arrow down

الرجم حد الله تعالى

دراسة لفضيلة د. مهران ماهر عثمان ( عضو رابطة علماء المسلمين )

بسم الله الرحمن الرحيم

الرجمُ حَدُّ الله تعالى

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد؛

فلا يخفى هذه الأصوات التي تنادي بين الفينة والأخرى بإلغاء عقوبة الرجم مشككة في ثبوته! فكتبت هذه الورقات في بيان أنَّ الرجم حد شرعه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وليس لأحد أن يعطل حدَّ الله تعالى. ولو اجتمعت الدنيا كلها على إبطال ما شرعه الله لما تحقق لهم ذلك.

فالحلال ما أحله الله..

والحرام ما حرمه الله..

والدين ما شرعه الله.

فأقول مستعيناً بالله:

معنى الرجم

الرجم في لغة العرب: الرمي بالحجارة [لسان العرب، مادة (رجم)، ج12/ص227].

والرِّجام: الحجارة الضِّخام [الفائق للزمخشري: ج2، ص74].

وللرَّجم إطلاقات أخرى منها: الظَّنُّ، والشتم [التعاريف لمحمد عبد الرؤوف المناوي: ج1، ص360].

وفي الاصطلاح: قذف الزاني المحصن بالحجارة حتى الموت [القوانين الفقهية، لأبي القاسم محمد بن أحمد بن جزي، ص232].

والرَّجم للزاني المحصن ثابت بالقرآن والسنة والإجماع.

الأدلة على ثبوت الرجم من القرآن الكريم

أما القرآن فقد دلت عليه أربع آيات:

الآية الأولى:

نُسخ رسمُها وبقي حكمُها.

وهذه الآية أشار إليها عمر بن الخطاب رضي الله عنه بقوله: “إن الله بعث محمداً بالحق وأنزل عليه الكتاب، فكان مما أنزل الله عليه آيةَ الرَّجم، فقرأناها، وعقلناها، ووعيناها، رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: والله ما نجد آية الرَّجم في كتاب الله، فيَضلوا بترك فريضة أنزلها الله، والرَّجم في كتاب الله حق على من زنا إذا أُحصن من الرجال والنساء” رواه البخاري ومسلم.

فهذا نص صريح من عمر بن الخطاب رضي الله عنه يدل على أن آية الرَّجم نُسخ لفظها دون حكمها.

وقال بعض العلماء: “إن نسخ الحبس في البيوت والإيذاء كان بهذه الآية ثم ارتفع لفظها وبقي حكمها” [المحرر الوجيز: ج4، ص161].

الآية الثانية:

قول ربنا: {وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا} [النساء: 15]

فقد بيَّن نبينا صلى الله عليه وسلم هذا السبيل الذي أشارت الآية إليه في حديث عبادة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ٍخذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلاً؛ البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مائة، والرَّجم» رواه مسلم. فكانت الآية بذلك من أدلة القرآن على الرَّجم، وبه تُفَسَّرُ كلمة السبيل.

الآية الثالثة:

قال ربنا: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ (23) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ} [آل عمران: 23، 24].

قال ابن عباس رضي الله عنهما: “نزلت في يهودي ويهودية من خيبر، حُكم عليهما بالرَّجم، فأعرضوا عن ذلك، وقالوا : جرت علينا يا محمد! فدعا بالتوراة ووجد الرَّجم فيها فرُجما” [العجاب في بيان الأسباب: ج2، ص674].

ووجه الدلالة من الآية: أنَّ ذمَّ الله تعالى في القرآن الكريم من تولى عن تطبيق الرَّجم دليل على وجوبه.

وما قضى به النبي صلى الله عليه وسلم هو العدل الذي شرعه الله تعالى الذي قال عنهم: {سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [المائدة: 42].

الآية الرابعة:

قال ربنا: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [المائدة: 41].

فقد أورد الطبري رحمه الله في سبب نزولها: أن يهودياً زنى، فأراد يهود أن يأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا أمرهم برجمهما تركوا حكمه، وإن قضى بغيره ائتمروا بأمره” [جامع البيان: ج6، ص232].

فإذا تبين من هاتين الآيتين ذمُّ الله لليهود لما تركوا حدَّ الرَّجم؛ دلَّ ذلك على وجوب إقامته.

الأدلة على مشروعية الرجم ووجوبه من السنة النبوية

وأما الأدلة من سنة النبي صلى الله عليه وسلم فكثيرة، منها:

الحديث الأول:

أخرج الشيخان في صحيحيهما، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فقام رجل فقال: أنشدك الله إلا قضيت بيننا بكتاب الله. فقام خصمه -وكان أفقه منه- فقال: اقض بيننا بكتاب الله واذن لي. قال: «قل». قال: إن ابني كان عسيفاً (أجيراً) على هذا، فزنى بامرأته، فافتديت منه بمائة شاة وخادم، ثم سألت أهل العلم، فأخبروني أن على ابني جلد مائة وتغريب عام، وعلى امرأته الرَّجم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله جلَّ ذكره، المائة شاة والخادم ردٌّ، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام، واغد يا أنيس على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها». فغدا عليها فاعترفت فرجمها.

وأُنيس هذا رضي الله عنه لا يُعلم من هو، وليس له إلا هذه الرواية. [انظر فتح الباري: ج12/ص140].

وفي هذا الحديث:

أقسم النبي صلى الله عليه وسلم أن يقضي بينهما بكتاب الله فقضى بالرجم، فهذا يدلُّ على أن الرجم حدُّ الله.

الحديث الثاني:

ثبت في الصحيحين، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: أتى رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمسجد فناداه فقال: يا رسول الله إني زنيت. فأعرض عنه، حتى ردد عليه أربع مرات، فلما شهد على نفسه أربع شهادات دعاه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «أبك جنون»؟ قال: لا. قال: «فهل أُحصنت»؟ قال: نعم. قال: «اذهبوا به فارجموه».

الحديث الثالث:

عَنْ أبي نُجَيد عِمْرَانَ بنِ الحُصَيْنِ الخُزَاعِيِّ رضي الله عنهما: أنَّ امْرَأةً مِنْ جُهَيْنَةَ أتَتْ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وَهِيَ حُبْلَى مِنَ الزِّنَى، فقالتْ: يَا رسولَ الله، أصَبْتُ حَدًّا فَأَقِمْهُ عَلَيَّ، فَدَعَا نَبيُّ الله صلى الله عليه وسلم وَليَّها، فقالَ: «أَحْسِن إِلَيْهَا، فإذا وَضَعَتْ فَأْتِني». فَفَعَلَ، فَأَمَرَ بهَا نبيُّ الله صلى الله عليه وسلم، فَشُدَّتْ عَلَيْهَا ثِيَابُهَا، ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَرُجِمَتْ، ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهَا. فقالَ لَهُ عُمَرُ: تُصَلِّي عَلَيْهَا يَا رَسُول الله وَقَدْ زَنَتْ؟ قَالَ: «لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ قُسِمَتْ بَيْنَ سَبْعِينَ مِنْ أهْلِ المَدِينَةِ لَوَسِعَتْهُمْ، وَهَلْ وَجَدْتَ أَفضَلَ مِنْ أَنْ جَادَتْ بنفْسِها لله عز وجل»؟! رواه مسلم.

قال النووي رحمه الله: “هذا الإحسان له سببان:

أحدهما: الخوف عليها من أقاربها أن تحملهم الغيرة ولحوق العار بهم أن يؤذوها، فأوصى بالإحسان إليها تحذيرًا لهم من ذلك.

والثاني: أمر به رحمةً لها، إذ قد تابت، وحرض على الإحسان إليها لما في نفوس الناس من النفرة من مثلها، وإسماعها الكلام المؤذي ونحو ذلك، فنهى عن هذا كله” [شرح صحيح مسلم: ج6/ص182].

وقد جاء في بعض الروايات أن نبينا صلى الله عليه وسلم سمع خالد بن الوليد رضي الله عنه سبها بعد رجمها، فقال له: «مهلا يا خالد، فوالذي نفسي بيده لقد تابت توبة لو تابها صاحب مَكْس لغُفر له». والــــمَكْس: الجباية.

وفيه أن المرجوم يُصلى عليه.

وفيه: عدم جواز رجم الحامل، فإن كان للحاكم سلطان عليها فليس له سلطان على ما في بطنها كما ورد في بعض الآثار. قال ابن المنذر رحمه الله: “أجمعوا على أن المرأة إذا اعترفت بالزِّنا وهي حامل أنها لا تُرجم حتى تضع حملها” [الإجماع، ص131].

الحديث الرابع:

رجم علي بن أبي طالب رضي الله عنه امرأة وقال: “رجمتُها بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم” رواه البخاري.

الحديث الخامس:

عن البراء بن عازب رضي الله عنه، قال: مُرَّ على النبي صلى الله عليه وسلم بيهودي محمَّماً مجلودًا، فدعاهم، فقال: «هكذا تجدون حدَّ الزاني في كتابكم»؟ قالوا: نعم. فدعا رجلاً من علمائهم، فقال: «أنشدك بالذي أنزل التوراة على موسى عليه السلام، أهكذا تجدون حدَّ الزاني في كتابكم»؟ قال: لا، ولولا أنك نشدتني بهذا لم أخبرك، نجده الرَّجم، ولكنه كثر في أشرافنا، فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه، وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد. قلنا: تعالوا فلنجتمع على شيء نقيمه على الشريف والوضيع، فجعلنا التحميم والجلد مكان الرَّجم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه ، فأمر به ، فرُجم» رواه مسلم.

والتحميم: تسويد وجه الزاني عقوبة له!

فتأمل يا موفق:

1/ قال نبينا صلى الله عليه وسلم: «أول من أحيا أمرك»، فالرجم أمر الله تعالى، وحدُّ الله تعالى، هو الذي شرعه.

2/ اليهود أول من غيَّروا حد الرجم، فبئس السلف هم لمن وافقهم.

3/ العالم اليهودي لما استحلفه النبي صلى الله عليه وسلم بالله أقرَّ بأن الرجم حد الله، وفي أمتنا من يحلف بالله على أنه ليس حداً لله!!

4/ الرجم حد الله في الشرائع السابقة، وليس مما تميز به دين الإسلام.

الإجماع وأقوال العلماء في الرجم

قال ابن المنذر رحمه الله: “أجمعوا على أن حدَّ البكر الزاني أنه الجلد، وأجمعوا على أن الحرَّ إذا تزوج حرةً تزويجاً صحيحاً، ووطئها في الفرج، أنه محصن، يجب عليهما الرَّجم إذا زنيا” [الإجماع، ص130-131].

وحكاه النووي رحمه الله في شرح مسلم [ج11، ص189].

وقال ابن قدامــة رحمه الله: “والرجم على الزاني المحصن رجلاً كان أو امرأة قول عامة أهل العلم من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من علماء الأمصار في جميع الأعصار، ولا نعلم فيه مخالفاً إلا الخوارج” [المغني: ج9، ص39].

ويكفينا في الخوارج ما قاله فيهم القرطبي رحمه الله: “ولا يعتدُّ بخلافهم؛ لأنهم مرقوا من الدين وخرجوا منه، ولأنهم مخالفون للسنة الثابتة” [الجامع لأحكام القرآن: ج5، ص125].

وقال ابن قدامة أيضاً: “ثبت الرجم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله وفعله في أخبار تشبه المتواتر، وأجمع عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم” [المغني: ج9/ص39].

وفي الموسوعة الفقهية: “الرَّجْمُ ثَابِتٌ بِالنَّصِّ والإجماع وَالْمَعْقُول، وَلاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الزَّانِي إذَا كَانَ مُحْصَنًا” [الموسوعة الفقهية الكويتية: ج17/ص140].

من الذي يُرجم؟

الزاني المحصن.

والإحصان لا يتحقق إلا بشروط:

الأول: أن يكون الوطء في القُبُل، ولا خلاف في هذا الشرط. وأجمع العلماء على أن من لم يطأ بعد عقد النكاح فليس بمحصن [الإجماع لابن المنذر، ص131].

الثاني: أن يكون الوطء في نكاح، فلو زنا البكر مرتين لم يكن بالأول محصناً، ومن تسرى بجارية فليس بمحصن. والنكاح إحصان لقول الله تعالى: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا} [النساء: 24].

الثالث: أن يكون النكاح صحيحاً، فنكاح الشبهة ليس إحصاناً؛ لأنه في غير ملك. وهو قول الإمامين مالك والشافعي رحمهما الله.

الرابع: الحرية.

الخامس: البلوغ.

السادس: العقل.

السابع: وجود الكمال فيهما، أي: يطأ العاقل الحرُّ العاقلة الحرة.

ويرجم إذا ثبت الزنا عليه بشهادة أربعة شهود، وهذا ما لا يعرف في تاريخ الإسلام أنه وقع، أو بالإقرار.

الرجم كفارة لأصحابه

ثبت في الصحيحين، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ رضي الله عنه، قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَجْلِسٍ، فَقَالَ: «تُبَايِعُونِي عَلَى أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِاللهِ شَيْئًا، وَلَا تَزْنُوا، وَلَا تَسْرِقُوا، وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقِّ، فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ، وَمَنْ أَصَابَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَعُوقِبَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ، وَمَنْ أَصَابَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَسَتَرَهُ اللهُ عَلَيْهِ، فَأَمْرُهُ إِلَى اللهِ، إِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ، وَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ».

وفي سنن أبي داود، لما رجم النبي صلى الله عليه وسلم ماعزاً سَمِعَ رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِهِ يَقُولُ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: انْظُرْ إِلَى هَذَا الَّذِي سَتَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَلَمْ تَدَعْهُ نَفْسُهُ حَتَّى رُجِمَ رَجْمَ الْكَلْبِ، فَسَكَتَ عَنْهُمَا، ثُمَّ سَارَ سَاعَةً حَتَّى مَرَّ بِجِيفَةِ حِمَارٍ شَائِلٍ بِرِجْلِهِ، فَقَالَ: «أَيْنَ فُلَانٌ وَفُلَانٌ»؟ فَقَالَا: نَحْنُ ذَانِ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: «انْزِلَا فَكُلَا مِنْ جِيفَةِ هَذَا الْحِمَارِ»، فَقَالَا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، مَنْ يَأْكُلُ مِنْ هَذَا؟ قَالَ: «فَمَا نِلْتُمَا مِنْ عِرْضِ أَخِيكُمَا آنِفًا أَشَدُّ مِنْ أَكْلٍ مِنْهُ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنَّهُ الْآنَ لَفِي أَنْهَارِ الْجَنَّةِ يَنْقَمِسُ فِيهَا».

وينقمس: ينغمس، وزناً ومعنىً.

هل الرجم شرط في قبول توبة الزاني؟

الجواب: لا.

بل على الزاني والعاصي أن يستر نفسه، ومن تاب تاب الله عليه.

قال نبينا صلى الله عليه وسلم: «أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ آنَ لَكُمْ أَنْ تَنْتَهُوا عَنْ حُدُودِ اللَّهِ، مَنْ أَصَابَ مِنْ هَذِهِ الْقَاذُورَاتِ شَيْئًا فَلْيَسْتَتِرْ بِسِتْرِ اللَّهِ، فَإِنَّهُ مَنْ يُبْدِي لَنَا صَفْحَتَهُ نُقِمْ عَلَيْهِ كِتَابَ اللَّهِ» رواه مالك في الموطأ.

ومما يدل لذلك:

حديث الصحيحين، عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَصَبْتُ حَدًّا فَأَقِمْهُ عَلَيَّ، قَالَ: وَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَصَلَّى مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي أَصَبْتُ حَدًّا، فَأَقِمْ فِيَّ كِتَابَ اللهِ، قَالَ: «هَلْ حَضَرْتَ الصَّلَاةَ مَعَنَا؟» قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: «قَدْ غُفِرَ لَكَ».

فلم يسأله عن الحد الذي أصابه.

إذا أقرَّ الزاني ثم رجع أو هرب عند إقامة الحد

من شروط الإقرار: البقاء عليه، فمن رجع عنه أو هرب عند إقامة الحدِّ تُرك، فالصحابة لما شرعوا في رجم ماعز رضي الله عنهم ووجد من مسِّ الحجارة جزع، فهرب، فلحقه أحدهم فقضى عليه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «هلا تركتموه لعلَّه أن يتوب، فيتوب الله عليه» رواه أبو داود.

الشبهات والرد عليها

يثير منكرو الرجم كثيراً من الشبهات، وهذا سرد ردِّي عليها بحول الله تعالى:

الشبهة الأولى

قالوا:

نستدل على نقي الرجم بالآية: {وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [النساء: 25].

فلو وجب الرَّجم على المحصن لوجب تنصيفه على الرَّقيق، والرجم لا ينصف، إذا فلا عقوبة للزنا إلا ما كان قابلاً للتنصيف، والجلد هو الذي يتنصف لا الرجم.

والرد:

أن يقال في استدلالهم بآية النساء: انعقد الإجماع على أن الأمة لا ترجم أصلاً. فحد الأمة والعبد خمسون جلدة بكرَيْن كانا أو ثيبين، وهو إجماع، وقد نص ابن قدامة في المغني على أن قول أبي ثور في هذه المسألة مخالف للإجماع قبله [المغني: ج9/ص42].

وقال الإمام الشافعي رحمه الله: “لم يختلف المسلمون في أنه لا رجم على مملوك في الزنا؛ وذلك لأن الآية دلت على أن عليهن نصف ما على المحصنات من العذاب، والألف واللام في المحصنات للعهد، وهن المحصنات المذكورات في أول الآية: {ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات}، والمراد بهن الحرائر فقط، {فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب} يدل على أن المراد من العذاب الذي يمكن تنصيفه وهو الجلد لا الرجم، والله أعلم” [تفسير القرآن العظيم: ج2، ص265].

وفي الصحيحين، قول نبينا صلى الله عليه وسلم: «إِذَا زَنَتْ أَمَةُ أَحَدِكُمْ فَلْيَجْلِدْهَا الْحَدَّ وَلَا يُثَرِّبَ عَلَيْهَا، ثُمَّ إِنْ زَنَتْ فَلْيَجْلِدْهَا الْحَدَّ». و«أمة أحدكم»، مفرد مضاف، والمفرد المضاف يفيد العموم، أي: سواء كانت متزوجة أم لا.

فالأمة يُنصف لها الجلد، وأما الرَّجم فلا تنصيف فيه ولا رجم عليها أصلاً؛ لأن تنفيذ العقوبة كاملة عليها يفتقر إلى دليل، فلم يقل أحد من أهل العلم إن الأمة تُرجم!

وينبغي ألا نغفُل عن: أن حديثنا عن المحصن الحر إذا زنا، وليس عن الأمة المتزوجة!

الشبهة الثانية

قالوا: إن الله يقول: {فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ من العذاب}.

والعذاب: الجلد، والمحصنات: المتزوجات، إذا فليس على المتزوجة سوى الجلد!

الرد:

معنى قول ربنا: {فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ من العذاب}. أي: الأبكار الحرائر.

فالمحصنة هنا الحرة، البكر، وليس المتزوجة.

قال الطبري رحمه الله: “فعليهن نصف ما على الحرائر من الحد إذا هن زنين قبل الإحصان بالأزواج” [تفسير الطبري: 6/ص612].

وقال الشوكاني رحمه الله: “َعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَناتِ أَيِ: الْحَرَائِرِ الْأَبْكَارِ، لِأَنَّ الثَّيِّبَ عَلَيْهَا الرَّجْمُ، وَهُوَ لَا يَتَبَعَّضُ” [فتح القدير ج1/ص520].

وقال البغوي رحمه الله: “{فعليهن نصف ما على المحصنات} أي: ما على الحرائر الأبكار إذا زنين، {من العذاب} يعني: الحد، فيجلد الرقيق إذا زنى خمسين جلدة” [تفسير البغوي: ج2/ص197].

وكيف تفسر المحصنة هنا بالمزوجة وربنا قال في أول الآية: {وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ} [النساء: 25]!؟ فإذا فسرت المحصنة هنا بالمتزوجة لكان معنى أول الآية: من لم يستطع نكاح المتزوجات!! وهذا كلام لا يقوله عاقل.

الشبهة الثالثة:

قالوا:

الرجم لم يأتِ في القرآن.

الرد:

هذا مما يُقال فيه: ” كلام يغني سَردُه عن رَدِّه”! وقد فُصِّلت أدلة الرَّجم في القرآن والسنة في أول المقال. ولو قلنا بأنه لم يأت في القرآن، فقد جاء في السنة. ونقاشي وبحثي هذا أخاطب به من يقرُّ بالسنة ولا ينكرها، أما من ينكرها فالذي يناقشه في مسألة الرجم كمن يناقش ساجداً لصنم في أمر البكاء من خشية الله!!

ولقد تنبأ النبي بهذه الشرذمة التي تتجاسر على السنة بالإنكار، فقال: «لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ، مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَتِهِ، يَأْتِيهِ أَمْرٌ مِمَّا أَمَرْتُ بِهِ أَوْ نَهَيْتُ عَنْهُ فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي، مَا وَجَدْنَا فِي كِتَابِ اللَّهِ اتَّبَعْنَاهُ! أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ، أَلَّا وَإِنَّ مَا حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِثْلُ مَا حَرَّمَ الله» رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه.

وفي هذا المقال الذي كتبته في الرد على هذه الشبهة مزيد تفصيل، فراجع هذا الرابط:

الشبهة الرابعة

قالوا: لو قلنا بالرَّجم للزم منه تخصيص القرآن بخبر الواحد.

والرد:

التخصيص ليس بخبر الواحد، “بل بالخبر المتواتر لما بيَّنا أن الرَّجم منقول بالتواتر، وأيضاً فقد بيَّنا في أصول الفقه أن تخصيص القرآن بخبر الواحد جائز” [التفسير الكبير: ج23، ص118]. هذا ردُّ الرازي رحمه الله على هذه الشبهة.

وقد علمت أيضاً أنه ثبت بالقرآن الكريم.

وكل هذا لا يرد على من يقول بالجمع بين الجلد والرَّجم للمحصن، وهو مذهب علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فقد جلد زانيةً يوم الخميس، ورجمها يوم الجمعة، ثم قال: “جلدتها بكتاب الله، ورجمتها بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم” أخرجه البخاري.

ولهذا ذهب أهل الظاهر إلى وجوب الجلد والرجم في حق الزاني المحصن، وهي إحدى الروايات عن الإمام أحمد رحمه الله. وذهب الجمهور إلى أن حده الرجم فقط، وهو مذهب جمهور الصحابة والتابعين وفقهاء الأمصار.

ومما يُرجِّح هذا القولَ الأخير أن النبي صلى الله عليه وسلم رجم ماعزاً ولم يجلده، وحادثة ماعز متأخرة عن حديث عبادة الذي فيه الجمع بين الجلد والرَّجم؛ لأنه قال فيه: «قد جعل الله لهن سبيلاً» إشارة إلى آية النساء، أي: كان ذلك في بداية تشريع الرَّجم. ورجم النبي صلى الله عليه وسلم الغامدية ولم يجلدها، وحديث العسيف لم يُذكر الجلد فيه كذلك، وقد قال فيه: «فإن اعترفت فارجمها». وقد أقسم النبي صلى الله عليه وسلم أن يقضي بينهم بكتاب الله، وقضى عليها بالرَّجم فقط، فهو مما يدل على نسخ الجمع بين الجلد والرَّجم.

ثم إن الخطأ في ترك عقوبة لازمة أهون من الخطأ في تنفيذ عقوبة غير لازمة، وخلاف العلماء في هذه المسألة شبهة تَدرأ الحدَّ، والله تعالى أعلم.

وهذه نقول لعلمائنا الذين بينوا فيها أن حديث الآحاد يخصص القرآن:

يقول ابن النجار الفتوحي رحمه الله: “يخصَّصُ الكتابُ ببعضه، وبالسنة مطلقا، سواء كانت متواترة أو آحاد، مثال تخصيص الكتاب بالسنة -حتى مع كونها آحادا، عند أحمد ومالك والشافعي رضي الله عنهم-: قوله سبحانه وتعالى: {وأحل لكم ما وراء ذلكم}، فإنه مخصوص بقوله صلى الله عليه وسلم: «لا تنكح المرأة على عمتها، ولا على خالتها» متفق عليه. ونحوه تخصيص آية السرقة بما دون النصاب، وقتل المشركين بإخراج المجوس، وغير ذلك. قال ابن مفلح: وعند الحنفية إن كان خص بدليل مجمع عليه جاز، وإلا فلا. وقيل: بالوقف. وقيل: يجوز ولم يقع” [شرح الكوكب المنير ج3، ص359-363].

وقال الشوكاني رحمه الله: “اختلفوا في جواز تخصيص الكتاب العزيز بخبر الواحد، فذهب الجمهور إلى جوازه مطلقا، وذهب بعض الحنابلة إلى المنع مطلقا، وحكاه الغزالي في المنخول عن المعتزلة، ونقله ابن برهان عن طائفة من المتكلمين والفقهاء، ونقله أبو الحسين بن القطان عن طائفة من أهل العراق. وذهب الكرخي إلى الجواز إذا كان العام قد خص من قبل بدليل منفصل، سواء كان قطعيا أو ظنيا، وإن خص بدليل متصل أو لم يخص أصلا لم يجز. وذهب القاضي أبو بكر إلى الوقف. واستدل في المحصول على ما ذهب إليه الجمهور بأن العموم وخبر الواحد دليلان متعارضان، وخبر الواحد أخص من العموم، فوجب تقديمه على العموم .واحتج ابن السمعاني على الجواز بإجماع الصحابة، فإنهم خصوا قوله تعالى: {يوصيكم الله في أولادكم}، بقوله صلى الله عليه وسلم: «إنا معشر الأنبياء لا نورث»، وخصوا التوارث بالمسلمين عملا بقوله صلى الله عليه وسلم: «لا يرث المسلم الكافر»، وخصوا قوله: {فاقتلوا المشركين}، بخبر عبد الرحمن بن عوف في المجوس، وغير ذلك كثير.

وأيضا يدل على جواز التخصيص دلالة بينه واضحة ما وقع من أوامر الله عز وجل باتباع نبيه صلى الله عليه وسلم من غير تقييد، فإذا جاء عنه الدليل كان اتباعه واجبا، وإذا عارضه عموم قرآني كان سلوك طريقة الجمع ببناء العام على الخاص متحتما، ودلالة العام على أفراده ظنية لا قطعية، فلا وجه لمنع تخصيصه بالأخبار الصحيحة الآحادية” [إرشاد الفحول، ص267-286].

ويقول العلامة الأمين الشنقيطي رحمه الله: “اعلم أن التحقيق أنه يجوز تخصيص المتواتر بأخبار الآحاد؛ لأن التخصيص بيان، وقد قدمنا أن المتواتر يبيَّن بالآحاد، قرآنًا أو سنة” [مذكرة أصول الفقه، ص222].

الشبهة الخامسة

قالوا:

الرجم من الآصار التي نسخت في شريعتنا! والله يقول: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ} [الأعراف: 157].

والرد:

هذا كذب، فقد سبق بيان الأدلة على أنه موجود في شريعتنا، فأين الدليل على نسخه؟!!

الشبهة السادسة

قالوا:

الأحكام التي جاءت في سورة النور لا يمكن أن تُنسخ أبداً، وهذه قالها د. عدنان إبراهيم، فقد استمعت إلى خطبتيه في إنكار الرجم، الأولى بتاريخ: 17/5/2013م، والثانية بتاريخ: 24/5/2013م.

والرد:

لم يقل أحد بأن في سورة النور ما نُسخ، وإنما هو تخصيص لبعض عموماتها.

وعدنان وغيره يؤمنون بأنَّ الأمة ينصَّف الحدُّ لها، ولا تجلد مائة جلدة، وهذا تخصيص، فإن الله يقول: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} [النور: 2]. وعموم هذه الآية يدل على أن الأمة إذا زنت فإنها تجلد مائة جلدة. وقد خُص هذا العموم بآية النساء: {وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ} [النساء: 25].

كما خُصَّ الزاني المحصن بحد الرجم.

ولا فرق بين أن يكون المخصِّصُ من القرآن أو السنة كما مرَّ معنا قبل قليل.

فاتضح مما سبق أن آية النور مخصصة مرتين: في الزاني المحصن، وفي الإماء؛ فإنَّ الحدَّ يُنصف في حقهنَّ.

الشبهة السابعة

قالوا:

قلتم إن هذه كانت آية في كتاب الله: {والشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة نكالا من الله والله عزيز حكيم}، فبقي حكمها.

وهنا سؤالان:

الأول: ما فائدة أن يبقى الحكم ويُرفع الرسم؟

ثانياً: كيف لو زنا الشيخ الذي لم يتزوج؟

الرد:

أولاً: فائدة ذلك ذكرها السيوطي رحمه الله، فقد قال: “الضرب الثالث: ما نسخ تلاوته دون حكمه، وقد أورد بعضهم فيه سؤالاً، وهو: ما الحكمة في رفع التلاوة مع بقاء الحكم؟ وهلا بقيت التلاوة ليجتمع العمل بحكمها وثواب تلاوتها؟ وأجاب صاحب الفنون: بأن ذلك ليظهر به مقدار طاعة هذه الأمة في المسارعة إلى بذل النفوس بطريق الظن من غير استفصال لطلب طريق مقطوع به، فيسرعون بأيسر شيء، كما سارع الخليل إلى ذبح ولده بمنام، والمنام أدنى طرق الوحي، وأمثلة هذا الضرب كثيرة” [الإتقان في علوم القرآن: ج2/ص66].

وأما الإشكال الثاني فقد ورد في الصحيحين أن آية الرجم رُفعت، ولم يرد فيهما بيان للفظها، وإن ورد ذلك في غيرهما.

قال سيدنا عمر رضي الله عنه: “إن الله بعث محمداً بالحق وأنزل عليه الكتاب، فكان مما أنزل الله عليه آيةَ الرَّجم، فقرأناها، وعقلناها، ووعيناها، رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: والله ما نجد آية الرَّجم في كتاب الله، فيَضلوا بترك فريضة أنزلها الله، والرَّجم في كتاب الله حق على من زنا إذا أُحصن من الرجال والنساء” رواه البخاري ومسلم.

فليس مهماً أن نتعرف على لفظ الآية، المهم أن نعلم أن آية الرجم كانت تقرأ في القرآن، أما مسألة ما هي ألفاظها التي قرئت بها فليس بالمهم.

ولو صحَّ أنها التي أُشير إليها فالنصوص تفسر بعضها، فيكون المراد بالشيخ: المحصن.

وممن قال بأننا نقر بما قاله سيدنا عمر ولا نجزم بأن هذه هي التي كانت تقرأ: العلامة ابن عثيمين رحمه الله.

الشبهة الثامنة

قالوا:

الرجم حق، وقد كان في أول الإسلام، ولكنه نسخ بآية سورة النور التي تأمر بجلد الزاني. ومما يدل لذلك: حديث عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه لما سئل: “هَلْ رَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ”؟ فقَالَ: نَعَمْ. ثم سئل: بَعْدَ مَا أُنْزِلَتْ سُورَةُ النُّورِ أَمْ قَبْلَهَا؟ قَالَ : “لَا أَدْرِي” رواه البخاري.

الرد:

عدمُ الدراية ليس نفياً، ولا إثباتاً، وقد جعلوه دليل نفيٍّ، وهذا تحكُّم لمن تأمله. ففرق بين لا أدري، وبين لا رجم في الإسلام، فهم جعلوا: لا أدري دليلاً على أنه لا رجم! وهذا تدليس مقيت!

قال ابن حجر رحمه الله: “قوله: لا أدري، فيه: أن الصحابي الجليل قد تخفى عليه بعض الأمور الواضحة، وأن الجواب من الفاضل بلا أدري لا عيب عليه فيه، بل يدل على تحريه وتثبته فيمدح به” [فتح الباري: ج12، ص167].

وقال ابن حجر أيضاً مبيناً أن الرجم وقع بعد نزول سورة النور: “وقد قام الدليل على أن الرجم وقع بعد سورة النور؛ لأن نزولها كان في قصة الإفك، واختُلف هل كان سنة أربع أو خمس أو ست، والرجم كان بعد ذلك، فقد حضره أبو هريرة، وإنما أسلم سنة سبع، وابن عباس إنما جاء مع أمه إلى المدينة سنة تسع” [فتح الباري: ج12/ص120].

وابن حجر هذا مدحه د. عدنان إبراهيم كثيراً في خطبته التي كانت بتاريخ: 24/5/2013م، ونعته بأمير المؤمنين في الحديث، ونقول: صدقتَ في ذلك، وهذا ما قاله فيه علماؤنا، فاستمسك بما قاله ولا تحد عنه؛ فإنه الحق المبين.

وسؤالي بعد ردي على هذه الشبهة:

في خطبة عدنان بتاريخ 17/5/2013 قال: لو وردت أحاديث الرجم في (مليون) بخاري ومسلم فلا تثبت! وهو من استدل بحديث عبد الله بن أبي أوفى الذي رواه البخاري، فلماذا نأخذ من البخاري هذا الحديث ونكفر بغيره!؟ إن الله يقول: {وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ} [سورة ص/26].

الشبهة التاسعة

قالوا:

إنَّ قول الله تعالى: {وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا} [النساء: 15] ورد في السحاق، والتي تليها {وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا} [النساء: 16]، وردت في اللواط، وبهذا فإنها لا تدل على أن الرجم وردت الإشارة إليه في القرآن!

والرد:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ٍخذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلاً ؛ البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مائة والرَّجم» رواه مسلم. فكانت الآية بذلك من أدلة القرآن على الرَّجم، وبه تُفَسَّرُ كلمة السبيل. وإذا جاء نهر الله، بطل نهر معقل.

ومن فعل فعل قوم لوط فإنه يقتل كما ورد في السنة.

وإذا كانت السحاقية تحبس في البيت فما معنى أن يجعل الله لها سبيلاً؟!!

الشبهة العاشرة

وهذه ذكرها د. عدنان إبراهيم في آخر خطبته التي كانت بتاريخ: 17/5/2013، قال:

قال هؤلاء: الزاني لا توبة له؟ كيف يكون الزاني لا توبة وهم يقولون: المرتد له توبة، والقاتل له توبة.

والرد:

من قال: إن الزاني لا توبة له، كنت أتمنى أن يوقفنا الدكتور على اسم من قال ذلك، والكتاب الذي قرأ فيه ما قاله!

وفي هذا البحث عنوانان جانبيان يُرجع إليهما للتأكد من أن قول الدكتور كذب لا حقيقة له، والعنوانان: هل الرجم شرط في قبول توبة الزاني؟ والثاني: إذا أقرَّ الزاني ثم رجع أو هرب عند إقامة الحد.

ولأن الشيء بالشيء يُذكر: فإن الدكتور عدنان في خطبته بتاريخ: 24/5/2013 ذمَّ الفقه المتشدد الذي يدعو إلى الرجم، وقتل الكافر، وأكل الأكباد والقلوب، وذلك في الدقيقة (27:30) من الخطبة، وسؤالي: أين وجد أكل الأكباد والقلوب من هؤلاء القائلين بالرجم؟!!

الشبهة الحادية عشرة

قالوا:

إن الله يقول: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (6) وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (7) وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ} [النور: 6 – 8].

والعذاب الذي يدرأ عنها الجلد، فالجلد عذاب، أما الرجم فلا يسمى بذلك، فإن الله قال: {لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ} [يس: 18]. فالرجم شيء، والعذاب شيء آخر.

الرد:

1/ إذا كان الجلد عذاباً بنص القرآن الكريم فمن باب أولى أن يكون الرجم كذلك.

2/ العطف لا يدل على التغاير دائماً، ففي القرآن: {تِلْكَ آيَاتُ القُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ} [النمل:1] ، فهنا القرآن هو الكتاب. وربنا يقول: {تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ} [القدر: 4]. والروح جبريل عليه السلام، وهو منهم.

3/ العذاب يطلق على العقوبة في لسان العرب، قال الجوهري رحمه الله: “والعذاب: العقوبة” [الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية: ج1/ص178]. والرجم عقوبة، والجلد عقوبة.

الشبهة الثانية عشرة

في الرجم أحاديث ضعيفة ومضطربة!

والرد:

ونحن لم نذكرها، ولا نراها حجة، وإنما الحجة في الأحاديث الصحيحة التي لا اضطراب فيها. ففي باب الصلاة أحاديث ضعيفة، فهل يعني ذلك أن نلغي الصحيح الذي ورد بسبب هذا الضعيف!!؟

الشبهة الثالثة عشرة

حديث رجم الغامدية ورد أنها جهنية!

الرد:

يصدُق على هذه المرأة أنها غامدية وجهنية، فغامد بطن من جهينة كما هو معلوم.

اللهم أرنا الحق حقا، وارزقنا اتباعه.

وصل اللهم وسلم على نبينا محمد، والحمد لله في البدء والختام.