arrow down

تسليح الشجعان بحكم الاحتفال بليلة النصف من شعبان (3)

فضيلة د. عقيل بن محمد المقطري ( عضو رابطة علماء المسلمين )

فإن قيل: فماذا تقولون بفعل بعض التابعين لها من أهل الشام مثل: خالد بن معدان ومكحول ولقمان بن عامر فإنهم يعظمونها ويجتهدون فيها في العبادة وشاع بين الناس فعلها بعد ذلك، وهذا ما ذكره ابن رجب في كتابه لطائف المعارف.

قلنا: الجواب ما ذكره ابن رجب نفسه حيث قال: وقد قيل: إنه بلغهم في ذلك آثار إسرائيلية فلما اشتهر ذلك عنهم في البلدان اختلف الناس في ذلك، فمنهم من قبله منهم ووافقهم على تعظيمه منهم طائفة من عباد أهل البصرة وغيرهم، وأنكر ذلك أكثر علماء الحجاز.

وجواب آخر هو أنه اجتهاد منهم وهو ليس بحجة، إذ هو ليس بإجماع، ثم هم قد اختلفوا في صفة هذه العبادة في تلك الليلة، فمنهم من جعلها بصورة انفرادية وبعضهم بصورة جماعية، وأكثر التابعين لم يفعلوها، فالإمام مالك وعطاء وغيرهما يقولان هي بدعة.

* * *

فصل في شُبَه المجيزين لإحياء ليلة النصف من شعبان

من شبه المجيزين لإحياء ليلة النصف من شعبان ما ذكره بعض المفسرين أن ليلة القدر هي ليلة النصف من شعبان.

إذا نظرنا في كتب التفسير وجدنا أنهم قد اختلفوا في تفسير قول الله تعالى: {فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ} [الدخان:4].

فمنهم من يقول إنها ليلة النصف من شعبان، وجمهورهم على أن هذه الليلة هي في رمضان بل في العشر الأواخر منه.

وسنذكر كلام الفريقين إن شاء الله تعالى.

على أن القائلين بأنها ليلة النصف من شعبان قد ذكروا لهذه الليلة أربعة أسماء (الليلة المباركة، وليلة البراءة، وليلة الصك، وليلة الرحمة).

وقالوا إن هذه الليلة تختص بخمس خصال:

الأولى: تفريق كل أمر حكيم فيها قال تعالى: {فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ} [الدخان:4].

الثانية: فضيلة العبادة فيها: لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «من صلى في هذه الليلة مائة ركعة أرسل الله إليه مائة ملك..» الحديث.

قلت: تقدم أن بيَّنا أن هذا الحديث موضوع على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

الثالثة: نزول الرحمة لحديث: «إن الله يغفر لأمتي في هذه الليلة بعدد شعر غنم كلب».

الرابعة: حصول المغفرة لحديث: «إن الله يغفر لجميع المسلمين تلك الليلة إلا لكاهن أو مشاحن...».

الخامسة: أنه تعالى أعطى رسوله عليه الصلاة والسلام تمام الشفاعة.

ذكر هذا كله الرازي في تفسيره فراجعه. والأحاديث المذكورة سبق الكلام عليها.

أدلّة القائلين أنها ليلة النصف من شعبان:

اعتمادهم على قول عكرمة حيث قال ابن جرير رحمه الله:

حدثنا الفضل بن الصباح والحسن بن عرفة قالا: حدثنا الحسن بن إسماعيل البجلي عن محمد بن سوقة عن عكرمة في قول الله تبارك وتعالى: {فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ} [الدخان:4] قال ليلة النصف من شعبان يبرم فيها أمر السنة وتنسخ الأحياء من الأموات ويكتب الحاج فلا يزاد فيهم أحد ولا ينقص منهم أحد.

حدثني عبيد بن آدم بن أبي إياس، قال: ثنا أبي قال: ثنا الليث عن عقيل بن خالد، عن ابن شهاب، عن عثمان بن محمد المغيرة بن الأخنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «تقطع الآجال من شعبان إلى شعبان حتى إن الرجل لينكح ويولد له وقد خرج اسمه في الموتى».

قلت: هذا حديث مرسل لأن عثمان بن محمد بن المغيرة بن الأخنس هذا صدوق له أوهام، وهو من الطبقة السادسة كما ذكر ذلك الحافظ في التقريب. فالحديث ضعيف.

قال: حدثني محمد بن معمر قال: ثنا أبو هشام قال: ثنا عبد الواحد، قال: حدثنا عثمان بن حكيم، قال: ثنا سعيد بن جبير، قال: قال ابن عباس: إن الرجل ليمشي في الناس وقد رفع في الأموات. قال: ثم قرأ هذه الآية: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ} [الدخان:3-4].

قال: ثم قال: يفرق فيها أمر الدنيا من السنة إلى السنة. ولكن هذه الأقوال غريبة وجمهور المفسرين على أن هذه الليلة إنما هي ليلة القدر وسنذكر إن شاء الله أقوال المفسرين:

1- قال ابن جرير رحمه الله بعد أن ساق كلام الفريقين: وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال: ذلك ليلة القدر لما قد تقدم من بياننا عن أن المعني بقوله {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ} [الدخان:3] ليلة القدر.

2- وقال الرازي: وأما القائلون بأن المراد من الليلة المباركة المذكورة في هذه الآية هي ليلة النصف من شعبان فما رأيت لهم فيه دليلاً يعول عليه، وإنما قنعوا فيه بأن نقلوه عن بعض الناس، فإن صح عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فيه كلام فلا مزيد عليه وإلاَّ فالحق هو الأول.

قلت: يعني أنها ليلة القدر ولم يصح عن رسول الله في ذلك شيء.

3- قال الإمام الحافظ ابن كثير رحمه الله: يقول تعالى - مخبراً عن القرآن العظيم - إنه أنزله في ليلة مباركة وهي ليلة القدر كما قال عز وجل: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} [القدر:1]، وكان ذلك في شهر رمضان كما قال تبارك وتعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} [البقرة:185].

وقد ذكرنا الأحاديث الواردة في ذلك في سورة البقرة بما أغنى عن إعادته. ومن قال: إنها ليلة النصف من شعبان كما روي عن عكرمة، فلقد أبعد النجعة.

فإن نص القرآن أنها في رمضان، والحديث الذي رواه عبد الله بن صالح عن الليث عن عقيل عن الزهري أخبرني عثمان بن محمد بن المغيرة بن الأخنس قال: إن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «تقطع الآجال من شعبان إلى شعبان، حتى إن الرجل لينكح ويولد له وقد أخرج اسمه في الموتى» فهو حديث مرسل، ومثله لا يعارض به النصوص.

وقوله عز وجل: {إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ} [الدخان:3] أي معلمين الناس ما ينفعهم ويضرهم شرعاً لتقوم حجة الله على عباده، وقوله {فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ} [الدخان:4] أي في ليلة القدر يفصل من اللوح المحفوظ إلى الكتبة أمر السنة وما يكون فيها من الآجال والأرزاق وما يكون فيها إلى آخرها.

وهكذا رُوِيَ عن ابن عمر ومجاهد وأبي مالك والضحاك وغير واحد من السلف. انتهى.

4- قال مجاهد في تفسيره:... في ليلة القدر يفرق كل أمر يكون في السنة إلى مثلها من السنة الأخرى من المعاش والمصائب كلها إلا الحياة والموت. وعن أبي عبد الرحمن السلمي أنه قال: يفرق في ليلة القدر أمر السنة إلى مثلها من قابل.

5- قال الإمام القرطبي عليه رحمه الله تعالى: والليلة المباركة ليلة القدر ويقال: ليلة النصف من شعبان.

قال: وقال عكرمة: الليلة المباركة ها هنا ليلة النصف من شعبان، والأول أصح لقوله تعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} [القدر:1] قال قتادة وابن زيد: أنزل الله القرآن كله في ليلة القدر من أم الكتاب إلى بيت العزة في سماء الدنيا، ثم أنزله الله على نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم في الليالي والأيام في ثلاث وعشرين سنة. وهذا المعنى قد مضى في البقرة عند قوله تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} [البقرة:185].

ويأتي آنفاً إن شاء الله.

إلى أن قال: وقال عكرمة: هي ليلة النصف من شعبان: وذكر كلامه. ثم ذكر أن صاحب كتاب العروس اختار أن الليلة التي يفرق فيها كل أمر حكيم هي ليلة النصف من شعبان وأنها تسمى ليلة البراءة.

قال: وقد ذكرنا قوله والرد عليه في غير هذا الموضع وأن الصحيح إنما هي ليلة القدر على ما بيناه.

6- قال الزمخشري: والأكثر أن المراد بالليلة المباركة ليلة القدر لقوله تعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} [القدر:1]، ولمطابقة قوله: {فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ} [الدخان:4]، لقوله: {تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ} [القدر:4] وقوله تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} [البقرة:185].

7- قال الإمام الشوكاني رحمه الله: والحق ما ذهب إليه الجمهور من أن هذه الليلة المباركة هي ليلة القدر لا ليلة النصف من شعبان، لأن الله سبحانه أجملها هنا وبينها في سورة البقرة بقوله: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} [البقرة:185]، وبقوله في سورة القدر: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} [القدر:1] فلم يبق بعد هذا البيان الواضح ما يوجب الخلاف ولا ما يقتضيه الاشتباه.

8- قال أبو بكر بن العربي في أحكام القرآن: المسألة الثالثة: تعيين هذه الليلة.

وجمهور العلماء على أنها ليلة القدر، ومنهم من قال: إنها ليلة النصف من شعبان وهو باطل، لأن الله تعالى قال في كتابه الصادق القاطع: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} [البقرة:185] فنص على أن ميقات نزوله رمضان، ثم عبر عن زمانية الليل ها هنا بقوله: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ} [الدخان:3] فمن زعم أنه في غيره فقد أعظم الفرية على الله، وليس في ليلة النصف من شعبان حديث يُعَوَّل عليه لا في فضلها ولا في نسخ الآجال فلا تلتفتوا إليه. أهــــ.

9- قال الشيخ الشنقيطي رحمه الله (في أضواء البيان): وقد بيَّن تعالى أن هذه الليلة هي ليلة القدر التي أنزل فيها القرآن من شهر رمضان في قوله تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} [البقرة:185]. فدعوى أنها ليلة النصف من شعبان كما رُوِيَ عن عكرمة وغيره لاشك في أنها دعوى باطلة لمخالفتها لنص القرآن الصريح، ولا شك كل ما خالف الحق فهو باطل.

والأحاديث التي يوردها بعضهم - في أنها من شعبان - المخالفة لصريح القرآن لا أساس لها، ولا يصح سند شيء منها كما جزم به ابن العربي وغير واحد من المحققين.

فالعجب كل العجب من مسلم يخالف نص القرآن الصريح فلا مستند كتاب ولا سنة صحيحة.

10- قال ابن الجوزي في تفسيره (زاد المسير):

أحدهما: أنها ليلة القدر وهو قول الأكثرين.

والثاني: أنها ليلة النصف من شعبان قاله عكرمة.

11- قال القاسمي رحمه الله: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ} [الدخان:3] يعني ليلة القدر التي قدر فيها سبحانه إنزال ذكره الحكيم وكانت في رمضان كما قال سبحانه: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} [البقرة:185].

12- قال الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي في تفسيره: هي ليلة القدر.

13- قال المراغي في تفسيره: هي ليلة القدر.

* * *

فصل في أقوال أهل العلم في حكم الاحتفال بليلة النصف من شعبان

1- شيخ الإسلام ابن تيمية:

قال رحمه الله في كتابه (اقتضاء الصراط المستقيم في مخالفة أصحاب الجحيم ص302):... وليلة النصف من شعبان قد روي في فضلها من الأحاديث المرفوعة والآثار ما يقتضي أنها مفضلة، وأن من السلف من كان يخصها بالصلاة فيها. وصوم شهر شعبان قد جاءت فيه أحاديث صحيحة. ومن العلماء من السلف ومن أهل المدينة وغيرهم من الخلف من أنكر فضلها، وطعن في الأحاديث الواردة فيها كحديث «إن الله يغفر فيها لأكثر من عدد شعر غنم بني كلب»، وقال: لا فرق بينها وبين غيرها. لكن الذي عليه كثير من أهل العلم أو أكثرهم من أصحابنا وغيرهم على تفضيلها، وعليه يدل نص أحمد، لتعدد الأحاديث الواردة فيها وما يصدق ذلك من الآثار السلفية. وقد رُوِيَ بعض فضائلها في المسانيد والسنن، وإن كان قد وضع فيها أشياء أخر. فأما صوم يوم النصف مفرداً فلا أصل له، بل إفراده مكروه، وكذلك اتخاذه موسماً تصنع فيه الأطعمة وتظهر فيه الزينة هو من المواسم المحدثة المبتدعة التي لا أصل لها. وكذلك ما قد أحدث في ليلة النصف من الاجتماع العام للصلاة الألفية في المساجد الجامعة ومساجد الأحياء والدور والأسواق فإن هذا الاجتماع لصلاة نافلة مقيدة بزمان وعدد وقدر من القراءة مكروه لم يشرع، فإن الحديث الوارد في الصلاة الألفية موضوع باتفاق أهل العلم بالحديث، وما كان هكذا لا يجوز استحباب صلاة بناء عليه، وإذا لم يستحب فالعمل المقتضي لاستحبابها مكروه ولو سوغ أن كل ليلة لها نوع فضل تخص بصلاة مبتدعة يجتمع لها لكان يفعل مثل هذه الصلاة أو أزيد أو أنقص ليلتي العيد وليلة عرفة، كما أن بعض أهل البلاد يقيمون مثلها أول ليلة من رجب، وكما بلغني أنه كان بعض أهل القرى يصلون بعد المغرب مثل المغرب في جماعة يسمونها صلاة بر الوالدين... إلى أن قال رحمة الله عليه: وعليك أن تعلم أنه إذا استحب التطوع المطلق في وقت معين وجوز التطوع في جماعة لم يلزم من ذلك تسويغ جماعة راتبة غير مشروعة، بل ينبغي أن تفرق بين البابين.

وقال كما في الفتاوى (ج2ص2) إجابة على سؤال: وعامة تطوعاته إنما كان يصليها مفرداً، وهذا الذي ذكرناه في التطوعات المسنونة. فأما إنشاء صلاة بعدد مقدر وقراءة مقدرة في وقت معين تصلى جماعة راتبة كهذه الصلوات المسؤول عنها كصلاة الرغائب في أول جمعة من رجب والألفية في أول رجب ونصف شعبان وليلة سبع وعشرين من شهر رجب وأمثال ذلك.

فهذا غير مشروع باتفاق أئمة الإسلام كما نص على ذلك العلماء المعتبرون، ولا ينشئ مثل هذا إلا جاهل مبتدع، وفتح مثل هذا الباب يوجب تغيير شرائع الإسلام، وأخذ نصيب من حال الذين شرعوا من الدين ما لم يأذن به الله. والله أعلم.

وقال في الفتاوى (ج23 ص134): (صلاة الرغائب) بدعة باتفاق أئمة الدين لم يسنها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولا أحد من خلفائه، ولا استحبها أحد من أئمة الدين كمالك والشافعي وأحمد وأبي حنيفة والثوري والأوزاعي والليث وغيرهم. والحديث المروي فيها كذب بإجماع أهل المعرفة بالحديث، وكذلك الصلاة التي تذكر أول ليلة من رجب وفي ليلة المعراج وألفية نصف شعبان والصلاة يوم الأحد والاثنين وغير هذا من أيام الأسبوع، وإن كان قد ذكرها طائفة من المصنفين في الرقائق فلا نزاع بين أهل المعرفة بالحديث أن أحاديثها كلها موضوعة ولم يستحبها أحد من أئمة الدين.

وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال: «لا تخصوا ليلة الجمعة بقيام ولا يوم الجمعة بصيام»، والأحاديث التي تذكر في صيام يوم الجمعة وليلة العيدين كذب على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. والله أعلم.

وسئل شيخ الإسلام عن صلاة نصف شعبان كما في الفتاوى (ج23ص131): فأجاب: إذا صلى الإنسان ليلة النصف وحده أو في جماعة خاصة كما كان يفعل طوائف من السلف فهو أحسن، وأما الاجتماع في المساجد على صلاة مقدرة كالاجتماع على مائة ركعة بقراءة ألف {قل هو الله أحد} دائما فهذا بدعة لم يستحبها أحد من الأئمة. والله أعلم.

قلت: أما قوله: "إذا صلى وحده أو في جماعة خاصة كما يفعل طوائف من السلف فهو أحسن" فلا دليل عليه، والتحسين يحتاج إلى دليل يدل عليه، فالحسن ما حسنه الشرع والقبيح ما قبحه الشرع، والسلف قد اختلفوا في كيفية هذه الصلاة، وجمهورهم على إنكارها، وقد قيل إنهم اعتمدوا على آثار إسرائيلية كما قاله ابن رجب في لطائف المعارف، فإذا كان الخلاف الحاصل بين الصحابة أنفسهم ليس بحجة وهم أعلم الناس بمراد الشارع، فكيف باختلاف التابعين، فلا شك أنه من باب أولى ليس بحجة.

هذا وقد رد الشيخ العلامة عبد العزيز بن باز على قول من حسن إحيائها منفرداً انظره (ص13) من كتابه (التحذير من البدع) وسيأتي إن شاء الله عندما ننقل فتواه.

2- ابن الصلاح رحمه الله:

كما في (مساجلة علمية بين العز بن عبد السلام وبينه) [ط. المكتب الإسلامي ص40]، وقد ذكر ذلك العز بن عبد السلام كما في ص39 حيث قال: ثم إني ظفرت للمذكور بفتيتين قد أجاب فيهما قبل ذلك بما يوافق، وإن كان قد أخطأ في أمور لا تتعلق بما نحن فيه.

قلت: هذه الفتاوى التي ظفر بها العز بن عبد السلام يعني قبل أن ينازع وقبل أن يقول بشرعيتها فابن الصلاح رحمه الله اضطرب في ذلك فتارة يقول ببدعيتها ويوافق العز بن عبد السلام وتارة يقول بشرعيتها ويصليها مع الناس في المساجد. وهذه هي الفتوى التي سئل فيها وإجابته: بسم الله الرحمن الرحيم، ما تقول السادة الفقهاء أئمة الدين رضي الله عنهم فيمن ينكر على من يصلي في ليلة الرغائب ونصف شعبان، ويقول: إن الزيت الذي يشعل فيها حرام وتفريط، ويقول: إن ذلك بدعة، وما لها من فضل، ولا ورد في الحديث عن النبي صلى الله وعليه وعلى آله وسلم فيها فضل ولا شرف. فهل هو على الصواب أو على الخطأ؟ أفتونا رضي الله عنكم.

وجوابه: اللهم وفق وارحم. أما الصلاة المعروفة في ليلة الرغائب فهي بدعة، وحديثها المروي موضوع، وما حدثت إلاَّ بعد أربعمائة سنة من الهجرة، وليس لليلتها تفضيل على أشباهها من ليالي الجمع.

وأما ليلة النصف من شعبان فلها فضيلة وإحياؤها بالعبادة مستحب ولكن على الانفراد من غير جماعة، واتخاذ الناس لها ولليلة الرغائب موسما وشعارا بدعة منكرة، وما يزيدونه فيهما على الحاجة والعادة من الوقيد ونحوه فغير موافق للشريعة، والألفية التي تصلى في ليلة النصف لا أصل لها ولأشباهها.

ومن العجب حرص الناس على المبتدع في هاتين الليلتين وتقصيرهم في المؤكدات الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم والله المستعان وهو يعلم.

وكتب/ابن الصلاح

قلت: أما استحبابه لإحياء ليلة النصف من شعبان بالعبادة وعلى سبيل الانفراد فمما لا دليل عليه، فلا يستحب إحياؤها أكثر من اعتياده في الأيام الأخرى، لأن الاستحباب يفتقر إلى الدليل ولا دليل هنا.

وانظر كلام الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز (ص15) من كتابه (التحذير من البدع).

3- الإمام النووي: كما في كتاب (مساجلة علمية ص 45-47)، وقد ورد إليه سؤال هذا نصه: ما يقول السادة العلماء أئمة الدين رضي الله عنهم في صلاة الرغائب وصلاة نصف شعبان الجارية بهما عادة الناس الآن هل صلاهما النبي صلى الله عليه وسلم أو أحد من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين أو صلاهما أحد من الأئمة الأربعة المشهورين أعني الإمام أبا حنيفة والإمام الشافعي ومالكاً وأحمد بن حنبل أو أشاروا بصلاتهما، وهل ورد فيهما شيء عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهل هما موافقتان لمراد الشارع أم لا؟ وهل الأولى فعلهما أو تركهما؟ وهل الوقيد في هاتين الليلتين الخارج عن العادة حرام أو مكروه أو مباح؟ أفتونا مأجورين.

فأجاب رحمه الله: الحمد لله، هاتان الصلاتان لم يصلهما النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولا أحد من الصحابة رضي الله عنهم، ولا أحد منهم بصلاتهما، ولم يفعلهما أحد ممن يقتدى به، ولم يصح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فيهما شيء ولا أحد يقتدى به، وإنما أُحدثتا في الأعصار المتأخرة، وصلاتهما من البدع المنكرات والحوادث الباطلات، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال: «إياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة»، وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «من أحدث في ديننا هذا ما ليس منه فهو ردٌّ»، وفي صحيح مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو ردٌّ». وينبغي لكل أحد أن يمتنع من هذه الصلاة ويحذر منها وينفر عنها ويقبح فعلها ويشيع النهي عنها. فقد صح عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه». وعلى العلماء من التحذير منها والإعراض عنها أكثر مما على غيرهم لأنهم يقتدى بهم، ولا يغترن أحد بكونها شائعة يفعلها العوام وشبههم فإن الاقتداء إنما يكون برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا بما نهى عنه وحذر منه.

وأما إيقاد النار وإتلاف الزيت الكثير فيه على الوجه المعتاد فمن المنكرات والقبائح المحرمات، وقد صح أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم نهى عن إضاعة المال، ومعناه إخراجه في غير وجهه المأذون فيه، وهذا من ذلك {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور:63].

أعاذنا الله من المبتدعات وحمانا من ارتكاب المخالفات، والله أعلم.

 

وقال رحمه الله كما في كتابه القيم (المجموع): الصلاة المعروفة بصلاة الرغائب، وهي اثنا عشر ركعة بين المغرب والعشاء ليلة أول جمعة من رجب، وصلاة ليلة النصف من شعبان مائة ركعة، هاتان الصلاتان بدعتان منكرتان، ولا يغتر بذكرهما في كتاب قوت القلوب وإحياء علوم الدين،ولا بالحديث المذكور فيهما فإن كل ذلك باطل، ولا يغتر ببعض من اشتبه عليه حكمها من الأئمة فصنَّف ورقات في استحبابها فإنه غالط في ذلك. أهـ.