "عن وهب بن منبه قال: وقرأت في بعض كتب الله المنزلة أن من استغفر الله في رجب بالغداة والعشي يرفع يديه ويقول: اللهم اغفر لي وارحمني وتب علي سبعين مرة لم تمس النار له جلداً"اهـ

وحكاية أخرى هي حكاية عبد الله بن السلطان، الذي زعم الكاذبون أنه صحابي، ولا يعرف أحد من الصحابة بهذا الاسم، ومما جاء في هذه القصة المفتراة أن الصحابي المزعوم عبد الله بن السلطان كان يقرأ استغفاراً في كل ليلة من شهر رجب، ووصف هذا الاستغفار بأنه حرز وأمان من كل شيء، وكان عبد الله بن السلطان مشهوراً بشرب الخمر والزنا والفسق والفجور وترك الصلاة والصوم، وكان في عهد رسول الله صلي الله عليه وسلم، فلما مات عبد الله بن السلطان لم يحضره من يغسله أو يصلي عليه ولم يشيع جنازته، فنزل جبريل عليه السلام على النبي صلي الله عليه وسلم وقال: "يا محمد ربك يقرئك السلام ويقول لك: قم وامش في جنازة عبد الله بن السلطان، وغسله، وكفنه، وصل عليه، فسار النبي صلي الله عليه وسلم وهو يمشي على أطراف قدميه، ونزل في اللحد وتبسم فتعجب الصحابة منه، فلما رجعوا من جنازته سألوه: لأي شيء كنت تمشي على أطراف قدميك؟! فقال النبي صلي الله عليه وسلم: إني رأيت الملائكة قد اجتمعوا فمن كثرتهم لم يبق لي مكان أطأ فوقه من الأرض إلا بأطراف الأصابع، وقالوا: لأي شيء تبسمت؟! قال النبي صلي الله عليه وسلم: إني رأيت حظيرة من الجنة أتت إلى قبره، وجاءت خلفه ألف حورية من حور العين، وبيد كل حورية منهن قدح مملوء من حوض الكوثر وكل واحدة تقول: أنا أقوم وأسقيه، فمن أجل ذلك تبسمت، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: قوموا نمضي إلى بيته، ونسأل زوجته ما كان يعمل في حال حياته، فلما قدموا سألوها عن حال زوجها وما كان يفعل، فقالت المرأة: يا رسول الله ما رأيت منه إلا الأفعال القبيحة، وشرب الخمر، الفسق، والفجور، ولكني رأيته إذا جاء شهر رجب يقوم ويدعو بهذا الدعاء، ومن كثرة ما يتلوه حفظته منه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي: أكتب هذا الاستغفار، فكانت المرأة تقول وعلي يكتب، فلما ختم الكتاب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من قرأ هذا الاستغفار وجعله في بيته أو في متاعه جعل الله له ثواب ألف صديق، وثواب ثمانين ألف ملك، وثواب ثمانين ألف شهيد، وثواب ثمانين ألف حجة، وثواب ثمانين ألف مسجد، وثواب ألف من أعتق رقبة من النار، وثواب ثمانين ألف ممن شرب من حوض الكوثر، وثواب ثمانين ألف ملك من الملائكة الكرام.." الخ.

ثم ذكروا كيفية الاستغفار، "وهذا باطل لا أصل له في كتب السنة،" وهذا الأحاديث وأمثالها لا شك أنها من وضع الزنادقة العاملين على هدم الإسلام بإغراء عامة المسلمين بالمعاصي والفجور معتمدين على أن هذه الأعمال ستكفرها عنهم.

خلاصة المحاضرة:

1- فضل الأشهر الحرم ورجب أحدها.

2- العرب كانوا يعظمون شهر رجب في الجاهلية.

3- لم يلغ الإسلام تعظيم رجب من كل وجه، وإنما ألغى ما كان الجاهليون قد حرفوه عن ملة إبراهيم عليه السلام وظهر فيه قصد العبادة الباطلة والإشراك بالله.

4- كانت مظاهر تخصيص رجب بالصوم موجودة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه.

5- كان من الصحابة من ينهى عن الإكثار من الصوم وتشبيهه برمضان.

6- صيام شعبان أفضل من صيام رجب لثبوت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم.

7- مشروعية العتيرة في رجب وبيان حقيقتها.

8- هناك أحاديث موضوعة كثيرة الضعف برجب.

9- لا يثبت أن الإسراء والمعراج كان في رجب.

10- كثرة البدع في رجب ومنها:

- اتخاذ أول يوم منه عيداً.

- صلاة الرغائب.

- صيامه كاملاً.

- الاحتفال بذكرى الإسراء والمعراج في ليلة 27 من رجب.

- تخصيصه باستغفار خاص.

______________________________________

(1)- سورة التوبة آية 36.

(2)- راجع تفسير البغوي (2/ 289).

(3)- انظر تفسير القرطبي (8/ 134).

(4)- رواه أبو داود وغيره وقال المنذري في مختصر سنن أبي داود: "وقد وقع فيه هذا الاختلاف كما تراه وأشار بعض شيوخنا إلى تضعيفه لذلك وهو متوجه" المختصر (3/ 306)، وضعفه شيخنا في ضعيف أبي داود برقم (428).

(5)- الروايتان في صحيح مسلم (1162).

(6)- لحديث ابن عباس رضي الله عنهما الذي في صحيح البخاري (969) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما العمل في أيام أفضل منها في هذه، قالوا: ولا الجهاد؟ قال: ولا الجهاد، إلا رجل خرج يخاطر بنفسه وماله فلم يرجع بشيء».

(7)- أخرجه مسلم (1163).

(8)- البخاري (2004). ومسلم (1130). ولفظه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة فرأى اليهود تصوم يوم عاشوراء فقال: ما هذا؟، قالوا: هذا يوم صالح، هذا يوم نجا الله بني إسرائيل من عدوهم، فصامه موسى، قال: فأنا أحق بموسى منكم، فصامه وأمر بصيامه».

(9)- تبيين العجب بما ورد في شهر رجب ص (11، 12).

(10)- أخرجه النسائي (2357) وحسنه الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة (1898).

(11)- تبيين العجب ص (12).

(12)- التوبة/ 37.

(13)- تفسير البغوي معالم التنزيل (2/ 290).

(14)- البخاري (3197 وفي مواضع) ومسلم (1679)، وانظر فتح الباري (8/ 325) في تفسير الاستدارة.

(15)- فص الخواتم فيما قيل في الولائم ص (93-94) لابن طولون.

(16)- في صحيحه (4/ 1591). رقم (4117).

(17)- في سننه (2830).

(18)- في سننه الكبرى (4557).

(19)- في سننه (3167).

(20)- وصححه الألباني في الإرواء (4/ 412).

(21)- البخاري (5156، 5157). ومسلم (1976). واللفظ له.

(22)- قال الحافظ في الفتح (9/ 597): قال الخطابي: أحسب التفسير فيه من قول الزهري. قلت: قد أخرج أبو قرة في السنن الحديث عن عبد المجيد بن أبي داود عن معمر وصرح في روايته أن تفسير الفرع والعتيرة من قول الزهري. والله أعلم.اهـ

(23)- فتح الباري (9/ 598).

(24)- في مصنفه (9851).

(25)- وصححه شيخنا في الإرواء (957).

(26)- في الأوسط (7636).

(27)- تقدم تخريجه، وهو حديث أبي بكرة الذي فيه استدارة الزمان.

(28)- أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة، وحسنه الألباني في صحيح أبي داود (2788).

(29)- في سننه (4224). بعد روايته للحديث السابق.

(30)- (13/ 137).

(31)- (9/ 597 ـ 598).

(32)- (5/ 232 - 235).

(33)- (5/ 235).

(34)- أخرجه البخاري (1893 وفي مواضع). ومسلم (1125). من حديث عائشة رضي الله عنها أن قريشاً كانت تصوم يوم عاشوراء في الجاهلية، ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بصيامه حتى فرض رمضان، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من شاء فليصمه ومن شاء أفطر» وأخرجه البخاري (4501) ومسلم (1126). أيضاً من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.

(35)- كما سبق معنا، انظر الإرواء (957).

(36)- نقل ذلك الشوكاني في نيل الأوطار (4/ 331).

(37)- النيل (4/ 333).

(38)- تقدم معنا، وقد صححه شيخنا الألباني في الإرواء (4/ 113).

(39)- صححه أيضاً شيخنا في الإرواء (4/ 114).

(40)- قال الحافظ في تبيين العجب (ص25): وروينا في "كتاب أخبار مكة" لأبى محمد الفاكهي، بإسناد لا بأس به عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: .. فذكره.

(41)- أخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (7854)، وصححه الحافظ في تبيين العجب (ص25).

(42)- (3/ 53).

(43)- الإرواء (4/ 114، 115).

(44)- الحوادث والبدع (ص282-284).

(45)- لطائف المعارف فيما لمواسم العام من وظائف، للحافظ ابن رجب (ص130).

(46)- تبيين العجب (ص21).

(47)- أخرجه أحمد (2346). والطبراني في الأوسط (3939). وغيرهما من طريق زائدة بن أبي الرقاد، عن زياد النميري، عن أنس بن مالك به، والحديث تفرد به زائدة بن الرقاد، قال الإمام البخاري عنه: منكر الحديث، وضعفه الذهبي في ميزان الاعتدال، وضعف الحديث الألباني في ضعيف الجامع (4395).

(48)- قال صاحب تنـزيه الشريعة (2/ 101-102): وأكثر رواته مجاهيل.

(49)- رواه أبو داود (1136). وغيره، وصححه الألباني في صحيح أبي داود (1039).

(50)- اقتضاء الصراط المستقيم (1/ 432).

(51)- تنبيه الغافلين (ص495).

(52)- الباعث على إنكار البدع والحوادث (ص51).

(53)- أخرجه الشيخان من رواية جمع من الصحابة.

(54)- الباعث على إنكار البدع والحوادث (ص51-55).

(55)- لطائف المعارف (ص130).

(56)- تنبيه الغافلين (ص496).

(57)- وهو الإمام أبو شامة المتقدم ذكره وكتابه هو "الباعث على إنكار البدع والحوادث".

(58)- المجموع (4/ 61).

(59)- (ص33-34).

(60)- ولفظه: «قلت يا رسول الله لم أرك تصوم من شهر من الشهور ما تصوم من شعبان. قال: ذلك شهر يغفل عنه الناس بين رجب ورمضان»، الحديث وقد حسنه شيخنا الألباني في السلسلة الصحيحة كما ذكرنا.

(61)- ولفظه كما تقدم معنا عن خرشة بن الحر قال: "رأيت عمر يضرب أكف المترجبين حتى يضعوها في الطعام ويقول: كلوا فإنما هو شهر كانت تعظمه الجاهلية". صححه شيخنا الألباني في الإرواء (4/ 113).

(62)- (3/ 167)، وتقدم معنا.

(63)- تبيين العجب (ص21).

(64)- قال ابن عراق في تنـزيه الشريعة (2/ 102): "هذا الحديث ذكره الحافظ ابن حجر في كتابه تبيين العجب، وعزاه إلى موضوعات ابن الجوزي وأورده بسنده من حديث ابن عباس، ولم يذكره السيوطي، ولا الذهبي في تلخيصه، ولا السيوطي في اللآلئ".

(65)- قال ابن عراق في تنـزيه الشريعة (2/ 102): قال ابن حجر: رواه البيهقي وفيه متهمان.

(66)- قال ابن حجر في تبيين العجب (ص12): "وهذا موقوف ضعيف الإسناد، وهو أمثل ما ورد في هذا المعنى"اهـ قلت: بل هو منكر لأنه مخالف لنص القرآن المصرح بأن الرسالة نزلت على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في رمضان وليست في رجب.

(67)- ج3 ص109.

(68)- ج7 ص203.

(69)- ص20.

(70)- ص214.

(71)- صحيح مسلم (480).

(72)- مجموع الفتاوى (23/ 414).

(73)- (1/ 57).

 

(74)- ص15.