arrow down

تسليح الشجعان بحكم الاحتفال بليلة النصف من شعبان (2)

بقلم فضيلة د. عقيل بن محمد المقطري ( عضو رابطة علماء المسلمين )

ثم قال ابن القيم رحمه الله: والعجب ممن شم رائحة العلم بالسنن أن يغتر بمثل هذا الهذيان ويصليها.

وهذه الصلاة وضعت في الإسلام بعد الأربع مئة، ونشأت من بيت المقدس فوضع لها عدة أحاديث.

منها: «من قرأ ليلة النصف من شعبان ألف مرة {قل هو الله أحد} في مئة ركعة» الحديث بطوله، وفيه «بعث الله إليه مئة ملك يُبشرُونه».

وحديث: «من صلى ليلة النصف من شعبان اثنتي عشرة ركعة يقرأ في كل ركعة ثلاثين مرة {قل هو الله أحد} شُفع في كل عشرة من أهل بيته قد استوجبوا النار». وغير ذلك من الأحاديث التي لا يصح منها شيء.

1- (الجوزقاني): وذكر السيوطي أيضاً حديث ابن عمر رضي الله عنهما فقال: أنبأنا محمد بن جابان المذكر، أنبأنا أبو بكر بن أبي زكريا الفقيه، حدثنا إبراهيم بن محمد الدربندي، حدثنا أحمد بن أصرم المربي، حدثنا أبو إبراهيم الترجماني، حدثنا صالح الشامي عن عبد الله بن ضرار عن يزيد بن محمد عن أبيه محمد بن مروان عن ابن عمر مرفوعاً: «من قرأ ليلة النصف من شعبان ألف مرة {قل هو الله أحد} في مائة ركعة لم يخرج من الدنيا حتى يبعث الله في منامه مائة ملك ثلاثون يبشرونه بالجنة وثلاثون يؤمنونه من النار وثلاثون يعصمونه من أن يُخطئ وعشرة يكيدون من عاداه».

قال السيوطي رحمه الله: قلت: أخرجه الديلمي أنبأنا أبي، أنبأنا أبو الفضل القومساني، أنبأنا العلاء، أنبأنا أبو القاسم العتاكي، حدثنا محمد بن حاتم، حدثنا أبو حاتم الرازي، حدثنا محمد بن عبد الرحمن العرزمي، حدثنا عمرو بن ثابت عن محمد بن مروان الذهبي عن أبي يحيى حدثني أربعة وثلاثون من أصحاب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فذكر مثله سواء والله أعلم.

قلت: (انظر أيضاً ج 2 ص 127 من موضوعات ابن الجوزي رحمه الله).

5- (أخبرنا) محمد بن ناصر، أنبأنا أبو علي بن البناء، أنبأنا أبو عبد الله الحسين بن عمر العلاف، حدثنا أبو القاسم الغامي، حدثنا علي بن بندار البردعي، حدثنا أبو يوسف يعقوب بن عبد الرحمن، حدثنا محمد بن عبيد الله سمعت أبي يقول حدثنا علي بن عاصم عن عمرو بن مقدام عن جعفر بن محمد، عن أبيه مرفوعاً: «من قرأ ليلة النصف من شعبان {قل هو الله أحد} ألف مرة في عشر ركعات لم يمت حتى يبعث الله إليه مائة ملك، ثلاثون يبشرونه بالجنة وثلاثون يؤمنونه من العذاب وثلاثون يُقوّمونه أن يخطئ وعشرة أملاك يكبتون أعداءه» ثم قال السيوطي: موضوع وجمهور رواته في الطرق الثلاثة مجاهيل، وفيهم ضعفاء والحديث محال. أهــ.

وقال ابن الجوزي (ج2 ص129) عن حديث جعفر: هذا حديث لا شك أنه موضوع وجمهور رواته في الطرق الثلاثة مجاهيل، وفيها ضعفاء بمرة، والحديث محال قطعاً وقد رأينا كثيراً ممن يصلي هذه الصلاة، ويتفق قصر الليل فيفوتهم صلاة الفجر، ويصبحون كسالى، وقد جعلها جهلة أئمة المساجد مع صلاة الرغائب ونحوها من الصلاة شبكة لجميع العوام، وطلباً لرياسة التقدم، وملأ بذكرها القصاص مجالسهم، وكل ذلك عن الحق بمعزل.

6- (أخبرنا) محمد بن ناصر، أنبانا أبو علي بن البنا، أنبأنا أحمد بن علي الكاتب، أنبأنا أبو سهل عبد الصمد بن محمد القنطري، حدثنا أبو الحسن علي بن أحمد بن عبد الله بن داود، حدثنا محمد ابن حبهان، حدثنا عمر بن عبد الرحيم، حدثنا محمد بن وهب بن عطية الدمشقي عن بقية بن الوليد، عن ليث بن أبي سليم عن القعقاع بن مسور الشيباني عن أبي هريرة مرفوعاً: «من صلى ليلة النصف من شعبان اثنتي عشرة ركعة يقرأ في كل ركعة {قل هو الله أحد} ثلاثين مرة لم يخرج حتى يرى مقعدة من الجنة».

موضوع، فيه مجاهيل، وفيه ليث وبقية، فالبلاء منهم. أهــ.

قلت: قال ابن الجوزي في الموضوعات (ج2 ص129): هذا موضوع أيضاً، وفيه جماعة مجهولون قبل أن يصل إلى بقية وليث وهما ضعفاء فالبلاء ممن قبلهم.

7- (الجوزقاني) أنبأنا أبو الحسن علي بن أبي الحسن بن محمد الكرخي، حدثنا أبو عبد الله الحسين بن علي بن محمد الخطيب، أنبأنا الحاكم أبو القاسم عبد الله بن أحمد الحسكاني، حدثنا أبو القاسم عبد الخالق بن علي المؤذن، حدثنا جعفر بن محمد بن بسطام القومسي، حدثنا أبو جعفر أحمد بن محمد بن جابر، حدثنا أحمد بن عبد الكريم، حدثنا خالد الحمصي، عن عثمان بن سعيد بن كثير، عن محمد بن المهاجر عن الحكم بن عيينة، عن إبراهيم قال: قال علي بن أبي طالب رأيت رسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم ليلة النصف من شعبان قام فصلى أربع عشر ركعة ثم جلس بعد الفراغ فقرأ بأم القرآن أربع عشرة مرة و{قل أعوذ برب الناس} أربع عشر مرة وآية الكرسي مرة {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ} [التوبة:128] الآية فلما فرغ من صلاته سألته عما رأيته من صنيعه فقال: «من صنع مثل الذي رأيت كان له كعشرين حجة مبرورة، وكصيام عشرين سنة مقبولة، فإن أصبح في ذلك اليوم صائماً كان له كصيام سنتين: سنة ماضية وسنة مستقبلة».

موضوع، وإسناده مظلم، ومحمد بن مهاجر يضع.

قال السيوطي: (قلت) أخرجه البيهقي في الشعب أنبأنا عبد الخالق به، وقال: يشبه أن يكون هذا الحديث موضوعاً وهو منكر.

وفي رواية قيل عثمان بن سعيد مجهولون -هكذا- والله أعلم. (وكأنها قبل عثمان).

قلت: قال ابن الجوزي في الموضوعات (ج2 ص130): وهذا موضوع أيضاً، وإسناده مظلم وكان واضعه يكتب من الأسماء ما وقع له ويذكر قوماً ما يعرفون، وفي الإسناد محمد بن مهاجر قال ابن حنبل: يضع الحديث. وقد ُرويت صلوات أخر موضوعة فلم أر التطويل بذكره إلاّ الخفي بطلانه.

8- قال الترمذي في سننه (ج3 ص116) باب ما جاء في ليلة النصف من شعبان: حدثنا أحمد بن منيع، حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا الحجاج بن أرطأه، عن يحيى بن أبي كثير، عن عروة، عن عائشة قالت: فقدت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ليلة فخرجت فإذا هو بالبقيع فقال: «أكنت تخافين أن يحيف الله عليك ورسوله؟ قلت: يا رسول الله إني ظننت أنك أتيت بعض نسائك، فقال: إن الله عز وجل ينزل ليلة النصف من شعبان على السماء الدنيا فيغفر لأكثر من عدد شعر غنم كلب».

قال الترمذي: حديث عائشة لا نعرفه إلاّ من هذا الوجه من حديث الحجاج وسمعت محمداً يضعف هذا الحديث.

وقال: يحيى بن أبي كثير لم يسمع من عروة، والحجاج بن أرطأة لم يسمع من يحيى بن أبي كثير.

قلت: وأخرجه ابن الجوزي في العلل المتناهية (ج 2 ص 556) برقم (915) وذكر عقبة كلام الترمذي المذكور قبل.

ثم قال: وقال الدار قطني: قد روي من وجوه، وإسناده مضطرب غير ثابت.

قلت: وذكر ابن الجوزي لهذا الحديث أربع طرق.

الأولى: من طريق سليمان بن أبي كريمة وأحاديثه مناكير كما قال ابن عدي وقال ابن الجوزي لا يصح.

الثانية: من طريق سعيد بن عبد الكريم قال فيه أبو الفتح الأزدي الحافظ: متروك.

الثالثة: من طريق عطاء بن عجلان قال يحيى: ليس بشيء كذاب كان يوضع له الحديث فيحدث به، وقال الرازي: متروك الحديث. وقال ابن حبان: يروي الموضوعات عن الثقات لا يحل كتب حديثه إلا على جهة الاعتبار.

الرابعة: من طريق الأحوص بن حكيم قال فيه أحمد بن حنبل: لا يُروى حديثه. وقال يحيى: ليس بشيء. وقال الدر قطني: منكر الحديث.

قال: والحديث مضطرب غير ثابت.

9- قال ابن الجوزي في العلل المتناهية (ج2 ص562): أنا أبو بكر محمد بن عبيد الله الزاغوني، قال نا طراد بن محمد، قال: أخبرنا هلال بن محمد فيما أذن لنا أن نرويه عنه أن علي بن محمد المصري حدثهم قال حدثنا يحيى بن عثمان - هو ابن صالح - قال: نا يحيى بن بكر، قال: ثنا المفضل بن فضالة عن عيسى بن إبراهيم القرشي عن سلمة بن سليمان الجزري عن مروان بن سالم، عن ابن كردوس، عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «من أحيا ليلتي العيد وليلة النصف من شعبان لم يمت قلبه يوم تموت فيه القلوب» قال ابن الجوزي: هذا حديث لا يصح عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وفيه آفات: أما مروان بن سالم فقال أحمد: ليس بثقة. وقال النسائي والدارقطني والأزدي: متروك. وأما سلمة بن سليمان: فقال الأزدي: هو ضعيف. وأما عيسى فقال يحيى: ليس بشيء. أهـ.

قال الذهبي: هذا حديث منكر مرسل.

وقال الحافظ: مروان متروك وشيخه لا يعرف اسمه ولا له ولا لأبيه ذكر إلاَّ من جهة مروان. كما في الفتوحات الربانية (ج 4 ص 235).

10- قال ابن الجوزي رحمه الله (ج 2 ص124): أنبأنا علي بن عبيد الله بن الزاغوني، أنبأنا أبو زيد عبد الله بن عبد الملك الأصفهاني، أنبأنا أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد بن إسحاق بن مندة ح و أنبأنا محمد بن ناصر الحافظ، أنبأنا أبو القاسم بن مندة، أنبأنا أبو الحصين علي بن عبد الله بن جهيم الصوفي، حدثنا علي بن محمد بن سعيد البصري، حدثنا أبي، حدثنا خلف بن عبد الله وهو الصغاني عن حميد الطويل، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «رجب شهر الله وشعبان شهري ورمضان شهر أمتي...» وفيه: «فقام شيخ ضعيف قال: يا رسول الله إني لأعجز عن صيامه كله، فقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: أول يوم منه فإن الحسنة بعشر أمثالها، وأوسط يوم منه وآخر يوم منه فإنك تعطى ثواب من صامه كله...» الحديث.

قال ابن الجوزي رحمه الله: هذا حديث موضوع على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وقد اتهموا به ابن جهيم ونسبوه إلى الكذب، وسمعت شيخنا عبد الوهاب الحافظ يقول: رجاله مجهولون، وقد فتشت عليهم جميع الكتب فما وجدتهم، انتهى المراد، وانظر تنزيه الشريعة (ج2 ص90).

***

مما تقدم تبين لنا ضعف الأحاديث التي يتمسك بها المجيزون لإحياء ليلة النصف من شعبان، بل تبين أن ضعفها شديد بحيث لا ينجبر، فهي إما ضعيفة جدا أو موضوعة على النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

ولا يقال: إنه يجوز العمل بالأحاديث الضعيفة في فضائل الأعمال فإن الذين يجيزون العمل بالضعيف يشترطون أن يكون الضعف يسيراً وهو منعدم هنا، بل الصحيح أنه لا يعمل بالضعيف مطلقاً كما قال الحافظ ابن حجر في كتابه (تبيين العجب) ص12: "ولا فرق في العمل بالحديث في الأحكام أو الفضائل إذ الكل شرع" أهـ.

فإحياء هذه الليلة يُعَدُّ من البدع المحدثة في الدين، والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردٌّ» [متفق عليه من حديث عائشة رضي الله عنها]. وقال أيضاً: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو ردٌّ» [رواه مسلم من حديث عائشة أيضاً، وعلقه البخاري في صحيحه].

ولا شك أن الذين يحيون هذه الليلة يتقربون بعملهم هذا إلى الله ولا دليل يدل على شرعية عملهم هذا إلاَّ ما تقدم من الأحاديث الضعيفة والموضوعة، ولو كان هذا العمل قربة إلى الله لوصل إلينا ولو حديث واحد يصرح بشرعية إحياء هذه الليلة وصيام يومها كما ورد في صيام الأيام البيض وقيام ليلة القدر وهكذا.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في اقتضاء الصراط المستقيم ص 302: فأما صوم يوم النصف - يعني من شعبان - مفرداً فلا أصل له، بل إفراده مكروه وكذلك اتخاذه موسماً تصنع فيه الأطعمة وتظهر فيه الزينة: هو من المواسم المحدثة المبتدعة التي لا أصل لها.

وكذلك ما قد أحدث ليلة النصف من الاجتماع العام للصلاة الألفية في المساجد الجامعة ومساجد الأحياء والدور والأسواق فإن هذا الاجتماع لصلاة نافلة مقيدة بزمان وعدد وقدر من القراءة مكروه لم يشرع، فإن الحديث الوارد في الصلاة الألفية موضوع باتفاق أهل العلم بالحديث. انتهى المراد.

قلت: والذي تقدم ذكره من فضيلة هذه الليلة ليس فيه دليل على إحيائها ولا على إفرادها بالصيام، وإنما ثبت فضيلة شهر شعبان كله، فقد كان النبي عليه الصلاة والسلام يصوم أكثر شعبان. فنحن إذا أردنا أن نقتدي به فعلينا أن نعمل بعمله، وهو عليه الصلاة والسلام لم يُضِفْ إلى صيامه إحياءً لبعض الليالي ولا صلاة زائدة في بعض الليالي، ولا شك أنه خير من عبد الله سبحانه وتعالى، وخير الهدى هدي محمد عليه الصلاة والسلام.

وسنذكر إن شاء الله تعالى أمثلة على ما ورد وثبت في الشرع من الحث على إحياء بعض الليالي أو صيام بعض الأيام.

فصل في الأيام التي خصها الشرع بصيام

وهذه الأيام هي كالتالي:

1- الاثنين والخميس: أخرج مسلم في صحيحه من حديث أبي قتادة رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام سئل عن صوم يوم الاثنين فقال: «ذاك يوم ولدت فيه و يوم بعثت -أو- أنزل عليَّ فيه».

وروى النسائي والترمذي وابن ماجة عن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان النبي عليه الصلاة والسلام يتحرى صوم الاثنين والخميس».

2- صيام عاشوراء: روى البخاري ومسلم من حديث ابن عباس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم صام يوم عاشوراء وأمر بصيامه.

وعند مسلم أن النبي سئل عن صيام يوم عاشوراء فقال: «يكفر السنة الماضية».

3- صيام يوم عرفة لغير الحاج: روى مسلم في صحيحه من حديث أبي قتادة رضي الله عنه قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن صوم يوم عرفة قال: «يكفر السنة الماضية والباقية».

4- صيام السِّتِّ من شوال: روى مسلم في صحيحه من حديث أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «من صام رمضان ثم أتبعه ستّاً من شوال كان كصيام الدهر».

5- صيام الأيام البيض من كل شهر عربي وهي (15،14،13): روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال النبي عليه الصلاة والسلام: «صوم ثلاثة أيام من كل شهر صوم الدهر كله».

وأخرج النسائي وأبو داود في سننهما من حديث قتادة بن ملحان رضي الله عنه قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يأمرنا بصيام أيام البيض: ثلاث عشرة و أربع عشرة وخمس عشرة».

ومما لاشك فيه ولا ريب أن يوم الجمعة من أعظم الأيام، وهو خير يوم طلعت عليه الشمس. فقد ثبت في صحيح مسلم وغيره من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة، فيه خُلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها...» الحديث.

وهناك أحاديث أخرى في فضل يوم الجمعة، ومع هذا كله فقد نهانا النبي عليه الصلاة والسلام عن تخصيص يومها بصيام وليلها بقيام.

ففي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم قال: «لا تخصوا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي، ولا تخصوا يوم الجمعة بصيام من بين الأيام إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم».

وفي البخاري من حديث جويرية بنت الحارث رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم دخل عليها يوم الجمعة وهي صائمة فقال: «أصمت أمس؟ قالت: لا، قال: أتريدين أن تصومي غداً؟ قالت: لا، قال: فأفطري».

وفي الصحيحين عن محمد عباد أنه سأل جابرًا رضي الله عنه وهو يطوف بالبيت: «أنهى النبي عليه الصلاة والسلام عن صيام يوم الجمعة؟ قال: نعم ورب هذا البيت».

فتبين من هذا النهيُ عن صيام يوم الجمعة وحده إلا أن يوافق صيامًا لأحد، وإلاَّ أن يصوم يومًا قبله أو يومًا بعده.

فصل في الليالي التي حضَّ الشَّرع على قيامها

قبل الشروع بذكر هذه الليالي نحب أن ننوه إلى أنه يستحب قيام بعض الليل من كل ليلة لما في ذلك من الفضل، وخاصة في الثلث الأخير من الليل. لما روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فينادي: هل من سائل فأعطيه، هل من مستغفر فأغفر له...» الحديث بمعناه. وفيه حتى يطلع الفجر.

وقد رغب النبي عليه الصلاة والسلام في قيام الليل دون تحديد لأيام معلومة. فروى أبو داود وابن ماجة في سننهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «رحم الله رجلاً قام من الليل فصلى وأيقظ امرأته فإن أبت نضح في وجهها الماء، رحم الله امرأة قامت من الليل فصلت وأيقظت زوجها فإن أبى نضحت في وجهه الماء».

وأما تحديد ليلة بعينها كليلة الاثنين أو الخميس أو الجمعة أو رأس السنة الهجرية أو ليلة الإسراء والمعراج أو ليلة الثاني عشر من شهر ربيع - وهي التي يسمونها بليلة المولد - وكليلة النصف من شعبان فإن إحياء هذه الليالي لخصوصها يعد من البدع المحدثة في دين الله نعوذ بالله من محدثات الأمور.اللهم إلا قيام ليالي رمضان، فقد جاءت الأحاديث الصحيحة بالحث على قيامها.

فقد روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه».

وأما الليالي المعيّنة فلم يرد إلاَّ في ليلة القدر قال الله تعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ * سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ} [القدر].

وروى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي عليه الصلاة والسلام: «من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه».

بل أمر النبي عليه الصلاة والسلام بتحرِّيها في العشر الأواخر من رمضان بل في الوتر من العشر الأواخر من رمضان، ثبت ذلك من حديث عائشة رضي الله عنها في الصحيحين.

تقدم أن أوضحنا ضعف أدلة المجيزين لإحياء ليلة النصف من شعبان، ولما كانت هذه الصلاة التي يقيمها القوم من جملة البدع المحدثة في الدين، أستحب أن ننبه إلى أن البدعة إما أن تكون حقيقية أو إضافية. قال الإمام الشاطبي في كتابه القيم (الاعتصام) (ج2 ص286): إن البدعة الحقيقية هي التي لم يدل عليها دليل شرعي لا من كتاب ولا من سنة ولا إجماع ولا استدلال معتبر عند أهل العلم لا في الجملة ولا في التفصيل، ولذلك سميت بدعة - كما تقدم - لأنها شيء مخترع على غير مثال سابق. وإن كان المبتدع يأبى أن يُنسب إليه الخروج عن الشرع إذ هو مدع أنه داخل بما استنبط تحت مقتضى الأدلة، لكن تلك الدعوى غير صحيحة لا في نفس الأمر ولا بحسب الظاهر، أما بحسب نفس الأمر فبالعرض، وأما بحسب الظاهر فإن أدلته شبه ليست بأدلة إن تثبت أنه استدل، و إلاَّ فالأمر واضح.

وأما البدعة الإضافية فهي التي لها شائبتان:

إحداهما: لها في الأدلة متعلق فلا تكون من تلك الجهة بدعة.

والأخرى: ليس لها متعلق إلاَّ مثل ما للبدعة الحقيقية، فلما كان العمل الذي له شائبتان لم يتخلص لأحد الطرفين وضعنا له هذه التسمية وهي (البدعة الإضافية).

أي أنها بالنسبة إلى إحدى الجهتين سنة لأنها مستندة إلى دليل، وبالنسبة إلى الجهة الأخرى بدعة لأنها مستندة إلى شبهة لا إلى دليل أو غير مستندة إلى شيء.

والفرق بينهما من جهة المعنى: أن الدليل عليها من جهة الأصل قائم ومن جهة الكيفيات أو الأحوال أو التفاصيل لم يقم عليها، مع أنها محتاجة إليه، لأن الغالب وقوعها في التعبديات لا في العاديات المحضة. انتهى المراد.

ونحن إذا أردنا أن نطبق ما قاله الإمام الشاطبي على صلاة النصف من شعبان نجد أن كونها بدعة إضافية: أنها مشروعة باعتبار، غير مشروعة باعتبار آخر، فإذا نظرنا إلى أصل الصلاة من حيث هي نجد أنها مشروعة، وذلك لحديث «الصلاة خيرٌ موضوعٌ» وإذا نظرنا إلى ما عرض لها من جعلها في وقت مخصوص وقراءة مخصوصة وكيفية مخصوصة وفي مكان مخصوص وجدنا أنها بدعة.

فكانت مشروعة لذاتها بدعة لما عرض لها.

وسواء كان أداؤها على الانفراد أو على الاجتماع، وأداؤها بصورة جماعية في المساجد أضر من أدائها على الانفراد، وكلا الأمرين بدعة ضلالة.

وأود أن أذكٍّر إخواننا المسلمين - ونحن نتكلم في هذا الصدد عن البدع - بضرر البدعة في الدين، فإن ارتكاب البدع يعد حاجزا منيعا بين العبد وبين قبول توبته، فمهما حاول أن يتوب من أي ذنب وهو ما زال مرتكباً لأي بدعة كانت فإن الله تعالى لا يقبل توبته من أي ذنب حتى يدع بدعته، فكيف إذا كان هذا المسكين مرتكباً لبدع كثيرة فإنه يجب عليه أن يترك كل البدع من أجل أن يتقبل الله توبته.

 

فقد ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «إن الله حجب التوبة عن كل صاحب بدعة حتى يدع بدعته».