arrow down

عقيدة اليهود في المواثيق والعهود

بحث لفضيلة د. مدثر بن أحمد الباهي ( عضو رابطة علماء المسلمين )

مقدمة:

الحمد لله الذي أكمل لنا ديننا وأتمّ علينا نعمته، ورضي لنا الإسلام ديناً فقال سبحانه: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً) (سورة المائدة: 3) ، وأمَرَنا أنْ نَستَهدِيَه صراطه المستقيم، صراط الذين أنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. فقال: (وأنّ هذا صراطي مستقيماً فاتّبعوه) (سورة الأنعام: 153) ، ونهانا عن اتّباع سُبُل المغضوب عليهم و الضالين، فقال: (ولا تتبعوا السبل فتفرّق بكم عن سبيله) (سورة الأعراف: 15) .

وأشهد أن لا إله إلاّ الله ، وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم، أرسله بالدين القيّم والملّة الحنيفية، وجعله على شريعة من الأمر، أمر باتباعها فقال (ثمّ جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها) (سورة الجاثية: 18)، وأمر أتباعه باتّباعها فأوحى إليه أنْ (قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرةٍ أنا ومن اتبعني) (سورة يوسف: 108).
فمن اتّبَع هُداه فلا يضلّ ولا يشقى، ومن أعرض فإنّ له معيشةً ضنكاً.

أما بعد:
فإنّ القرآن هو كتاب الله إلى هذه الأمّة المحمّدية، وقد حوى القول الفصل. وما هو بالهزل، فيه نبأ من قبلنا، وخبر ما بعدنا، وحكم ما بيننا.
ومن أكثر من تحدّث القرآن عنهم وأنبأنا من أخبارهم اليهود. فلم يهتمّ القرآن بقوم اهتمامه ببني إسرائيل. فقد ورد ذكرهم قريباً من اثنتين وأربعين مرّة،(فلا تجد في كتاب الله أُمَّة طال الحديث عنها وتنوع قَصَصُها مرةً بعد مرة كهذه الأمَّة فضح الله خبايا نفوسها وخبيث طباعها وعداوتها للعالمين أجمعين،وحقدها على أهل الخير والحق في كل زمان ومكان حتى الملائكة المطهرين) (الحوالي، سفر بن عبد الرحمن، القدس بين الوعد الحق والوعد المفترى، ص: 6، طبعة مكتبة السنة) فلم يعد أمر اليهود خافياً على المسلم الذي يقرأ القرآن يتدبّره ويُصدِّق بما جاء فيه من أخبار. وفي هذه الأسطر عرض واقعي وبحث استقرائي لخُلُقٍ من أخلاق اليهود له أثره في تعايشهم مع غيرهم من الأمم، ولا شكّ أنه أثرٌ سلبي، على الأمم ألا وهو خُلق الغدر والخيانة، ونقض العهود ونبذ العقود الذي جاء ذكره مُكرّراً ومُفصّلاً في كثيرٍ من سور القرآن التي تحدّثَت عن بني إسرائيل كالبقرة، والأعراف، والإسراء، وغيرها.

1- صفات اليهود الذين لعنهم الله وغضب عليهم:

لا يشك إنسان و لا يختلف اثنان في أنّ لليهود عطاءً في هذه الحياة عطاءٌ متميّز، عطاء لا نهاية له من سُوء الأخلاق وفساد الطويّة. والحقد والأنانية، والكبر والمكر والدهاء، والجمود والجحود والحجاج واللجاج، والتضليل والتدليس، والكفر والفِسق، والغدر والخيانة، ونقض العهود والوعود والمواثيق، والنِّفاق والجبن والقسوة. ومهما عدّدنا من مساوئ الأخلاق، فإنّ كلمة (يهودي) تفوقها بكثير. ويكفي أن نَصِفَ واحداً من النّاس بأنّه يهودي لكي نفهم من وراء هذا الوصف كُلَّ ما لا يُحصى ولا يُعَد من الصفات الذّميمة.

من هنا كان اليهود هم العدو الأوّل لكُلِّ بني الإنسان، ورحم الله الإمام ابن القيّم - حيث وصفهم بالأمّة الغَضَبية فقال: "الأمَّة الغَضَبيةُ وهي اليهود أهل الكذب والبُهت والغدر والمكر والحِيَل، قَتَلَة الأنبياء وأَكَلَة السُّحت -وهو الربا والرشا- أخبَث الأمم طويّةً، وأرداهم سجيَّةً، وأبعدهم من الرّحمة، وأقربهم مِن النِّقمة، عادتهم البغضاء، وديدنهم العداوة والشحناء، بيت السّحر والكذب والحِيَل، لا يرون لمن خالفهم في كفرهم وتكذيبهم من الأنبياء حُرمَة، ولا يرقبون في مؤمن إلاًّ ولا ذمَّةً، ولا لمن وافقهم عندهم حقٌّ ولا شفقة، ولا لمن شاركهم عندهم عدلٌ ولا نصفه، ولا لمن خالطهم طمأنينة ولا أَمَنَة، ولا لمن استعملهم عندهم تضحية، بل أخبثُهم أعقلهم، وأحذقهم أغشّهم، وسليم الناصية -وحاشاه أن يوجد بينهم- ليس بيهودي على الحقيقة، أضيق الخلق صدوراً، وأظلمهم بيوتاً، وأنتنهم أفنية، وأوحشهم سجيّة، تحيّتهم لعنة، ولقاؤهم طِيَرة، شعارهم الغضب، ودثارهم المقت"(ابن القيم، محمد بن أبي بكر، هداية الحيارى، ص: 30، لبناشر: المكتبة القيمة، القاهرة مدينة نصر) "انسلخوا من رضوان الله كانسلاخ الحيّة من قشرها، وباءوا بالغضب والخِزي والهوان، وفارقوا أحكام التوراة ونبذوها وراء ظهورهم واشتروا بها القليل من الأثمان، فترحّل عنهم التوفيق وقارنهم الخذلان، واستبدلوا بولاية الله وملائكته ورسله وأوليائه ولاية الشيطان" (نفس لبمصدر، ص: 24).

قال تعالى: (فبِما نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء بغير حقّ وقولهم قلوبنا غُلفٌ بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلاّ قليلاً، وبكفرهم وقولهم على مريم بهتاناً عظيما) (سورة النساء: 155، 156)

ولهذا كتب الله عليهم الذلّةَ والمسكنةَ إلى أبد الآباد، وحكم عليهم بالتشرّد والتشتت في أنحاء الأرض، لا يقر لهم قرار، ولا يهدأ لهم بال، قلقٌ ممتد، وخوفٌ دائم ..وهَلَع واضطراب.كماقال تعالى: (ضُرِبَت عليهم الذلّة أين ما ثُقِفوا إلاّ بحبل مِن الله وحبل مِن الناس وباؤا بغضبٍ من الله، وضربت عليهم المسكنة ذلك بأنّهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق ذلك بما عَصَوا وكانوا يعتدون) (سورة آل عمران: 112).

وكذا استحقّ اليهود اللعن والطرد من رحمة الله على لسان أنبيائهم ورسلهم.كماقال تعالى: (لُعِن الذين كفروا مِن بني إسرائيل على لسان داؤود وعيسى ابن مريم ذلك بما عَصَوا وكانوا يعتدون. كانوا لا يتناهون عن منكرٍ فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون) (سورة المائدة: 78، 79).

وقد فصّل القرآن مساوئ أخلاق اليهود، وتعددت الآيات في ذِكر صِفاتهم وطِباعهم، بل وعرَّت النفسيّة اليهوديّة، وكشفت ما تنطوي عليه من الالتواء والخداع والتّلوُّن. فأصبح لدى من يقرءون القرآن من المسلمين المفاتيح الحقيقية لمعرفة النفسيّة اليهودية.

فياليت المسلمين يعقِلون هذه الحقائق عن اليهود، وليتهم يَرجِعون إلى كتاب ربِّهم ليحكموه في تحديد المعاملة الصحيحة مع اليهود، ليتهم يعلمون أنّ اليهود لا ولن يحبونا حتى ولو أحببناهم. كما قال تعالى: (ها أنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم وتؤمنون بالكتاب كلّه، وإذا لقوكم قالوا آمنّا وإذا خَلَوا عضّوا عليكم الأنامل من الغيظ. قل موتوا بغيظكم إن الله عليمٌ بذات الصدور. إن تمسسكم حسنةٌ تسؤهم وإن تُصِبكم سيئةٌ يفرحوا بها وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئاً إنّ الله بما يعملون محيط) (سورة آل عمران: 119، 120).

ومن أكثر الصفات القبيحة التي أثبتها القرآن لليهود، كما أثبتتها التوراة والإنجيل، نقض العهود والوعود والمواثيق.

فقد أشار القرآن إلى أنّ اليهود لا يحفظون عهوداً مع أحد، ولا يرعون وعداً قطعوه على أنفسهم، حتى ولا عهودهم مع الله جلّ جلاله، ويُعدّ هذا الخلق من أهم الصفات التي ينبغي أن يلتفت إليها العالم أجمع، وليعلم الجميع أنّ اليهود شعبٌ يخُطط دائماً للوصول إلى أغراضه، ولا يتحرك بدون خطّةٍ ومنهج، وفي الوقت ذاته لا يتورع عن سلوك أخسّ وأقذَر الوسائل في الوصول إلى أغراضه -فالميكافيلية تجري فيهم مجرى الدم من العروق- فالغاية تبرر الوسيلة. فلو كان السبيل إلى أهدافهم عقد المواثيق وإبرام العقود ثمّ نقضها فتلك عقيدتهم وذاك دينهم.

وياليت شعري متى يقابل المسلمون هذا التخطيط اليهودي، وهذه العقيدة اليهودية السافرة، بإيمان مُقدَّس منشأه ومَردُّه قول العليم الخبير (أوَ كُلَّما عاهدوا عهداً نبذه فريق منهم بل أكثرهم لا يؤمنون) (سورة البقرة: 100).وقوله عز وجل: (إنّ شرّ الدوابّ عند الله الذين كفروا فهم لا يؤمنون. الذين عاهدْت منهم ثمّ ينقضون عهدهم في كلّ مرّة وهم لا يتّقون) (سورة الأنفال: 55، 56).

إنّ بعض الواهمين من زُعماء هذه الأُمّة المغلوب على أمرها -أقول الواهمين إن جاز لنا أن نُحسِنَ بهم الظَنّ- يسارعون فيهم، ويبادرون إليهم ببعض المواثيق والعهود.ويستجدونهم حتى يقبلوها فيا تُرى ما مستقبل تلك المبادرات والعهود والمواثيق مع اليهود في ظلّ عقيدتهم التي تنبني على ما نصّ عليه تلمودهم: "تتميز أرواح اليهود عن باقي أرواح البشر بأنّها جزء من الله تعالى -كما أنّ الابن جزءٌ من أبيه. وأنّه يجب على كل يهودي أن يبذل جهده لمنع تسلط باقي الأمم في الأرض، وأنّ اليهودي معتبر عند الله أكثر من الملائكة، وأنّ اليهودي جزءٌ من الله، فإذا ضَرَب أُميٌّ إسرائيلياً فكأنّه ضَرَب العِزَّة الإلهية، والفرق بين درجة الإنسان والحيوان هو بقدر الفرق بين اليهود وغير اليهود، وأنّه مصَرّح لليهودي أن يغش غير اليهودي ويحلف له أيماناً كاذبة ..." (الميداني، عبد الرحمن حسن حبنكة، مكايد يهودية عبر التاريخ، ص: 15، دار القلم، بيروت، الطبعة الرابعة).وصدق الله العظيم في وصفه لهم: (ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأمِّيين سبيل ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون) .


2- شهادة القرآن:

لقد قصّ لنا القرآن عشرات العهود والمواثيق التي نقضها اليهود وهدموها وخرجوا عليها بكل بجاحةٍ، قال تعالى: (وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوةٍ واذكروا ما فيه لعلّكم تتقون، ثمّ توليتم من بعد ذلك فلولا فضل الله عليكم ورحمته لكنتم من الخاسرين)(سورة البقرة: 63، 64).

قال ابن كثير رحمه الله: "يقول تعالى مذكِّراً بني إسرائيل ما أخذ عليهم من العهود والمواثيق بالإيمان به وحده لا شريك له واتّباع رسله، وأخبر تعالى أنّه لمّا أخذ عليهم الميثاق رفع الجبل فوق رؤوسهم ليقروا بما عوهدوا عليه، ويأخذوه بقوة وجزم وامتثال، قال ابن عباس: أنهم لما امتنعوا عن الطاعة رُفع عليهم الجبل ليسمعوا. وقال السُّدي فلمّا أبَوْا أن يسجدوا أمر الله الجبل أن يقع عليهم فنظروا إليه وقد غَشِيَهم فسقطوا سُجَّداً فسجدوا على شقٍّ ونظروا بالشقّ الآخر فرحمهم الله فكشفه عنهم، فقالوا والله ما سجدةٌ أحبّ إلى الله من سجدةٍ كشف بها العذاب عنهم فهم يسجدون كذلك ..... فأقروا بذلك أنّهم يأخذون ما أوتوا به بقوّة ..... قال أبو العالية والربيع (واذكروا ما فيه(، يقول: اقرءوا ما في التوراة واعملوا به، وقوله تعالى (ثُمَّ توليتم من بعد ذلك ... ( ثم بعد هذا الميثاق المؤكد العظيم تولّيتم عنه وانثنيتم ونقضتموه" (ابن كثير، أبو الفداء إسماعيل بن الخطيب بن حفص، تفسير القرآن العظيم: 1/141، جمعية إحياء التراث الإسلامي، الكويت، الطبعة الخامسة، 1420ه).

ويقول تعالى: (وإذ أخذ الله ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلاّ الله وبالوالدين إحساناً وذي القربى واليتامى والمساكين وقولوا للناس حسناً وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة. ثمّ توليتم إلاّ قليلاً منكم وأنتم معرضون. وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم ولا تخُرجون أنفسكم من دياركم ثم أقررتم وأنتم تشهدون. ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقاً منكم من ديارهم تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان) (سورة البقرة: 83، 85).فقد بيّن الله تعالى أنّه أخذ الميثاق على بني إسرائيل بأن لا يعبدوا إلاّ الله وبأن يحسنوا للوالدين وذي القربى واليتامى والمساكين، وأن لا يسفكوا الدماء وقد أقرُّوا بهذا الميثاق واعترفوا به وشهدوا على أنفسهم. وبعد هذا كُلّه نقضوا عهد الله وميثاقه الذي واثقهم به، فسفكوا الدّماء وقتل بعضهم بعضاً وأخرجوا بعضهم من ديارهم.وقد نزلت هذه الآيات في معرض الإنكار على اليهود الذين كانوا في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة وما كانوا يعانونه من القِتال مع الأوس والخزرج.

يقول ابن كثير: "وذلك أنّ الأوس والخزرج، وهم الأنصار، كانوا في الجاهلية عُبّاد أصنامٍ وكانت بينهم حروب كثيرة، وكانت يهود المدينة ثلاث قبائل: بنو قينقاع وبنو النضير حلفاء الخزرج، وبنو قريظة حلفاء الأوس فكانت الحرب إذا نشبت بينهم قاتل كل فريقٍ مع حلفائه فيقتل اليهودي أعداءه، وقد يقتل اليهودي الآخر من الفريق الآخر، وذلك حرامٌ عليهم في دينهم ونصِّ كتابهم .... وذلك أنّ أهل الملّة الواحدة بمنزلة النفس الواحدة... (ثم أقررتم وأنتم تشهدون( أي ثم أقررتم بمعرفة هذا الميثاق وصحّته وأنتم تشهدون به (ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفُسَكم... ( فكانوا إذا كانت بين الأوس والخزرج حربٌ خرجت بنو قينقاع مع الخزرج وخرجت النضير وقريظة مع الأوس يُظاهر كلّ واحدٍ من الفريقين حُلفاءه على إخوانه حتّى تَسَافكُوا دماءَهم بينهم وبأيديهم التوراة يعرفون فيها ما عليهم وما لهم" (ابن كثير، مصدر سابق).

وقال تعالى: (ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيباً، وقال الله إنّي معكم لئِن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برُسلي وعزَّرتموهم وأقرضتم الله قرضاً حسناً لأُكفِّرنَّ عنكم سيئاتكم ولأُدخلنَّكم جنّاتٍ تجري من تحتها الأنهار، فمن كفر بعد ذلك منكم فقد ضلّ سواء السبيل. فبما نقضِهم ميثاقهم لعنّاهم وجعلنا قلوبهم قاسية يُحرّفون الكلم عن مواضِعِه ونسوا حظّاً مما ذُكِّروا به ولا تزال تطّلع على خائنةٍ منهم فاعف عنهم واصفح إنّ الله يُحبّ المحسنين) (سورة المائدة:12، 13).

وهكذا يقصّ علينا القرآن نقضهم المواثيق التي بينهم وبين الله. وإن كانوا قد نقضوا عهودهم مع الله فقد نقضوها مع أنبيائه ورُسُله. وحسبنا من ذلك أن نذكُر جُملةً من العهود والمواثيق التي أبرموها مع نبينا محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم ثمّ نقضوها.

3-أحبار اليهود ينقضون العهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم:

"حضرت عصابةٌ من اليهود رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا يا أبا القاسم حدِّثنا عن خِلالٍ نسألك عنهنّ لا يعلمهنّ إلاً نبي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (سلوا عمّا شئتم ولكن اجعلوا لي ذمّة الله وما أخذ يعقوب على بنيه لئن حدَّثْتُكم عن شيءٍ فعرفتموه لتتابعُنني على الإسلام). فقالوا: ذلك لك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (سلوا عمّا شئتُم). قالوا: أخبرنا عن أربع خلالٍ نسألك عنهُنّ، أخبرنا أيّ الطعام حَرَّم إسرائيل على نفسه من قبل أن تُنزل التوراة؟ وأخبرنا كيف ماء المرأةِ وماء الرّجل وكيف يكون الذكر منه والأنثى؟ وأخبرنا بهذا النبي الأمّي في التوراة ومن وليّه من الملائكة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (عليكم عهد الله لئن أنا أنبأتكم لتتابعنني؟)، فأعطوه ما شاء الله من عهد وميثاق، فقال: (نشدتكم بالذي أنزل التوراة على موسى، هل تعلمون أنّ إسرائيل يعقوب مرض مرضاً شديداً فطال سقمه منه فنذر لله نذراً لئن عافاه الله من مرضه ليُحَرِّمَنّ أحبّ الطعام والشراب إليه. وكان أحبّ الطعام إليه لحوم الإبل وأحبّ الشراب إليه ألبانها)، فقالوا: اللهم نعم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اللهم اشهد عليهم. وأنشدُكم بالله الذي لا إله إلاّ هو الذي أنزل التوراة على موسى هل تعلمون أنّ ماء الرجل غليظٌ أبيض وأنّ ماء المرأة رقيق أصفر فأيُّهُما علا كان له الولد والشبه بإذن الله عزّ وجلّ، وإذا علا ماء الرّجل ماء المرأة كان الولد ذكراً بإذن الله، وإذا علا ماء المرأة ماء الرجل كان الولد أنثى بإذن الله عزّ وجلّ)، قالوا: اللهم نعم. قال: (اللهم اشهد. وأنشدكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى هل تعلمون أنّ هذا النبي الأميَّ تنام عيناه ولا ينام قلبه). قالوا: اللهم نعم. قال: اللهم اشهد). قالوا: أنت الآن فحدّثنا من وليك من الملائكة فعندها نجامعك أو نفارقك. قال: (فإن وليي جبريل ولم يبعث الله نبياً قَطُّ إلا وهو وليّه). قالوا: فعندها نفارقك، ولو كان وليُّك سواه من الملائكة تابعناك وصدّقناك. قال: (فما يمنعُكم أن تُصدِّقوه؟). قالوا: إنّه عدوّنا. فأنزل الله عزّ وجلّ (قل من كان عدوّاً لجبريل فإنه نزّله على قلبك بإذن الله مصدِّقاً لما بين يديه وهدىً وبشرى للمؤمنين ... ( إلى قوله (لو كانوا يعلمون( فعندها باؤوا بغضبٍ على غضب" (ابن كثير، تفسير القرآن العظيم: 1/172-173، وقد نقله عن ابن جرير الطبري وعزاه إلى مسند الإمام أحمد، وقد ورد بعض المناظرات في صحيح الإمام مسلم وفيها السؤال عن ماء الرجل والمرأة والشبه، وفيها السؤال عن أول طعام أهل الجنة ونحو ذلك).

4- قبائل اليهود نَبَذت العهود والمواثيق:

"لمّا قدمَ النبي صلى الله عليه وسلم المدينة... وكتب بينهم وبينه كتاب أمنٍ، وكانوا ثلاث طوائف حول المدينة: بني قينقاع، وبني النضير، وبني قريظة، فحاربته بنو قينقاع بعد ذلك بعد بدرٍ وقدشرقوا بوقعة بدر، وأظهروا البغي والحسد فسارت إليهم جنود الله يقدمهم عبد الله ورسوله... وحاصرهم خمس عشرة ليلةً وهُم أوّل من حارب من اليهود وتحصّنوا في حصونهم فحاصرهم أشدّ الحِصار، وقذف الله في قلوبهم الرُّعب، فنزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في رقابهم وأموالهم، ونسائهم وذريتهم، وأمرهم أن يخرجوا من المدينة ولا يجاوروه بها. فخرجوا إلى أذْرِعات من أرض الشام. فقلّ أن لبثوا فيها حتّى هلك أكثرهم" (ابن القيم، شمس الدين محمد بن أبي بكر الدمشقي، زاد المعاد في هدي خير العباد، 3: 126-127، طبع مؤسسة الرسالة، الطبعة الثلاثون،1418 ه).

ثمّ نَقَضَ العهد بنو النضير: قال البخاري: وكان ذلك بعد بدرٍ بستّة أشهر، قاله عروة. وسبَبُ ذلك أنّه صلى الله عليه وسلم خرج إليهم في نفرٍ من أصحابه، وكلّمهم أن يعينوه في دية الكِلابِيَيْنِ الذين قتلهما عمرو بن أمية الضمري، فقالوا: نفعل يا أبا القاسم. اجلس هاهنا حتى نقضي حاجتك وخلا بعضهم ببعض، وسوّل لهم الشيطان الشقاء الذي كُتِبَ عليهم فتآمروا بقتله صلى الله عليه وسلم، وقالوا أيّكم يأخذ هذه الرّحى ويصعَدُ فيلقيها على رأسه يشدخه بها؟ فقال أشقاهم عمرو بن جحاش: أنا. فقال لهم سلام بن مشكم: لا تفعلوه فوالله ليُخبَرَنّ بما هممتم به، وإنّه لنقض العهد الذي بيننا وبينه، وجاء الوحي على الفور إليه من ربّه تبارك وتعالى بما هَمُّوا به فنهض مُسرِعاً وتوجه إلى المدينة ولحقه أصحابه... وبعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن اخرجوا من المدينة ولا تساكنوني بها وقد أجَّلتُكُم عشراً. فمن وجدت بعد ذلك بها ضربتُ عنقه، فأقاموا أيّاماً يتجهّزون. وأرسل إليهم المنافق عبد الله بن أُبي أن لا تخرجوا من دياركم فإنّ معي ألفين يدخلون معكم حِصنَكم فيموتون دونكم، وتنصركم قريظة وحُلفاؤكم من غطفان. فبعثوا إلى رسول الله إنّا لا نخرج من ديارنا فاصنع ما بدا لك.فكبَّر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ونهضوا إليهم. وعلي بن أبي طالبٍ يحمل اللواء، فلمّا انتهى إليهم، قاموا على حصونهم يرمون بالنّبل والحجارة. واعتزلتهم قريظة وخانهم ابن أُبي وحلفاؤهم من غطفان...فحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقطع نخلهم وحرّق، فأرسلوا إليه: نحن نخرج عن المدينة، فأنزلهم على أن يخرجوا عنها بنفوسهم وذراريهم وأنّ لهم ما حملت الإبل إلاّ السلاح" (المصدر السابق، 3: 127-128وأصل القصة في الصحيحين).

"وأمّا قريظة فكانت أشدّ اليهود عداوةً لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وأغلظهم كفراً ولذلك جرى عليهم ما لم يجر على إخوانهم، وذلك لمّا أغراهم حييّ بن أخطب بقوله جئتكم بقريشٍ على سادتها، وغطفان على قادتها، وأنتم أهل الشوكة والسلاح، فهلمَّ حتىّ نناجز محمداً ونفرغ منه... فأجابوه إلى ما دعاهم إليه، ونقضوا عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأظهروا سبّه، فبلغ رسولَ الله صلى الله عله وسلم الخبر، فأرسل يستعلم الأمر، فوجدهم قد نقضوا العهد، فكبّر وقال: (أبشروا يا معشر المسلمين). فلمّا انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة لم يكن إلاّ أن وضع سلاحه، فجاءه جبريل فقال: أوضعت السلاح، والله إنّ الملائكة لم تضع أسلحتها فانهض بمن معك إلى بني قريظة، فإني سائرٌ أمامك أزلزل بهم حصونهم وأقذف في قلوبهم الرُّعب، فسار جبريل في موكبه من الملائكة ورسول الله صلى الله عليه وسلم على أثره في موكبه من المهاجرين والأنصار، وأعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم الراية علي بن أبي طالب... ونازل حصون بني قريظة وحصرهم خمساً وعشرين ليلة، ولمّا اشتدّ عليهم الحصار عرض عليهم رئيسهم كعب بن أسد ثلاث خصال، فأبوا عليه أن يجيبوه إلى واحدةٍ مِنهن. وانتهى أمرهم إلى سعد بن معاذ رضي الله عنه إذ اختاره رسول الله صلى الله عليه وسلم قائلاً: (ألا ترضون أن يحكم فيهم رجلٌ منكم، فذاك إلى سعد بن معاذ)، وجيء بسعد رضي الله عنه فكان حكمه أن تُقتَّل الرجال وتُسبى النساء وتُقسَّم الأموال. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع سماوات)" (المصدر السابق، بتصرّف، 3: 129-134،والرواية في الصحيحين وآخرها(لقد حكمت فيهم بحكم الله عزوجل)).

"وكان هذا هو هدي النبي صلى الله عليه وسلم إذا صالح قوماً فنقض بعضهم عهده وصلحه وأقرّهم الباقون ورضوا به، غزا الجميع وجعلهم كلهم ناقضين" (المصدر السابق، ص: 136).

وهذا ما أكَّدَه التاريخ قديماً وحديثاً فقد عاهدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة كما مَرّ معنا ونقضوا عهودهم في خسَّةٍ ونذالةٍ.وأمّا في العصر الحديث فالعالم كُلّه شاهدٌ على نقض العهود والوعود، بل إنّ اليهود يتخذون الوعود والمواثيق أسلوباً وسبيلاً للوصول إلى أغراضهم، فقد يعقدون المعاهدة حتى يلتقطوا أنفاسهم ويُعِدُّوا أنفسهم. فإذا تحقق لهم ما أرادوا ينكثون العهد والوعد كعادتهم.

ومما ينبغي أن نشير إليه، ونحن نستعرض شهادة القُرآن على اليهود، أنّ القرآن الكريم قد أكّد على ثبات هذه الصِّفة في اليهود قديماً وحديثاً، فالآيات القرآنية تربط بين اليهود المعاصرين للنبي صلى الله عليه وسلم وبين آبائهم وأجدادهم الأولين في مختلف أدوارهم ربطاً محكماً كأنّما هي تُقِرُّ أنّ ما عليه اليهود من أخلاقٍ وأحوالٍ وما وقفوه من مواقف إنّما هي مظهرٌ من أصول جِبِلَّةٍ خُلُقِيَّةٍ راسخةٍ يتوارثها الأبناء عن الآباء، بل هذا ما شهدت به التوراة والإنجيل.

5- شهادة التوراة والإنجيل:

مع أنّ التوراة كتابهم المقدّس، وبرغم تحريفها وتعرُّضها للتزييف على أيديهم إلاّ أنهّا لم تخلُ من الإشارة إلى أخلاقهم الذميمة، سيما خلق الغدر والخيانة ونبذ العهود.

ففي سِفرِ التثنيةِ من الإصحاح 32 عدد 19:

"إنّهم جيلٌ مُتقلّب أولادٌ لا أمانَة فيهم"

وإنّك لتعجب حينما تقرأ في سفر أشعيا الإصحاح 59 ما نصّه:

"خيوطُهم لا تصير ثوباً، ولا يكتسون بأعمالهم، أعمالهم أعمالُ إثم، وفعل الظُلم في أيديهم، أرجلهم إلى الشرِّ تجري وتسرع إلى سفك الدّم. أفكارُهُم أفكار إثم، في طرقهم اغتصاب وسحق، طريق السلام لم يعرفوه، وليس في مسالكهم عدل، جعلوا لأنفسهم سبيلاً معوجّةً كُلّ من يسير فيها لا يعرف سلاماً"

أمّا الإنجيل فقد شهد عليهم بأنّهم سَفَكة دماء وأولاد أفاعي.

ففي إنجيل متّى الإصحاح 23 العدد 25:

"يا أولاد الأفاعي كيف تقدرون أن تتكلموا، بالصالحات، وأنتم أشرار فإنّه من فضلة القلب يتكلم اللسان".

وفي إنجيل متّى أيضاً الإصحاح 23 فقرة 39:

"يا أورشليم يا قاتلة الأنبياء وراجمة المرسلين إليها ..."

فالذي نخلص إليه مما سبق أنّ نقض العهود صفةٌ ملازمةٌ لليهود. في كلّ العهود.إذ إنّ اليهود سلسلةٌ وسلالةٌ واحدةٌ متشابهةٌ في حلقاتها مهما تباعدت الأزمنة وتنوَّعت البيئات. ولعلّ من إعجاز القرآن الكريم أنّ المرء يراهم في أخلاقهم اليوم صورةً طبق الأصل لما وصفهم به القرآن الكريم من صفاتٍ وأخلاق، ولم تزدهم الأيّام فيها إلاّ رسوخاً.

"يقول الدكتور عبد الستّار فتح الله: وإنه لأمرٌ عجيب أن توجد أمّةٌ من البشر على هذا النمط وتمتد في سلسلة واحدةٍ عبر الأزمنة والأمكنة وتتأصّل في أجيالها جميعاً كلّ خلائق السوء إلى هذا الحدّ الرهيب، ويكاد العقل ينكر هذا للوهلة الأولى ولا يصدّق استمرار هذا السعار النفسي في الجيل بعد الجيل على امتداد أكثر من ثلاثة آلاف سنة، ولكن هذا فعلاً هو الواقع، اليهود ودينهم بل هو دينهم الذي وضعوه لأنفسهم، وأُشرِبَته قلوبهم على تعاقب القرون والأجيال حتّى كأنّه صار سليقةً مُكتَسَبةً" (صالح، د. سعد الدين السيد، العقيدة اليهودية وخطرها على الإنسانية، ص: 28، دار التابعين، عين شمس، الطبعة الثانية).

إنّ في ذلك لذكرى لمن كان له قلبٌ أو ألقى السمع وهو شهيد

لقد كان كشف القرآن لطبيعة اليهود في هذا الأمر كافياً لأن يحذرهم المسلم، ولا يجلس معهم ولا يصدقهم . ولكن الذين أهملوا كتاب ربّهم وجعلوه وراء ظهورهم راحوا يعاهدون اليهود ويجلسون معهم ويدّعون لأنفسهم الشّجاعة والإقدام.

ويزعمون أنّهم بهذه المفاوضات والمبادرات إنّما يريدون التغلّب على اليهود في ساحة الصراع السياسي، بدلاً عن ساحة الصراع العسكري، وذلك عبر طاولة المفاوضات.

فهل أفلَحَت تلك القيادات أم فَشِلَت؟ وللإجابة على هذا التساؤل لابُدّ من استعراض سريع لتلك المبادرات -مبادرات السلام- والوقوف في محطّاتها. ثم الخروج بالحكم النهائي من واقع الحقائق، إمّا النّجاح أو الفشل.


6- قراءة لما حققته مبادرات السلام لليهود والفلسطينيين:

نستعرض فيما يلي محاولات السلام مع اليهود. بالرغم من قناعتنا -نحن المسلمين- بأنّ السّلام الدائم مع اليهود أمرٌ مستحيل، فضلاً عن كونه أمراً غير مشروع؛ لعدم جواز الاعتراف لهم باغتصاب أرض فلسطين.

المحاولة الأولى: مؤتمر جنيف 1974م:

"وجّه الرئيس المصري السابق أنور السادات يوم 16 أكتوبر 1973م -بعد الحرب بعشرة أيّام- في رسالة مفتوحة إلى الرئيس الأمريكي الأسبق ريتشارد نيكسون، اقترح فيها مشروعاً للسلام يتضمّن الدعوة إلى إيقاف إطلاق النّار على أن تنسحِب إسرائيل فوراً من جميع الأراضي العربية التي احتلّتها في حرب يونيو 1967م، وأبدى استعداده لحضور مؤتمر سلام دولي لإقرار السِلم في منطقة الشرق الأوسط.


الردّ على مبادرة السادات:

تحركت (واشنطن) و(موسكو) وصدر قرار من مجلس الأمن الدولي يدعو لوقف القتال والبدء في المفاوضات بهدف إقامة سِلمٍ دائمٍ وعادلٍ في الشرق الأوسط.

استجابت مصر وسورية والأردن وإسرائيل للقرار وقبلوا قرار وقف إطلاق النّار في حين رفضت العراق ومنظّمة التحرير الفلسطينية" (مجلة البيان، العدد 117 جمادى الأولى 1418ه، مقال خمسون عاماً من الفشل، بقلم عبد العزيز كامل).

وجاء وقت انعقاد المؤتمر (مؤتمر جنيف)، الذي دعا إليه مجلس الأمن، وعندها حصل المَكر الكُبّار من أمريكا وإسرائيل، حيث لم يرق لهما أن تُبحَث قضيّة السلام دوليّاً، حتّى لا تكون ثمّة ضغوط دوليّة ضدّ إسرائيل، لذلك تقرر فجأةً وفي ظروف مبهمة أن تتولى مصر وحدها منفردةً قضيّة الصراع.

المحاولة الثانية: مؤتمر كامب ديفيد 1978م:

حققت أمريكا وإسرائيل مرادهما، حيث انفردت مصر بقضيّة الصراع، وفي الحقيقة أنّ مصر خرجت من ساحة المعركة مع اليهود بهذه الاتفاقيّة.

فقد أعلنت واشنطن في 17 سبتمبر 1978م عن توصّل كلّ من مصر وإسرائيل إلى صيغةِ اتّفاق بينهما لوضع حدّ نهائي للنزاع العربي الإسرائيلي. وكان هذا الإعلان بعد سلسلة من الاجتماعات استمرت 13 يوماً ضمّت كُلاًّ من الرئيس الأمريكي (جيمي كارتر)، والرئيس المصري السابق (أنور السادات)، ورئيس الوزراء الإسرائيلي (مناحيم بيجن)، وكان ذلك في المنتجع الذي أطلقوا عليه اسم مُخيّم داؤود والذي اشتهر إعلامياً ب (كامب ديفيد).

وأثمرت هذه الاجتماعات عن توقيع اتفاقيتين منفصلتين.

الأولى: تتعلق بتحديد علاقات السلام بين دولة اليهود والدول العربية الأخرى، وتدعوا بقيّة دُوَل المُواجهة أن تحذو حذو مصر في إنهاء الحرب مع اليهود.

الثانية: تحدد أسس معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل وتتركز في الآتي:

1- إيقاف الأعمال العسكرية بين الطرفين بشكل نهائي.

2- استعداد كل طرف لممارسة علاقات طبيعية مع الطرف الآخر.

وهناك اتّفاقات سرّية. نُصَّ عليها. ثمّ ظهرت من بعد، ذكرها صاحب مقال "خمسون عاماً من الفشل" (المصدر السابق).

ردود الفعل:

رفضت أكثر الدول العربية اتفاقيات كامب ديفيد لأنها تتضمّن الاعتراف بدولة إسرائيل، وعلت الأصوات الرافضة، ولكنها سرابٌ يحسبه الظمآن ماءً.

انعقد مؤتمر القمّة العربية في بغداد عام 1979م، وأعلََنَت القمّة العربية أنّها ماضية في حربها لليهود. وتعهّدت بالمُضي في المعركة ضدّ الغاصبين حتّى النهاية، وأُعلِنَت جبهة الصمود والتحدي، والتي ما استهلّت صارخةً، بل ولدت ميّتَةً. فغدت جبهة الخمود والتصدع. فقد بدأ بعض أعضائها في التسلل تحت جُنح الظّلام إلى مُعسكر السّلام.

المحاولة الثالثة:

شرع الرافضون لكامب ديفيد (من الصامدين) يتصدّون لطرح مبادرة عربيّة تقول للسلام مع اليهود: نعم ولكن بشكل جماعي. وكان ذلك في مؤتمر فاس في المغرب عام 1982م.

وإنّك لتعجب من قرارات هذا المؤتمر الذي ما هو إلاّ صياغة جديدةً تحمل نفس معنى قمّة كامب ديفيد التي رُفِضَت.وكان لقاء فاس هو الأرضية التي انطلقت منها كل مشروعات التسوية بدءً من الاتفاق الأردني الفلسطيني في عام 1984م المسمّى بمبدأ الأرض مقابل السلام، وحتّى اتفاقيّة أوسلو (المصدر السابق).

المحاولة الرابعة: مشروع إنشاء الدولة الفلسطينية:

بدأت منظّمة التحرير الفلسطينية في إجراء اتّصالات مع عناصر إسرائيلية في الفترة ما بين 1986م - 1988م وانتهت باعتراف ياسر عرفات بقرار مجلس الأمن رقم 242 الذي يدعو إلى اعتراف العرب بدولة إسرائيل بحدود ما قبل 1967م، وكان العرب كلّهم مُطْبِقِينَ على رفض هذا القرار لأنّه يعني التنازل مقدّماً عن ثُلُثَي أرض فلسطين، بل كان ياسر عرفات يقول ويكرر أنّه تقطعُ يده ولا يقبل بالقرار 242، ولكن عرفات عاد وقبل بالقرار، وحتّى يُغطي على فعلته؛ أعلن عن قيام دولة فلسطين المستقلّة ورئيسها ياسر عرفات، والذي ذهب من فوره إلى جنيف كرئيس لدولة فلسطين ويعلن أمام الجمعية العامّة للأمم المتّحدة في 13 ديسمبر 1988م ما يلي:

1- أنّه على استعداد للتفاوض مع إسرائيل.

2- تتعهد منظّمة التحرير أن تتعايش بسلام مع إسرائيل، وأن تحترم حقّها في العيش بسلام ضمن حدود آمنة مُعترف بها.

3- أن تُدين المنظّمة أعمال العُنف الفردي والجماعي وإرهاب الدولة (المصدر السابق).


المحاولة الخامسة: مؤتمر مدريد 1991م:

بعد أن سار اليهود على عقيدتهم في نقض العهود، إذ لم يكفّوا ساعةً من نهار عن الكيد والعدوان على الأبرياء، نُفِّذت عملية فدائية قامت بها إحدى الفصائل الفلسطينية بعد أن سُدّ باب السلام في وجوههم.فقررت الإدارة الأمريكية التدخّل وبحزم لتسوية الصراع العربي الإسرائيلي، وتقرر أن يُعقَد مؤتمر دولي يكون مجرّد واجهة عَلَنيّة عامّة لمحادثات ثنائيّة بين كلّ الدول العربية وبين إسرائيل. أمّا منظّمة التحرير المعنيّة أصلاً بموضوع السلام، فقد تقرر استبعادها لموقفها في حرب الخليج، على أن يكون البديل عنها وفداً فلسطينياً وليس من المنظّمة وعلى أن يكون ذلك الوفد الفلسطيني جزءاً من الوفد الأردني في المؤتمر.وانعقد المؤتمر وكأنّه تظاهرة تحتفي بهوان أمّة لم تجد من يتكلّم باسمها أو يدافع عن كرامتها أو مقدّساتها. وكان من العجائب أن تُختار النصرانيّة حنان عشراوي لتتكلّم باسم القضيّة الفلسطينية العربية الإسلاميّة (المصدر السابق).

المحاولة السادسة: المحادثات المتعددة في واشنطن:

بعد الانتهاء من مؤتمر مدريد، اختِيرَت واشنطن لتكون مقراً لاجتماعات مسارات التفاوض الثنائيّة. ودارت المفاوضات على ما هو متّفقٌ عليه، أو كما أرادت إسرائيل، فقد كانت تخطط لإضاعة الوقت لصالحها. يقول شامير: "كنت أريد المفاوضات أن تمتدّ عشر سنوات، حتى تستكمل خطط الاستيطان وحتّى لا تبقى أرض فلسطينية يتم التفاوض عليها" (المصدر السابق).

وهذا الكلام من شامير، يُذَكِّرنا بكلام لأحد أسلافه وهو مناحيم بيجن، بعدما وقّع معاهدة السلام، حيث قال: "لن يكون هناك سلامٌ لشعب إسرائيل ولا لأراضي إسرائيل حتّى ولا للعرب ما دمنا لم نحرر وطننا بأجمعه بعد، حتّى لو وقّعنا معاهدات صُلح" (العقيدة اليهودية وخطرها على الإنسانية، ص: 117).

هذا بيان واضح لمن كان له عقلٌ وبصيرة، وقد أثبتت الأيام أنّ اليهود لا عهد لهم وأنّ عقيدتهم في تحقيق حلم إسرائيل الكبرى لم ينته بعد. فهل يفيق المسلمون لحقيقة اليهود ؟!

المحاولة السابعة: أوسلو:

اتّجهت الأنظار إلى أوسلو، عاصمة النرويج، وذلك بعد فشل محاولات واشنطن والتي قبلها، لاسيما وأنّه ظهرت مستجدّات على الساحة العربية والدولية، منها:

- انتقال رئاسة الوزراء في إسرائيل من حزب الليكود إلى حزب العمل، أي من شامير إلى رابين.

- استعداد منظّمة التحرير نفسيّاً وعملياً أن تعطي كلّ شيءٍ مقابل الاعتراف بها.

وكان رابين يرى لأجل ذلك أنّه لا مانع من الاعتراف بالمنظّمة بعد اعترافها بإسرائيل، وأن تحيا بعدها حياةً آمنة ضمن حدودها المعترف بها.

وبدأ الفلسطينيون عبر قنوات اتّصال سريّة في التفاوض مع الإسرائيليين لإبرام اتّفاق منفرد، وأثمرت عن اتّفاق مبدئي أُطلِق عليه "غزّة وأريحا أولاً"، وكان المفاوضون قد اتّفقوا في أوسلو على ألاّ يكرروا الخطأ الذي حدث في واشنطن من الوفد الفلسطيني بالبدء بالموضوعات الصّعبة الرئيسة مثل تقرير المصير والمستوطنات، ومستقبل القدس. واختاروا أن يكون البدء بأمور عمليّة. ووقع الاختيار على غزّة وأريحا أولاً. بمعنى تمكين الفلسطينيين من حكم هاتين المنطقتين حكماً ذاتيّاً، وكانت هذه مبادرة إسرائيلية صرفة صادفت هوىً لدى القيادة الفلسطينية، وقد تمّ التوصّل إليها بينهما دون شراكة من طرف ثالث.

تُوّجت هذه المساعي أخيراً بما يُسمّى باتفاق إعلان المبادئ في 8/5/1993م المتعلّق بمنح الفلسطينيين حكماً ذاتياً على غزّة وأريحا.

ومع كل هذا التنازل فإن الطرف اليهودي كان ولا يزال يتعامل مع الطرف الفلسطيني بالازدراء والمكر والخداع وكعادة اليهود في التملّص من العهود، فإنّهم لم يصبروا على اتّفاق أوسلو، رغم حيفه وجوره، وعادوا إلى التمثيليّة المتكررة (تعدد فهم النّص)، تلك التمثيلية التي درجوا على اللجوء إليها كلّما أرادوا التحريف و التزييف فيقولون النَّص هكذا، ولكننا نفهم كذا، وأنتم تفهمون منه كذا، وبهذا يتخلّصون من أي التزام، ويتبرئون من كلّ مسؤولية. لقد قال رابين قبل مصرعه: "إنني أكتشفتُ أنّ هناك قراءتين لاتّفاق أوسلو، قراءة فلسطينية، وقراءة إسرائيلية. ونحن أمام تفسيرات مختلفة لقضيّة كنت أظنّها واضحة في الاتفاق -وقال- إنّ فجوة الاتّفاق بيننا وبين عرفات واسعة" ( مجلّة البيان، العدد 117، خمسون عاماً من الفشل (مرجع سابق)).

نخلص من السرد السابق:

أنّ فصول العملية السلميّة تجري على نمط التلاعب الذي صرّح به رابين في الأسطر السابقة.

فما كان يفهم (شامير) من قواعد اللعبة يمكن أن يختلف غداً عمّا فهمه (بيريز)، وما كان مسلّماً به عند (رابين) يمكن أن ينقلب على أعقابه في مفهوم (نتنياهو)، وما تعاهدت عليه حكومة الليكود اليوم ليس ملزِماً لحكومة العمل غداً، وهكذا تتوالى الفصول في عملية السلام المهزول نقضاً للوعود ونكثاً للعهود. وصدق الله ومن أصدق من الله قيلاً: (أوَ كُلّما عاهدوا عهداً نَبَذَه فريقٌ منهم، بل أكثرهم لا يؤمنون) (سورة البقرة: 100)، (الذين عاهدت منهم ثُمَّ ينقضون عهدهم في كلّ مرّة وهم لا يتّقون) (سورة الأنفال: 56).إن لليهود منطلقاً عقدياً راسخاً مقدساً، يدفعهم بقوة على الإصرار الشديد في نقض العهود ونبذ العهود التي تُبرم وتُعقد مع المسلمين والعرب بشأن الأرض المقدسة (المسجد الأقصى وما حوله)،وما دامت تلك العقيدة راسخةً ثابتةً، فإن موقف اليهود لن يتبدل ولن يتغير.وسيظل مستقبل أي عهد وأي ميثاق ومبادرة سلام هو النبذ والنقض.

وإليك البرهان من توراتهم التي يستندون إليها في أن القدس أرض الميعاد التي كتبها الله لهم فلا ولن يتنازلوا عن شبر فيها، ففي سفر التكوين وهو أول أسفار التوراة تبدأ القصة العجيبة وهي المفتاح لفهم ما يجري: "وابتدأ نوحٌ يكون فلاحاً، وغرس كرماً وشرب من الخمر، وسكر وتعرّى داخل خباءِه، فأبصر حام أبو كنعان عورة أبيه، وأخبر أخويه خارجاً فأخذ سام ويافث الرداء ووضعاه على أكتافهما ومشيا إلى الوراء وسترا عورة أبيها ووجهاهما إلى الوراء فلم يبصرا عورة أبيهما، فلما استيقظ نوح من خمره علم ما فعل ما به ابنه الصغير فقال: ملعونٌ كنعان، عبد العبيد يكون لأخويه، وقال: مباركٌ الرب إله سام، وقال: ليكن كنعان عبداً لهما يفتح الله ليافث فيسكن في مساكن سام، وليكن كنعان عبداً لهم".

فمنطلق اليهود من نص هذه العقيدة "يفتح الله ليافث فيسكن مساكن سام وليكن كنعان عبداً لهم" فإيمانهم عميق بأن القدس لهم وحدهم دون شريك، وفي الإصحاح السابع عشر: "أقيم عهدي بيني وبينك وبين نسلك من بعدك في أجيالهم عهداً أبدياً لأكون إلهاً لك ولنسلك من بعدك وأعطي لك ولنسلك من بعدك أرض غربتك كل أرض كنعان ملكاً أبدياً" وأرض كنعان كما حددتها لهم التوراة هي أرضنا المباركة المقدسة.

ففي الإصحاح العاشر وصف تلك الأرض: "كانت تخوم الكنعاني من صيدون -صيدا اليوم- حينما تجيء نحو الجرار إلى غزة، وحينما تجيء من السدوم وعمورة إلى لاشع".

هذه هي حدودها من الشرق إلى الغرب ولذلك فإنهم يستسيغون التنازل عن غزة دون هضبة الجولان. والسر هنا مكشوف فأراضي السلطة الفلسطينية -غزة وأريحا- ليس منصوصاً عليها أنها من أرض كنعان، فليست ذات بالٍ عند اليهود، ومع ذلك فاليهود لم يتركوا عرفات وأعوانه ينعمون بالسلطة أو السيادة فيها.

يقول بن غوريون أول رئيس حكومة يهودية: "تستمد الصهيونية وجودها وحيويتها من مصدرين: مصدر عميق عاطفي دائم، وهو مستقل عن الزمان والمكان، وهو قديم قدم الشعب اليهودي ذاته، وهذا المصدر هو الوعد الإلهي والأمل بالعودة، يرجع الوعد إلى قصة اليهودي الأول الذي أبلغته السماء أن: "وسأعطيك ولذريتك من بعدك جميع أراضي بني كنعان ملكاً خالداً لك". هذا الوعد لوراثة الأراضي رأى فيه الشعب اليهودي جزءاً من ميثاق دائم تعاهدوا مع إلههم على تنفيذه وتحقيقه والإيمان بظهور المسيح لإعادة المملكة أصبح مصدراً أساسياً في الدين اليهودي يردده الفرد في صلواته اليومية إذ يقول بخشوع وابتهال: أؤمن إيماناً مطلقاً بقدوم المسيح وسأبقى حتى لو تأخر أنتظره كل يوم.

أما المصدر الثاني فقد كان مصدر تجديد وعمل وهو ثمرة الفكر السياسي العملي الناشئ عن ظروف الزمان والمكان والمنبعث من التطورات والثورات التي شهدتها شعوب أوروبا في القرن التاسع عشر وما خلفته هذه الأحداث الكبيرة من آثارٍ عميقة في الحياة اليهودية" (الحوالي، مرجع سابق، ص: 24-25).

ومن هنا كان لزاماً علينا أن نحدد الأسلوب المناسب للتعامل معهم. سيّما وقد انجرف البعض من المسلمين في تيّاراتٍ آسنةٍ تدعو إلى إقامة علاقاتٍ مع اليهود، وتحاول تطبيع هذه العلاقات.مع ملاحظة أنَّ"كلمة تطبيع دليلٌ واضح على استحالة إقامة هذه العلاقات من أساسها، وإلاّ لقامت من نفسها، ولما احتاجت إلى تكلّف تطبيع، وإقامة علاقات من أناس بهذه الأخلاق يكون من باب تكليف الأشياء بضدّ طبيعتها كأن نُكلّف الماء أن تُخرِج لنا ناراً، وهذا أمر مستحيل" (العقيدة اليهودية وخطرها على الإنسان، ص: 35).

لقد وصل الأمر باليهود إلى إيذاء المسلمين في عقيدتهم، وفي ديارهم، فسفكوا الدماء، وانتهكوا الأعراض، وسلبوا الأموال، وهدّموا المنازل والمساجد، ودنّسوا المسجد الأقصى بمحاولات التوسيع المستمرّة. وبعد هذا نبادر إليهم باتّفاقيات سلام! في أيّ شريعة يكون هذا؟

ألا إنّ الله سبحانه وتعالى قد شرع الأسلوب المناسب لمعاملتهم، وهو الجهاد والاستشهاد في سبيل الله على كلّ مسلم قادر حيث أصبح الجهاد فريضةً على المسلمين، يجب نبذُ عهودهم، وعدم الالتزام بها.

(وإمّا تخافنّ من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إنّ الله لا يحبّ الخائنين) (سورة الأنفال: 58).

رغم أنّ العهود التي مضت غير شرعية إلاّ أننا نطالب بنبذها على مستوى الأمّة فمن عاقدهم وعاهدهم بعد هذا أو تولاّهم وأقرّهم بشكل من الأشكال على جرائمهم فهو ضالٌ مُضلٌ كافرٌ مرتدٌ.

وختاماً:

ليس بعد حديث القرآن والسُنة وشهادة التاريخ وشهادة التوراة والإنجيل اللتين تعرّضَتا للتحريف بأيديهم, ليس بعد ذلك حديث. ولا بعد شهادتها شهادة في وصف اليهود بأنهم نَقَضَة عهود، ونَبَذَة مواثيق، وأهل خيانةٍ وغدرٍ وقتلٍ ومكرٍ. فهم سلسلة متّصلة مِن الفِسق والكُفر والنفاق والفُجور.

وزبدة الكلام أن نقول:

لا يجوز إقامة عهد مع اليهود قياساً على معاهدات النبي صلى الله عليه وسلم لأسباب كثيرة منها:

1) أنّ النبي صلى الله عليه وسلم نقض عهودهم ورفضها, ومن هنا لا يجوز إقامة مواثيق وعهود معهم.

2) أنّ عهد الرسول صلى الله عليه وسلم مع اليهود كان عهداً مع قوم لهم أرض وحصون ومال وسلطان حصلوا عليه قبل الإسلام وهؤلاء يجوز معاهدتهم تبعاً للمصلحة المعتبرة شرعاً.

أما اليهود اليوم فهم معتدون على المسلمين، وغاصِبون لأرضهم ومالهم ومُظاهرون لأعدائهم فضلاً عن عداوتهم الشّاملة للإسلام وكتابه. ومن هنا لا بُدّ من سبقهم بقطع الطريق عليهم علناً بلا خيانة حتى لا ينسُجوا خيوط غدرهم بنا في ظل هذه العهود المعتمة.

وصدق الشاعر حيث قال:

هذا زمان سفاهةِ الأحلاِم *** وسيادة الغِلمان والأقزامِ

هذا زمانُ الذُّل ديست عنده *** حريّة الأحرار بالأقدامِ

ما عاد فينا نخوةٌ عربيةٌ *** ما عاد فينا عزّةُ الإسلامِ

كم راكع كم ساجد متألهٍ *** كحثالة البلدان والأقدامِ

علماؤنا في غفلةٍ عن أمرنا *** باسم السلام نُسام كالأنعامِ

حذفوا البراء وكلّ لفظ مثله *** ما عاد ثَمَّ عبادة الأصنامِ

يا رب قد ضاقت علينا أرضنا *** وسماؤنا مِن شدّة الإظلامِ

فَأْذَنْ بغارتك التي تمحو بها *** عن جبهة الإسلام كل قَتامِ

وتعيد للإسلام عزّته التي طُمِست معالمها مع الأيامِ

(شعر علي صالح الكناني)