arrow down

الخروج على الجماعة وضرره في الحال والمآل

بحث لفضيلة د. عقيل بن محمد المقطري ( عضو رابطة علماء المسلمين )

المقدمة:

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران:102].. {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء:1].. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب:70-71].

أما بعد: فإن أحسن الحديث كلام الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار، وبعد:

فيقول الله عز وجل: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [آل عمران:103] فأمر الله بالاعتصام وهو لزوم الجماعة ونهى عن التفرق وهو الخروج عن الجماعة الذي يؤدي إلى زعزعة الأمن والاستقرار في البلاد ويسفك الدماء وينتهك الحرمات ويؤدي إلى عواقب وخيمة.

وهذا بحث مختصر حول:(الخروج على الجماعة وضرره في الحال والمآل) مقدم لمؤتمر جمعية علماء اليمن بصنعاء.

ويتكون هذا البحث من (أحد عشر مبحثاً) على النحو الآتي:

المبحث الأول: تعريف الخروج.

المبحث الثاني: تعريف الجماعة.

المبحث الثالث:الآيات الواردة في لزوم الجماعة والناهية عن التفرق.

المبحث الرابع: الأحاديث الواردة في الأمر بالجماعة والناهية عن التفرق.

المبحث الخامس: أقوال العلماء في التحذير من الخروج.

المبحث السادس: أنواع الخروج.

المبحث السابع: الصفات الجامعة للطوائف الخارجة عن الجماعة.

المبحث الثامن: أبرز الطوائف التي ترى الخروج.

المبحث التاسع: أضرار الخروج على الجماعة في الحال والمآل.

المبحث العاشر: ما يجب فعله تجاه الفئة الخارجة عن الجماعة.

المبحث الحادي عشر: مقترحات للوقاية من هذه الفتنة.

المبحث الثاني عشر: الخاتمة.

المبحث الأول: تعريف الخروج:

تعريفه لغة: الخارجي: من فارق جنسه و نظائره و من ساد، و رجل خرج على سلطان أو رأي(1 ).

تعريفه اصطلاحاً: من خرج على السلطان بتأويل سائغ في الظاهر، باطل بطلانا مطلقا بحسب الظن لا القطع.أما المرتد فتأويله باطل قطعا فليس باغيا وكذا الخوارج في الاعتقاد دون قتال المسلمين وهم صنف من المبتدعة يكفرون من أتى بمعية كبيرة ويسبون بعض الأئمة ليسوا بغاة وكذلك مانع حق الشرع لله أو للعباد ليس باغيا لأنه لا تأويل له.

المبحث الثاني: تعريف الجماعة:

لغة: الاشتقاق اللغوي للجماعة من الاجتماع، وضد الاجتماع الفرقة.

وشرعاً: قيل هي جماعة المسلمين إذا اجتمعوا على أمر وهذا رأي الإمام الطبري رحمه الله حيث قال: "والصواب أن المراد من الخبر لزوم الجماعة الذين في طاعة من اجتمعوا على تأميره فمن نكث بيعته خرج عن الجماعة".

المبحث الثالث: الآيات الواردة في لزوم الجماعة والناهية عن التفرق:

1- {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [آل عمران:103-105].

2- {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} [الأنعام:159].

3- {وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} [هود:118-119]

4- {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [الحجرات:9].

المبحث الرابع: الأحاديث الواردة في الأمر بالجماعة والناهية عن التفرق:

1- عن ابن عمر الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض»(2 ).

2- عن العرباض بن سارية رضي الله عنه قال: «وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً بعد صلاة الغداة موعظة بلغت ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقال رجل: إن هذه لموعظة مودع، فماذا تعهد إلينا يا رسول الله؟! قال: أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة، إن عبدٌ حبشي، فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، وإياكم ومحدثات الأمور فإنها ضلالة، فمن أدرك ذلك منكم فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ»( 3).

3- عن حذيفة رضي الله عنه قال: «كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول الله! إنا كنا في جاهلية وشر فجاء الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم. قلت: وهل بعد هذا الشر من خير؟ قال: نعم، وفيه دخن. قلت: وما دخنه؟ قال: قوم يهتدون بغير هديي تعرف منهم وتنكر. قلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: نعم، دعاة إلى أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها. قلت: يا رسول الله! صفهم لنا، قال: هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا. قلت: فما تأمرني إن أدركت ذلك؟ قال: تلزم جماعة المسلمين وإمامهم. قلت: فإن لم تكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك»(4 ).

وفي لفظ لمسلم عن أبي سلام قال: «فقال حذيفة بن اليمان: قلت: يا رسول الله! إنا كنا في شر فجاء الله بخير فنحن فيه، فهل من وراء هذا الخير شرٌ؟ قال: نعم. قلت: كيف؟ قال: يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهديي، ولا يستنون بسنتي، وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس. قال: قلت: كيف أصنع يا رسول الله، إن أدركت ذلك؟ قال: تسمع وتطيع للأمير وإن جلد ظهرك وأخذ مالك فاسمع وأطع»(5 ).

4- عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من كره من أميره شيئاً فليصبر، فإنه من خرج على السلطان شبراً مات ميتة الجاهلية»( 6).

وفي لفظ: «من رأى من أميره شيئاً فليصبر، فإنه من فارق الجماعة شبراً فمات إلا مات ميتة الجاهلية».

5- عن أبي السوار رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والتارك لدينه المفارق للجماعة»(7 ).

6- عن الحسن قال: «خرجت بسلاحي ليالي الفتنة فاستقبلني أبو بكرة: فقال: أين تريد؟ قلت: أريد نصرة ابن عمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن تواجه المسلمان بسيفيهما فكلاهما من أهل النار، قيل: فهذا القاتل، فما بال المقتول، قال: إنه أراد قتل صاحبه»( 8).

7- عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من حمل علينا السلاح فليس منا».

8- عن عرفجة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم أو يفرق جماعتكم فاقتلوه» ( 9).

المبحث الخامس: أقوال العلماء في التحذير من الخروج:

لقد حذر العلماء تحذيراً شديداً من الخروج على الأئمة ولو كانوا جائرين؛ نظراً لما يترتب على ذلك الخروج من مفاسد، فالمصالح التي تتحقق من الخروج لا تساوي المفاسد العظيمة الناتجة عن ذلك ولا عشر معشارها.

ونقل كلام جميع أهل العلم في هذه المسألة يطول، ولكني سأنقل بعضاً من كلامهم:

شيخ الإسلام ابن تيمية:

يقول رحمه الله تعالى: "ولا يكاد يعرف طائفة خرجت عن ذي سلطان؛ إلا وكان في خروجه من الفساد ما هو أعظم من الفساد الذي أزالته" ( 10).

ويقول أيضاً: "وكل من خرج على إمام ذي سلطان؛ إلا وكان ما تولد على فعله من الشر؛ أعظم مما تولد من الخير"( 11) ا.هـ.

وقال رحمه الله: "وأما أهل العلم والدين والفضل؛ فلا يرخّصون لأحدٍ فيما نهى الله عنه من معصية ولاة الأمور، وغشهم، والخروج عليهم بوجه من الوجوه، كما قد عُرِفَ من عادات أهل السنة والدين قديماً وحديثاً، ومن سيرة غيرهم" (12 ) اهـ.

ابن أبي العز الحنفي:

قال رحمه الله: "وأما لزوم طاعتهم -وإن جاروا- فلأنه يترتب على الخروج عن الخروج عن طاعتهم من المفاسد أضعاف ما يحصل من جورهم، بل في الصبر على جورهم تكفير السيئات ومضاعفة الأجور" ( 13) اهـ.

الإمام أحمد بن حنبل:

نقل الإمام ابن القيم عن حرب صاحب أحمد في (مسائله) المشهورة أنه قال: "هذه مذاهب أهل العلم وأصحاب الآثار، وأهل السنة المتمسكين بها، المقتدى بهم فيها من لدن أصحاب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى يومنا هذا، وأدركت من أدركت من علماء أهل الحجاز والشام وغيرهم عليها، فمن خالف شيئاً من هذه المذاهب، أو طعن فيها، أو عاب قائلها؛ فهو مخالف مبتدع، خارج عن الجماعة، زائل عن منهج السنة وسبيل الحق.

قال: وهو مذهب أحمد وإسحاق بن إبراهيم وعبد الله بن مخلد وعبد الله بن الزبير الحميدي وسعيد ابن منصور وغيرهم ممن جالسنا وأخذنا عنهم العلم، وكان من قولهم..." فذكر أموراً وفيها: "... والانقياد لمن ولاه الله عز وجل أمركم، ولا تنزع يداً من طاعة، ولا تخرج عليه بسيف حتى يجعل الله لك فرجاً ومخرجاً، ولا تخرج على السلطان، وتسمع وتطيع، ولا تنكث بيعته، فمن فعل ذلك فهو مبتدع مخالف، ومفارق للجماعة...." (14) اهـ.

ابن حجر العسقلاني:

وقد ذكر الحافظ ابن حجر في ترجمة الحسن بن صالح بن حي، أنه كان يرى السيف، ثم قال: "وقولهم كان يرى السيف، يعني: كان يرى الخروج بالسيف على أئمة الجور، وهو مذهب للسلف قديمٌ، لكن استقر الأمر على ترك ذلك؛ لما رأوه قد أفضى إلى أشد منه، ففي وقعة الحرة ووقعة ابن الأشعث وغيرهما عِظة لمن تدبر...." ( 15) اهـ.

عبد الرحمن المعلمي اليماني:

قال رحمه الله: "كان أبو حنيفة يستحب أو يوجب الخروج على خلفاء بني العباس، لِمَا ظهر من الظلم، ويرى قتالهم خيراً من قتال الكفار، وأبو إسحاق -يعني: الفزاري- يُنكر ذلك، وكان أهل العلم مختلفين في ذلك، فمن كان يرى الخروج؛ يراه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والقيام بالحق، ومن كان يكرهه يرى أنه شق لعصا المسلمين، وتفريق لكلمتهم، وتشتيت لجماعتهم، وتمزيق لوحدتهم وشغل لهم بقتل بعضهم بعضاً، فتوهن قوتهم، وتقوى شوكة عدوهم، وتتعطل ثغورهم، فيستولي عليها الكفار، ويقتلون من فيها من المسلمين، ويذلونهم، ويستحكم التنازع بين المسلمين, فتكون نتيجته الفشل المخزي لهم جميعاً"( 16).

قال: وقد جرب المسلمون الخروج؛ فلم يرو منه إلا الشر، خرج الناس على عثمان، يرون أنهم يريدون الحق، وخرج أهل الجمل، يرى رؤساءهم ومعظمهم أنهم إنما يطلبون الحق، فكان ثمرة ذلك بعد اللُّتَيَّا والتي: أن انقطعت خلافة النبوة، وتأسست دولة بني أمية، ثم اضطر الحسين بن علي إلى ما اضطر إليه، فكانت تلك المأساة، ثم خرج أهل المدينة، فكانت وقعة الحرة، ثم خرج القراء مع ابن الأشعث، فماذا كان؟!! ثم كانت قضية زيد بن علي، وعَرَضَ عليه الروافض أن ينصروه على أن يتبرأ من أبي بكر وعمر؛ فأبَى فخذلوه، فكان ما كان، ثم خرجوا مع بني العباس، فنشأت دولتهم -التي رأى أبو حنيفة الخروج عليه -، واحتشد الروافض مع إبراهيم -الذي رأى أبو حنيفة الخروج معه- ولو كُتِبَ له نصر؛ لاستولى الروافض على دولتهم، فيعود أبو حنيفة يفتي بوجوب الخروج عليهم!!!

قال: هذا والنصوص التي يحتج بها المانعون من الخروج والمجيزون له معروفة، والمحققون يجمعون بين ذلك: بأنه إذا غلب الظن أن ما ينشأ عن الخروج من المفاسد أخف جداً مما يغلب على الظن أنه يندفع به؛ جاز الخروج وإلا فلا، وهذا النظر قد يختلف فيه المجتهدان، وأولاهما بالصواب من اعتبر بالتاريخ، وكان كثير المخالطة للناس، والمباشرة للحروب، والمعرفة بأحوال الثغور، وهكذا كان أبو إسحاق" اهـ.

وأما الخلاف بين العلماء في أمر الخروج فهو خلاف قديم، وقد استقر الأمر بعد ذلك على المنع منه وصار عدم الخروج شعاراً لأهل السنة، فذكروه في كتبهم المصنفة في ذكر عقيدتهم، وعدّوا المخالف لهم مبتدعاً من أهل الأهواء، فقد قال الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- في عقيدته التي رواها عنه اللالكائي: "لقيت أكثر من ألف رجل من أهل العلم: أهل الحجاز، ومكة، والمدينة، والكوفة، والبصرة، وواسط، وبغداد، والشام، ومصر، لقيتهم كرّاتٍ قرناً بعد قرن, أدركتهم وهم متوافرون منذ أكثر من ست وأربعين سنة: أهل الشام، ومصر، والجزيرة مرتين، والبصرة أربع مرات، في سنين ذوي عدد، بالحجاز ستة أعوام، ولا أحصي كم دخلت الكوفة، وبغداد، مع محدثي أهل خراسان..." ثم ذكر أسماء بعضهم في عدد من البلدان، ثم قال: " واكتفينا بتسمية هؤلاء؛ كي يكون مختصراً، وأن لا يطول في ذلك، فما رأيت أحداً منهم يختلف في هذه الأشياء...." فذكر أموراً في العقيدة، ومن ذلك قوله: "وأن لا ننازع الأمر أهله... وأن لا يرى السيف على أمة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وقال الفضيل: لو كانت لي دعوة؛ لم أجعلها إلا في إمام؛ لأنه إذا صلح الإمام أمِنَ البلاد والعباد، قال ابن المبارك: يا معلم الخير من يجترئ على هذا غيرك؟" ( 17) اهـ.

فهذا إجماع مستقر ثابت رافع للخلاف في هذه المسألة.

وقد ذكر اللالكائي أيضاً الإجماع عن غير واحد( 18).

وقال الصابوني: "ويرى أصحاب الحديث الجمعة والعيدين وغيرهما من الصلوات خلف كل إمام مسلم برّاً كان أو فاجراً، ويرون جهاد الكفار معهم، وإن كانوا جورة فجرة، ويرون الدعاء لهم بالإصلاح والتوفيق والصلاح، وبسط العدل في الرعية، ولا يرون الخروج عليهم بالسيف، وإن رأوا منهم العدول عن العدل إلى الجور والحيف....." ( 19) اهـ.

وقال الإسماعيلي: "ويرون الدعاء لهم بالإصلاح والعطف إلى العدل، ولا يرون الخروج بالسيف عليهم" (20) اهـ.

المبحث السادس: أنواع الخروج:

قسم العلماء الخارجين على ثلاثة أقسام، وهي:

1- الخوارج:

وهم الذين خرجوا على أمير المؤمنين علي رضي الله عنه يوم التحكيم، ثم صار لهم آراء ومعتقدات خاصة بهم، ويصلون إلى أكثر من عشرين فرقة.

وهؤلاء قد ورد نص صريح من النبي صلى الله عليه وسلم في الأمر بمقاتلهم، فعن أمير المؤمنين علي رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «سيخرج قوم في آخر الزمان: حدثاء الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من قول خير البرية، لا يجاوز إيمانهم حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجراً لمن قتلهم يوم القيامة»( 21).

2- المحاربون:

وهم قطاع الطرق المفسدون في الأرض إذا كان لهم منعة وسلاح وتعرضوا الناس، فإن على الإمام أن يقيم فيهم حكم الله في قوله تعالى: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ} [المائدة:33].

وكما فعل النبي صلى الله عليه وسلم بالعرنيين، أما إذا لم يتمكن الإمام منهم بعسكره فإن على باقي الرعية أن تقاتل معه حتى يقيم الحد عليهم إذا استوجبوا ذلك.

3- البغاة:

هم الذين يخرجون على الإمام العادل طلباً للملك بتأويل سائغ، أو غير سائغ، وفي حكمهم من خرج على الإمام الحق انتقاماً أو عصبية، أو قبلية، أو لغرض دنيوي، فهؤلاء لا يقاتلون ابتداءً، وإنما يسعى في الإصلاح بينهم وبين الإمام:

- فإن كان لهم مظلمة رفعت عنهم.

- وإن كان لهم شبهة بين لهم وجه الحق فيها.

- وإن كان لهم حق أعطوا إياه.

- فإن لم ينصاعوا بعد ذلك إلى الإصلاح وبدءوا في القتال ففي هذه الحالة يقاتلون عملاً بقوله تعالى: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [الحجرات:9]

المبحث السابع: الصفات الجامعة للطوائف الخارجة عن الجماعة:

1- الجهل بالحق، والحكم بالهوى.

2- تضارب آرائهم والتفرق والمعاداة.

3- الغلو في الدين.

4- النفاق.

5- ينصبون لهم شخصاً أو كلاماً يفرقون به بين الأمة.

6- البغي والاعتداء والتفريط.

7- مولاة أعداء الله من يهود ونصارى وغيرهم.

المبحث الثامن: أبرز الطوائف التي ترى الخروج:

1- الخوارج:

فإنهم يرون تكفير الواقع في الذنب سواء كان إماماً أو غيره، وهم الذين خرجوا على علي رضي الله عنه.

2- المعتزلة:

ومن أصولهم الخمسة المبتدعة ما يطلقون عليه " الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر " ويقصدون بذلك الخروج على أئمة الجور، وما هو حادث في صعدة من هذا النوع فإنهم ينطلقون من هذا المنطلق.

ويضاف إلى ذلك أنهم لا يرون الخلافة إلا في البطنين ومنهم من حصرها في الحسين وذريته.

3- البهرة:

وهم فرقة باطنية خبيثة، تخالف في معتقداتها وأصولها بل وفروعها منهاج أهل السنة والجماعة، ويرون كفر من خالفهم، والتاريخ يحكي أفعالهم الشنيعة من اقتلاع الحجر الأسود وقتل الحجيج إلى ما حدث في اليمن من سفك الدماء وانتهاك الأعراض، وهو يحاولون مجدداً لملمة صفوفهم والعودة إلى ما كانوا عليه ودعوتهم قائمة على قدم وساق، ويجب على المسئولين التنبه لهذا الخطر؛ فإنه يبدأ صغيراً ثم يكبر، ومعظم النار من مستصغر الشرر.

المبحث التاسع: أضرار الخروج على الجماعة في الحال والمآل:

1- أنها تزهق أرواح الأبرياء ومنهم الأطفال والشيوخ والنساء، وتقتل أنفساً معصومة الدم بالإسلام, والله عز وجل يقول ناهياً عن ذلك: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا} [النساء:93]، ويقول: {وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [الأنعام:151]، ويقول عليه الصلاة والسلام: «لا يحل قتل امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفرق للجماعة».

ويقول: «لزوال الدنيا أهون عند الله من قتل امرئ مسلم بغير حق».

1- تهدم البيوت وتفسد المصالح والمنشآت العامة، وتهلك أموال المسلمين، وهذا مما أجمع على تحريمه فالمسلم معصوم المال والدم والعرض إلا بحق الإسلام، وحسابه على الله، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «... إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، ألا فليبلغ الشاهد الغائب...» [متفق عليه].

وقال: «... أي يوم هذا؟.. أي شهر هذا؟.. أي بلد هذا؟» وتأمل هذه الخطبة البليغة في هذا اليوم العظيم وفي ذلك الجمع المهيب في حجة الوداع، كل ذلك يؤكد حرمة المسلم دماً ومالاً وعرضاً.

1- هذا الخروج يقتل عدداً من غير المسلمين المستأمنين في بلاد الإسلام بعهد أو أمان من ولي الأمر سواءً كانوا سائحين أو خبراء في علوم الدنيا التي يحتاج إليها المسلمون، أو كانوا عمالاً ونحو ذلك.

والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «المسلمون تتكافأ دماؤهم وهم يدٌ على من سواهم، ويسعى بذمتهم أدناهم»، فإذا أعطى العهد والأمان رجل من المسلمين لكافر فلا يجوز أن يخفر مسلم في ذمته أو أن تنتهك حرمته بانتهاك عهده وأمانه، يقول شيخ الإسلام: "فإن الأمان يجوز عقده لكل كافر ويعقده كل مسلم".

فإن كان في آحاد الناس في حدود سلطانهم فكيف بولاة الأمور أهل القوة والشوكة إذا أعطوا هذا الأمان، والنبي صلى الله عليه وسلم قد قال لأم هانئ -بنت أبي طالب:- «قد أجرنا من أجرتِ وأمّنا من أمنت» وهي امرأة فكيف إذا أمنهم ولي الأمر.

ويقول صلى الله عليه وسلم: «من قتل نفساً معاهدة بغير حلها حرم الله عليه الجنة وأن يشم ريحها»، ويقول: «من أمّن رجلاً على دمه فقتله فأنا بريءٌ من القاتل وإن كان المقتول كافراً».

وقبله يقول الله عز وجل: {وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا} [الإسراء:34].

ويقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} [المائدة:1].

1- أنها توقع الوحشة وسوء الظن بين الراعي والرعية، وربما أدى ذلك إلى فتك الحكام بالمخالفين وبغيرهم من الأبرياء، كذا يؤدي إلى إسقاط هيبة ولي الأمر المسلم أمام الرعية وأمام غيره من الدول المحبة والشانئة، المسلمة والكافرة.

وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سيكون بعدي سلطان فأعزوه، من التمس ذُله ثَغَرَ ثغرة في الإسلام، ولم يقبل منه توبة حتى يعيدها كما كانت» وهذا عام في ولي الأمر المسلم مع ظلمه وإسقاط هيبة ولي الأمر تفضي إلى اضطراب الأمور وإثارة الفتن، ومقاصد الشريعة تنهى عن ذلك.

2- أنها تزعزع الأمن والاستقرار وتنزع الطمأنينة والهدوء وتثير الرعب والفزع بين الناس ولو استحكمت هذه الفتن لما حُجّ البيت العتيق، ولما نصر مظلوم، ولما أمن أحد على نفسه وماله ونسائه وأولاده، ولما بقي لنا دين ولا دنيا في جميع بلاد المسلمين. كذلك تسلط رجال الأمن على البر والفاجر لأن التمييز لا يأتي على الوجه المحمود حال استعارة الفتن، لأن الله عز وجل يقول: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً} [الأنفال:25]، وتفضي إلى شماتة الأعداء بالمسلمين.

3- أنها تصد الناس عن سبيل الله عز وجل، وتنفر من أراد أن يدخل في الإسلام، وتضعف حجة الدعاة إلى الله في بلاد الشرق والغرب، وتشوه صورة الدين، فالنبي صلى الله عليه وسلم ترك قتل عبد الله بن أُبيّ بن سلول حتى لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه، تركه على كفره خشية التشويه على هذا الدين.

4- أنها سبب في تذرع المتربصين بالإسلام وأهله في الداخل والخارج، وينفقون من وراءها بضاعتهم الكاسدة وعقائدهم الفاسدة، فتراهم يهتبلون هذا الفساد فيشوهوا به صورة علماء المسلمين جميعاً، وطلاب العلم والمصلحين بالإرهاب والإفساد والدموية، وأن الإسلام يربي هذه الأفكار... إلى غير ذلك من الافتراءات، ويبعد العلماء من وضع المناهج لأبناء المسلمين ويتبناها أهل الضلال والفساد.

5- أنها جعلت غير المسلمين يجلبون بخيلهم ورجلهم على الأعمال الخيرية والجامعات الإسلامية والمراكز والمعاهد الدعوية، وتضعف بناء المساجد وكفالة الأيتام وطلاب العلم، ويضعف نشر العلم وكتب العلم.

6- أنها تجلب الضغوط على المسلمين في كل مكان مما جعل الكثير من المسلمين يسيئون الظن بدينهم وعلمائهم، بل إن بعضهم يخجل أنه مسلم، فينكشف ضعف المسلمين بعد أن كانوا مستورين مهابين، فيطمع فيهم من كان لم يخطر بباله ذلك.

7- أنها تثير الجدل بين العلماء وطلاب العلم وبين عامة الناس فتجعلهم بين معارض ومنتصر؛ فنتج عن ذلك اختلاف وتهارج، وساءت الظنون، ووقع الفتون، وتجرأ الصغار على العلماء وضعف الإيمان، وقل العمل، وكثر الجدل، وحصل النزاع والفشل، كما قال تعالى: {وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} [الأنفال:46], وكل ما أدى إلى ذلك فهو محرم.

8- إيجاد المبررات للمنظمات الدولية بالتدخل في شئون البلاد، وذلك عبر استصدار القرارات من الأمم المتحدة ومجلس الأمن بحجة حفظ الأمن أو الدفاع عن حقوق الإنسان والحريات أو حماية الأقليات، فتنزل القوات متعددة الجنسيات في البلاد فتزيد الطين بلة، أو أنها تمهد لتقسيم البلاد إلى دويلات وأقاليم كما حصل في تيمور الشرقية مثلاً، وكما يمهد ليكون في العراق لا مكنهم الله.

9- تشجيع الطوائف الأخرى على أن تقوم بمثل ما فعلته هذه الطائفة الخارجة، وهكذا تصبح البلاد دويلات وأقاليم هزيلة.

10- تعميق وترسيخ النعرات الطائفية والدينية فبدلاً من أن تعيش هذه الفئات في ظل دولة واحدة في إخاء ووئام كما كان الحال في القرون الماضية، ويعذر بعضها بعضاً في مسائل الخلاف الفروعية، تعيش كل واحدة منها في أقليم أو دويلة، والغرب يفرح بهذا فرحاً شديداً لأن في ذلك إضعاف للأمة.

11- إيقاف عجلة التنمية في البلد واستنزاف طاقات الأمة وموردها؛ مما يسبب الفقر والفاقة في أوساط المجتمع فيزيده فقراً إلى فقره.

12- هدم البنية التحتية للبلد مما يعيد عجلتها إلى الوراء.

المبحث العاشر: ما يجب فعله تجاه الفئة الخارجة عن الجماعة:

1- الدعوة للعودة إلى الكتاب والسنة بالحكمة والموعظة الحسنة فإن أثيرت شبهة أزيلت بالحجة النيرة والبرهان القاطع الدال على الحق.

2- دعوتهم للرجوع إلى الطاعة والجماعة وهو الحق الذي دعا الله إليه قبل القتال.

3- إذا تطاولت ولم تستجب إلى حكم الله وأفسدت في الأرض، فيجب على الحاكم قتالها باستعمال الأخف فالأخف حتى الفيئة إلى أمر الله وقول الله تعالى: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [الحجرات:9] إبطال لقول من منع من قتال المؤمنين محتجاً بحديث أخرجه الجماعة عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر» فإن الحديث في القتال المباشر دون سبب أو لسبب غير الخروج على الجماعة قال الإمام النووي وهو يشرح حديث: «فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهي جميع فاشربوه بالسيف كائنا من كان» قال: "فيه الأمر بقتال من خرج على الإمام أو أراد تفريق كلمة المسلمين ونحو ذلك، ـوينهى عن ذلك فإن لم ينته قوتل وإن لم يندفع شره إلا بقتاله فقتل كان هدراًـ فقوله: «فاضربوه بالسيف» "فاقتلوه" معناه إذا لم يندفع إلا بذلك «يريد أن يشق عصاكم» معناه: يفرق جماعتكم كما تفرق العصاة المشقوقة وهو عبارة عن اختلاف الكلمة وتنافر النفوس.

وقال في شرح: «إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما» هذا محمول على ما إذا لم يندفع إلا بقتله ونقل الإجماع لعدم انعقادها لخليفتين.

المبحث الحادي عشر: مقترحات للوقاية من هذه الفتنة:

1- أعادة صياغة المناهج الدراسية في التعليم العام مستفيدين من التجارب التي مرت بها البلاد في الفترات الماضية، وأن تزداد العناية بمناهج اللغة العربية والدين الإسلامي الحنيف.

2- تشجيع الجمعيات الخيرية التي تسهم في تحفيظ القرآن الكريم بشرط أن يكون القائمون عليها من أهل العلم المعتبرين والمعروفين بالوسطية والاعتدال.

3- فتح المعاهد والجامعات الدينية القائمة على النهج الوسط بعيداً عن الإفراط والتفريط.

4- تفعيل دور جمعية علماء اليمن وإنشاء فروعها بطريقة رسمية في كل المحافظات.

5- النزول عند رغبة الأمة باستمداد تشريعاتها من شريعة الإسلام والذي ندين به ففيها الغناء والكفاء والحماية والحصانة.

6- الوضوح السياسي حتى ينشأ الشباب على بينة من أمر بلاده داخلياً وخارجياً، وبما لا يضر بمصالح وأمن البلاد، وحتى لا يقع تحت مؤثرات خارجية لا تريد ببلادنا خيراً.

7- مواجهة التيارات الخارجية والأفكار الدخيلة التي لا وجود لها في بلادنا الحبيبة، والتي تبث العنف وتعمل على إثارة القلاقل، وذلك بكشف مصادرها ومقاصدها.

8- فتح وسائل الإعلام لأهل العلم المشهود لهم بالعلم والديانة والوسطية.

9- الحذر من الفئات والطوائف التي ثبت تورطها وتحالفها مع هذه الفئات الحاقدة على الوطن.

10- تفعيل دور (دار الإفتاء) وفتح خطوط ساخنة للفتيا مجانية بحيث يتواصل الناس مع أهل العلم على مدار الساعة في بيوتهم أو مكاتبهم أو هواتفهم الجوالة والإعلان عن ذلك في وسائل الإعلام.

11- الحذر من المندسين داخل أجهزة الدولة والذين يثبت تورطهم في الفتنة فإنهم لا يقلون خطورة عن الخارجين بل هم الصف الخلفي لهم.

12- التمكين للقضاء ليظل حارساً للعدل، وتنفيذ أحكامه دون تعطيل أو تأويل مع تيسير التقاضي باعتباره خدمة تؤدى من الدولة لا مورداً مالياً، مع رفع كفاءة القُضاة ومعاونيهم.

13- علاج الخلل الإداري في بعض أجهزة الدولة الذي يعوق وصول الخدمات لطالبيها.

14- توفير الرعاية للأسرة وتشجيع الأم على التفرغ لتربية أولادها تربية إسلامية ناضجة.

الخاتمة:

وختاما نسأل الله أن يجنب بلدنا وبلاد المسلمين كل سوء ومكروه وأن يرد كيد الكائدين في نحورهم إنه ولي ذلك والقادر عليه وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

___________________

(1 ) المعجم الوسيط 1/224.

(2) رواه البخاري.

(3) رواه الترمذي وأبو داود وأحمد.

(4) رواه البخاري.

(5) رواه مسلم.

(6) رواه البخاري ومسلم.

(7) رواه البخاري.

(8) رواه البخاري.

(9) رواه مسلم.

(10) منهاج السنة 1/391.

(11) منهاج السنة 4/527.

(12) مجموع الفتاوى 35/12.

(13) شرح العقيدة الطحاوية 2/542.

(14) حادي الأرواح 399 , 401.

(15) تهذيب التهذيب 2/263.

(16) التنكيل 1/93 – 94.

(17) شرح أصول اعتقاد أهل السنة 2/193 – 197 برقم 320.

(18) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة 2/193.

(19) عقيدة السلف أصحاب الحديث 106.

(20) اعتقاد أهل السنة 50.

 

(21) متفق عليه.