arrow down

الولاء والبراء

بحث لفضيلة د. عقيل بن محمد المقطري ( عضو رابطة علماء المسلمين )

الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي المتقين وأشهد أن محمداً عبده ورسوله إمام الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً إلى يوم الدين.. أما بعد:

فإن قضية الولاء والبراء من القضايا المهمة التي يحتاجها المسلمون إلى أن يعوها وعياً صحيحاً لا إفراط ولا تفريط، وذلك لأننا لمسنا أن كثيراً منهم لا يعرفون خطورة هذا الأمر وقد وجدنا أناساً يصلون في الصفوف الأولى ويحافظون على الجمعة والجماعة لكنهم لا يستنكفون أن يقفوا مع أعداء الله تعالى مناصرين موزارين.

ومنهم من يخلط في هذا المبدأ ما ليس منه فيحرم جميع أنواع المعاملات والاتصالات مع اليهود والنصارى وغيرهم من أعداء الله -عز وجل-.

هذا وقد أولى علماؤنا هذه القضية اهتماماً، فمن أحسن ما وقفت عليه من المؤلفات في هذا الجانب الذي جمع ما تفرق في بطون الكتب ما له صلة بهذا الأمر كتاب (الولاء والبراء) للقحطاني، وكتاب (الموالاة والمعادات) للشيخ محماس الجعلود، ومن المختصرات (الولاء والعداء في علاقة المسلم بغير المسلم) للدكتور الطريقي وغير ذلك، واستعنت الله تعالى في كتابة هذه الرسالة المختصرة آخذاً مادتها من هذه الكتب المذكورة ومن غيرها.

واخترت بعض المواضيع المهمة التي تمس إليها حاجة المسلم المعاصر, رجاء أن ينفع الله عز وجل بها.

أسال الله أن يجعل ذلك خاصاً لوجهه إنه سميع مجيب وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

المعنى اللغوي والاصطلاحي للولاء والبراء

معنى الولاء لغة: النصرة والمحبة.

واصطلاحاً: الولاية: النصرة والمحبة والإكرام والاحترام والكون مع المحبوبين ظاهراً وباطناً قال تعالى: {اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آَمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ} [البقرة:257]، فموالاة الكفار تعني التقرب إليهم وإظهار الولاء لهم بالأقوال والأفعال والنوايا.

معنى البراء لغة: قال ابن الأعرابي: برئ إذا تخلص وبرئ، إذا تنزه وتباعد، وبرئ إذا أعذر وأنذر، ومنه قوله تعالى: {بَرَاءَةٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ} [التوبة:1]؛ أي أعذر وأنذر.

واصطلاحاً: هو البعد والخلاص والعداوة بعد الإعذار والإنذار.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- كما في (الفرقان): الولاية ضد العداوة، وأصل الولاية: المحبة والتقرب، وأصل العداوة: البغض والبعد، والولي: القريب، يقال هذا يلي هذا أي يقرب منه، ومنه قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «الحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فهو لأولى رجل ذكر» أي لأقرب رجل إلى الميت، فإذا كان ولي الله هو الموافق المتابع له فيما يحبه ويرضاه ويبغضه ويسخطه ويأمر به وينهى عنه كان المعادي لوليه معادياً له كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالمَوَدَّةِ} [الممتحنة:1].

فمن عادى أولياء الله فقد عاداه، ومن عاداه فقد حاربه، ولهذا جاء في الحديث «من عادى لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة».

أهمية الولاء والبراء

لما كان أصل الموالاة: الحب، وأصل المعاداة: البغض، وينشأ عنهما من أعمال القلوب والجوارح ما يدخل في حقيقة الموالاة والمعاداة كالنصرة، والأنس، والمعاونة، وكالجهاد، والهجرة، ونحو ذلك فإن الولاء والبراء من لوازم لا إله إلا الله وأدلة ذلك كثيرة من الكتاب والسنة.

أما الكتاب:

فقوله تعالى: {لَا يَتَّخِذِ المُؤْمِنُونَ الكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ المُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللهِ المَصِيرُ} [آل عمران:28].

وقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا اليَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لَا يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ} [المائدة:51].

أما الأدلة من السنة:

1-روى الإمام أحمد في مسنده (4/357، 358) بإسناد حسن من حديث جرير بن عبدالله البجلي -رضي الله عنه- «أن رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بايعه على أن ينصح لكل مسلم ويتبرأ من الكافر».

2-روى ابن أبي شبيه في كتاب الإيمان أن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- قال: «أوثق عرى الإيمان الحب في الله و البغض في الله»، قال شيخنا الألباني في تحقيقه لهذا الكتاب: أخرجه الطبراني في الكبير عن ابن مسعود مرفوعاً وهو حسن.

3-ما رواه الطبراني عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أن رسول الله صلى الله عليه وآله سلم قال: «أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبعض في الله» [حسنه الألباني في صحيح الجامع].

ثم اعلم أن الله -سبحانه وتعالى- لم يبعث نبياً يدعو إلى توحيده إلا جعل له أعداء كما قال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ القَوْلِ غُرُورًا} [الأنعام:112]، والواجب على المسلم أن يتعلم من دين الله ما يصير له سلاحاً يقاتل به هؤلاء الشياطين، ومن ثم لا خوف ولا حزن؛ لأن: {كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا} [النساء:76]، والعامي من الموحدين يغلب آلاف من علماء المشركين كما قال تعالى: {وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الغَالِبُونَ} [الصَّفات:173]؛ بالحجة واللسان، كما أنهم الغالبون بالسيف والسنان، وإذا كانت أهداف أعداء الإسلام هي تمييع عقيدة المسلمين وتذويب شخصيتهم المتفردة لجعلهم حميراً للشعب المختار كما نصت على ذلك (بروتوكولات حكماء صهيون) فإنه يتضح لدى المسلم أهمية هذا الموضوع حتى يحذر هو ومن معه من الانزلاق في مهاوي الردى فبان بهذه الأدلة الواضحة من الكتاب والسنة أن الولاء والبراء من لوازم لا إله إلا الله وهو أيضاً تحقيق معناها كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "إن تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله يقتضي أن لا يحب إلاَّ لله ولا يبغض إلاَّ لله ولا يوالي إلاَّ لله ولا يعادي إلاَّ لله وأن يحب ما أحبه الله ويبعض ما أبعضه الله" ويوالي المؤمنين في أي مكان حلو ويعادي الكافرين ولو كانوا أقرب قريب.

ثم إن من الولاء والبراء ما هو شطر العقيدة وركنها الثاني الذي لا تتم إلا به وهو الكفر بالطاغوت {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ} [البقرة:256] فلا يكون مؤمناً من لا يكفر بالطاغوت وهو كل متبوع أو مرغوب أو مرهوب من دون الله.

فقبول الإيمان والاستمساك بالعروة الوثقى مستلزم للكفر بالطاغوت كما نصت على ذلك الآية الكريمة هذا وقد ذكر أهل العلم أن من نواقض الإسلام: مظاهرة المشركين ومعاونتهم على المسلمين قال تعالى: {وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [المائدة:51].

طريقة القرآن والسنة في غرس الولاء والبراء

لقد كرس القرآن الكريم وكذلك السنة المطهرة غرس عقيدة الولاء والبراء في قلوب المسلمين من أول وهلة فقد حرص الإسلام على أن يكون انتماء المسلم لهذا الدين منذ أن يردد تلك الكلمة الطيبة (أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله) وبهذا يتبرأ من جميع الطواغيت المتبوعة والمعبودة قال تعالى: {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [البقرة:256] فبدأ بالبراء من جميع الطواغيت ثم عقب بالإيمان بالله وحده ويقول سبحانه: {وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى} [لقمان:22] وقال أيضاً: {قُلْ إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدَىَ وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأنعام:71] فهذا الآيات الكريمة تبين لنا نعمة الله عز وجل على المسلمين بهذا الدين فالولاء له يعتبر مصدر قوة وعزة , وهذه بعض الآيات من كتاب الله عز وجل.

وأما من السنة:

فعن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «أوثق عرى الإيمان الموالاة في الله والمعاداة في الله والحب في الله والبعض في الله» يقول العلامة ابن القيم رحمه الله في (بدائع الفوائد2/245):

فإذا جرد العبد التوحيد فقد خرج من قلبه خوف ما سواه وكان عدوه أهون عليه من أن يخافه مع الله بل يفرد الله بالمخافة ويتجرد لله محبة وخشية وإنابة وتوكلاً واشتغالاً به عن غيره فيرى أن إعماله فكره في أمر عدوه وخوفه منه وانشغاله به من نقص توحيده وإلا فلو جرد توحيده لكان له فيه شغل شاغل والله يتولى حفظه والدفع عنه فإن الله يدافع عن الذين آمنوا ومعلوم أن التوحيد حصن الله الأعظم من دخله كان من الآمنين قال بعض السلف: "من خاف الله خافه كل شيء ومن لم يخفِ الله أخافه الله من كل شيء" وهناك طرق آُخر في غرس الولاء والبراء في نفوس المؤمنين وهو استخدام مشاهد القيامة فيصور الخصومة والعداء بين الأتباع والمتبوعين الذين سلكوا غير مهنج الله في الدنيا ووالوا وعادوا حسب العادات ودين الآباء وتبرأ كل فريق من أصحابه.

يقول الله تعالى: {إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ * وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّؤُواْ مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ} [البقرة:166-167] فهذه هي حالة من اتخذ الأنداد من دون الله يوالي لهم ويعادي لهم ويرضى لهم ويغضب لهم فعمله ينقلب حسرة عليه يوم القيامة لأنه لم يخلص موالاته ومعاداته ومحبته وبغضه وانتصاره وإيثاره لله ورسوله.

وطريقة أخرى هي ضرب المثل وأبرز مثل هو قضية إبراهيم عليه السلام مع قومه فإنه هو القدوة الأولى في الولاء والبراء يقول تعالى: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ} [الممتحنة:4] وثمت أسلوب آخر وهو أسلوب التهديد والوعيد بعد البيان والإيضاح وإقامة الحجة على الناس يقول سبحانه وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ} [المائدة:54] أما المستجيبون لأمر الله تعالى فإن الله يحبهم وهو ناصرهم ومولاهم يقول الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ} [الصف:4] ويقول: {بَلِ اللّهُ مَوْلاَكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ} [آل عمران:150].

هذا ومن لوازم محبة الله إتباع رسوله صلى الله عليه وآله وسلم: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} [آل عمران:31] يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله كما في التحفة العراقية (ص76): "واتباع سنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم وإتباع شريعته باطناً وظاهراً موجب محبة الله كما أن الجهاد في سبيل الله وموالاة أوليائه ومعاداة أعدائه هو حقيقتها" فقد ربى الإسلام على الحب في الله والبغض في الله والولاء في الله حتى وصلت إلى حد أن لو قذفت في النار لكان أحب إليها من أن تعود في الكفر بعد أن أنقذها الله منه.

ولئن كان الولاء والبراء قد غاب اليوم في واقع حياة المسلمين -إلا من رحم ربك- فإن هذا الغياب لا يغير من الحقيقة الناصعة الجلية شيئاً لأن هذا الأمر العظيم كما يقول الشيخ حمد بن عتيق في (النجاة والفكاك ص14): "ليس في كتاب الله تعالى حكم فيه من الأدلة أكثر ولا أبين من هذا الحكم بعد وجوب التوحيد وتحريم ضده".

وما سر استيراد مذاهب البشر الإلحادية وأفكارهم القاصرة إلا نتيجة حتمية لغياب ولائهم لله ورسوله وعدم برائتهم من الطواغيت المقنعة ببهرج الباطل وزيف الحقيقة. [باختصار وتصرف من الولاء والبراء للقحطاني].

مشروعية الولاء والبراء في الإسلام

موالاة المؤمنين ومعاداة الكافرين أمران مشروعان ومطلوبان في الإسلام وهما من لوازم التوحيد وفقدهما من نواقضه.

لذلك وردت آيات كثيرة مفصلة في هذا الجانب خاصة في السور المدنية التي نزلت بعد الهجرة وبعد أن قامت دولة الإسلام وصار فسطاط المؤمنين واضحاً ظاهراً واتضحت بقية الرايات حتى صار الناس على النحو التالي:

أولاً: المؤمنون الصادقون من المهاجرين والأنصار الذين تظلهم راية الدولة الإسلامية.

ثانياً: المؤمنون الذين آمنوا ولم يهاجروا وبقوا في ديارهم خارج الدولة الإسلامية.

ثالثاً: المنافقون في المدينة وما حولها.

رابعاً: اليهود القاطنون في المدينة.

خامساً: النصارى وكانوا خارج المدينة بنجران والشام وغيرها.

سادساً: المشركون من العرب وغيرهم فجاءت آيات القرآن الكريم تعالج قضية هامة وهي كيفية التعامل مع جميع الفئات.

فأما الصنف الأول: فقال فيهم: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ} [الأنفال:72] فجعل الله بينهم الولاية التامة العامة.

وأما الصنف الثاني: فقال الله فيهم: {وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُم مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُواْ وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاَّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [الأنفال:72] قال الحافظ ابن كثير عند هذه الآية: "فهؤلاء ليس لهم في المغانم نصيب ولا في خمسها إلا ما حضروا فيه القتال" فولاية هذه الفئة ناقصة لكنها غير منقطعة فلو حصل بينها وبين الكفار نزاع لو جبت نصرتها لوجود القاسم المشترك وهو الإيمان إلاَّ إن كان المقاتل لها مرتبطاً مع المسلمين في عهد وميثاق فلا تسوغ نصرتهم عندئذ إلا إذا كان الاعتداء من قبل الكفار.

وأما الصنف الثالث: فمنهم من كان يظهر الإيمان ويبطن الكفر فهؤلاء كان يعاملهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم على حسب ما يظهر منهم فلهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين وأوكل سرائرهم إلى الله عز وجل وكان يقول في أمثالهم: «إني لم أؤمر أن أنقب عما في قلوب الناس».

فالولاء لهم يكون بقدر ما يظهرون من الخير والبراء بقدر ما يظهر من شر.

فأما من أظهر كفره وزندقته كما هو حال العلمانيين اليوم فيجب أن يعاملوا بمثل ما عامل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمثالهم من جهاد وغير ذلك: قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [التوبة:73] ويمنع هؤلاء من تولى أي عمل يؤثر على حياة المسلمين. وإذا مات أحدهم فلا يصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين قال تعالى: {وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُواْ وَهُمْ فَاسِقُونَ} [التوبة:84]. فالولاء إذاً منقطع عن هؤلاء والمعاداة لهم ظاهرة بينة.

وأما الصنف الرابع والخامس: فقد أكثر القرآن من ذكرهم وبين انحرافهم العقدي والفكري والسلوكي ووضح عداوتهم للمؤمنين، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [المائدة:51] وغير ذلك من الآيات.

أما الصنف السادس: فهؤلاء يدخل فيهم جميع الكفار ما عدا أهل الكتاب سواء كانوا عرباً أم عجماً مشركين أم ملحدين وهذا الصنف شدد الإسلام عليهم ما لم يشدد على غيرهم حتى ذهب كثير من أهل العلم إلى أنه لا تقبل منهم جزية بل إما الإسلام وإلا القتال.

فالولاء في حقهم معدوم والصلات مبثورة فلا صداقة ولا مناصرة. قال تعالى: {لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللّهِ الْمَصِيرُ} [آل عمران:28] وقال الله تعالى: {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ} [المجادلة:22].

وبعد هذا كله يتضح لنا مشروعية موالاة المؤمنين ومعاداة الكافرين وأنه لا ولاء إلا لله ورسوله والمؤمنين وأما غيرهم فلا ولاء لهم أبداً.

فإذا قال قائل ما الداعي إلى تشريع هذه المفاصلة بين المسلمين وأعدائهم وقطع الموالاة عنهم؟ ولماذا لا تكون المودة والمحبة والتآخي بين الجميع؟

فالجواب إضافة إلى ما سبق من الأدلة الصريحة بذكر القواعد التي تعتمد عليها مشروعية المفاصلة والمقاطعة بين المؤمنين وغيرهم وهي كالتالي:

القاعدة الأولى: وجوب محبة الله وإتباع مراده: وهذا أصل عظيم من أصول العقيدة وقد وردت النصوص لتأكيد هذا الأصل منها قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لِّلّهِ} [البقرة:165] ففي هذه الآية تأكيد أن محبة المؤمنين لربهم أشد من محبة الكفار لمعبوداتهم. ويلتحق بمحبة الله تعالى محبة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم فلا يصح الإيمان إلا بها كما في قوله تعالى: {قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ} [التوبة:24].

وكما في قوله صلى الله عليه وآله وسلم في الصحيحين من حديث أنس رضي الله عنه: «ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان» وذكر منها: «أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما».

كما يلحق بمحبة الله ورسوله محبة مرادهما وشرعهما فلا تصح دعوى محبة الله ورسوله إلا بإتباع لشرعهما قال تعالى: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} [آل عمران:31].

القاعدة الثانية: المرء مع من أحب: هذه قاعدة أخرى ينطلق منها تشريع (الموالاة والمعاداة) فمن أحب شيئاً تعلق به وانساق وراء مراده، فمن أحب الكفار والمشركين تأثر بهم وتعلق بهم وهكذا إذا أحب المؤمنين وارتبط بهم فإنه يعمل عملهم.

ومن هنا أمر المسلم بموادة أهل الإيمان وموالاتهم والتأسي بهم ونهى عن مودة أهل الشرك والزيغ لئلا يتأثر بهم ولهذا لما سئل رسول الله عليه وآله وسلم عن الرجل يحب القوم ولما يلحق بهم قال: «المرء مع من أحب» [رواه البخاري ومسلم من حديث عبدالله بن مسعود رضي الله عنه].

القاعدة الثالثة: الحق والباطل ضدان: الحق هو ما شرعه الله جل وعلا. والباطل هو ما خالف شرع الله والحق والباطل لا يجتمعان أبداً قال تعالى: {فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ} [يونس:32]. ومن هنا فلا يجتمع أولياء الرحمن وأولياء الشيطان بل بينهما صراع دائم إلى يوم القيامة.

القاعدة الرابعة: محبة الرحمن تقتضي بغض الشيطان: وذلك أن مراد الشيطان مناقض مراد الرحمن فوجب بهذا بغض الشيطان وإتباع مراد الرحمن فلا يجوز اجتماع المحبتين في قلب العبد وهكذا لا يجوز له أن يعطي ولاءه لغير المؤمنين لأنهم جند وعبدة للشيطان ولذلك حصر الله وقصر الولاء في أهل الإيمان فقال: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ} [المائدة:55].

الخلاصة أنه يجب محبة الله ورسوله ومحبة مرادهما وكل ما هو محبوب لهما ومنه أولياء الله فمحبتهم وموالاتهم واجبة ثم هذا يقتضي منع محبة الأضداد من الشياطين وطواغيت وكفار لأنهم يمثلون الباطل ومحبة الحق والباطل معاً تناقض. [باختصار وتصرف من الولاء والعداء للطريقي].

الولاء والبراء (2)
الشيخ/ عقيل بن محمد المقطري الأربعاء 3 نوفمبر 2010 م


عقيدة أهل السنة في الولاء والبراء

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله كما في (مجموع الفتاوى ج 28/209-208): "على المؤمن أن يعادي في الله فإن كان هناك مؤمن فعليه أن يواليه وإن ظلمه فإن الظلم لا يقطع الموالاة الإيمانية قال تعالى: {وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا} [الحجرات:9] فجعلهم إخوة مع وجود القتال والبغي وأمر بالإصلاح بينهم فليتدبر المؤمن أن المؤمن تجب موالاته وأن ظلمك واعتدى عليك والكافر تجب معاداته وإن أعطاك وأحسن إليك فإن الله سبحانه بعث الرسل وأنزل الكتب ليكون الدين كله لله فيكون الحب لأوليائه والبغض لأعدائه والإكرام والثواب لأوليائه والإهانة والعقاب لأعدائه وإذا اجتمع في الرجل الواحد: خير وشر وفجور وطاعة ومعصية وسنة وبدعة استحق من الموالاة والثواب بقدر ما فيه من الخير واستحق من المعاداة والعقاب بحسب ما فيه من الشر فيجتمع في الشخص الواحد موجبات الإكرام والإهانة كاللص تقطع يده لسرقته ويعطى من بيت المال ما يكفيه لحاجته هذا هو الأصل الذي اتفق عليه أهل السنة والجماعة وخالفهم الخوارج والمعتزلة ومن وافقهم".

فالناس إذن في نظر أهل السنة والجماعة ثلاث أصناف:

الأول: من يُحب جملة.

وهو من آمن بالله ورسوله وعمل ما أوجب عليه الشرع وانتهى عما نهاه عنه.

والثاني: من يحب من وجه ويبغض من وجه وهو المؤمن الذي خلط عملاً صالحاً وآخر سيئاً فيحب بقدر ما عنده من الخير ويبغض بقدر من عنده ما الشر والمعاصي.

الثالث: ما يُبغض جملة وهم الكفرة الملحدون باختلاف مسمياتهم.

والخلاصة:

أن أهل السنة والجماعة يوالون المؤمن المستقيم على دينه ولاءً كاملاً ويبغضون الكفرة والملحدين والمرتدين بغضاً كاملاً، وأما من خلط عملاً صالحاً وآخر سيئاً فإنهم يوالونه بقدر عمله الصالح ويبغضونه بقدر عمله السيئ.

الولاء والبراء القلبي

ومن عقيدة أهل السنة والجماعة أن الولاء القلبي وكذلك العداوة يجب أن تكونا كاملتين.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله كما في شذرات البلاتين 1/354: "فأما حب القلب وبغضه وإرادته وكراهيته فينبغي أن تكون كاملة جازمة لا توجب نقص ذلك إلا بنقص الإيمان وأما فعل البدن فهو بحسب قدرته ومتى كانت إرادة القلب وكراهته كاملة تامة وفعل العبد معها بحسب قدرته فإنه يعطى ثواب الفعل الكامل ذلك أن من الناس من يكون حبه وبغضه وإرادته وكراهته بحسب محبة نفسه وبغضها لا بحسب محبة الله ورسوله وبغض الله ورسوله وهذا نوع من الهوى فإن اتبعه الإنسان فقد اتبع هواه {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ} [القصص:50].

الولاء والبراء بالنسبة لأهل البدع

أعلم أن الولاء والبراء عند أهل السنة والجماعة بالنسبة لأهل الأهواء والبدع يختلف باختلاف البدعة فإن كانت البدعة مكفرة مثل بدعة (القوانين الوضعية) التي فيها تحليل وتحريم فهذا الصنف من الناس يعادون ويبغضون ويجاهدون بعد إعذارهم وإنذارهم وإن كانت البدعة غير مكفرة مثل بدعة صيام رجب وشعبان ورمضان متواصلة وبدعة التبتل (الانقطاع عن شهوة النساء) فهؤلاء يبغضون بقدر تلك البدع ولهم من الموالاة على بقية أعمالهم الخيرة التي تتوافق مع الشرع.

بعض صور الموالاة للأعداء ومظاهرها

تختلف صور الموالاة للأعداء فمنها ما هو كفر ومنها ما هو كبيرة ومنها ما هو أقل من ذلك وهناك أمور مباحة لا تعد موالاة وسوف نذكر ذلك باختصار:

أ- ما هو كفر محض وانسلاخ من الدين مثل:

1- التولي المطلق.

2- مودتهم لأجل دينهم وسلوكهم والرضا بأعمالهم وتمني انتصارهم على المسلمين.

3- طاعتهم في أمور التشريع.

4- اعتقاد مساواتهم بالمسلمين وأن المسلمين لا ميزة لهم.

5- التزلف إليهم لكسب رضاهم ومحبتهم.

6- الوثوق بهم وائتمانهم دون المسلمين.

7- نصرتهم ومساعدتهم على حرب المسلمين.

8- التشبه بهم إعجاباً واستحساناً في قضايا التوحيد والعبادات وكذلك التشبه المطلق بهم.

ب- ما هو كبيرة من الكبائر يكفر إذا استحلها مثل:

1- اتخاذهم بطانة.

2- مداهنتهم والتذلل لهم وملاينة الحربيين منهم.

3- المبالغة في تعظيمهم ورفع شأنهم.

4- الدخول في سلطانهم بدون حاجة ولا اقتضاء مصلحة عامة.

5- مشاركتهم في أعمالهم الدينية وطقوسهم على سبيل المجاملة لا الاعتقاد والاستغفار لموتاهم..

6- التشبه بهم في أخلاقهم وشعائرهم كالموالد والأعياد.

7- الإقامة عندهم لمن لا يستطيع إعلان دينه مع قدرته على الهجرة.

8- تهنئتهم بشعائر الكفر المختصة بهم كالأعياد.

ج- ما هو أقل من ذلك مثل:

1- ميل القلب غير الإرادي إلى الزوجة الكتابية أو الابن غير المسلم أو من بذل إلينا معروفاً أو من كان صاحب خلق وأدب.

2- مدحهم والثناء عليهم بدون مسوغ شرعي بغض النظر عن دينهم.

3- مصادقتهم ومعاشرتهم.

4- الثقة المطلقة فيهم.

5- العمل لديهم مع وجود الإهانة والاستحقار.

6- إلقاء السلام عليهم.

7- التشبه بهم في زيهم ومظاهرهم وعاداتهم الخاصة بهم والتسمي بأسمائهم.

8- الدعاء لهم بالصحة والعافية وطول العمر ودوام الاستقرار.

9- تهنئتهم في المناسبات العادية والأفراح مثل الزواج والسلامة من الكارثة، فهذه تتراوح بين التحريم والكراهة بحسب الحال والملابسات.

د- ما هو مباح ولا يعد موالاة لهم مثل:

1- معاملتهم بالحسنى واللطف لاسيما المسالمين منهم

2- الصدقة على محتاجيهم.

3- الإهداء إليهم وقبول هديتهم.

4- تعزيتهم في مصائبهم على الوجه المشروع.

5- رد التحية عليهم ورد السلام إذا سلموا تسليماً صحيحاً.

6- معاملتهم في العقود المالية المباحة.

7- تأجيرهم المساكن والدور بشرط ألا تتخذ بؤرة للفساد.

8- استعمالهم عند الحاجة إليهم في الأمور العادية.

9- السفر إليهم لأغراض مباحة مع القدرة على إعلان الدين.

10- الإقامة لغرض صحيح مع القدرة على إظهار الدين.

11- زيارتهم لغرض المشروع.

12- شمولهم بالرحمة العامة كما في الحديث الصحيح «لا يرحم الله من لا يرحم الناس».

13- أخذ الجزية منهم وإقراراهم على دينهم.

14- مصالحتهم ومساعدتهم عند الحاجة أو عندما يطلبونها.

15- مخالطتهم عند اللزوم مع عدم الركون إليهم.

16- الاستفادة مما عندهم في شئون الحياة -كالصنائع والنظم مما لا يدخل في التشريع.

17- أكل طعام أهل الكتاب والزواج من نسائهم عند الحاجة وبالشروط المعروفة.

18- ائتمان بعضهم على بعض الأمور العادية.

فهذه وما شابهها كلها مباحة بل بعضها ربما يكون مطلوباً -بشرط ألا تتجاوز الحدود والقيود التي وضعت لكل منها.

وبهذا يتبين لنا أن القول بإطلاق تحريم الموالاة بحيث تشمل الصور المباحة التي ذكرناها أنه أمر يفقد الدقة والموضوعية وكذلك التساهل في العلاقة مع غير المسلم فإنه يخل بالعقيدة، والله أعلم. [انتهى من الولاء والعداء للطريقي وانظر الولاء والبراء للقحطاني ص 230 وما بعدها وراجع أحكام أهل الذمة للإمام ابن القيم رحمه الله تعالى)].

خطر موالاة أعداء الله

أن موالاة المشركين وإظهار انشراح الصدور لهم يعتبر قادحاً في التوحيد قال تعالى: {وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [النحل:106] وإن موالاة الكفار ونصرتهم والرضاء بكفرهم يعد ردة عن دين الله عز وجل قال سبحانه: {تَرَى كَثِيرًا مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ اللّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ * وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِالله والنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاء وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ} [المائدة:80-81]، فهذه الآيات تدل على أن الله تعالى يسخط على من والى الكافرين ويخلدهم في عذابه ثم هي تدل أيضاً على سلب الإيمان من قلب من والاهم.

وسنذكر في الفصل التالي بعض صور الموالاة وسترى التفصيل في ذلك.

الفرق بين الموالاة والمعاملة بالحسنى:

يقول الله عز وجل: {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [الممتحنة:8].

رجح الإمام ابن جرير الطبري المفسر أن المراد بهذه الآية: {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ}.

في جميع أصناف الملل والأديان أن تبروهم وتصلوهم وتقسطوا إليهم وتقسطوا إليهم لأن الله عز وجل عم بقوله: {الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ} جميع من كان ذلك صنفه فلم يخصص به بعضاً دون بعض ولا معنى لقول من قال: ذلك منسوخ لأن بر المؤمن أحداً من أهل الحرب ممن بينه وبينه قرابة نسب أو ممن لا قرابة بينهما ولا نسب غير محرم ولا منهي عنه إذا لم يكن في ذلك دلالة له أو لأهل حرب على عورة لأهل إسلام أو تقوية لهم بكراع أو سلاح.

ويبين ذلك الخبر المروي عن ابن الزبير في قصة أسماء مع أمها.

قلت: يشير إلى ما في الصحيحين عن أسماء رضي الله عنها قالت: قدمت عليَّ أمي وهي مشركة في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاستفتيت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قلت: «أن أمي قدمت على وهي راغبة أفأصل أمي؟ قال: نعم صلي أمك».

قال الخطابي في شرح الحديث: إن الرحم الكافرة توصل من المال ونحوه كما توصل المسلمة ويستنبط منه وجوب نفقة الأب الكافر والأم الكافرة وإن كان الولد مسلماً.

وقال الحافظ ابن حجر: البر والصلة والإحسان لا يستلزم التحابب والتوادد المنهي عنه في قوله: {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} [المجادلة:22]. فإنها عامة في حق من قاتل ومن لم يقتل، وقال العلامة ابن القيم كما في (أحكام أهل الذمة) (2/417-418):

"الذي يقوم عليه الدليل وجوب الإنفاق وأن اختلف الدينان لقوله تعالى: {وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ * وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا} [لقمان:14-15].

وليس من الإحسان ولا من المعروف ترك أبيه وأمه في غاية الضرورة والفاقة وهو في غاية الغنى وقد ذم الله قاطعي الرحم وعظم قطيعتها وأوجب حقها وإن كانت كافرة لقوله تعالى: {وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ} [النساء:1] وفي الحديث: «لا يدخل الجنة قاطع رحم».

وصلة الرحم واجبة وأن كانت كافرة فله دينه وللواصل دينه وقياس النفقة على الميراث قياس فاسد فإن الميراث مبناه على النصرة والموالاة بخلاف النفقة فإنها صلة مواساة من حقوق القرابة وقد جعل الله للقرابة حقاً وإن كانت كافرة فالكفر لا يسقط حقوقها في الدنيا قال تعالى: {وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُورًا} [النساء:36].

وكل من ذكر في هذه الآية فحقه واجب وإن كافراً فما بال ذي القربى وحده يخرج من جملة من وصى الله بالإحسان إليه" أ.هـ

قال القحطاني حفظه الله: "ومنها ما يتضح لنا أن الموالاة الممثلة في الحب والنصرة شيء والنفقة والصلة والإحسان للأقارب الكفار شيء أخر وسماحة الإسلام أيضاً تتضح في معاملة الأسرى والشيوخ والأطفال والنساء في الحرب كما هو معلوم من صفحاته المشرقة".

التعامل مع الكفار

1- البيع والشراء.

روى البخاري في صحيحه في كتاب البيوع (باب الشراء والبيع مع المشركين وأهل الحرب) عن عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنهما قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثم جاء رجل مشرك مشعان طويل بغنم يسوقها فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «بيعاً أم عطية» أو قال: «أم هبة؟ فقال: لا، بيع فاشترى منه شاة».

قال ابن بطال: "معاملة الكفار جائزة إلا بيع ما يستعين به أهل الحرب على المسلمين" [انظر فتح الباري4/410] وفي الحديث الذي رواه أحمد «أنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم أخذ من يهودي ثلاثين وسقاً من شعير ورهنه درعه» [صحح الحديث الشيخ أحمد شاكر رحمه الله].

والخلاصة أنه لا يجوز أن يباع عليهم ما يستعينون به على حرب المسلمين ويحرم كذلك أن يباع عليهم ما يحرم أن يباع على غيرهم ويجوز أن يشتري منهم ويباع عليهم إلا ما كان من ذلك عوناً لهم على المعصية والحرام. [انظر المسائل الماردينية لشيخ الإسلام 132-133 والسياسة الشرعية ص155].

فالبيع والشراء من الكفار لا يدخل في مسمى الولاء إلا ما كان منه باعتبارات أخرى مثل أن يبيع عليهم رضا بما هم عليه أو معاونة منه لفعلهم ذلك، والله أعلم.

2- الوقف عليهم أو وقفهم على المسلمين:

وقفهم على المسلمين: قال العلامة ابن القيم كما في (أحكام أهل الذمة (1/299-302): "أما ما وقفوه فينظر فيه فإن أوقفوه على معين أو جهة يجوز للمسلم الوقف عليها كالصدقة على المساكين والفقراء وإصلاح الطرق والمصالح العامة أو على أولادهم وأنسابهم وأعقابهم: فهذا الوقف صحيح حكمه حكم وقف المسلمين على هذه الجهات لكن إذا شرط في استحقاق الأولاد والأقارب بقاءهم على الكفر (فإن أسلموا لم يستحقوا شيئاً) لم يصح ولم يجز للحاكم أن يحكم بموجبه باتفاق الأمة لأنه مناقض لدين الإسلام مضاد لما بعث الله به رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم".

وقف المسلم عليهم: قال ابن القيم "أما وقف المسلم عليه: فإنه يصح منه ما وافق حكم الله ورسوله فيجوز أن يقف على معين منهم أو على أقاربه وبني فلان ونحوه ولا يكون الكفر موجباً ولا شرطاً في الاستحقاق ولا مانعاً فلو وقف على ولده وأبيه أو قرابته استحقوا ذلك وإن بقوا على كفرهم فإن أسلموا فأولى بالاستحقاق، وأما الوقف على كنائسهم وبيعهم ومواضع كفرهم التي يقيمون فيها شعار الكفر فلا يصح من كافر ولا مسلم فإن في ذلك أعظم الإعانة لهم على الكفر والمساعدة والتقوية عليه وذلك مناف لدين الله" انتهى كلامه رحمه الله.

3-عيادتهم وتهنئتهم:

أخرج البخاري في صحيحه (كتاب الجنائز) من حديث أنس رضي الله عنه كان غلام يهودي يخدم النبي صلى الله عليه وسلم فمرض فأتاه النبي صلى الله عليه وآله وسلم يعوده فقعد عند رأسه فقال له: «أسلم فنظر إلى أبيه وهو عنده فقال له: أطع أبا القاسم صلى الله عليه وآله وسلم فأسلم فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول: الحمد لله الذي أنقذه من النار» وأخرج أيضاً قصة وفاة أبي طالب وأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم زاره وعرض عليه الإسلام، قال ابن بطال: "إنما تشرع عيادته إذا رجى أن يجيب إلى الدخول في الإسلام فأما إذا لم يطمع في ذلك فلا" قال الحافظ: ابن حجر: "والذي يظهر أن ذلك يختلف باختلاف المقاصد فقد يقع بعبادته مصلحة أخرى"، وأما تهنئتهم بشعائر الكفر المختصة بهم فحرام بالاتفاق بل هو مثابة من يهنئهم بالسجود للصنم أو الصليب. [انظر أحكام أهل الذمة لابن القيم 1-205-206].

4-السلام عليهم.

روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله وآله وسلم قال: «لا تبدؤوا اليهود ولا النصارى بالسلام فإذا لقيتم أحدهم في الطريق فاضطروهم إلى أضيقه».

وفي الصحيحين من حديث أسامة بن زيد أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مر بمجلس فيه أخلاط من المسلمين والمشركين واليهود وفيهم عبد الله بن أبي سلول وفي المجلس عبد الله بن رواحة فلما غشيت المجلس عجاجة الدابة -أي التي كان راكباً عليها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم- خمر عبد الله بن أبي أنفه بردائه ثم قال: «لا تغبروا علينا فسلم عليهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم» الحديث، فحديث أبي هريرة عام وحديث أسامة بن زيد خاص.

فلا يجوز ابتداؤهم بالسلام لكن إذا كان في المجلس مسلمون جاز لأجل المسلمين لا لأجلهم وأما رد السلام عليهم فالجمهور على وجوبه، وقالت طائفة لا يجب، ومذهب الجمهور هو الصواب لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «إذا سلم عليكم اليهود فإنما يقول أحدهم السلام عليكم فقل وعليك» وقوله: «إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا وعليكم» [متفق عليها].

ما بين التشبه والولاء من علاقة:

لقد نهى الله في كتابه الكريم عن مشابهه المشركين ونهى رسوله صلى الله عليه وآله وسلم كذلك عن التشبه بهم وذلك لحكم جليلة منها.

1- أن المشاركة في الهوى الظاهر تورث تناسباً وتكاملاً بين المتشابهين يقود إلى الموافقة في الأخلاق والأعمال.

وهذا أمر محسوس فإن اللابس لثياب الجند المقاتلة -مثلاً- يجد في نفسه نوع تخلق بأخلاقهم ويصير طبعه مقتضياً لذلك إلا أن يمنعه من ذلك مانع.

2- أن المخالفة في الهدي الظاهر توجب مباينة ومفارقة توجب الانقطاع عن موجبات الغضب وأسباب الضلال والانعطاف إلى أهل الهدى والرضوان وتحقق ما قطع الله من الموالاة بين جنده المفلحين وأعدائه الخاسرين.

وكلما كان القلب أتم حياة وأعرف بالإسلام الذي هو الإسلام -لست أعنى مجرد التوسم به ظاهراً أو باطناً بمجرد الاعتقادات التقليدية من حيث الجملة- كان إحساسه بمفارقة اليهود والنصارى باطناً أو ظاهراً أتم وبعده عن أخلاقهم الموجودة في بعض المسلمين أشد.

3- إن مشاركتهم في الهدى الظاهر: توجب الاختلاط الظاهر حتى يرتفع التمييز ظاهراً بين المهديين والمرضيين وبين المغضوب عليهم والضالين إلى غير ذلك من الأسباب الحكمية هذا إذا لم يكن ذلك الهدى الظاهر إلا مباحاً محظاً لو تجرد عن مشابهتهم فأما إن كان من موجبات كفرهم فإنه يكون شعبة من شعب الكفر فموافقتهم فيه موافقة في نوع من أنواع.