arrow down

عاشوراء بين الإتباع والابتداع

بحث لفضيلة د. مراد بن أحمد القدسي ( عضو رابطة علماء المسلمين )

منزلة شهر محرم:

فإن شهر محرم من الأشهر الحرم التي ذكرها الله تعالى، قال تعالى: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ وَقَاتِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} [التوبة: 36].

وعن أبي بكرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «السنة اثنا عشر شهراً منها أربعة حرم، ثلاث متواليات: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان» [رواه البخاري: 4662، ومسلم: 1679].

سبب تسميته بهذا الاسم:

شهر الله! سمته العرب بهذا الاسم؛ لأنهم كانوا لا يستحلون فيه القتال، وأضيف إلى الله تعالى إعظاماً له كما قيل للكعبة بيت الله. [لسان العرب: 3/ 138 "حرم"].

قال تعالى: {وَلَيَالٍ عَشْرٍ} [الفجر: 2].

قال ابن العربي رحمه الله تعالى: "في تعيينها أربعة أقوال:

الأول: أنها عشر ذي الحجة؛ روي عن ابن عباس، وقاله جابر، ورواه عن النبي صلى الله عليه وسلم ولم يصح.

الثاني: عشر المحرم؛ قاله الطبري.

الثالث: أنها العشر الأواخر من رمضان.

الرابع: أنها العشر التي أتمها الله لموسى عليه السلام في ميقاته معه" [ا.هـ أحكام القرآن: 4/ 333].

الترغيب بصيام شهر محرم:

ويشرع صيام شهر محرم؛ لحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم, وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل» [رواه مسلم: 1163].

الترغيب بصيام عاشوراء:

وفي هذا الشهر يوم عاشوراء وهو اليوم العاشر منه ولصيام هذا اليوم المبارك فضل عظيم فعن أبي قتادة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: «صيام يوم عاشوراء أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله» [رواه أحمد: 5/ 296، ومسلم 1163].

ويتأكد صيام يوم عاشوراء؛ لحديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: «ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتحرى صيام يوم فضله على غيره إلا هذا اليوم يوم عاشوراء»، وهذا الشهر يعني: شهر رمضان [رواه البخاري: 2006، ومسلم: 1132].

عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: حين صام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عاشوراء وأمر بصيامه، قالوا: «يا رسول الله! إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فإذا كان العام المقبل، إن شاء الله، صمنا اليوم التاسع، قال: فلم يأت العام المقبل، حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم» [رواه مسلم: 2619].

قال الزين بن المنير: "الأكثر على أن عاشوراء هو اليوم العاشر من شهر الله المحرم وهو مقتضى الاشتقاق والتسمية" [فتح الباري: 4/ 770 تنوير الحوالك: 1/ 269 نيل الأوطار: 2/ 313 تحفة الأحوذي: 3/ 397].

وصيام هذا اليوم سنة مؤكدة وليس واجباً؛ لحديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن عاشوراء يوم من أيام الله، فمن شاء صامه ومن شاء تركه» [رواه مسلم: 1136].

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان عاشوراء يوما تصومه قريش في الجاهلية، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يصومه، فلما قدم المدينة صامه وأمر بصيامه، فلما نزل رمضان كان من شاء صامه، ومن شاء لا يصومه» [رواه البخاري: 3744].

ويستحب حث الصبيان على صيامه؛ كما في حديث الربيع بنت معوذ رضي الله عنها قالت: «أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار، من أصبح مفطراً فليتم بقية يومه، ومن أصبح صائماً فليصم، قالت: فكنا نصومه بعد ونصومه صبياننا ونجعل لهم اللعبة من العهن، فإذا بكى أحدهم على الطعام أعطيناه ذاك حتى يكون عند الإفطار» [رواه البخاري: 1690 ومسلم: 1136].

كما يسن صيام يوم قبله أو بعده؛ لحديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صوموا يوم عاشوراء وخالفوا اليهود، وصوموا قبله يوما أو بعده يوما» [رواه أحمد: 1/ 241، وابن خزيمة: 2095 من طريق محمد بن أبي ليلى وفيه كلام].

قال الإمام الشوكاني: "رواية أحمد هذه ضعيفة منكرة من طريق داود بن على عن أبيه عن جده رواه عنه ابن أبي ليلى" [نيل الأوطار: 5/ 328].

وقال الإمام الذهبي: "من منكرات داود بن علي مراتب صوم عاشوراء" [الميزان: 13/ 2].

قال ابن رجب رحمه الله تعالى: "وصح عن ابن عباس من قوله" ا.هـ [لطائف المعارف: 108]، وهذا في صيام يوم بعده أما صيام يوم قبله فقد صح ذلك كما ذكرته أعلاه.

قال ابن حجر رحمه الله تعالى: "وقد كان صلى الله عليه وسلم يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء ولا سيما إذا كان فيما يخالف فيه أهل الأوثان، فلما فتحت مكة واشتهر أمر الإسلام أحب مخالفة أهل الكتاب أيضاً كما ثبت في الصحيح، فهذا من ذلك، فوافقهم أولا وقال: «نحن أحق بموسى منكم» ثم أحب مخالفتهم فأمر بأن يضاف إليه يوم قبله ويوم بعده خلافاً لهم" ا.هـ [فتح الباري: 4/ 770 تحفة الأحوذي: 3/ 397].

قال ابن القيم رحمه الله تعالى: "مراتب صومه ثلاث، أكملها أن يصام قبله يوم وبعده يوم، ويلي ذلك أن يصام التاسع والعاشر، وعليه أكثر الأحاديث، ويلي ذلك إفراد العاشر وحده بالصوم" ا.هـ [زاد المعاد: 2/ 75].

دروس من عاشوراء

1- أحوال صيام عاشوراء:

الأولى: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصوم عاشوراء بمكة، ولا يأمر الناس بصومه.

الثانية: لما قدم الـمدينة وجد اليهود يصومونه، فصامه وأمر الناس بصيامه، حتى أمر من أكل في ذلك اليوم أن يمسك بقية ذلك اليوم، وكان ذلك في السنة الثانية من الهجرة؛ لأنه قدم المدينة في ربيع الأول.

الثالثة: لما فرض رمضان في السنة الثانية نُسِخَ وجوب صوم عاشوراء، وصار مستحباً، فلم يقع الأمر بصيامه إلا سنة واحدة. ويشهد لهذه الحالات أحاديث، منها: حديث عائشة رضي الله عنها قالت: كانت قريش تصوم عـاشوراء في الجاهلية، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصومه، فلما هاجر إلى المدينة، صامه وأمر بصيامه، فلما فرض شهر رمضان قال: «من شاء صامه، ومن شاء تركه».

2- الأمر بمخالفة اليهود في صيام عاشوراء:

كان النبي صلى الله عليه وسلم يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء، حتى أُمر بمخالفتهم، ونُهي عن موافقتهم، فعزم على أن لا يصوم عاشوراء مفرداً، فكانت مخالفته لهم في ترك إفراد عاشوراء بالصوم.

وعلى المسلم أن لا يتكل على صيام هذا اليوم مع مقارفته للكبائر إذ الواجب التوبة من جميع الذنوب.

قال ابن القيم رحمه الله تعالى: "وكاغترار بعضهم على صوم يوم عاشوراء أو يوم عرفة حتى يقول بعضهم: يوم عاشوراء يكفر ذنوب العام كلها، ويبقى صوم عرفة زيادة في الأجر، ولم يدر هذا المغتر أن صوم رمضان والصلوات الخمس أعظم وأجل من صيام يوم عرفة، ويوم عاشوراء، وهي إنما تكفر ما بينهما إذا اجتنبت الكبائر، فرمضان والجمعة إلى الجمعة لا يقويا على تكفير الصغائر إلا مع انضمام ترك الكبائر إليها فيقوي مجموع الأمرين على تكفير الصغائر، فكيف يكفر صوم تطوع كل كبيرة عملها العبد وهو مصر عليها غير تائب منها، هذا محال، على أنه لا يمتنع أن يكون صوم يوم عرفة ويوم عاشوراء يكفر لجميع ذنوب العام على عمومه، ويكون من نصوص الوعد التي لها شروط وموانع ويكون إصراره على الكبائر مانعاً من التكفير، فإذا لم يصر على الكبائر تساعد الصوم وعدم الإصرار، وتعاوناً على عموم التكفير كما كان رمضان والصلوات الخمس مع اجتناب الكبائر متساعدين متعاونين على تكفير الصغائر، مع أنه سبحانه قد قال: {إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} [النساء: 31].

فعلم أن جعل الشيء سبباً للتكفير لا يمنع أن يتساعد، هو وسبب آخر على التكفير، ويكون التكفير مع اجتماع السببين أقوى وأتم منه مع انفراد أحدهما وكلما قويت أسباب التكفير كان أقوي وأتم وأشمل" ا.هـ [الجواب الكافي: 13].

وسبب صيام هذا اليوم المبارك ما جاء في حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، فرأى اليهود تصوم يوم عاشوراء، فقال: «ما هذا؟ قالوا: هذا يوم صالح، هذا يوم نجا الله بني إسرائيل من عدوهم فصامه موسى، قال: فأنا أحق بموسى منكم، فصامه وأمر بصيامه» [رواه البخاري: 1900].

وفي رواية عن أبي موسى الأشعري قال: «كان يوم عاشوراء تعظمه اليهود وتتخذه عيداً، فقال صلى الله عليه وسلم: صوموه أنتم» [رواه البخاري: 1793 ومسلم: 1131].

وفي رواية قال: كان أهل خيبر يصومون يوم عاشوراء ويتخذونه عيداً ويلبسون نساءهم فيه حليهم وشارتهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فصوموه أنتم» [رواه مسلم: 1131].

قال الباجي رحمه الله تعالى: "يحتمل أن تكون قريش تصومه في الجاهلية، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يصومه قبل أن يبعث، فلما بعث ترك ذلك، فلما هاجر وعلم أنه كان من شريعة موسى عليه السلام صامه وأمر بصيامه، فلما فرض رمضان نسخ وجوبه" ا.هـ

وقال ابن القيم رحمه الله تعالى: "إما الإشكال الأول وهو أنه لما قدم المدينة وجدهم يصومون يوم عاشوراء فليس فيه أن يوم قدومه وجدهم يصومونه، فإنه إنما قدم يوم الاثنين في ربيع الأول ثاني عشرة، ولكن أول علمه بذلك بوقوع القصة في العام الثاني الذي كان بعد قدومه المدينة، ولم يكن وهو بمكة، هذا إن كان حساب أهل الكتاب في صومه بالأشهر الهلالية، وإن كان بالشمسية زال الإشكال بالكلية، ويكون اليوم الذي نجا الله فيه موسى هو يوم عاشوراء من أول المحرم، فضبطه أهل الكتاب بالشهور الشمسية، فوافق ذلك مقدم النبي المدينة في ربيع الأول، وصوم أهل الكتاب إنما هو بحساب سير الشمس، وصوم المسلمين إنما هو بالشهر الهلالي، وكذلك حجهم وجميع ما تعتبر له الأشهر من واجب أو مستحب، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «نحن أحق بموسى منكم» فظهر حكم هذه الأولوية في تعظيم هذا اليوم وفي تعيينه، وهم أخطئوا تعيينه لدورانه في السنة الشمسية كما أخطأ النصارى في تعيين صومهم بأن جعلوه في فصل من السنة تختلف فيه الأشهر" ا.هـ [زاد المعاد: 2/ 70].

3- حين يعظم الكفار بعض الشعائر:

تقدم في حديث عائشة الصحيح: "أن قريشاً كانت تصوم عاشوراء في الجاهلية"، وعنها قالت: "كانوا يصومون عاشوراء قبل أن يفرض رمضان، وكان يوماً تُسْتَرُ فيه الكعبة".

وقد قيل في سبب صيامهم أنهم أذنبوا ذنباً فعظم في صدورهم، فقيل لهم: صوموا عاشوراء، وقيل: أصابهم قحط، ثم رفع عنهم، فصاموه شكراً، ولعلهم تلقوه من الشرع السالف، ولهذا كانوا يعظمونه بكسوة الكعبة، وغير ذلك.

وأياً كان الحامل لهم على ذلك فإنه ليس غريباً بقاء أثارة من تدين عند الكفرة والمشركين، وهــذا غالباًً هو حال المبدلين شرع الله.

ولكن وجود شيء من ذلك لا يعني استحسان حالهم العامة بإطلاق مع بقائهم على الشرك والكفر؛ لأن ميزان التفضيل هو التزام الدين قلباً وقالباً عن رضا وقبول كما أراده الله، لا تجزئة الدين والإيمان ببعض الكتاب والكفر ببعض، ولا التعلق بمجرد شعائر خالية من اليقين والإيمان الخالص الذي هو دليل الشكر الصادق، وسبب التكفير والمغفرة لمن سعى لذلك.

يقول الله عز وجل: {مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِم بِالْكُفْرِ أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ * إنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ والْيَوْمِ الآخِرِ وأَقَامَ الصَّلاةَ وآتَى الزَّكَاةَ ولَمْ يَخْشَ إلاَّ اللَّهَ فَعَسَى أُوْلَئَكَ أَن يَكُونُوا مِنَ المُهْتَدِينَ} [التوبة: 17-18].

وهكذا الحال بالنسبة لبعض المنتسبين لهذه الأمة في التزامهم بعض شعائر الإسلام وتركهم كثيراً منها؛ فذلك شبه باليهود الذين أنكر الله عليهم بقوله: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكِتَابِ وتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إلاَّ خِزْيٌ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا ويَوْمَ القِيَامَةِ يُرَدُّونَ إلَى أَشَدِّ العَذَابِ ومَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [البقرة:85].

كحال من يكتفي من الإسلام بصيام رمضان، أو الإحسان إلى الناس مثلاً، مع فساد المعتقد، أو إهمال الصلوات، أو الركون إلى الكفرة وتوليهم.

4- مخالفة أهل الكتاب من أعظم مقاصد الشريعة:

مخالفة الكفار من أبرز مظاهر تحقيق البراء من الكافرين الذي لا يتم الإيمان إلا به، وقد شدد الشارع على المتشبهين بهم، حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من تشبه بقوم فهو منهم» [رواه أحمد].

وقد ذكر ابن تيمية أن هذا أقل أحواله التحريم، وإن كان ظاهره يقتضي كفر المتشبه بهم.

وفي ترك إفراد عاشوراء بالصوم درس عظيم، فإنه مع فضل صوم ذلك اليوم، وحث النبي صلى الله عليه وسلم على صومه، وكونه كفارة سنة ماضية.. إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بمخالفة اليهود فيه، وعزم على ضم التاسع إليه، فوقعت المخالفة في صفة ذلك العمل، مع أن صوم عاشوراء مشروع في الشريعتين، أو أنه مشروع لنا وهم يفعلونه، فكيف بما كان دون ذلك من المباح أو المحرم وما كان من شعائر دينهم؟!

لا شك أن في ذلك من المفاسد ما لا يظهر أكثره لأكثر الخلق. [انظر اقتضاء الصراط المستقيم: 1/ 284-474].

أما اقتصار النبي صلى الله عليه وسلم على صوم عاشوراء أولاً فقد كان قبل أن يؤمر بمخالفة أهل الكتاب، وقد كان قبل ذلك يحب موافقتهم فيما لم يؤمر فيه بشيء، واحتمل أن يكون صومه استئلافاً لليهود كما استألفهم باستقبال قبلتهم، وعلى كل حال فلم يصمه اقتداءاً بهم؛ فإنه كان يصومه قبل ذلك.

والإسلام منهج وسط في الإتباع، حاديه دائماً الحق المجرد؛ ففعل المشركين لِحَقٍّ لا يسوِّغ ترك هذا الحق بدعوى مخالفتهم، كما أن فعلهم لباطل لا يسوِّغ متابعتهم فيه بدعوى موافقتهم لتأليف قلوبهم.

وعليه: تنتفي الدوافع المتوهمة للإعجاب بحال أي مبطل أو متابعته في باطله أو ترك حق لأنه فعله؛ إذ مقياس قبول الأحوال توافقها مع الشرع، وميزان المخالفة ما كان من خصائص مِلَّتهم وشعائر دينهم، وبين هذا وهذا درجات لا مجال لتفصيلها.

5- حقيقة الانتماء:

علَّل اليهود صيامهم عاشوراء بمتابعتهم موسى حين صامه شكراً لله على إنجائه له من فرعون، وهاهنا أمران:

أولهما: هل يكفي صيامهم عاشوراء برهاناً للمتابعة وسبباً للأولوية بموسى؟

وثانيهما: هل وقع لهم ما أرادوا من موافقة عاشر المحرم "عاشوراء" فعلاً؟

أما الأول:

فلا يكفي صومهم عاشوراء أن يقوم دليلاً لكونهم أوْلى بموسى أبداً؛ إذ الحكم في ذلك بحسب تمام المتابعة والتزام المنهج، قال الله عز وجل: {إنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وهَذَا النَّبِيُّ والَّذِينَ آمَنُوا واللَّهُ ولِيُّ المُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 68].

ولذا كان نبي هذه الأمة صلى الله عليه وسلم وأتباعه أوْلى بنبي الله موسى عليه الصلاة والسلام من الأمة الغضبية، فقال: «نحن أحق وأوْلى بموسى منكم».

وهكذا تتوحد المشاعر، وترتبط القلوب مع طول العهد الزماني، والتباعد المكاني، فيكون المؤمنون حزباً واحداً هو حزب الله عز وجل؛ فهم أمة واحدة، من وراء الأجيال والقرون، ومـن وراء المكان والأوطان.. لا يحول دون الانتماء إليها أصل الإنسان أو لونه أو لغته أو طبقته.. إنما هو شرط واحد لا يتبدل، وهو تحقيق الإيمان، فإذا ما وجد كان صاحبه هو الأوْلى والأحق بالولاية دون القريب ممن افتقد الشرط؛ ولذا استحقت هذه الأمة ولاية موسى دون اليهود المغضوب عليهم {إنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء:29].

وأما الثاني:

هل وافقوا صيام عاشوراء فعلاً؟ فقد ذكر بعض أهل العلم أن حساب اليهود كان بالسنة الشمسية، والمحرم شهر هلالي لا شمسي، وهذا يوقع الشك في إصابة اليهود يوم عاشوراء، أما المسلمون فحسابهم بالأشهر الهلالية فـأصابوا تعيين عاشوراء، وإذا ظهر خطأ اليهود تبينت أولوية المسلمين من هذا الوجه أيضاً.

ويشـبه هـذا ضلال أهل الكتاب عن يوم الجمعة، فاختار اليهود السبت، واختار النصارى الأحد، وهُدي المسلمون ليوم الجمعة.

6- عبادة الله أبلغ الشكر:

كانت نجاة موسى عليه الصلاة والسلام وقومه من فرعون.. منَّة كبرى أعقبها موسى بصيام ذلك اليوم، فكان بذلك وغيره من العبادات شاكرًا لله تعالى؛ إذ العمل الصالح شكر لله كبير، قــال ربنا عز وجل: {اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ} [سبأ:31].

وأساس الشكر مبني على خمس قواعد:

الخضوع للمنعم، وحبه، والاعتراف بنعمته، والثناء عليه بها، وألا تصرف النعمة فيما يكرهه المنعم، والبشر مهما بالغوا في الشكر قاصرون عن الوفاء، فكيف إذا قصّروا وغفلوا عن الشكر من الأساس؟!

7- الأصل في العبادة الإتباع:

ويجب التنبه إلى أن أمر العبادة قائم على الإتباع، فلا يجوز إحداث عبادات لم تشرع، كما لا يجوز تخصيص عاشوراء ولا غيره من الأزمان الفاضلة بعبادات لم ينص عليها الشـارع في ذلك الزمـن.

أما الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فعباداتهم شرع معصوم مبني على وحي الله عز وجل إليهم، ثم اقتفاء آثار الأنبياء وتحقيق الاهتداء بهديهم والاجتهاد في تطبيق سنتهم هو الشكر بعينه.

8- الحكمة من استحباب صوم يوم تاسوعاء أوجهاً:

أحدهما: أن المراد منه مخالفة اليهود في اقتصارهم على العاشر، وهو مروي عن ابن عباس، وفي حديث رواه الإمام أحمد بن حنبل بسنده إلى ابن عباس قال: «خالفوا اليهود وصوموا التاسع والعاشر» [أخرجه عبد الرزاق موقوفاً، مصنف عبد الرزاق: 4/ 287، والسنن الكبرى للبيهقي: 4/ 287].

الثاني: أن المراد به وصل يوم عاشوراء بصوم.

الثالث: الاحتياط في صوم العاشر خشية نقص الهلال ووقوع غلط، فيكون التاسع في العدد هو العاشر في نفس الأمر وللمزيد من التفصيل في ذلك

9- في التعويد على الخير تثبيت عليه:

بلغ بالصحابة الحرص على تعويد صغارهم الصيام أن احتالوا عليهم في تمرينهم عليه حتى يُتِمُّوه، فصنعوا لهم اللعب يتلهون بها عن طلب الطعام، كما تقدم في حديث الربيِّع؛ وذلك لكون تعويد الـصغير على فعل الخير مكمن قوة في استقامته عليه في الكبر؛ لأنه يصير هيئة راسخة في نفسه تعسر زعزعتها.. واليوم لدينا من وسائل التلهية المباحة بقدر ما لدينا من أصناف الطعام وأشكاله، وإذا اقتنع المربي بواجبه التربوي لم تُعْيِه الحيلة؛ فإن الحاجة تفتق الحيلة.

10- مظاهر الابتداع عند الناس في عاشوراء:

إن المسلمين المتأخرين لم يكتفوا بذلك فأدخلوا فيه عبر تاريخهم كثيرا من الزيادات، التي هي بدع ومخالفات، وذلك لعدة أسباب منها انتشار الأحاديث الضعيفة والموضوعة المكذوبة على النبي صلى الله عليه وسلم، ومنها انتشار بدع الشيعة الروافض والنواصب الذي نصبوا العداء لآل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومنها انتشار عادات راجعة إلى بقايا ديانات جاهلية، ويكتنف كل ذلك فشو الجهل وتضييع الأمة لواجب الفقه في الدين، وفي هذا البحث المختصر محاولة جمع لأهم البدع والأخطاء الواقعة في يوم عاشوراء والمرتبطة به.

القسم الأول: بدع الشيعة والنواصب

أولاً: اعتبار عاشوراء يوم حزن

أول البدع وأظهرها ما أحدثه الشيعة الروافض الذين يجعلون يوم عاشوراء يوم شؤم وحزن وبكاء ونحيب، ولبس سواد ودوران في البلاد وجرح الرؤوس والأبدان؛ لأنه يوم قتل فيه الحسين بن علي في كربلاء، ومما لا شك فيه أن اتخاذ أيام المصائب مآتم ليس من دين الإسلام، بل هو إلى أعمال أهل الجاهلية أقرب، وهذا من شر البدع المتعلقة بهذا اليوم لهول ما يصنعه الشيعة من منكرات فيه، وقد أيدهم بعض الكذابين من بني نحلتهم بأحاديث لا أصل لها، كحديث: «البكاء يوم عاشوراء نور تام يوم القيامة».

وحديث: «ما من عبد يبكي يوم عاشوراء إلا كان مع أولى العزم من الرسل يوم القيامة»، قاتل الله مفتعلها ومختلقها.

أما بالنسبة لمآتم الشيعة فإنه لا نزاع في فضل الحسين رضي الله عنه ومناقبه؛ فهو من علماء الصحابة، ومن سادات المسلمين في الدنيا والآخرة الذين عرفوا بالعبادة والشجاعة والسخاء، وابن بنت أشرف الخلق صلى الله عليه وسلم، والتي هي أفضل بناته، وما وقع من قتله فأمر منكر شنيع محزن لكل مسلم، وقد انتقم الله عز وجل مـن قتلته فأهانهم في الدنيا وجعلهم عبرة، فأصابتهم العاهات والفتن، وقلَّ من نجا منهم.

والذي ينبغي عند ذكر مصيبة الحسين وأمثالها هو الصبر والرضى بقضاء الله وقدره، وأنه تعالى يختار لعبده ما هو خير، ثم احتساب أجرها عند الله تعالى.

ولكن لا يحسن أبداً ما يفعله الشيعة من إظهار الجزع والحزن الذي يُلحَظُ التصنع والتكلف في أكثره، وقد كان أبوه عليٌّ أفضل منه وقُتل، ولم يتخذوا مـوته مأتماً، وقتل عثمان وعمـر ومات أبو بكر رضي الله عنهم، وكلهم أفضل منه.. ومات سيد الخلق صلى الله عليه وسلم، ولم يقع في يوم موته ما هو حاصل في مقتل الحسين، وليس اتخاذ المآتم من دين المسلمين أصلاً، بل هو أشبه بفعل أهل الجاهلية.

قال ابن رجب عن يوم عاشوراء: "وأما اتخاذه مأتماً كما تفعله الرافضة؛ لأجل قتل الحسين بن علي رضي الله عنهما فيه.. فهو من عمل من ضل سعيه في الحياة الدنيا وهو يحسب أنه يحسن صنعاً، ولم يأمر الله ولا رسوله باتخاذ أيام مصائب الأنبياء وموتهم مأتماً، فكيف بمن دونهم".

ولقد كانت بعض تصرفات الرافضة في مآتمهم موضع انتقاد من بعض علمائهم، مع إصرار الجميع على المآتم والحزن.

ثانياً: اعتبار عاشوراء عيدا دينيا

ومن البدع المنتشرة أيضا اعتبار يوم عاشوراء عيداً دينياً، تعطل فيه الأعمال وتترك الوظائف ويظهر فيه الفرح والسرور، ولا عيد للمسلمين إلا عيدان الفطر والأضحى وقد حصر النبي صلى الله عليه وسلم أعيادنا في ذلك، فلم تجز الزيادة عليهما، ثم إن المشروع فيه يقينا هو الصيام؛ وهذا يخالف معنى العيد لأن العيد يحرم صومه.

وينبغي أن يعلم أن إظهار الفرح في هذا اليوم من ميراث النواصب الذين يفرحون في هذا اليوم لأنه يوم قتل فيها الحسين بن علي رضي الله عنه، فيخصونه بالأفراح وأنواع من المآكل والملابس وبالحناء وغيرها من مظاهر السرور.

وبالنسبة لأهل السنة هو يوم كسائر الأيام من جهة الحزن والفرح إلا أنهم يصومونه اقتداء بنبيهم صلى الله عليه وسلم.

قال ابن تيمية: "فعارض هؤلاء -أي: الشيعة- قوم إما من النواصب المتعصبين على الحسين وأهل بيته، وإما من الجهال الذين قابلوا الفاسد بالفاسد والكذب بالكذب والشر بالشر والبدعة بالبدعة، فوضعوا الآثار في شعائر الفرح والسرور يوم عاشوراء كالاكتحال والاختضاب وتوسيع النفقات على العيال وطبخ الأطعمة الخارجة عن العادة، ونحو ذلك مما يفعل في الأعياد والمواسم فصار هؤلاء يتخذون يوم عاشوراء موسما كمواسم الأعياد والأفراح وأولئك يتخذونه مأتما يقيمون فيه الأحزان والأتراح وكلا الطائفتين مخطئة خارجة عن السنة".

ثالثاً: الاكتحال ووضع الحناء

ومن البدع أيضا الاكتحال والخضاب، وهذا من فروع اتخاذه يوم فرح وسرور، وقد نص العلماء على بدعية ذلك، فقال ابن الحاج المالكي: "ومن البدع التي أحدثها النساء فيه استعمال الحناء على كل حال، فمن لم يفعلها منهن فكأنها ما قامت بحق عاشوراء".

وقال الحاكم النيسابوري: "فإن الاكتحال يوم عاشوراء لم يرو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه أثر وهو بدعة ابتدعها قتلة الحسين رضي الله عنه، والخبر الوارد في الاكتحال: «من اكتحل بالإثمد يوم عاشوراء لم يرمد أبداً»، خبر مكذوب كما صرح به غير واحد من الأئمة.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ولم يستحب أحد من أئمة المسلمين الاغتسال يوم عاشوراء ولا الكحل فيه والخضاب وأمثال ذلك، ولا ذكره أحد من علماء المسلمين الذين يقتدى بهم ويرجع إليهم في معرفة ما أمر الله به ونهى عنه ولا فعل ذلك رسول الله ولا أبو بكر ولا عمر ولا عثمان ولا علي رضي الله عنهم".

رابعاً: التوسعة على العيال في عاشوراء

قال بعض الفقهاء: "تستحب التوسعة على العيال والأهل في عاشوراء" [الترغيب والترهيب الجزء: 2/ 77، والمدخل لابن الحاج: 1/ 283 وما بعدها].

واستدلوا بما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من وسع على أهله في يوم عاشوراء أوسع الله عليه سائر سنته» [المنهاج في شعب الإيمان للحليمي: 2/ 394، قال الهيثمي: ورواه الطبراني في الأوسط، وفيه محمد بن إسماعيل الجعفري، قال أبو حاتم: منكر الحديث، المجمع: 3/ 188].

وقال ابن تيمية: "وقد روي في التوسعة على العيال آثار معروفة أعلى ما فيها حديث إبراهيم بن محمد بن المنتشر عن أبيه قال: من وسع على أهله يوم عاشوراء وسع الله عليه سائر سنته، وهذا بلاغ منقطع لا يعرف قائله، ثم قال: وتوسيع النفقات فيه هو من البدع المحدثة" [اقتضاء الطريق المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم ص300].

وأصل هذه البدعة أيضاً من النواصب لكن المتأخرين اغتروا بما ورد من أحاديث مختلقة ولم يتنبهوا إلى أصلها، وقال العجلوني: "باب فضائل عاشوراء ورد استحباب صيامه وسائر الأحاديث في فضله وفضل الصلاة فيه والإنفاق والخضاب والإدهان والاكتحال وطبخ الحبوب وغير ذلك مجموعه موضوع مفترى".

وبذلك تعرف أن الشرع لم يخص عاشوراء بعمل غير الصيام، وهذا منهج الرسول صلى الله عليه وسلم: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ والْيَوْمَ الآخِرَ وذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً} [الأحزاب:12].

وكم فات على أولئك المنشغلين بتلك البدع من إتباع النبي صلى الله عليه وسلم والعمل بسنته!

خامساً: تخصيص مأكولات معينة

ومن البدع الظاهرة أيضاً ادخار لحم عيد الأضحى ليؤكل في عاشوراء واعتقاد فضيلة ذلك أو لزومه، وتخصيص ليلتها بأنواع من المآكل كـ "الكسكس بالدجاج أو الرشتة" ونحو ذلك..

قال ابن الحاج: "أما ما يفعلونه اليوم من أن عاشوراء يختص بذبح الدجاج وغيرها، ومن لم يفعل ذلك فكأنه ما قام بحق ذلك اليوم، وكذلك طبخهم فيه الحبوب وغير ذلك، لم يكن السلف رضوان الله عليهم يتعرضون في هذه المواسم ولا يعرفون تعظيمها إلا بكثرة العبادة والصدقة والخير واغتنام فضيلتها لا بالمأكول".

وممن نص على تخصيص الأطعمة فيها ابن تيمية إذ قال: "فصار أقوام يستحبون يوم عاشوراء الاكتحال والاغتسال والتوسعة على العيال وإحداث أطعمة غير معتادة، وهذه بدعة أصلها من المتعصبين بالباطل على الحسين رضي الله عنه".

القسم الثاني: بدع شركية وخرافية

أولاً: الذبيحة في عاشوراء

ومن البدع تخصيص عاشوراء بالذبائح من الغنم أو الدجاج، وعادة الذبح هذه يخشى أن تكون من عادات النواصب الذين جعلوا عاشوراء عيداً، وقد تكون من ميراث دعوة أحد مدعي النبوة في المغرب الأقصى اسمه صالح بن طريف البربري، الذي أسس دولة بقيت قرونا في برغواطة "منطقة تقع قرب الدار البيضاء حالياً".

وقلد شعائر الإسلام مع تحريف وتبديل فيها ومن ذلك: نقله لشهر الصيام من رمضان إلى شهر رجب، وجعله عيد الأضحى يوم الحادي عشر من محرم أي بعد عاشوراء.

ثانياً: الوزيعة

ومن المظاهر الشائعة في كثير من المناطق ما يسمى بالوزيعة حيث يشترك أهل القبيلة والقرية كل حسب استطاعته لشراء الأغنام وأبقار فتذبح في هذا اليوم وتوزع على كل الأفراد أغنيائهم وفقرائهم وضيوفهم، وهذا من البدع الظاهرة اجتمع فيه قصد التوسعة وتخصيص الذبيحة واعتقاد فضيلة المأكول مع اعتقادات خرافية كاعتقادهم أن أرواح الآباء والأجداد تحضر وتشاهد عملهم وأنها ترضى عنهم بذلك، وإن اقترن ذلك بالذبح عن قبر ولي من الأولياء أو مقام من مقاماتهم صار من الشرك الصريح.

ثالثاً: تحريم الخياطة والكتابة ليلتها

ومن الخرافات والعقائد الباطلة التي تقترن بعاشوراء تحريم بعض الناس الكتابة والخياطة ليلتها، وزعمهم أن من فعل ذلك ستصبح يده ترتعش، وهذا قد يكون من بقايا ديانة برغواطة المذكورة سابقاً.

رابعاً: المنع من البكاء والتشاجر

كثير من الناس ينهى عن البكاء في ليلة عاشوراء وعن التشاجر والتخاصم بحق كان التخاصم أو بباطل، ويقولون هذه العواشير، بمعنى أيام مفضلة وهذا داخل في الابتداع لأنه لا دليل عليه، وكثير من الناس يفعل ذلك خوفا من الجن والعفاريت وتقربا إليهم، وهذا داخل في معنى الشرك بالله تعالى.

خامساً: استعمال البخور

ومن البدع التي يظهر أنها من عبادة الجن استعمال البخور ليلتها، قال ابن الحاج المالكي: "ومما أحدثوه من البدع البخور، فمن لم يشتره منهن في ذلك اليوم ويتبخر به، فكأنه ارتكب أمرا عظيماً، ويزعمن أنه إذا بخر به المسجون خرج من سجنه، وأنه يبرئ من العين والنظرة، والمصاب، والموعوك، وهذا أمر خطر لأنه مما يحتاج إلى توقيف من صاحب الشريعة".

سادساً: قص الشعر

ومن البدع المنتشرة أيضا في بعض المناطق قص الشعر تعبداً وتبركاً بهذا اليوم، وكل اعتقاد صحب هذا العمل فهو من الخرافات التي لا أصل لها.

القسم الثالث: بدع أخرى مختلفة

أولاً: تقنين الصيام بغير الوارد عن النبي صلى الله عليه وسلم

وقد ورد الحديث على صيام عاشوراء، كما ورد الحث على قرنه بيوم قبله، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «فَإِذَا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ صُمْنَا الْيَوْمَ التَّاسِعَ» أي: التاسع مع العاشر، كما ورد الحث على الصيام في شهر محرم، قَالَ صلى الله عليه وسلم : «أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ شَهْرُ اللَّهِ الْمُحَرَّمُ»، ما يفعله البعض من تخصيص العشر الأوائل بالصيام فهو من البدع، وكذلك القول بأنه يصام التاسع والعاشر والحادي عشر على سبيل الاحتياط وأنه أفضل من صوم التاسع والعاشر فقط، فهو قول مرجوح، والاحتياط في اتباع سنة النبي صلى الله عليه وسلم.

وأما حديث: «صوموا يوم عاشوراء وخالفوا فيه اليهود صوموا قبله يوما وبعده يوما».

لكن معناه صحيح فمن فاته صيام اليوم التاسع جاز له صيام اليوم الحادي عشر تحصيلاً للمخالفة.

ثانياً: إخراج الزكاة في عاشوراء

من البدع المنكرة في عاشوراء أو محرم تخصيص إخراج الزكاة فيه، قال ابن الحاج في المدخل: "ثم إنهم يضمون إلى ذلك بدعةً أو محرماً، وذلك أنه يجب على بعضهم الزكاة مثلاً في صفر أو ربيع أو غيرها من شهور السنة، فيؤخرون إعطاء ما وجب عليهم إلى عاشوراء، وفيه من التغرير بمال الصدقة ما فيه، فقد يموت أثناء السنة أو يفلس فيبقى ذلك في ذمته، وأقبح ما فيه أن صاحب الشرع صلوات الله عليه وسلامه شهد بأنه ظالم بقوله عليه الصلاة والسلام: «مطل الغني ظلم» وفيه بدعة أخرى، وهو أن الشارع صلوات الله عليه وسلامه حد للزكاة حولاً كاملاً وهو اثنا عشر شهراً، وفي فعلهم المذكور زيادة على الحول بحسب ما جاءهم يوم عاشوراء فقد يكون كثيرا وقد يكون قليلاً".

ثالثاً: هل هاجر النبي صلى الله عليه وسلم في محرم

ومن الأخطاء التي يقع فيها بعض الخطباء في شهر المحرم، تخصيصهم الحديث عن هجرة النبي صلى الله عليه وسلم ظنا منهم أن النبي صلى الله عليه وسلم هاجر في محرم، والنبي صلى الله عليه وسلم إنما هاجر في ربيع الأول، ومنشأ الخطأ خلطهم بين ابتداء التأريخ من العام الذي هاجر فيه صلى الله عليه وسلم وبين الشهر التي تبتدئ به السنة القمرية الهجرية.

رابعاً: زيارة القبور

قال ابن الحاج: "ومما أحدثوه من البدع زيارة القبور، ونفس زيارة القبور في هذا اليوم المعلوم بدعة مطلقا للرجال والنساء"، ولعل سبب هذا اعتبارهم لهذا اليوم عيداً، وهم يخصون الأعياد بزيارة القبور، فيكون هذا من قبيل الابتداع المركب من خطأين.

خامساً: الذبيحة عن المولود في عاشوراء

ومن الناس من يذبح عن المولود الذي ولد قبل عاشوراء في عاشوراء، وهذا تخصيص مبتدع لم يرد به الشرع، لأن العقيقة عن المولود لا تختص بيوم عاشوراء، بل هي مشروعة تشريعاً مطلقا وتستحب في السابع والرابع عشر أو الحادي والعشرين.

سادساً: تخصيص ليلتها بالقيام

ومن البدع تخصيص ليلتها بالقيام لأنه تخصيص بلا مخصص، قَالَ ابن أبي زمين المالكي: "لَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ فِي كَرَاهَةِ الْجَمْعِ لَيْلَةَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ وَلَيْلَةَ عَاشُورَاءَ وَيَنْبَغِي لِلْأَئِمَّةِ الْمَنْعُ مِنْهُ".

سابعاً: بدع أخرى لا أصل لها

قد عد بعض الفقهاء المتأخرين خصائص عاشوراء فأبلغها اثنتا عشرة خصلة وكلها لا أصل له عدا الصيام، ومنها ما سبق قال: "وهي الصلاة والصوم وصلة الرحم والصدقة والاغتسال والاكتحال وزيارة عالم وعيادة مريض ومسح رأس اليتيم والتوسعة على العيال وتقليم الأظفار وقراءة سورة الإخلاص ألف مرة".

هذا آخر ما تم جمعه في هذا المختصر وسبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن إلا إله أنت أستغفرك وأتوب إليه.

المراجع:

1- الموسوعة الفقهية الكويتية.

2- شهر محرم ويوم عاشوراء موقع شبكة مشكاة الإسلامي.

3- يوم عاشوراء.. أحكام وفوائد عقيل بن سالم الشمّري.

4- اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم ابن تيمية الحراني.

5- زاد المعاد في هدي خير العباد لابن قيم الجوزية.

6- من بدع عاشوراء محمد حاج عيسى موقع المختار الإسلامي.