arrow down

في مواجهة البدع.. المورد في حكم الاحتفال بالمولد

بقلم فضيلة د. عقيل بن محمد المقطري ( عضو رابطة علماء المسلمين )

المقَدّمَة

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أما بعد: فهذه عجالة مختصرة في حكم الاحتفال بالمولد جمعتها واختصرتها من كتب أهل العلم، ولو أسهبنا في الموضوع لاحتاج منا إلى وقت كثير ثم يصير الكتاب في مجلدات، والناس - إلا من رحم الله - لا يرغبون في قراءة المطولات، لكن مع هذا أسأل الله تعالى أن يوفق من يلم بهذا الموضوع من كل جوانبه، ومنها أن ينقد المدائح نفسها التي ينشدونها بعد أن يقوم بجمع كل كتب المدائح التي يقرؤها جميع أرباب الطرق الصوفية المختلفة، ويرد على جميع من أجاز عمل المولد، ويدحض الشبهات التي تمسكوا بها، والله المستعان.

وهذه الرسالة التي جمعتها قسمتها كما يلي:

1- تعريف المولد.

2- فصل في رد الأمور المختلف فيها إلى الكتاب والسنة.

3- فصل في العلل التي يتعللون بها لإقامة المولد، وألحقت به بعض شبههم.

4- فصل فيما يحصل في الموالد.

5- فصل في أقوال أهل العلم ببدعية المولد.

6- الخلاصة.

فأسأل الله عز وجل أن ينفع بها إنه سميع مجيب.

تعريف المولد

المولد في اللغة هو المكان أو الزمان الذي ولد فيه الشخص، فمكان مولد النبي صلى الله عليه وسلم هو مكة، وزمن مولده مختلف فيه، والأشهر أنه ولد في يوم الاثنين، الثاني عشر من شهر ربيع الأول، من عام الفيل، هذا هو مدلول هذه الكلمة في اللغة، واستمر المسلمون على هذا العرف أكثر من ستة قرون، وبعد أن سقطت الخلافة الإسلامية الراشدة وتمزقت بلاد المسلمين، وضعفت وانحرفت العقائد، وانحرف السلوك، وفسد الحكام، ظهرت بدعة المولد التي يفعلها كثير من المسلمين اليوم، وهيئتها أن يجتمع الناس في مسجد أو بيت ويقرؤون الشعر والنثر في قصة مولد النبي وسيرته وغير ذلك يقرؤها رجل حسن الصوت، وربما كان شاباً أمرد، والناس يستمعون ويرددون خلفه بعض الكلمات كما هو معروف اليوم، وسنوضح إن شاء الله كيفية إقامتهم للمولد وما فيه من المفاسد، على كل حال ظهرت هذه البدعة وخرجت عن معناها اللغوي، وهذا يعد من مظاهر ضعف المسلمين في ذلك الحين حتى في الجانب اللغوي.

وأول من أحدث هذه البدعة الملك المظفر بإربل في القرن السادس أو السابع. ذكر هذا السيوطي في الحاوي (ج1ص189).

وقال السخاوي: إن عمل المولد حدث بعد القرون الثلاثة، وأول من أحدثه بالقاهرة المعز لدين الله الفاطمي سنة 362هـ، ودام الاحتفال به إلى أن أبطله الأفضل أمير الجيوش بدر الجمالي سنة 488هـ في عهد المستعلي بالله، ولما ولي الخلافة الآمر بأحكام الله بن المستعلي أعاد الاحتفال في سنة 495هـ، وأول من ألف فيه كتاباً هو أبو الخطاب بن دحية سماه (التنوير في مولد البشير النذير)، وقدمه للملك المظفر فأعطاه ألف دينار (ذكره السيوطي)، وحكى أيضاً في الحاوي نقلاً عن سبط ابن الجوزي من مرآة الزمان بعد أن ذكر أن الملك المظفر هو الذي ابتدع بدعة المولد، حكى أنه أعد مأدبة في أحد الموالد التي أقامها تتكون هذه المأدبة من خمسة آلاف رأس من الغنم مشوي، وعشرة آلاف دجاجة، ومائة فرس، و مائة ألف زبدية، وثلاثين ألف صحن حلوى، وأنه أقام سماعاً للصوفية من الظهر إلى الفجر، وكان يرقص فيه بنفسه مع الراقصين، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

فصل في أن الأمور المختلف فيها ترد إلى الكتاب والسنة

إن أي أمر من الأمور الدينية خاصة، يختلف فيه المسلمون فيجب عليهم أن يردوه إلى الله والرسول من أجل أن يفصل النزاع فيه، فإن قال الشرع بفعله فعلناه، وإن قال بتركه تركناه.

والله عز وجل يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [النساء:59].

وقال: {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ} [الشورى:10].

ومن المعلوم أن النبي عليه الصلاة والسلام بلغ دين الله كاملاً، ولم يترك منه شيئاً، وما من خير إلا ودلنا عليه، وما من شر إلا وحذرنا منه، ففي صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «ما بعث الله من نبي إلا كان حقاً عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، وينذرهم شر ما يعلمه لهم»، وعمل المولد مما اختلف فيه المسلمون بين مانع ومجيز، فلما رددنا هذه المسألة إلى الكتاب والسنة وجدنا أن الله تعالى يأمرنا باتباع النبي عليه الصلاة والسلام فيما جاء به وينهانا عن مخالفة أمره، ووجدنا أيضاً في كتاب الله أن الله قد أكمل الدين لهذه الأمة وليس بحاجة إلى من يكمله أو إلى من يضيف إليه أمراً ما.

ولما رجعنا إلى السنة ما وجدنا أن النبي عليه الصلاة والسلام فعل مولداً في يوم ما ولا حث عليه، ولا وجدنا أن صحابته فعلوا ذلك، ولا أن التابعين فعلوه، ولا أحد من الأئمة الأربعة فعله، فعلمنا وأيقنا أن عمل المولد ليس من السنة بل هو من البدع المحدثة في الدين ومن التشبه باليهود والنصارى.

والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»، «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد»، «وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار» و«إياكم ومحدثات الأمور...» الخ ذلك.

فيتضح لكل من له رغبة في الحق وكان بعيداً عن المكابرة والمعاندة، أن الاحتفال بالمولد ليس من الدين في شيء، بل من البدع التي نهانا عنها رسولنا عليه الصلاة والسلام، ولا ينبغي للمسلم العاقل أن يغتر بكثرة من يفعل ذلك ولا بأحسابهم وأنسابهم، وإنما الحكم بيننا جميعاً الكتاب والسنة، والحق لا يعرف بالرجال بل الرجال يعرفون بالحق.

فصل في العلل التي يتعللون بها لإقامة المولد

وهنالك علل يتعللون ويتمسكون بها ويعتبرونها أدلة لعمل المولد والاحتفال به، ومن هذه العلل:

1- سماع النسب النبوي وسيرته وشمائله.

2- إطعام الطعام في هذا اليوم.

3- الاجتماع لذكر الله والصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام.

4- إظهار الفرح بمولد النبي عليه الصلاة والسلام.

5- ازدياد حب المسلمين لنبيهم عليه الصلاة والسلام في إحياء هذه الذكرى السنوية.

6- التقاء المسلمين وتعرف بعضهم مما يقوي الروابط بينهم.

وغيرها من العلل الواهية.

وهذه العلل بل كل ما يتعللون به غير كافٍ لارتكاب هذه البدعة المنكرة.

فسماع النسب النبوي وسيرة النبي وشمائله لا يكفي أن يسمع مرة في العام، بل الواجب على كل مسلم أن يعرف نسب نبيه عليه الصلاة والسلام وأن يعرف سيرته وصفاته بصورة دائمة، وأن يحضر حلق الذكر والعلم التي تقام يومياً إما بعد كل صلاة أو ما بين المغرب والعشاء.

أو ما إطعام الطعام فمرغب فيه على الدوام وليس مرة في العام، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «أفشوا السلام وأطعموا الطعام...» الحديث.

وأما الاجتماع لذكر الله والصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام فهذان الأمران مطلوبان من كل مسلم على سبيل الدوام أيضاً، يقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} [الأحزاب:41-42]، {...وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} [الأحزاب:35]، {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ} [البقرة:152] والآيات كثيرة.

ويقول نبينا عليه الصلاة والسلام: «سبق المفردون سبق المفردون سبق المفردون، قيل: من هم يا رسول الله؟ قال: الذاكرون الله كثيراً والذاكرات»، وقال له رجل أوصني يا رسول الله، فقال له: «لا يزال لسانك رطباً بذكر الله» والأحاديث كثيرة، وألف العلماء رحمهم الله كتباً خاصةً في الأذكار؛ كالنسائي وابن السني والنووي وابن تيمية وابن القيم، ومن المعاصرين الشيخ الفاضل مصطفى بن العدوى، وكتابه أحسن هذه الكتب فيما أعلم.

والصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام مطلوبة دائماً وليس على رأس السنة أو يومين في الأسبوع يقول الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب:56]، ويقول عليه الصلاة والسلام: «من صلى عليَّ صلاةً واحدةً صلى الله عليه بها عشرا»، وأمر بالصلاة عليه بعد الأذان، وفي الصلاة، و هكذا عند ذكره صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال: «رغم أنف امرئٍ ذكرت عنده فلم يصلِ عليَّ»، «البخيل من ذُكرت عنده فم يصلِّ عليَّ» الخ.

هذان الأمران يحصلان لمن حافظ على حلق الذكر والعلم، والعلماء لا يزالون يقيمون الدروس في بيوت الله تعالى، فما على محب النبي عليه الصلاة والسلام إلا أن يحضر إلى بيوت الله.

وأما ذكرهم الذي يزعمون إقامته في الموالد ففيه أمور:

1- الذكر بصوت جماعي، وهذا لم يكن معروفاً في عهد النبي عليه الصلاة والسلام، ولا في عهد سلفنا الصالحين، فالذكر بصوت جماعي في حد ذاته يُعد من البدع.

2- الغلو في إطراء النبي عليه الصلاة والسلام، وهذا قد نهى النبي عليه الصلاة والسلام عنه.

3- الموضع الذي يقيمون فيه الموالد في الغالب يكون مكاناً فيه الروائح الخبيثة مثل: التنباك والسيجارة وغير ذلك.

4- بعض الألفاظ الشركية.... وغير ذلك. والله المستعان.

وأما إظهار الفرح بمولده عليه الصلاة والسلام، فهذا الفرح إما أن يكون بالنبي عليه الصلاة والسلام وإما أن يكون باليوم الذي ولد فيه.

فإن كان الأول -وهو الفرح بالنبي عليه الصلاة والسلام- فليكن هذا الفرح دائماً من دون تخصيص وقت على آخر، وإظهار الفرح يكون بمتابعته عليه الصلاة والسلام والعمل بسنته.

وأما إن كان الثاني -وهو الفرح بيوم مولده- فإن هذا اليوم هو نفسه أيضاً الذي مات فيه، فكيف يقام فرح في يوم مات فيه نبينا محمد عليه الصلاة والسلام؟ وهذا العمل لا يعمله عاقل، والله المستعان.

وأما ازدياد حب المسلمين لنبيهم في إحياء هذه الذكرى السنوية، فهذا لو كان المسلمون لا يذكرون نبيهم عليه الصلاة والسلام في اليوم والليلة عشرات المرات، أما وهم كذلك فلا يحتاجون إلى عمل المولد أسبوعياً أو شهرياً أو سنوياً، وإنما تقام الحفلات للذين ينسون فلا يذكرون، وأما من يذكر دائماً ولا ينسى فلا يحتاج إلى إقامة مثل هذه البدعة من أجل هذه العلة الواهية.

وأما التقاء المسلمين... إلخ، فالمسلمون يلتقون في اليوم والليلة على أقل تقدير خمس مرات وليسوا بحاجة إلى من يقيم لهم مثل هذه البدع لهذه العلة الواهية أيضاً.

وهنالك شبه يحتج بها من رخص في الاحتفال بالمولد، ولكن هذه الشبه عند تدبرها يتبين ضعفها وبطلانها.

الشبهة الأولى:

ما روي أن أبا لهب -عليه لعنة الله- رؤي في المنام فسئل فقال: إنه يعذب في النار إلا أنه يخفف عنه ليلة كل اثنين، ويمص بين أصبعيه ماء بقدر هذا -وأشار إلى رأس أصبعه-، أن ذلك كان له بسبب إعتاقه جاريته ثويبة لما بشرته بولادة محمد عليه الصلاة والسلام لأخيه عبد الله بن عبد المطلب، وبإرضاعها له صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

وبيان ضعف وبطلان هذه الشبهة من وجوه:

1- هذه رؤيا، والرؤيا لا يثبت بها شرع مهما كانت منزلة من رآها، ومهما كان نسبه وعلمه وورعه وتقواه، اللهم إلا إذا كان نبياً فرؤيا الأنبياء حق.

2- في هذه الرؤيا إثبات ثواب لكافر، والصحيح أن الكافر لا يثاب على عمل صالح عمله إن مات على كفره، فالله تعالى يقول: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا} [الفرقان:23]، ويقول أيضاً: {أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا} [الكهف:105]، وثبت في صحيح مسلم وغيره أن عائشة رضي الله عنها سألت النبي عليه الصلاة والسلام عن ابن جدعان، وكان يذبح للحجيج في كل موسم، ويقريء الضيف ويعمل ويعمل... أذلك نافعه؟ فقال لها عليه الصلاة والسلام: «لا، إنه لم يقل في يوم من الدهر رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين».

3- أن صاحب هذه الرؤيا هو العباس بن عبد المطلب، وراويها عنه رواها بالواسطة فهي مرسلة والمرسل ليس بحجة، ثم يحتمل أيضاً أن يكون العباس رآها قبل الإسلام، فكيف تكون حجة و الحالة هذه.

4- أن فرح أبي لهب -عليه لعنة الله- بمولد النبي عليه الصلاة والسلام كان فرحاً طبيعياً، فهو ابن أخيه، والفرح لا يثاب عليه الإنسان إلا إذا كان لله، ثم لم يكن قد علم نبوة محمد عليه الصلاة والسلام وبعد أن علم عاداه وفعل الأفاعيل، وفرح المؤمن بنبيه عليه الصلاة والسلام دائم لايفارقه، فعرف بهذا سقوط الشبهة الأولى والحمد لله.

الشبهة الثانية:

أن النبي عليه الصلاة والسلام صام يوم عاشوراء وأمر بصيامه، فلما سئل عن ذلك قال: ذاك يوم أنجى الله فيه موسى وبني إسرائيل، أو بهذا المعنى.

وشبهتهم صيام النبي عليه الصلاة والسلام وأمره للمسلمين بالصيام شكراً لله على نجاة موسى ومن معه، قالوا فنحن نتخذ يوم ولادة نبينا يوم مدائح مبتدعة وإطراء وغلو واستغاثة بغير الله، ويوم أكل وشرب وارتكاب لما حرم الله كاختلاط الرجال بالنساء وغير ذلك.

فبدلاً من أن نصوم كما صام النبي عليه الصلاة والسلام عكسنا الأمر فنبينا صام يوم عاشوراء وقال لما سئل «ذاك يوم أُنجي موسى...» فلماذا لا نتأسى به إن كنا ندعي حبه؟ فإن تعجب فعجب فهمهم المنعكس المنتكس، والله المستعان.

الشبهة الثالثة:

أن النبي عليه الصلاة والسلام صح عنه أنه كان يصوم يوم الاثنين والخميس، فلما سئل عن السبب قال: أما يوم الاثنين فإنه يوم ولدت فيه... الحديث، والشبهة عندهم التي جعلتهم يحتفلون بالمولد هي أنه صام الاثنين، وعلل صيامه بقوله: «إنه يوم ولدت فيه...».

أقول: إن كان مرادهم من إقامة المولد هو شكر الله على نعمة ولادة النبي عليه الصلاة والسلام في هذا اليوم فإن المعقول والمنقول يحتمان أن يكون شكرنا لله من جنس شكر الرسول لله تعالى، فرسول الله عليه الصلاة والسلام شكر بالصيام في يوم ولادته وفي يوم نجاة موسى عليه السلام، فنحن نشكر بالصيام كذلك، لكن أصحاب الموالد عكسوا ذلك وجعلوه يوما للطعام والشراب والمعاصي.

ثم إن النبي عليه الصلاة والسلام لم يرد عنه أنه صام اليوم الثاني عشر من شهر ربيع - هذا إن صح هذا التاريخ -، وإنما صام يوم الاثنين وهو يتكرر أربع مرات في كل شهر أو أكثر، واليوم الثاني عشر من ربيع الأول قد لا يكون يوم الاثنين، بل لا يأتي كذلك إلا نادراً.

وعلى هذا فتخصيص هذا اليوم بصيام أو بأي عمل آخر يُعد من البدع في الدين، ومن الاستدراك على الشارع، وهذا العمل في غاية من القبح والشناعة.

ومع هذا فلم يضف عليه الصلاة والسلام إلى صيام ذلك اليوم تجميع الناس وعمل المدائح وما أشبه ذلك مما يفعل اليوم بل اكتفى بالصيام، فإذا كان الأمر كذلك أفلا يكفي هذه الأمة ما كفى نبيها عليه الصلاة والسلام.

وبهذا تتهاوى وتتساقط هذه الشبهات ويظهر الأمر جلياً ناصعاً بأن عمل الموالد والاحتفال باليوم الثاني عشر من ربيع الأول بدعة منكرة.

وخير الهدي هدي محمد عليه الصلاة والسلام.

فصل فيما يحصل في الموالد من المنكرات

قبل أن نذكر ما يحصل في المولد يحسن أن نوضح كيفيته: وكيفية فعل المولد أن يجتمع الناس في مسجد أو بيت ثم يقوم أحدهم بقراءة المولد، وهي نسيخات مؤلفة إما نثراً و إما شعراً يذكر فيها نسب النبي عليه الصلاة والسلام وقصة مولده ونشأته إلى غير ذلك، والناس يستمعون ويرددون بعض الكلمات، وأحياناً يقوم شاب أمرد حسن الصوت ومعه الدف وينشد والناس يستمعون إليه ويرددون بعض الأبيات مثل (صلى الله على محمد/صلى الله عليه وآله وسلم)، ثم تجد بعضهم يبكي، لكن إذا قرئ عليه القرآن لا يصب دمعة واحدة، وتجد بعضهم ينحب ويأتي بأصوات ويهز رأسه يميناً وشمالاً حتى يدوخ ويسقط مغمى عليه من كثرة الحركة والدوران شمالاً ويميناً أضف إلى ذلك ما يحدثه صوت الدف وبعض النغمات في قلب أمثال هذا، فيعتقد الحاضرون أنه نال الفوز والكرامة، هذا باختصار.

وأما ما يحدث في المولد من المنكرات فأذكر منها على سبيل المثال لا الحصر:

1- اختلاط الرجال بالنساء.

2- ذبح النذور المعدة للأولياء.

3- الرقص على المزامير والدفوف.

4- حضور الكثير من المرد مع الرجال والنساء.

5- دعاء الأولياء أو دعاء النبي والاستغاثة بهم وطلب المدد منهم.

6- القيام عند حضور روح الأولياء أو روح النبي معهم كما يزعمون، وهذا فيما يسمونه بالحضرة.

7- إطراء النبي عليه الصلاة والسلام والغلو فيه.

8- الإسراف في الطعام والشراب.

9- الكذب على النبي عليه الصلاة والسلام في هذه الموالد.

وهذه الأمور التسعة كلها مفاسد، فهي إما أمرٌ محرم، أو شركٌ بالله عز وجل، أو فسقٌ، كما هو معروف في مظانه من الكتب المطولة، ولا بأس أن نذكر في عجالة الأدلة على فساد بعض هذه الأمور فالمقام ليس مقام بسط.

ثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال: «إياكم والدخول على النساء»، وقال صلى الله عليه وسلم «لعن الله من ذبح لغير الله»، وقال الله تعالى: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} [غافر:60]، وقال عليه الصلاة والسلام: «الدعاء هو العبادة»، ونهى عليه الصلاة والسلام عن القيام له وقال: «لقد كدتم أن تفعلوا فعلة فارس والروم» أو كما قال.

وقال: «لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم، إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله...» الخ ذلك.

وقال تعالى: {وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا} [الإسراء:26-27] وأما الكذب عليه في هذه الموالد فمن وجهين:

الأول: ما ينسب إليه من أحاديث موضوعة.

الثاني: زعمهم أنه يحضر في ذلك المجلس.

فصل في أقوال أهل العلم ببدعية المولد

1- ابن الحاج: قال في كتابه (المدخل ج2ص2): ومن جملة ما أحدثوه من البدع مع اعتقادهم أن ذلك من أكبر العبادات وإظهار الشعائر، ما يفعلونه في شهر ربيع الأول من المولد، وقد احتوى على بدع ومحرمات جملة. (والكلام فيه طويل فيراجع هناك).

2- تاج الدين عمر بن علي اللخمي الفاكهاني: ألف رسالة في رده سماها (المورد في الكلام على المولد) ساقه السيوطي برمته في كتابه (الحاوي ج1ص190 فما بعد)، وقد أفردت رسالة السيوطي فطبعت وحدها، واسمها (حسن المقصد في عمل المولد).

3- ابن تيمية: قال رحمه الله تعالى في (اقتضاء الصراط المستقيم ص 294-296):"... وكذلك ما يحدثه بعض الناس إما مضاهاة للنصارى في ميلاد عيسى عليه السلام، وإما محبة للنبي عليه الصلاة والسلام وتعظيماً له، والله قد يثيبهم على هذه المحبة والاجتهاد لا على البدع من اتخاذ مولد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عيداً، مع اختلاف الناس في مولده، فإن هذا لم يفعله السلف مع قيام المقتضي له وعدم المانع منه، ولو كان هذا خيراً محضاً أو راجحاً لكان السلف رضي الله عنهم أحق به منا، فإنهم كانوا أشد محبة لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وتعظيماً له منا وهم على الخير أحرص، وإنما كمال محبته وتعظيمه في متابعته وطاعته، واتباع أمره، وإحياء سنته باطناً وظاهراً، ونشر ما بعث به، والجهاد على ذلك بالقلب واليد واللسان، فإن هذه هي طريقة السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، وأكثر هؤلاء الذين تجدونهم حرصاء على أمثال هذه البدع -مع ما لهم فيها من حسن القصد والاجتهاد الذي يرجى لهم به المثوبة- تجدونهم فاترين في أمر الرسول عما أمروا بالنشاط فيه، وإنما هو بمنزلة من يُحلي المصحف ولا يقرأ فيه أو يقرأ فيه ولا يتبعه، وبمنزلة من يزخرف المسجد ولا يصلي فيه، أو يصلي فيه قليلاً، وبمنزلة من يتخذ المسابح والسجادات المزخرفة، وأمثال هذه الزخارف الظاهرة التي لم تشرع ويصحبها من الرياء والكبر والاشتغال عن المشروع ما يفسد حال صاحبها كما جاء في الحديث: «ما ساء عمل أمة قط إلا زخرفوا مساجدهم»" انتهى.

وقد رد على ابن تيمية محقق الكتاب وهو الفقي رحمه الله في قوله: قد يثيبهم الله على هذه المحبة الاجتهاد. فراجعه هناك.

4- محمد حامد الفقي: كما في تعليقه على كتاب (اقتضاء الصراط المستقيم ص294).

5- الشيخ عبد العزيز بن باز: له رسالة ضمن كتابه (التحذير من البدع).

6- الشيخ أبو بكر الجزائري: له رسالة سماها: (الإنصاف فيما قيل في المولد من الغلو والإجحاف).

وغير ذلك من الرسائل التي تكلم فيها على المولد.

7- الشيخ علي محفوظ: كما في كتابه (الإيداع في مضار الابتداع): قال في (ص272): "المواسم التي نسبوها إلى الشرع وليست منه: منها: ليلة الثاني عشر من ربيع الأول: يجتمع لها الناس في المساجد وغيرها فيهتكون حرمة بيوت الله تعالى، ويسرفون في الوقود فيها، ويرفع القراء أصواتهم بقصائد الغناء التي تثير شهوة الشبان إلى الفسق والفجور، فتراهم عند ذلك يصيحون بأصوات منكرة، ويحدثون في المساجد ضجة فظيعة، وقد لا يتعرضون في قصائدهم لشيء من خصائص رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأخلاقه الكريمة وأعماله النافعة الجليلة، وفيهم من يشتغل بالذكر المحرف، وكل ذلك لم يأذن به الله ورسوله، ولم يعهد عن السلف الصالح، فهو بدعة وضلالة كما سبق في بدع الموالد".

8- الشيخ محمد عبد السلام حضر الشقيري: قال في كتابه (السنن والمبتدعات ص 138 فما بعدها): فصل في شهر ربيع الأول وبدعة المولد فيه: "... والاحتفال به بدعة منكرة وضلالة لم يرد بها شرع ولا عقل، ولو كان في هذا خير فكيف يغفل عنه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وسائر الصحابة والتابعين وتابعيهم والأئمة وأتباعهم؟ ولا شك أنه ما أحدثه إلا المتصوفون الأكالون البطالون أصحاب البدع، وتبع الناس بعضهم بعضاً فيه إلا من عصمه الله ووفقه لفهم حقائق دين الإسلام".

9- حمود بن عبد الله بن حمود التويجري: ألف كتاباً رد فيه على ثلاثة ممن يجيز الاحتفال بالمولد سماه: (الرد القوي).

10- عبد الله بن سليمان بن منيع: ألف كتاباً في الرد على بعض مجيزي المولد، وهو محمد علوي المالكي وسمى كتابه: (حوار مع المالكي).

11- الإمام الشوكاني: له بحث في حفلة المولد قال: لم أجد في جوازه دليلاً، وأول من اخترعه السلطان المظفر أبو سعيد في القرن السابع، وأجمع المسلمون على أنه بدعة، وبحثه هذا مخطوط ضمن (الفتح الرباني مجاميع 83) يسر الله إخراجه.

12- الإمام الشاطبي: صاحب كتاب (الاعتصام): ذكر في مقدمة كتابه المذكور حد البدعة وعد منها اتخاذ يوم ولادة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم منها... حيث قال (ص39) من الجزء الأول: ومنها التزام الكيفيات والهيئات المعينة كالذكر بهيئة الاجتماع على صوت واحد، واتخاذ يوم ولادة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عيداً، وما أشبه ذلك.

13- أبو الطيب محمد شمس الحق العظيم آبادي: كتب في إنكار بدعة المولد في تعليقه على (كتاب الأقضية والأحكام) من سنن الدارقطني عند كلامه على حديث عائشة رضي الله عنها مرفوعاً «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد».

14- الشيخ العلامة بشير الدين القنوجي: قال تلميذه أبو الطيب محمد شمس الحق العظيم آبادي عند كلامه السابق: ولشيخنا العلامة بشير الدين القنوجي في ذلك الباب كتاب مستقل سماه (غاية الكلام في إبطال عمل المولد والقيام).

15- محمد رشيد رضا: كتب في إنكار هذه البدعة (ج17 من تفسير المنار ص111 وج29 ص664-668).

16- الشيخ محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف آل الشيخ مفتي الديار السعودية سابقاً: كتب في إنكار هذه البدعة المنكرة عدة رسائل منها المطول ومنها المختصر، وهي ضمن مجموع فتاويه (ج3ص48- 95)، ذكر هذا التويجري في كتابه السابق الذكر.

17- الشيخ العلامة عبد الله بن محمد بن حميد رئيس مجلس القضاء الأعلى في المملكة العربية السعودية، وعضو هيئة كبار العلماء (سابقاً) رحمه الله: له رسالة مطبوعة في ذلك.

وقد سمعت عدة فتاوى من كثير من أهل العلم يقولون ببدعية عمل المولد والاحتفال باليوم الثاني عشر من ربيع الأول، منهم على سبيل المثال لا الحصر:

1- لشيخ العلامة محدث الشام محمد ناصر الدين الألباني.

2- الشيخ العلامة محدث اليمن مقبل بن هادي الوادعي.

3- الشيخ العلامة مصطفى بن العدوي.

4- الشيخ العلامة محمد بن عبد الوهاب العبدلي الوصابي.

5- الشيخ العلامة عبد المجيد الريمي.

6- الشيخ العلامة محمد بن عبد الله الريمي.

7- الشيخ العلامة محمد بن محمد المهدي.

8- الشيخ العلامة أحمد بن حسن المعلم.

9- الشيخ العلامة محمد بن سعيد الشيباني رحمه الله.