arrow down

 

القراء السبعة وأسباب اقتصار المؤلفين عليهم

 

 

اشتهرت القراءات السبع والقراء السبعة بين الناس منذ أمدٍ بعيد، حتى إن كثيراً من العوام توهَّم أنهم هم المرادون بحديث النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((إِنَّ الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ)) (1)،

وهذا جهل عظيم بمعنى الحديث وبسبب شهرة هؤلاء السبعة.وقد كان قبل السبعة وبعدهم قراء كُثر، من شيوخ السبعة وتلاميذهم أو الرواة عنهم، إلا أنهم لم يشتهروا كاشتهار هؤلاء السبعة،

ولم تتلق الأمة قراءاتهم بالقبول كما تلقت القراءات السبع.ومن العجب أن تنظر إلى قراءة إمام مشهور كحمزة بن حبيب الزيات،فتجدهم قد عدُّوا قراءته من السبعة، بينما تنظر إلى قراءة شيخه

الأعمش سليمان بن مهران الكاهلي فتراهم قد ذكروها ضمن القراءات الشاذة.

وكذلك الحال في ابن محيصن المكي، فإنه قرأ على شيوخ ابن كثير المكي فإسنادهما واحد، وقرأ عليه أبو عمرو بن العلاء البصري، ثم عدوا قراءة ابن كثير وأبي عمرو في السبعة، وأخرجوا

قراءة ابن محيصن منها، فربما عدها بعضهم قراءة شاذة.

وقد كان المجتمع الإسلامي في حاجة إلى تهذيب هذه القراءات الكثيرة، والاقتصار على ما يسهل حفظه منها مما يحتاجه أهل الأمصار، فعمد كثير من المصنفين إلى الاقتصار على بعض

القراءات دون بعض.

وقد صور هذه الحاجة مكي بن أبي طالب في قوله: إنَّ الرواة عن الأئمة من القراء كانوا في العصر الثاني والثالث كثيراً في العدد، كثيراً في الاختلاف، فأراد الناس في العصر الرابع أن يقتصروا من القراءات التي توافق المصحف على ما يسهل حفظه، وتنضبط القراءة به، فنظروا إلى إمام مشهور بالثقة والأمانة في النقل وحسن الدين، وكمال العلم، قد طال عمره واشتهر أمره بالثقة، وأجمع أهل مصره على عدالته فيما نقل، وثقته فيما قرأ وروى، وعلمه بما يقرأ، فلم تخرج قراءته عن خط مصحفهم المنسوب إليهم، فأفردوا من كل مصر وجه إليه عثمان مصحفاً إماماً هذه صفته، وقراءته على مصحف ذلك المصر(2).

وفي هذا الإطار ألف أبو بكر بن مجاهد - رحمه الله - كتابه في القراءات، وقد اتفق القراء أنه أول من خص هؤلاء السبعة وأفردهم من دون سائر القراء، وسمَّى كتابه الذي جمعه في قراءاتهم "كتاب السبعة".

 

أسباب اقتصار ابن مجاهد على القراء السبعة:

يمكن أن نحصر الأسباب التي جعلت ابن مجاهد يعمد إلى التسبيع، ويخص هؤلاء السبعة في ثلاثة أسباب(3):

أولاً: أن عثمان - رضي الله عنه - كتب سبعة مصاحف وبعث بها إلى الأمصار، فجعل ابن مجاهد عدد القراء على عدد المصاحف، واختار من كل بلد وجَّه إليه عثمان بمصحف قارئاً، ولما أعياه أن يجد قارئاً من البحرين أو اليمن وهما من البلدان التي وجه إليها عثمان مصحفاً؛ استعاض عن ذلك بتعديد قراء الكوفة، حيث كانت فيهم كثرة في القراء، ووفرة في العلوم عامة.

قال أبو شامة: وكان غرض ابن مجاهد أن يأتي بسبعة من القراء من الأمصار التي نفذت إليها المصاحف ولم يمكنه ذلك في البحرين واليمن لإعواز أئمة القراءة منها، فأخذ بدلهما من الكوفة لكثرة القراء بها(4).

ولكن قد اختلف في عدد المصاحف التي بعث بها عثمان - رضي الله عنه - إلى الأمصار، فاختيار ابن مجاهد أنها سبعة فلذلك جعل القراء سبعة، واختار غيره القول بأنها خمسة مصاحف فألف كتاب الخمسة، وهو الإمام المقرئ أبو جعفر أحمد بن جبير المتوفى سنة 258 هـ(5).

ثانياً: أنه جعل عددهم على عدد الحروف التي نزل بها القرآن وهي سبعة، لا أنه يعتقد أنها هي المرادة بالأحرف السبعة كما ظنه بعض معاصريه، بل على سبيل التبرك فيه(6)، وقد وُجد من نسب إلى ابن مجاهد أنه كان يعتقد في قراءة هؤلاء السبعة تأويل حديث الأحرف السبع.

قال أبو طاهر بن أبي هاشم تلميذ أبي بكر بن مجاهد: رام هذا الغافل مطعناً في شيخنا أبي بكر فلم يجده، فحمله ذلك على أن قوّله قولاً لم يقله هو ولا غيره ليجد مساغاً إلى ثلبه، فحكي عنه أنه اعتقد أن تفسير معنى قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((أنزل القرآن على سبعة أحرف))، هو قراءات القراء السبعة الذين ائتم أهل الأمصار بهم، فقال على الرجل إفكاً، واحتقب عاراً، ولم يحظ من أكذوبته بطائل، وذلك أن أبا بكر كان أيقظ من أن يقلد مذهباً لم يقل به أحد قبله أهـ(7).

ثالثاً: شهرة هؤلاء السبعة بين القراء، واتفاق أهل الأمصار عليهم، وكثرة الرواة عنهم، حتى إن أبا عبيد القاسم بن سلام قال فيهم: إنهم تجردوا في القراءة واشتدت بها عنايتهم وكثر لها طلبهم، حتى صاروا بذلك أئمة يأخذها الناس عنهم، ويقتدون بهم فيها.

وقال ابن مجاهد: فهؤلاء السبعة من أهل الحجاز والعراق والشام خلفوا في القراءة التابعين، وأجمع على قراءتهم العوام من أهل كل مصر من هذه الأمصار وغيرها من البلدان التي تقرب من هذه الأمصار، إلا أن يستحسن رجل لنفسه حرفاً شاذاً فيقرأ به من الحروف التي رويت عن بعض الأوائل منفردة، فذلك غير داخل في قراءة العوام، ولا ينبغي لذي لب أن يتجاوز ما مضت عليه الأئمة والسلف بوجه يراه جائزاً في العربية أو مما قرأ به قارئ غير مجمع عليه أ.هـ(8).

موقف القراء من تسبيع ابن مجاهد:

لم يعرف القراء قبل ابن مجاهد التسبيع، ولا كان مؤلفوهم يخصونهم بالذكر، ولما سبع ابن مجاهد أخذوا عليه في هذا التسبيع أموراً:

أولاً: إنَّ الاقتصار على سبعة يوهم أن ذلك هو المراد من حديث الأحرف، وإن لم يكن هو مراد ابن مجاهد، وقد وجد من قال بذلك، ونبه العلماء على خطئه.

ثانيا: اتهم ابن مجاهد بقلة الإطلاع وعدم المعرفة الواسعة بالرواة عن الأئمة القراء، وأنه قدم ما حقه التأخير، واكتفى براويين عن كل إمام مع أن بعضهم قد يوجد له من الرواة الثقات أضعاف ذلك.

ثالثاً: فكما انتقد ابن مجاهد في مسألة تخير الرواة عن الأئمة فقد انتقد في اختيار بعض السبعة.

قال المقرئ ابن عمار المهدوي - رحمه الله -: أما اقتصار أهل الأمصار في أغلب أمورهم على القراء السبعة الذين هم نافع وابن كثير وأبو عمرو وعاصم وحمزة والكسائي وابن عامر فإن ذلك على سبيل الاختصار، عندما رواه من أكثر القراءة، بسبب اتساع الاختيارات، فذهب إليه بعض المتأخرين على وجه الاختيار والاختصار، فجعله عامة الناس كالفرض المحتوم، والشرع المعين المعلوم، حتى صار بعضهم إذا سمع قراءة تخالف شيئاً مما بلغه من الحروف السبعة خطَّأ قارئها، وربما كفَّره، مع كون تلك القراءة التي أنكرها أشهر في القراءات، وأظهر في الروايات، وأقوى في اللغات.

انضاف إلى ذلك أن من قلَّت عنايته من المتأخرين اقتصر من طريق هذه القراءات السبع التي اختارها لاقتصار عليها مَن سبقه من المتأخرين على أربع عشرة رواية، فرأى حين اشتهروا عنده وعند أكثر الإقليم الذي هو فيه أن كل رواية جاءت عن هؤلاء السبعة سواها باطل، مع كون ذلك الذي عنده شاذ أشهر وأجل من الذي اعتمد عليه.

فإنّ أحداً من العلماء بالرجال لا يشك أن إسماعيل بن جعفر أجل قدراً من ورش عثمان بن سعيد، ومن قالون عيسى بن مينا، وأن أبان بن يزيد العطار أوثق وأشهر من حفص بن سليمان البزاز، وكذلك كثير منهم.

ولقد فعل مسبع هؤلاء السبعة ما لم يكن ينبغي أن يفعله، وأشكل على العامة حتى جهلوا ما لم يسعهم جهله.

وذلك أنه قد اشتهر عند الكافة قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((أنزل القرآن على سبعة أحرف))، ثم عمد هذا المسبع إلى قوم قد اختار كل رجل منهم لنفسه قراءة من جملة القرءات التي رووها وكانوا لعمري أهلاً للاختيار لثقتهم وأمانتهم وعلمهم وفصاحتهم فأطلق عليهم التسمية بالقراءات، فأوهم بذلك كل من قلَّ نظره، وضعفت عنايته أن هذه القراءات السبع هي التي قال فيها النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((أنزل القرآن على سبعة أحرف))، وأكد وهمه ما يراه من اجتماع أهل الأمصار عليها، واطراحهم ما سواها.

وذلك لعمري موضع إشكال على الجهال، وليته إذ ذهب إلى الاقتصار على بعض قراء الأمصار، واجتهد في الاختيار جعلهم أقل من سبعة أو أكثر، فكان يزيل بذلك بعض الشبهة الداخلة على الأغمار، نرغب إلى الله - عز وجل - التجاوز عن فعله الذي اعتمده وحسن المجازاة على ما قصده، فإنه لم يرد إلا الخير والفضل، لكن خفي عليه ما يدخل بذلك على أهل الضعف والجهل، والله المستعان أ.هـ(9)، وفي ذلك يقول الجعبري في قصيدته المسماة " نهج الدماثة ":

وأغفل ذوا التسبيع مُبْهَم قصده

فزلَّ به الجمُّ الغفير فجُهِّلا

وناقضه فيه ولو صح لاقتدى

وكم حاذق قال المسبع أخْطَلا(10)

قال ابن الجزري: لقد صدق الجعبري - رحمه الله - فإنّ هذه الشبهة قد استحكمت عند كثير من العوام حتى لو سمع أحد قراءة لغير هؤلاء السبعة أو من غير هذين الراويين لسماها شاذة، ولعلها تكون مثلها أو أقوى أ.هـ

إلا أنه عاد فاعتذر عن ابن مجاهد بقوله: والحق أنه لا ينبغي هذا القول، وابن مجاهد اجتهد في جمعه فذكر ما وصله على قدر روايته، فإنه - رحمه الله - لم تكن له رحلة واسعة كغيره ممن كان في عصره(11).

وقد كان أول من انتقد ابن مجاهد في هذا التسبيع تلميذه ابن أبي هاشم فقال في كتابه الكبير البيان (12)"في سياق تضعيف قراءة ابن عامر": "لولا أن أبا بكر شيخنا جعله سابعاً لأئمة القراءة فاقتدينا بفعله لأنه لم يزل موفقاً، فاتبعنا أثره واهتدينا بهديه؛ لما كان إسناد قراءته مرضياً، ولكان أبو محمد سليمان بن مهران الأعمش بذلك أولى منه..." أ.هـ(13).

والحق أنه كان لهؤلاء السبعة مزية على غيرهم، ولم يكن ابن مجاهد أول من أعلن ذلك وأذاعه، فإننا نجد في كتب السابقين لأبي بكر بن مجاهد من المصنفين في القراءات كأبي عبيد وابن جرير - رحمهما الله -، وهما من أوائل من صنف في جمع القراءات وذكرا في كتابيهما أكثر من عشرين قراءة، نجد أن هؤلاء السبعة من صميم اختيارهم، مع آخرين سواهم، فالسبعة محل اتفاق عند أغلب المصنفين في جمع القراءات، وإن وجد من أهملهم، لكنه قليل.

قال مكي بن أبي طالب: قد ذكر الناس من الأئمة في كتبهم أكثر من سبعين ممن هو أعلى رتبة وأجل قدراً من هؤلاء السبعة، على أنه قد ترك جماعة من العلماء في كتبهم في القراءات ذكر بعض هؤلاء السبعة، واطرحهم، قد ترك أبو حاتم وغيره ذكر حمزة والكسائي وابن عامر، وزاد نحو عشرين من الأئمة فمن فوق هؤلاء السبعة، وكذلك زاد الطبري في كتاب القراءات له على هؤلاء السبعة نحو خمسة عشر رجلاً، وكذلك فعل أبو عبيد وإسماعيل القاضي (14).

وبين يديَّ نص من كتاب القراءات للإمام الكبير أبي عبيد القاسم بن سلام - رحمه الله تعالى - المتوفى سنة 224 هـ أي قبل وجود ابن مجاهد بزمن، يُبيِّن فيه كيف كان الأمر قبل القراء السبعة وإلى زمانهم، ويبين فيه أيضاً مدى انتشار قراءات هؤلاء السبعة دون غيرهم، بحيث يجزم الباحث أن ابن مجاهد لو لم يُسبِّع هؤلاء السبعة لكانت الأمة سبعتهم، وانتهت إليهم، فإنهم قراؤها وإن انضاف إليهم من سواهم.

قال في فصل "تسمية من نقل عنهم شيء من وجوه القراءات من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من أكابر أئمة المسلمين": "هذه تسمية أهل القرآن من السلف على منازلهم وتسميتهم وآرائهم:

فمما نبدأ بذكره في كتابنا هذا سيد المرسلين وإمام المتقين محمد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي أُنزل عليه القرآن، ثم المهاجرون والأنصار وغيرهم من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، من حُفظ عنه منهم في القراءة شيء، وإن كان ذلك حرفاً واحداً فما فوقه.

قال: فمن المهاجرين أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب(15)، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وطلحة بن عبيد الله، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن مسعود، وسالم مولى أبي حذيفة، وحذيفة بن اليمان، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو، وعمرو بن العاص، وأبو هريرة، ومعاوية بن أبي سفيان، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن السائب قارئ مكة، ومن الأنصار: أُبيّ بن كعب، ومعاذ بن جبل، وأبو الدرداء، وزيد بن ثابت، وأبو زيد، ومُجَمِّع بن جارية، وأنس بن مالك.

قال: ومن أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - عائشة وحفصة وأم سلمة.

قال: وقد علمنا أن بعض من ذكرنا أكثر في القراءة وأعلى من بعض، غير أنا سميناهم على منازلهم في الفضل والإسلام، وإنما خصصنا بالتسمية كل من وُصِف بالقراءة وحُكي عنه منها شيء وإن كان يسيراً، وأمسكنا عن ذكر من لم يبلغنا عنه منها شيء وإن كانوا أئمة هداة في الدين.

فأما سالم الذي ذكرناه فإنه كان مولى لامرأة من الأنصار، وإنما نسبناه لأبي حذيفة لأنه به يعرف، وأما حذيفة بن اليمان فإنه عداده في الأنصار، وإنما ذكرناه في المهاجرين لأنه خرج مع أبيه مهاجراً إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولم يكن من ساكني المدينة، فهو مهاجري الدار أنصاري العداد، ونسبه في عبس بن قيس عيلان.

قال: ثم التابعون، فمنهم من أهل المدينة: سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير وسالم بن عبد الله وعمر بن عبد العزيز قد كان بالمدينة والشام، وسليمان بن يسار، وعبد الرحمن بن هرمز الذي يُعرف بالأعرج، وابن شهاب وعطاء بن يسار، ومعاذ بن الحارث الذي يُعرف بمعاذ القارئ، ومسلم بن جندب(16)، وزيد بن أسلم.

قال: ومن أهل مكة: عبيد الله بن عمير الليثي، وعطاء بن أبي رباح، وطاوس (ومجاهد)، وعكرمة مولى ابن عباس وعبد الله بن أبي مليكة.

ومن أهل الكوفة: علقمة بن قيس والأسود بن يزيد ومسروق بن الأجدع وعَبيدة السلماني، وعمرو بن شرحبيل والحارث بن قيس والربيع بن خُثيم وعمرو بن ميمون وأبو عبد الرحمن السلمي وزر بن حُبيش (وعُبيد بن نضلة)، وأبو زرعة بن عمرو بن جرير، وسعيد بن جبير، وإبراهيم بن يزيد النخعي، وعامر الشعبي وهو عامر بن شراحيل.

ومن أهل البصرة: عامر بن عبد الله وهو الذي يعرف بابن عبد قيس كان يُقرئ الناس، وأبو العالية الرياحي، وأبو رجاء العطاردي، ونصر بن عاصم الليثي، ويحي بن يعمر، ثم انتقل إلى خراسان، وجابر بن زيد والحسن بن أبي الحسن ومحمد بن سيرين وقتادة بن دعامة.

ومن أهل الشام: المغيرة بن شهاب المخزومي(17) صاحب عثمان بن عفان - رضي الله عنه - في القراءة.

قال: كذلك حدثني هشام بن عمار الدمشقي قال حدثني عراك بن خالد المري قال: سمعت يحي بن الحارث الذمار يقول: ختمت القرآن على عبد الله بن عامر اليحصبي، وقرأ عبد الله بن عامر على المغيرة بن شهاب المخزومي وقرأ المغيرة على عثمان ليس بينه وبينه أحد.

قال: فهؤلاء الذين سميناهم من الصحابة والتابعين هم الذين يُحكى عنهم عظم القراءة، وإن كان الغالب عليهم الفقه والحديث.

قال: ثم قام من بعدهم بالقرآن قوم ليست لهم أسنان من ذكرنا ولا قِدَمهم، غير أنهم تجردوا في القراءة واشتدت بها عنايتهم وكثر لها طلبهم، حتى صاروا بذلك أئمة يأخذها الناس عنهم، ويقتدون بهم فيها، وهم خمسة عشر رجلاً من هذه الأمصار المسماة، في كل مصر منهم ثلاثة رجال: فكان من قراء المدينة: أبو جعفر القارئ واسمه يزيد بن القعقاع مولى عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة المخزومي، وشيبة بن نِصاح مولى أم سلمة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم -، ونافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم.

وكان أقدم هؤلاء أبو جعفر، قد كان يقرئ الناس بالمدينة قبل وقعة الحرة، حدثنا ذلك إسماعيل بن جعفر عنه، ثم كان بعده شيبة على مثل منهاجه ومذهبه، ثم ثلثهما نافع بن أبي نعيم وإليه صارت قراءة أهل المدينة، وبها تمسكوا إلى اليوم، فهؤلاء قراء أهل الحجاز في دهرهم.

وكان من قراء مكة: عبد الله بن كثير وحميد بن قيس الذي يُقال له الأعرج، ومحمد بن محيصن، فكان أقدم هؤلاء الثلاثة ابن كثير وإليه صارت قراءة أهل مكة و أكثرهم به اقتدوا فيها، وكان حميد بن قيس قرأ على مجاهد قراءته فكان يتبعها لا يكاد يعدوها إلى غيرها، فهؤلاء قراء أهل مكة في زمانهم.

وكان من قراء الكوفة: يحي بن وثاب وعاصم بن أبي النجود والأعمش، وكان أقدم الثلاثة وأعلاهم يحي، يقال إنه قرأ على عبيد بن نضيلة صاحب عبد الله، ثم تبعه عاصم، وكان أخذ القراءة عن أبي عبد الرحمن السلمي، وزر بن حُبيش، ثم كان الأعمش فكان إمام الكوفة المقدم في زمانه عليهم حتى بلغ إلى أن قرأ عليه طلحة بن مُصرِّف، وكان أقدم من الأعمش، فهؤلاء الثلاثة هم رؤساء الكوفة في القراءة، ثم تلاهم حمزة بن حبيب الزيات رابعاً، وهو الذي صار عظم أهل الكوفة إلى قراءته من غير أن يُطبِق عليه جماعتهم، وكان ممن اتبع حمزة في قراءته سليم بن عيسى وممن وافقه، وكان ممن فارقه أبو بكر بن عياش فإنه اتبع عاصماً وممن وافقه، وأما الكسائي فإنه كان يتخير القراءات، فأخذ من قراءة حمزة ببعض وترك بعضاً، فهؤلاء قراء أهل الكوفة.

وكان من قراء أهل البصرة: عبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي، وأبو عمرو بن العلاء، وعيسى بن عمر، وكان أقدم الثلاثة ابن أبي إسحاق، وكانت قراءته مأخوذة عن يحي بن يعمر ونصر بن عاصم.

وكان عيسى بن عمر عالماً بالنحو غير أنه كان له اختيار في القراءة على مذاهب العربية يفارق قراءة العامة ويستنكرها الناس، وكان الغالب عليه حب النصب ما وجد إليه سبيلاً، منه قوله: ﴿ وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الحَطَبِ ﴾ [المسد: 4]، ﴿ الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي ﴾ [النور: 2]، و﴿ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ ﴾[المائدة: 38]، وكذلك قوله: ﴿ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ ﴾ [هود: 78].

والذي صار إليه أهل البصرة فاتخذوه إماماً أبو عمرو بن العلاء، فهؤلاء قراء أهل البصرة، وقد كان لهم رابع وهو عاصم الجحدري، لم يُروَ عنه في الكثرة ما رُويَ عن هؤلاء الثلاثة.

وكان من قراء أهل الشام: عبد الله بن عامر اليحصبي، ويحي بن الحارث الذماري، وثالث قد سُمي لي بالشام ونسيتُ اسمه(18)، فكان أقدم هؤلاء الثلاثة عبد الله بن عامر، وهو إمام أهل دمشق في دهره وإليه صارت قراءتهم، ثم اتبعه يحي بن الحارث الذماري، وخلفه في القراءة وقام مقامه .

قال: وقد ذكروا لي الثالث بصفة لا أحفظها، فهؤلاء قراء الأمصار الذين كانوا بعد التابعين(19)، ثم إن القراء بعد هؤلاء كثروا وتفرقوا في البلاد وانتشروا، وخلفهم أمم بعد أمم، عرفت طبقاتهم واختلفت صفاتهم، فمنهم المحكم للتلاوة والمعروف بالرواية والدراية، ومنهم المقتصر على وصف من هذه الأوصاف، وكثر بسبب ذلك بينهم الاختلاف، وقلَّ الضبط واتسع الخرق، والتبس الباطل بالحق، فميز جهابذة العلماء ذلك بتصانيفهم، وحرروه وضبطوه في تواليفهم .

ثم قال: والقراءة التي عليها الناس بالمدينة وبمكة والكوفة والبصرة والشام هي القراءة التي تلقوها عن أوليهم تلقياً، وقام بها في كل مصر من هذه الأمصار رجل ممن أخذ عن التابعين اجتمعت الخاصة والعامة على قراءته، وسلكوا فيها طريقه، وتمسكوا بمذاهبه، على ما رُوي عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، وزيد بن ثابت ثم محمد بن المنكدر، وعروة بن الزبير وعامر الشعبي - رضي الله عنهم أجمعين-" أ.هـ.

قال أبو شامة: يعني أنهم قالوا إن القراءة سنة يأخذها الآخر عن الأول، فاقرؤوا كما علمتموه أ.هـ(20)، قال علم الدين السخاوي: هذا الذي ذكره أبو عبيد - رحمه الله - يعرفك كيف كان هذا الشأن من أول الإسلام إلى آخر ما ذكره.

فلما كان العصر الرابع سنة ثلاثمائة وما قاربها كان أبو بكر بن مجاهد قد انتهت إليه الرئاسة في علم القراءة، وتقدم في ذلك على أهل ذلك العصر، اختار من القراءات ما وافق خط المصحف، ومن القراء بها ما اشتهرت عدالته، وفاقت معرفته وتقدم أهل زمانه في الدين والأمانة، والمعرفة والصيانة، واختاره أهل عصره في هذا الشأن وأطبقوا على قراءته، وقُصد من سائر الأقطار وطالت ممارسته للقراءة والإقراء، وخص في ذلك بطول البقاء، ورأى أن يكونوا سبعة تأنساً بهذه المصاحف الأئمة، وبقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف من سبعة أبواب))، فاختار هؤلاء القراء السبعة أئمة الأمصار، فكان أبو بكر - رحمه الله - أول من اقتصر على هؤلاء السبعة، وصنف كتابه في قراءتهم، واتبعه الناس على ذلك، ولم يسبقه أحد إلى تصنيف قراءة هؤلاء السبعة(21).

 

كتبه

د. أحمد بن فارس السلوم

عضو رابطة علماء المسلمين

الاثنين 5 / جمادى الآخر / 1437هـ

للاشتراك في قناة رابطة علماء المسلمين على التليجرام:

https://telegram.me/rabetaa