arrow down

معاني وسمات الوسطية

بحث لفضيلة أ.د. محمد بن أحمد لوح ( عضو رابطة علماء المسلمين )

المقدمة
الحمد لله، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبيِّنا محمَّد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.

أما بعد:

فقد برزت في حياتنا المعاصرة بعضُ ظواهر الانحراف في العقيدة والفكر والسلوك، وانطلقت الأصواتُ تدعو للوقوف في وجه تلك الانحرافاتِ ومعالجتها، وتوسَّلت إلى ذلك - من جملة ما توسلتْ - بالدعوة إلى الوسطية وعدم التطرُّف، وفي أثناء ذلك جمح الحماسُ ببعضهم فوصموا كلَّ ملتزم بدينه - وبخاصة في الأمور المظهرية - بالتطرُّف والتنطُّع ومجانبة الوسطية؛ فالذي يحافظ على السُّنن والآداب في عباداته ومعاملاته متشدِّدٌ، والذي يبتعد عن الخَنا والفجور متزمتٌ متحجِّر، والذي يجتهد في الطاعة والعبادة غالٍ في الدين، والذي يدعو إلى تصحيح المفاهيم ووضع الأمور في نصابها متنطِّعٌ متحذلق، والذي يرتفع إلى مستوى عالٍ يليق بإنسان مسلمٍ يتنزه عن سفاسف الأمور خياليٌّ مثاليٌّ!

أما التفريط في الدين: بحيث لا يتعرَّف المرءُ على دينه ولا يفهمه كما هو في مصادره الأساسية الموحى بها، ولا يحمل نفسَه على الالتزام بآدابه وسلوكه، ولا يأخذ نفسَه بالطاعة والعبادة، ولا يُبالي يما يرتكب من آثامٍ وموبقات، فهذا وأمثاله ليس تطرفًا في الجهة المقابلة، بل هو عندهم سَعة في الأفق، وواقعية في السلوك، وإدراكٌ لحقِّ النفس ومطالبها، وانفتاحٌ على الحياة والمدنية المعاصرة.

ثم إنه بسببِ غياب العلم الصحيح عن كثيرٍ من المجتمعات في هذه الأيام، ظهرت آراء شاذة وتجمُّعات صغيرة يلتف حولها شبابٌ متحمِّس، لم يرسُخْ في العلم بعدُ، أو حول رجلٍ يجمع الناسَ حوله بزخرف من القول، أو بمبالغة في التشدد حينًا، وفي الترخص أحايينَ، وهذا الذي يبدو على السطح من غلوٍّ وإفراط، وتساهلٍ وتفريط، ما هو إلا عَرَضٌ للمشكلة، وليس أساسها؛ وإنما تتلخَّص المشكلة بالسؤال المطروح: ما هو المناخ الذي هُيِّئ لخروج مثل هذه التجمعات؟ وما هي الأرضية التي تُنبت أمثالَ هذه الأفكار؟ وكيف يقبل الناسُ اتباعَ رجل يقول بالمتناقضات، ويجمع أسس البلايا؟ وكيف يقبل شبابٌ متعلمون - وفيهم أصحاب شهادات عليا، وأصحاب اختصاصات علمية - أن يتَّبعوا رجلاً صِفرًا من العلم، صفرًا من الأخلاق؟

وهذه الظاهرة لا تقتصر على بلد دون آخر، بل تكاد تعمُّ العالَمَ الإسلامي؛ حيث انتشر الجهلُ وقلَّ العلماء.

ومن جانب آخرَ هناك فئام من الناس حسبوا أن الوسطيةَ تعني السكوتَ عن المنكرات جملةً وتفصيلاً، والإمساكَ عن الكلام في مسائل الاعتقادِ وما تصحُّ به العقيدة، والدعوة إلى الاكتفاء بإسلام حركيٍّ جزئي لا يخرج عن دائرة ما يسمُّونه: "بالواقع الحركي"، أو بـ"أولويات الحركة"، أو "بتجديد الخطاب الإسلامي المعاصر"، وهي عبارات لا تعني غيرَ تمييع قضايا الأمة في قالبٍ يمتطي صهوتَه كلُّ من يرى أن الغاية تبرر الوسيلة، ويَسبَح مع كل تيار ما دام يتجه نحو أغراضه.

وفي خضمِّ هذا الفهم وذاك، ضاعت معاني الوسطية الصحيحة، والْتبسَتْ بمفاهيمَ أخرى، وغدت - لدى البعض- حلاًّ وسطًا، أو انحلالاً وانخلاعًا من أحكام الدين، فكان من الخير أن نعودَ بالأمر إلى نصابِه؛ لنتعرفَ على الوسطية بمفهومها الصحيح من خلال المصادر الأصلية في ذلك، وبخاصة إذا أدركنا أن هذه الوسطيةَ هي السمةُ العامة لهذا الدين الذي أكرمَنا الله - تعالى - به، ولهذه الأمَّة التي جعلها اللهُ - تعالى - خيرَ أمة أُخرجت للناس، وجعلها الأمَّةَ الرائدة الشاهدة على الناس، بما منحها اللهُ - تعالى - من مؤهِّلات القيادة والريادة والشهادة.

وفي هذه الورقة التي أفردتها في تقرير مفهوم الوسطيةِ وسماتها وغاياتها بمباحثها الثلاثة - محاولةٌ لتشخيص الداء الذي أفرزه غيابُ الوسطية - ذلك المنهج المظلوم - التي فرح بها المؤمنون يوم أن تفيَّؤوا ظلالَها الوارفة، يضيئها نور الكتاب والسنَّة على فهم سلف الأمة، قبل ظهور واقعنا المرير الذي كدَّر صفوَها، وأفسد جمالها، وكاد يخيِّب الآمالَ فيها تسللُ دعواتٍ باسم الإسلام، تحاول أن تركبَ الموجة، وتستغل الفرصة، وتقود السفينةَ لصالح دعوات منحرفة، وأفكار مضلِّلة، لبعض الفِرَق الإسلامية التي خرجت عن منهج الكتاب والسنَّة، وما كان عليه سلفُ الأمة؛ فهذه تدعو لإسلام شيعيٍّ، وتلك تدعو لإسلام صوفي، وثالثة تدعو لإسلام معتزِلي عقلاني، ورابعة تدعو لإسلام تكفيري خارجي، بل ظهر ما يمكن تسميتُه بعَلْمنة الإسلام، والإسلام الحداثي.

وأصبحنا مع الأسف نعيش في فوضى فكرية وعلمية بالغة، وأخذ أرباعُ المتعلمين وأنصافُهم يُفتُون في الحلال والحرام، وتجرَّأ الرُّوَيْبضةُ على الفتوى في الأمور العامة، والنوازل العظمى، التي لو عُرضت على الخلفاء الراشدين - رضي الله عنهم - لتريَّثوا فيها، ولجمعوا لها المهاجرين والأنصار قبل أن يقولوا فيها كلمتَهم.

وقد شارك كثيرٌ من أجهزة الإعلام من صحف ومجلات وإذاعات وقنوات فضائية مسموعة ومرئية في هذه الفوضى والبلبلة والعبث، فأخذت تلمِّع التافهين، وتسوِّق للجاهلين؛ بعضها لأغراض خبيثة، وبعضها لأغراضٍ تجارية ودعائية، وبعضها عن جهل وسذاجة.

وتجاه هذا الواقع المؤلم، والخطر المحدق، تبرز أهميةُ مثلِ هذا المؤتمر المبارك المنعقِدِ في الكويت، ضمن أنشطة جمعية إحياء التراث الإسلامي العلمية خلال عام 1431 - 2010 م.

أسأل الله المزيد من التوفيق والهدى والرشاد للقائمين على هذا المؤتمر، وأن يجعلَ - سبحانه وتعالى - جهودَهم في موازين حسناتهم؛ إنه سميع مجيب.

خطة البحث:

قسمت البحث إلى مقدمة وثلاثة مباحث:

المبحث الأول: مفهوم الوسطية.

المبحث الثاني: سمات الوسطية.

المبحث الثالث: غايات الوسطية.

المبحث الأول
مفهوم الوسطية
إن تحديدَ المصطلح في البحث العلمي يرفع الخلافَ الواقع بين المختلفين، ويوفِّر الجهد والوقت، وينأى بالباحث عن اللَّبْس والخَلْط في المفاهيم؛ ولذلك نعقِدُ لهذا الموضوع فقراتٍ عن معنى الوسطية في اللغة العربية، ووجوه استعمالها في القرآن الكريم، والسنَّة، وفهم العلماء:

الإطلاق اللغوي:

قال ابنُ فارس: "الواو والسين والطاء: بناءٌ صحيح يدلُّ على العدل والنَّصَف، وأعدلُ الشيءِ أوسطُه ووسَطُه، ويقولون: ضربت وسَط رأسه بفتح السِّين، ووسْط القوم بسكونها، وهو أوسطُهم حسبًا، إذا كان في واسطة قومه وأرفعهم محلاًّ" [1].

ووسط الشيء: ما بين طرفيه، قال الشاعر:

إذا رحلتُ فاجعلوني وسطًا
إني كبيرٌ، لا أُطيق العُنَّدا

أي: اجعلوني وسطًا لكم، ترفقون بي وتحفظونني؛ فإني أخاف إذا كنتُ وحدي أن تفرُطَ دابتي، أو ناقتي فتصرَعَني.

ويأتي بمعنى: "بين"، تقول جلست وسَط القوم؛ أي: بينهم، قال سوَّار بن المضرَّب:

إنِّي كأني أرى مَن لا حياءَ له
ولا أمانة، وسْط الناسِ عُريانَا

غير أن هناك فرقًا معنويًّا دقيقًا بينهما؛ فإن "بيْن" لا تكون بعضًا لِما يضاف إليها بخلاف "الوسط" الذي هو بعضُ ما يضاف إليه، ألا ترى أنَّ وسط الدارِ منها، ووسط القوم غيرهم؟

قال الراغب الأصفهانيُّ: "والوسط تارة يقال فيما له طرفانِ مذمومان؛ كالجود الذي هو بين البخل والسَّرَف، فيستعمل استعمالَ القصد المصون عن الإفراط والتفريط، فيُمدح به، نحو: السواء والعدل والنَّصف" [2].

وتأتي الوسطيةُ بمعنى الأعلى؛ كما وصف النبيُّ - صلى الله عليه وآله وسلم - الفردوسَ بأنه: ((وسَطُ الجنة وأعلى الجنة)) [3].

الإطلاق الاصطلاحي الشرعي:

وردت الوسطيةُ في القرآن الكريم في أكثرَ من آية، وفي السنَّة في أكثرَ من حديث على عدة معانٍ، هي: العدل، والخيرية، والتوسُّط بين الإفراط والتفريط، ومن ذلك قوله - عز وجل -: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا ﴾ [البقرة: 143]؛ أي: عدلاً، وبهذا المعنى فسرها النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - في حديث أبي سعيد الخدري، وسيأتي [4]؛ وقد رُوعيت ها هنا نكتةٌ رائقة: هي أن الجَعْلَ المشار إليه عبارةٌ عما يأتي ذكرُه من هدايته - تعالى - إلى الحق الذي عبَّر عنه بالصراط المستقيم، الذي هو الطريق السويُّ الواقع في وسط الطرق الجائرة عن القصد.

ويدل على أن الأوسط هو الأعدلُ والخيار قولُه - تعالى -: ﴿ قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ ﴾ [القلم: 28].

وقولُ زهير بن أبي سُلْمى:

هم وسطٌ ترضى الأنامُ بحُكمِهم

إذا نزلت إحدى الليالي بمعظَم

ومن خلال هذه المعاني نعلم أن الوسطيةَ في الاصطلاح الشرعي تعني: التزامَ منهج العدل الأقوم، والحق الذي هو وسطٌ بين الغلو والتنطع، وبين التفريط والتقصير.

ونجد أهلَ السنة المتَّبعين لمنهج السلف الصالح - بحمد الله - تحقَّقت فيهم هذه المعاني الفاضلة، فهم العدولُ الأخيار في العقيدة والعبادة والأخلاق والمواقف.

وبعد قراءتنا لِما سبق، نستطيع - وباختصار - أن نعرِّفَ الوسطية اصطلاحًا بأنها: "حالة سلوكية محمودةٌ، تعصم الفردَ من الميل إلى جانبي الإفراط والتفريط"، أو نقول: "إنها الحقُّ بين باطلين، والعدلُ بين ظلمين، والاعتدال بين طرفين"، وحتى يتجلَّى لنا مفهومُ الوسطية ينبغي أن نفهمَ الطرفين المحيطين بها، وهما الغلو والجفاء (الإفراط والتفريط).

أولاً: الغلو وحقيقته:

قال - تعالى -: ﴿ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ ﴾ [النساء: 171].

وقال - صلى الله عليه وآله وسلم -: ((إياكم والغلوَّ؛ فإنما أهلك من كان قبلكم الغلوُّ في الدين)).

والغلو: المبالغةُ في الشيء، والتشديد فيه بتجاوز الحدِّ؛ فحقيقته مبالغةٌ في الالتزام في الدين، وليس خروجًا عنه في الأصل، ويكون متعلِّقًا بفقه النصوص، أو الأحكام، أو الحكم على الآخرين، وكما يكون فعلاً فإنه يكون تركًا؛ كترك النوم وتحريمِ الطيبات، وليس منه: طلبُ الأكمل من العبادة، بل هو تجاوزُ الأكمل إلى المشقة، ومعلومٌ أن الحُكمَ بالغلو على شخص أو فعلٍ لا يجوز إلا بالكتاب والسنة، ولا يقدِرُ عليه إلا العلماءُ.

من مظاهر الغلو:

• كثرةُ الافتراضات والسؤالات عما لم يقع.

• المبالغة في التطوع المفضي إلى ترك الأفضل، أو تضييع الواجب.

• العدول عن الرُّخصة في موضعِها إلى العزيمة.

• الاشتغال بمسائلِ الفروع على حساب الأصول.

• استفراغ الجُهد في المختلَف فيه مع إهمال المجمَع عليه، علمًا وعملاً.

• التعصُّب للرأي، وعدم الاعتراف بالرأي الآخر.

• إلزام جمهور الناس بما لم يُلزمهم به الله.

• التشديد في غير محلِّه؛ ككونه في غير مكانه أو زمانه أو أهله.

• الغِلظة والجفاء والخشونة في غير محلِّها.

• سوءُ الظن بالآخرين، ورميُهم بالتهم الباطلة.

• السقوط في هاوية التكفير بلا ضوابطَ شرعية.

من أسباب الغلو:

• عدم البصيرة بالأولويات.

• التصدُّر للفتوى والاجتهاد قبل الاستواء والنُّضج.

• الرغبة في الطاعة مع الجهل بالسنَّة.

• كثرةُ البدع والعقائد الفاسدة، والإعراضُ عن منهج السلف.

• شيوع الفساد، وتركُ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو التقصير في القيام بذلك.

• مناهجُ بعض الدعوات التي تركِّز على عدِّ المنكرات دون وصف علاجٍ ناجع.

ثانيًا: التفريط وحقيقته:

هو التضييع، والتقصير، والترك، ومنشؤُه غالبًا التساهلُ والتهاون.

ومن مظاهر التفريط:

• تأخيرُ الصلاة عن وقتها.

• ترك إنكار المنكَرات.

• إهمال تربية الأولاد.

• ترك الأخذ بالأسباب.

• الغفلة والسلبية تجاه الاهتمام بواقع المسلمين.

أسباب التفريط:

وسببُه إما أن يكون: الجهلَ، أو العجز، أو الكسل، وقد يكون السببُ في التفريط: الاستجابةَ لضغط الواقع، أو الهروبَ من تهمة التطرف والغلو، ونحو ذلك مما يكونُ في الغالب إفرازًا لانحراف في المنهج، ومَظهرًا من مظاهر الانحراف في الفهم.

أدلة الوسطية:

هناك أدلةٌ كثيرة في الكتاب والسنة موضِّحةٌ لمفهوم الوسطية مع بيان حتميةِ التزامها على كل مسلمٍ، نختار منها الآتي:

أولاً: الأدلة من القرآن الكريم:

(1) قال الله - تعالى - عن عباده المؤمنين: ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ﴾ [الفاتحة: 6، 7].

ووجه الدلالة: أنه - سبحانه - وصف الصراطَ المستقيم بأنه غيرُ صراط المغضوبِ عليهم، وهم اليهودُ، أهلُ الغلو في الدين، وغيرُ صراط النصارى، وهم أهل الغلوِّ في الرهبانية والتعبُّد، حتى خرجوا عن حدودِ الشرع، ليس فقط في العبادة، بل حتى في الاعتقاد، يقول - تبارك وتعالى -: ﴿ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا ﴾ [النساء: 171].

فإذا كان الصراطُ المستقيم غيرَ صراط اليهود والنصارى، وكان صراطُ اليهود والنصارى صراطَ غلوٍّ في الدين - دلَّ ذلك على أن الصراطَ المستقيم صراطٌ لا غلوَّ فيه، فهو بيْن طرفين: إفراط وتفريط، وهذا هو معنى الوسطية التي هي منهاج الدين الإسلامي.

قال الطبري - رحمه الله -: "وأرى أن اللهَ - تبارك وتعالى - إنما وصفهم بأنهم وسطٌ؛ لتوسُّطِهم في الدين، فلا هم أهلُ غلو فيه - غلوّ النصارى الذين غلَوْا بالترهب، وقِيلِهم في عيسى ما قالوا فيه - ولا هم أهلُ تقصيرٍ فيه - تقصير اليهود الذين بدَّلوا كتاب الله، وقتلوا أنبياءهم، وكذَبوا على ربهم، وكفروا به - ولكنهم أهلُ توسُّط واعتدال فيه، فوصفهم الله بذلك؛ إذ كان أحبَّ الأمور إلى الله أوسطُها"[5].

2- وقال - تعالى -: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ﴾ [البقرة: 143].

وقد تتابعت كلماتُ المفسِّرين في أنَّ وصْف الأمة بالوسط، يراد به كونُهم عدولاً خيارًا أهلَ توسط واعتدال، ويدل عليه الأمور التالية:

1) أن الله - سبحانه تعالى - وصَف هذه الأمة في موضع آخرَ بالخيرية؛ فقال - تعالى -: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾ [آل عمران: 110].

2) أن هذا التفسيرَ جاء فيه حديثٌ صحيح مرفوع عن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم -: ((يُجاء بنوحٍ يوم القيامةِ، فيقال له: هل بلَّغتَ؟ فيقولُ: نعَم يا رب، فتُسأل أمتُه: هل بلَّغكم؟ فيقولون: ما جاءنا من نذِيرٍ، فيقول: مَن شهودُك؟ فيقول: محمَّدٌ وأمتُه، فيُجاء بكم، فتشهدون، ثم قرأ رسول اللهِ - صلى الله عليه وآله وسلم -: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا ﴾ قال: عَدْلاً، ﴿ لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ﴾))[6].

3) أن هذا التفسيرَ هو الذي يطابق السياق؛ فإن اللهَ - تعالى - يقول: ﴿ لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ﴾ [البقرة: 143]، فالمناسب لكونهم شهداءَ على الناس أن يثبتَ لهم وصفُ العدالة، فأمَّة الإسلام جُعلت أمة وسطًا عدلاً خيارًا، والعدل الخيارُ يتضمن الدلالةَ على كونهم بين الإفراط والتفريط.

ثانيًا: الأدلة من السنة:

1) وعن عبدالله بن مسعودٍ - رضي الله عنه - قال: "خطَّ لنا رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - خطًّا، ثم قال: ((هذا سبيلُ الله))، ثم خطَّ خطوطًا عن يمينه وعن شمالِه، وقال: ((هذه سبلٌ متفرقة، على كل سبيلٍ منها شيطانٌ يدعو إليه))، ثم قرأ: ﴿ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ﴾ [الأنعام: 153][7].

2) وعنه - رضي الله عنه - قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وآله وسلم -: ((هلك المتنطِّعون، هلك المتنطِّعون، هلك المتنطِّعون))[8].

والمتنطعون: هم المتعمِّقون الغالُون المجاوزون الحدودَ في أقوالهم وأفعالهم، ووجهُ الدلالة من الحديث: أن التوسطَ والاعتدال في الأمور هو سبيلُ النجاة من الهلاك؛ فإنه إذ ذمَّ التنطعَ - وهو المغالاةُ والمجافاة وتجاوُزُ الحد في الأقوال والأفعال - فقد دل على أن المطلوبَ هو التوسط.

3) عن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - قال: ((إن الدينَ يسرٌ، ولن يشادَّ الدينَ أحدٌ إلا غلبه، فسدِّدوا وقاربوا، وأبشِروا، واستعينوا بالغَدوة والرَّوحة، وشيءٍ من الدُّلجةِ))[9].

وجه الدلالة قوله: "فسدِّدوا"؛ أي: الزموا السَّداد، وهو التوسط من غير إفراط ولا تفريط؛ قاله الحافظ ابن حجر - رحمه الله[10].

وعن الحسن قال: "السنَّة - والذي لا إله إلا هو - بيْن الغالي والجافي، فاصبروا عليها - رحمكم الله - فإن أهل السنَّة كانوا أقلَّ الناس فيما مضى، وهم أقلُّ الناس فيما بقي، الذين لم يذهبوا مع أهل الإترافِ في إترافهم، ولا مع أهل البدع في بِدعهم، وصبروا على سنتهم حتى لقُوا ربهم، فكذلك - إن شاء الله - فكونوا"[11].

من خلال هذه النصوص ندرك أن من سلَّم لله ولرسوله - صلى الله عليه وآله وسلم - وعمل بما ورد في القرآن وصحَّ عن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - من العقائد والشرائع، فهو من أهلِ هذه الوسطية والاعتدال والخير، وكل من تعدَّى حدود الشرع أو قصَّر عن القيام بها، فقد خرج عن دائرة الوسطية بحسَب عدوانه أو تقصيره.

قال ابن القيم - رحمه الله -: "فدينُ الله بين الغالي فيه والجافي عنه، وخير الناس النمطُ الأوسط، الذين ارتفعوا عن تقصير المفرِّطين، ولم يلحقوا بغلو المعتدين، وقد جعل الله - سبحانه - هذه الأمةَ وسطًا، وهي الخيار العدل؛ لتوسطها بين الطَّرفين المذمومين، والعدل هو الوسط بين طرفي الجور والتفريط، والآفات إنما تتطرَّق إلى الأطراف، والأوساطُ محمية بأطرافها؛ فخيار الأمور أوساطها"[12].

ومما ينبغي التفطن له خطأُ ما انتشر في الكتابات المعاصرة من جعل "الوسطية" حالةً تقوم على التوفيق بين السنة والبدعة، بل بين الكفر والإسلام؛ كما في دعوتَي التقريب بين السنة والشيعة، والنصرانية والإسلام، التي هي فرعٌ عن الدعوة لوحدة الأديان.

المبحث الثاني
سمات الوسطية
ومن أهم خصائص هذا الإسلام الذي أكرمنا الله - تعالى - به أنه وسطٌ في الملل والأديان، جعله الله - تعالى - وسطًا بين الإفراط والتفريط، أو بين الغلو والتقصير، وتظهر سماتُ هذه الوسطية في مجالات متعددة، وفي السطور التالية خلاصةٌ لتلك السمات:

1- في الإيمان بالأنبياء:

المسلمون وسَط في أنبياء الله ورسله وعباده الصالحين؛ فهم لم يَغلُوا فيهم غلوَّ البوذيين، وغلو النصارى الذين اتخذوا أحبارَهم ورهبانهم أربابًا من دون الله والمسيحَ ابنَ مريم، ولا جفَوْا عنهم كما جفت اليهود؛ فكانوا يقتلون الأنبياء بغير حق، ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس، وكلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم كذَّبوا فريقًا وقتلوا فريقًا، وكذَبوا على ربهم، بل المؤمنون المسلمون آمنوا برسل الله جميعًا، وعزَّروهم ووقَّروهم، وأحبوهم وأطاعوهم، ولم يعبدوهم ولم يتخذوهم أربابًا، وآمنوا بجميع الكتب المنزلة على الرسل والأنبياء، فكان ذلك وسطية وتوازنًا بين أمرينِ مذمومين، هما الغلو والجفاء.

2- في مقومات الحياة الإنسانية:

وكذلك توسَّط الإسلام في الاهتمام بالمجالات المادية والروحية، ونأى عن الإفراط والتفريط في كليهما، فوازَن بين الجانبينِ موازنة دقيقة، وضبَط العلاقة والنسبة بينهما؛ وبذلك يلتقي العمل للدنيا والعمل للآخرة، وكلٌّ منهما عبادة لله تعالى، وتحقيقٌ لغاية الوجود الإنساني، ضمن شروط معينة، بينما تأرجحت المذاهبُ الأخرى بين الاهتمام بالنواحي المادية التي تظهر في المدنية الغربية الحديثة، التي لا ترى سببًا للخضوع والتذللِ إلا لمقتضيات مادية أو اجتماعية، وأصبح معبودُها هو المالَ والقوة والرفاهية والرقي المادي، وبين الإزراءِ بهذا الرقيِّ المادي والمتاع الدنيوي؛ كما هو الشأنُ في المذاهب التي تدعو إلى الرهبنة وتعذيب الجسد من أجل رقيِّ الروح وتهذيبها للوصول إلى مرحلة الفناء، كما تقرر لدى المتصوفة الإشراقيين.

فالدنيا لدى المسلم السُّني بُلغةٌ يتبلغ بها للآخرة، يأخذ منها بما أحله الله - سبحانه وتعالى - ويعيش فيها فيما أباحه الله - سبحانه وتعالى - ويستعدُّ بذلك للآخرة، قال الله - تبارك وتعالى -: ﴿ وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ﴾ [القصص: 77].

وهذه الآيةُ فيها دليل على أن ترك التوسط والاعتدال فسادٌ في الأرض.

3- وفي التشريع؛ جاء الإسلامُ وسطًا بين الرهبانية التي قطعت كلَّ صلة بالحياة، وانقطعت للعبادة، وبين الإغراق في المجال المادي، والاهتمام بالنواحي الحسية والمادية، والطغيان المالي، والانصراف عن العبادة وترقية النفس، كما أن أمْرَ التحليل والتحريم جاء في الإسلام وسطًا بين اليهود الذين حرِّم عليهم كثيرٌ من أنواع الطعام واللِّباس؛ بسبب ظلمهم؛ فلا يأكلون ذوات الظُّفُر، مثل: الإبل والبط، والنصارى الذين استحلُّوا الخبائث والمحرَّمات.

أما المؤمنون المسلمون، فقد أحل اللهُ لهم الطيباتِ، وحرَّم عليهم الخبائثَ.

كما جاء الإسلام وسطًا بين اليهود الذي حرَّموا على الله أن ينسخَ ما يشاء ويمحوَ ما يشاء ويُثبت، وبين النصارى الذين أجازوا لأكابرِ علمائهم وعبَّادهم أن يشرعوا بالتحليل والتحريم من دون الله.

لا شك أن التشريع الإسلامي هو التشريع الوسَط والأكمل بين الشرائع؛ ولذلك أهميتُه الكبرى: لأن الشريعةَ الملزمة في كتاب الله وسنَّة رسوله - صلى الله عليه وآله وسلم - هي الأساسُ في وحدة الأمة الفكرية والنفسية والعملية.

وينبغي التمييزُ الحاسم والواضح بين أحكام الشريعة، متمثلةً في نصوص الكتاب والسنة، وبين الاجتهاد والنظر في هذه النصوص؛ ولذلك فإن الوسطيةَ تبدو في حقيقتها وفي أكمل صورها، في النصوص الشرعية ذاتها، والفقهُ الإسلامي في جملته يستلهم تلك الوسطيةَ المُثلى القائمة في النصوص.

وقد كانت الوسطيةُ الإسلامية بمعناها القرآني غائبةً تمامًا عن كل القوانين الوضعية، ولا سيما في أصولها القديمة، وحتى إذا كانت هذه القوانين تنشدُ العدالة، فإن العدل بوصفه قيمةً، تتغير صورتُه بحسب الزمان والمكان.

وعلى سبيل المثال، فقد كان القانون الروماني، يَحرِم الأرقَّاء من كلِّ مشاركةٍ في الحياة العامة، وكان يُجيز قتل كل الأرقاء الذين في خدمة النبيل إذا ثبت تآمُرُ واحد منهم عليه، وكان من حقِّ الدائن قتلُ المدين العاجز عن السداد، أو استرقاقُه إلى الأبد، وطبقًا لأحكام ذلك القانون، كانت المرأة تدخل بيتَ زوجها عن طريق البيع أو وضع اليد، فيشتري الزوجُ زوجته بإجراءات البيع والشراء، وظل ذلك فترة طويلة؛ (انظر د. عبدالله بن عبدالمحسن التركي/ الأمة الوسط والمنهاج النبوي في الدعوة إلى الله/ ط: وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد/ الرياض 1418 هـ).

ومما يؤكِّد وسطية المنهج الإسلامي في التشريع أن هذا المنهاج الإسلامي مبنيٌّ على التيسير، ورفع الحرج، قال الله - تعالى -: ﴿ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ﴾ [البقرة: 185].

وقال - سبحانه -: ﴿ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ﴾ [الحج: 78].

وكان - صلى الله عليه وآله وسلم - يترك بعضَ الأفعال؛ خشية المشقَّة على أمته، وكان إذا خيِّر بين أمرين، اختار أيسرَهما ما لم يكن إثمًا.

ولما بعَث - صلى الله عليه وآله وسلم - معاذ بن جبل وأبا موسى الأشعري إلى اليمن، قال لهما: ((يسِّرَا ولا تعسِّرَا، وبشِّرَا ولا تنفِّرَا))؛ متفق عليه.

4- في باب النفقة:

يقول - تبارك وتعالى -: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا ﴾ [الفرقان: 67].

ويقول - تبارك وتعالى -: ﴿ وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا ﴾ [الإسراء: 29].

قال ابن قيم الجوزية - رحمه الله -: "والفرق بين الاقتصادِ والتقصير أن الاقتصادَ هو التوسط بين طرفَي الإفراط والتفريط، وله طرفان هما ضدان له: تقصير ومجاوزة.

فالمقتصد قد أخذ بالوسط، وعدل عن الطرفين، وقال - تعالى -: ﴿ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ﴾ [الأعراف: 31]، والدين كلُّه بين هذين الطرفين... وهما آفتانِ لا يخلص منهما في الاعتقاد والقصد والعمل إلا مَن مشى خلف رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - وترك أقوالَ الناس وآراءهم لِما جاء به، لا مَن ترك ما جاء به لأقوالهم وآرائهم.

وهذان المرضان الخطيران قد استوليَا على أكثرِ بني آدم؛ ولهذا حذر السلف منهما أشدَّ التحذير، وخوَّفوا مَن بُلِيَ بأحدهما بالهلاك، وقد يجتمعان في الشخص الواحد، كما هو حال أكثر الخلق، يكون مقصرًا مفرطًا في بعض دينه، غاليًا متجاوزًا في بعضه، والمهديُّ من هداه الله"[13].

5- في منهج النظر والاستدلال:

إن الإسلام وازَن بين مصادر المعرفة، وهي الوحي والعقل والحس، ولم يسمح بالصراع بين هذه المصادر، ولم يكن إعلاءُ شأن أحدها سببًا لإهمال الأخرى، فلكلٍّ مجالُه ودوره وخصائصه، بخلاف ما وقع من صراع بينها في الكنيسة الأوروبية، وفي المذاهب المادية الوضعية، فإن الاعترافَ بمصدر عندهم معناه إلغاءُ المصادر الأخرى.

وكذلك جاء الإسلام وسطًا يوازن بين أمور الغيبِ وأمور عالَم الشهادة، وفي سائر الأمور المتقابلة.

6- في العبادة:

عن أنس بن مالك - رضي الله عنه -: "جاء ثلاثةُ رهطٍ إلى بيوت أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - يسألون عن عبادة النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - فلما أُخبروا، كأنهم تقالُّوها، فقالوا: وأين نحن من النبي - صلى الله عليه وسلم -؟ قد غُفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قال أحدهم: أما أنا، فإني أصلِّي الليل أبدًا، وقال آخر: أنا أصوم الدهرَ ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساءَ ولا أتزوج أبدًا، فجاء رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - إليهم، فقال: ((أنتم الذين قلتم كذا وكذا، أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له؛ لكني أصوم وأفطر، وأصلِّي وأرقد، وأتزوَّج النساءَ؛ فمن رغب عن سنتي، فليس مني))[14].

ووجه الدلالة:

أن الرسول - صلى الله عليه وآله وسلم - بيَّن أن التشددَ في العبادة ليس من سنَّته؛ فإذا كان التشدد في العبادة ليس من سنته، فمن باب أَولى التشددُ والمبالغة والغلو في الأمور الأخرى.

قال الحافظ ابن حجر - رحمه الله -: "قوله: ((فمن رغب عن سنتي، فليس مني)): المراد بالسنَّة: الطريقة، لا التي تقابل الفرضَ، والرغبةُ عن الشيء: الإعراضُ عنه إلى غيره.

والمراد:

من ترك طريقتي وأخذ بطريقة غيري، فليس مني، ولمح بذلك إلى طريق الرهبانية، فإنهم الذين ابتدعوا التَّشديد كما وصفهم الله تعالى، وقد عابهم بأنهم ما رعَوْها حقَّ رعايتها، وطريقة النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - الحنيفية السمحة، فيُفطر ليتقوَّى على الصوم، وينام ليتقوى على القيام، ويتزوَّج لكسر الشهوة وإعفاف النفس وتكثير النسل.

وقوله: ((فليس مني)) إنْ كانت الرغبة بضرب من التأويلِ يُعذَر صاحبه فيه، فمعنى: "فليس مني"؛ أي: على طريقتي، ولا يلزم أن يخرجَ عن الملة، وإن كان إعراضًا وتنطعًا يُفضي إلى اعتقاد أرجحية عمله، فمعنى: "فليس مني": ليس على ملتي؛ لأن اعتقاد ذلك نوعٌ من الكفرِ"[15].

7- في الحكم على الأفراد والجماعات:

قال شيخُ الإسلام - رحمه الله -:

"الرجل العظيم في العلم والدين، من الصحابة والتابعين ومَن بعدهم إلى يوم القيامة، أهل البيت وغيرهم - قد يحصل منه نوعٌ من الاجتهاد مقرونًا بالظن، ونوع من الهوى الخفيِّ، فيحصل بسبب ذلك ما لا ينبغي اتباعُه فيه، وإن كان من أولياء الله المتقين، ومثل هذا إذا وقع يصير فتنةً لطائفتين: طائفة تعظِّمه فتريد تصويب ذلك الفعلِ واتِّباعه عليه، وطائفة تذمُّه فتجعل ذلك قادحًا في ولايته وتقواه، بل في برِّه وكونه من أهل الجنة، بل في إيمانه حتى تُخرجه عن الإيمان، وكلا هذين الطرفين فاسدٌ... ومن سلك طريق الاعتدال، عظَّم من يستحق التعظيم، وأحبه ووالاه، وأعطى الحقَّ حقه، فيعظِّم الحقَ ويرحم الخَلق، ويعلم أن الرجلَ الواحد تكون له حسناتٌ وسيئات، فيُحمَد ويذم، ويثاب ويعاقب، ويُحَبُّ من وجه، ويُبغَض من وجه، هدا هو مذهب أهل السنَّة والجماعة، خلافًا للخوارج والمعتزلة ومَن وافقهم"[16].

وقال الإمام محمد بن عبدالوهاب في إحدى رسائله:

"دين الله - تعالى - ليس لي دونكم، فإذا أفتيتُ أو عملت بشيءٍ، وعلمتم أني مخطئ، وجب عليكم تبيينُ الحق لأخيكم المسلم... ومتى لم تتبيَّن لكم المسألة لم يحلَّ لكم الإنكارُ على من أفتى أو عمل حتى يتبين لكم خطؤُه، بل الواجب السكوت والوقف، فإذا تحقق الخطأ بيَّنتموه، ولم تهدروا جميع المحاسن لأجل مسألة أو مائة أو مائتين أخطأت فيهن، فإني لا أدعي العصمة"[17].

والقصد في هذا أن يعلم أن قضيةَ تصنيف الناس والحُكم عليهم تُعدُّ قديمة؛ إذ منه نشأ علمُ الجرح والتعديل الذي استخدمه علماءُ الحديث كوسيلة للتمييز بين المقبول والمردود من المرويات.

وقضية التشدُّد في هذا الباب أيضًا يرجع تاريخها إلى تاريخ شيوع هذا العلم، فكان علماء الجرح والتعديل مصنَّفين على ثلاث طبقات بهذا الاعتبار؛ متشدِّدين، ومتساهلين، ومعتدلين (أهل الوسطية)، فكان هؤلاء المعتدلون هم المعيارَ المرجوع إليهم عند الاختلاف، وكان هذا الأمرُ مضبوطًا بضوابطَ علمية واضحةٍ جلية مقبولة عند كل العقلاء.

هذا فيما مضى، أما اليوم، فقد ظهر في الساحة أناسٌ يتنافسون في ميدان التشدُّد والكلام في الناس بحقٍّ وبغيره.

ومعلوم أن الكلام في المخالف بعلم وعدلٍ هو الذي عليه أهلُ السنة والجماعة خلافًا لأهل البدع، قال شيخ الإسلام - رحمه الله -: "والكلام في الناس يجب أن يكونَ بعلم وعدل، لا بجهل وظلم، كحال أهل البدع"[18].

وقد صاحَب هذه الحركةَ الإسقاطية الجديدة تنفيرُ الناس عن العلماء المعروفين في كل مكان، والدعوة إلى التلقي عن قوم غير معروفين في الطلب، فتجد الشبابَ الذين لا وعي لهم في معظم أقطار عالمنا الإسلامي قد أدبروا عن علماء بلدانهم، ولجؤوا إلى أولئك المجاهيل، وربما فسَّقوا هؤلاء العلماء أو بدَّعوا أو كفَّروا، ولا شك أن هذه النزعةَ نزعةٌ حرورية، وظاهرة خارجية لمن عرَف حقيقة الخوارج، ومسارُهم الطبيعي ينطلق من التنفير، يتلوه التكفير، ثم التفجير والتدمير.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -:

"تسليط الجهَّال على تكفير علماء المسلمين من أعظم المنكرات؛ وإنما أصلُ هذا من الخوارج والروافض الذين يكفِّرون أئمة المسلمين؛ لِما يعتقدون أنهم أخطؤوا فيه من الدِّين، وقد اتفق أهل السنَّة والجماعة على أن علماء المسلمين لا يجوز تكفيرُهم بمجرد الخطأ المحض؛ بل كل أحد يؤخذُ من قوله ويترك إلا رسولَ الله - صلى الله عليه وآله وسلم - وليس كلُّ من يُترك بعضُ كلامه لخطأٍ أخطأه يكفر ولا يفسق؛ بل ولا يأثم؛ فإن الله - تعالى - قال في دعاء المؤمنين: ﴿ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ﴾ [البقرة: 286]، وفي الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -: ((أن اللهَ - تعالى - قال: قد فعلتُ))[19]،[20].

المقصود أن من تأمَّل الواقع المعيشَ في هذا الباب، رأى كثيرًا من صور الإفراط والغلو والتعصُّب في الحكم على الأفراد والجماعات، وقِصَر النظر في القدرة على الموازنة بين نوازع الشر، وعوامل الخير في الشخص الواحد، ثم التوسُّط في أمرِه ومساعدته على التخلُّص من جوانب النقص، وعلى تنمية جوانبِ الخير لديه.

يقول ابن تيمية - رحمه الله -:

"ومعلوم أنه في كلِّ طائفة بار وفاجر، وصِدِّيق وزِنديق، والواجب موالاةُ أولياء الله المتقين من جميع الأصناف، وبُغض الكفار والمنافقين من جميع الأصناف، والفاسق المِلِّي يُعطى من الموالاة بقدر إيمانه، ويُعطى من المعاداة بقدر فِسقه"[21].

8- الاقتصاد في أعمال الخير:

والتوسط في هذا الباب قد أولاه علماؤنا عنايتهم في مباحثَ كثيرةٍ، وحسْبنا هنا هذا النصُّ من كلام سلطان العلماء العز بن عبدالسلام - رحمه الله - حيث عقد له فصلاً في كتابه: "القواعد الكبرى" بعنوان: "فصل في الاقتصاد في المصالح والخيور"، قال فيه: "الاقتصاد رتبة بين رتبتين، ومنزلة بين منزلتين، والمنازل ثلاثة: التقصير في جلب المصالح، والإسراف في جلبها، والاقتصاد بينهما، قال - تعالى -: ﴿ وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا ﴾ [الإسراء: 29]، وقال حذيفة بن اليمان - رضي الله عنه -: "الحسنة بين السيئتين"، ومعناه: أن التقصير سيئةٌ، والإسراف سيئة، والحسنة: ما توسَّط بين الإسراف والتقصير، وخيرُ الأمور أوساطها، فلا يكلِّف الإنسان نفسَه من الطاعات إلا ما يُطيق المداومةَ عليه، ولا يؤدي إلى الملالة والسآمة، ومن تكلَّف من العبادة ما لا يُطيقه، فقد تسبب إلى تبغيض عبادة الله إليه، ومن قصَّر عما يُطيقه، فقد ضيع حظَّه مما ندبه الله إليه، وحثَّه عليه، وقد نهى رسولُ الله - صلى الله عليه وآله وسلم - عن التنطُّع في الدين، وقال: ((هلك المتنطعون))"[22].

المبحث الثالث
غايات الوسطية

هدا المنهج الوسطي الذي رسمه الإسلامُ وبيَّن معالِمَه وسماتِه - منهجٌ يتَّسم بسمو الغايات والأهداف، وفيما يلي حديثٌ مختصر عن غايات الوسطية كما قررها الشرع.

1- وقاية الشباب من الانجراف وراء التيارات الغالية:

من هنا يَلزم العلماءَ والدعاة أن ينفتحوا للناس، وخاصة الشباب، ويشجعوهم على البوح بما في أنفسهم، والإفضاء بكل ما لديهم، ويتلطفوا معهم، ولا يثوروا ولا يتأففوا مهما سمعوا منهم من آراء شاذة، وأفكارٍ باطلة، بل عليهم أن يعالجوا الأمرَ بالحكمة والحسنى، وأن يَذكروا ما كان عليه رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - من سَعة الصدر، والأسلوبِ الحسن في مثل هذه المواقف؛ فكلُّنا يذكر موقفَه - صلى الله عليه وآله وسلم - مع الأعرابي الذي بال في المسجد النبوي، وموقفَه من الشاب الذي جاءه وقال له: يا رسول الله، ائذن لي في الزنا... وموقفه مع معاوية بن الحكم السُّلَمي الذي تكلم في الصلاة، وغيرهم كثير، فلنا فيه - صلى الله عليه وآله وسلم - قدوةٌ حسنة، وهدي رشيد.

وقد لوحظ أن الكثيرَ ممن انحرفوا إلى جماعات التَّكفير والتفجير، وأجرموا وأفسدوا في الأرض - هم في أنفسهم متحمِّسون لدينهم، منطلقون من نيَّاتٍ حسنة، ولكنهم فقدوا المرشدَ الرفيق، والهادي البصير، فتلقَّفهم أحدُ عناصر الضلال، وخدعهم بأساليبَ ماكرةٍ، وزيَّن لهم القبيح.

2- إشاعة العدل والإنصاف والبعد عن الظلم في الحكم على الأفراد والجماعات:

على العلماء والدعاة أن يلتزموا بما أمر الله - عز وجل - به من العدل والإنصاف مع المخالف، فعليهم أن يقرُّوا بما لدى الفِرَق المخالفة من الصواب، ويبيِّنوا ما لديهم من الخطأ، ولا يظلموهم أو يفتروا عليهم، أو ينسبوا إليهم ما ليس بصحيح، كما أن عليهم التثبتَ في الأخبار وعدم التعجُّل في الأحكام، وسيُكسبهم هذا ثقةَ الناس، فيرجعون إليهم ويسترشدون بآرائهم، وبمثل هذا كان للعلماء الربانيين المنزلةُ الرفيعة لدى الأمة، ولأقوالهم الوزنُ والثقة والاتباع، وهذه الصفة مما اختص به أهلُ السنة وحدهم دون غيرهم من أهل الأهواء والبدع، قال الإمام وكيع بن الجراح - رحمه الله -: "أهل السنَّة يَذكرون ما لهم وما عليهم، وأما أهل الأهواء، فلا يَذكرون إلا ما لهم".

قال شيح الإسلام - رحمه الله -: "معلوم أنَّا إذا تكلمنا فيمن هو دون الصحابة، مثل الملوك المختلفين على المُلك، والعلماء والمشايخ المختلفين في العِلم والدين، وجب أن يكون الكلامُ بعلم وعدل، لا بجهل وظلم؛ فإن العدلَ واجب لكل أحدٍ، على كل أحد، في كل حال، والظلمُ محرَّم مطلقًا، لا يباح قط بحال، قال - تعالى -: ﴿ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ﴾ [المائدة: 8]، وهذه الآية نزلت بسبب بُغضهم للكفار، وهو بُغض مأمورٌ به، فإذا كان البُغض الذي أمر الله به قد نُهي صاحبُه أن يظلمَ مَن أبغضَه، فكيف في بُغضِ مسلمٍ بتأويلٍ وشبهة أو بهوى نفس؟! فهو أحقُّ أن لا يُظلمَ، بل يعدل عليه"؛ منهاج السنة، (5/ 126 - 127).

وينبغي للفرد أن يقفَ عند حدود مسؤولياته الفردية ولا يتجاوزَها، ومن المؤسف أنَّ بعض الأفراد يصل بهم التشددُ إلى أن يصدروا أحكامًا يترتب عليها اتخاذُ مواقفَ خطيرة، أو يكون لازمُها تكفيرَ المحكوم عليه، كأن يتركَ الصلاة خلف المعيَّن دون ثبوت برهان على كفره، أو يسيءَ الظن بالناس فيقول: لا أصلي خلف من لا علمَ لي بمعتقده، وفي ذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -: "تجوز الصلاةُ خلف كل مسلمٍ مستورٍ، باتفاق الأئمة الأربعة، وسائر أئمة المسلمين، فمن قال: لا أصلي جمعةً ولا جماعة إلا خلف مَن أعرف عقيدتَه في الباطن، فهذا مبتدعٌ مخالف للصحابة والتابعين لهم بإحسان وأئمة المسلمين الأربعة وغيرهم"؛ "الفتاوى" (4/ 542).

قلت: والقصدُ في ذلك أن يكونَ مَن يتعرض للكلام في الناس عالِمًا، يمنعه علمُه من القول بما لا علم له به، ورِعًا يمنعه الورعُ من التقول على الناس بما ليس فيهم، فقيهًا بموارد الشرع يمنحه فقهُه القدرة على إدراك نوازعِ الخير ونوازع الشر، فيوازن بين هذا وذلك، ولا يحكم بإهدار حسناته بخطأٍ يقع منه، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - في هذا الصدد: "وأهل السنَّة والجماعة يقولون ما دلَّ عليه الكتاب والسنَّة والإجماع، وهو أن المؤمن يستحقُّ وعد الله وفضله الثواب على حسناته، ويستحقُّ العقابَ على سيئاته، وأن الشخص الواحد يجتمع فيه ما يثاب عليه، وما يعاقب عليه، وما يُحمد عليه، وما يذم عليه، وما يُحَبُّ منه، وما يُبغَضُ منه، فهذا هذا"؛ "الفتاوى"، (11/ 15 - 16).

3- تحقيق العدالة الشاملة التي تنصف الجميع:

إن وسطية الأمَّة المسلمة هي التي حدَّدت وظيفتَها الضخمة في هذه الأرض، ودورَها الأساس في حياة الناس؛ فهي أمة تشهد على الناس جميعًا، فتقيم بينهم العدلَ والقسط، وتضع لهم الموازين والقيم، وتبدي فيهم رأيها، فيكون هو الرأيَ المعتمد، وتزن قِيَمَهم وتصوراتهم وتقاليدهم وشعاراتهم فتفصل في أمرها، وتقول: هذا حقٌّ، وهذا باطل، وهي لا تقوم بهذه الوظيفة إلا إذا كانت حاضرةً شاهدة؛ فإن الشهادةَ تدل على حضور وعلم، وبهذه الشهادة تُقام الحقوق، وتُصان العدالة، وتُحفظ الكرامة للإنسان، وتبنى الحضارةُ الإنسانية التي تتطلع إليها الأجيال المعاصرة والقادمة.

ولا يتم ذلك إلا بمعرفة منهجِ السلف على حقيقته، وليس مجرد الدعوى كما يحصل في كثير من مواقفِ مَن يدعي الانتماءَ إلى السلف، فيثق به الناسُ ويتبعونه، فإذا به يتنكب منهجَ السلف في إنصاف الآخرين، ومن رأى الواقع المَعيش يرى إفراطًا وتفريطًا في هذا الباب المهم، الذي إذا لم ينضبط حصل الفسادُ الكبير والشر المستطير؛ من اغترار بأهل البدع، أو هَجْر لمن لا يجوز هجره، أو الغلو والتجاوز في الهجر، والسبب في عدم ضبط هذا الباب هو الجهلُ العظيم بمنهج السلف الصالح في هذا الباب، حتى مِن بعض المتصدرين للتعليم الذين ابتُلِيت الأمةُ بهم، وابتُلوا بعدم فهم منهج السلف فهمًا صحيحًا، وغايةُ أمرهم في هذا الباب أنهم تعلَّقوا بكلام لواحد من السلف في قضية معينة، ونزَّلوا عليها جميعَ قضايا الهَجْر، فتأثَّر بهم من يأخذ عنهم، ومن يعظِّمهم، فساروا على المنهج نفسِه، فحصل ما نشاهده مما يندَى له الجبينُ، وينفطرُ له القلبُ، حزنًا على شباب الأمَّة، الذين اتخذ كثيرٌ منهم رؤوسًا جهالاً، سُئلوا فأفتَوا بغير علم فضلُّوا وأَضلوا.

هذا ما تيسر جمعُه في هذا الموضوع المصيري الهام.

أعود فأشكر القائمين على الجمعية، وعلى المؤتمر، سائلاً المولى - عز وجل - أن يوفقَهم لكل خير.

وصلى الله وسلم على نبيِّنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

-------------------------------------------------
[1] معجم مقاييس اللغة مادة (و س ط).

[2] مفردات القرآن مادة ( و س ط).

[3] البخاري في الجهاد ح 2790.

[4] انظر أدلة الوسطية من السنة.

[5] تفسير الطبري (3/626 - 627).

[6] أخرجه البخاري في كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب (وكذلك جعلناكم أمة وسطًا) الحديث رقم (7349).

[7] ( أخرجه أحمد في المسند (1/465، 435)، وأخرجه الدارمي في سننه في المقدمة، باب في كراهة أخذ الرأي، وابن أبي عاصم في كتاب السنة (1/13)، وابن حبان (الإحسان) 1/180 - 181 تحت رقم (6-7)، والحاكم في المستدرك (2/318)، وأخرجه عن جابر بن عبدالله - رضي الله عنهما - ابن ماجه في المقدمة باب اتباع سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حديث رقم (11) والحديث صححه ابن حبان، والحاكم، وحسَّن إسنادَه محققُ الإحسان، وصحَّحه لغيره الألبانيُّ في ظلال الجنة (1/13).

[8] أخرجه مسلم في كتاب العلم، باب هلك المتنطعون، حديث رقم (2670).

[9] أخرجه البخاري في كتاب الإيمان باب الدين يُسر، حديث رقم (39)، ومسلم في كتاب صفة القيامة والجنة والنار، حديث رقم (2816).

[10] انظر: فتح الباري (1/68).

[11] رواه الدارمي (1/63) رقم (222) المقدمة: باب في كراهية أخذ الرأي بإسناد صحيح.

[12] إغاثة اللهفان (1/182).

[13] الروح، ص 347.

[14] أخرجه البخاري في كتاب النكاح، باب الترغيب في النكاح، حديث (5063)، ومسلم في كتاب النكاح، باب استحباب النكاح لمن تاقت إليه نفسه، حديث رقم (1401).

[15] فتح الباري (9/105 - 106).

[16] منهاج السنة (4/ 543 - 544).

[17] الرسائل الشخصية (240).

[18] منهاج السنة (4/337).

[19] من حديث ابن عباس - رضي الله عنهما - رواه مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان أنه لم يكلَّف إلا ما يطاق، ح (126).

[20] مجموع الفتاوى (35/100).

[21] مجموع الفتاوى ( 28/578).

[22] القواعد الكبرى، 2/340 وما بعدها، بتحقيق د. نزيه حماد.