arrow down

 

الرد على من استشكل بغض الكافر غير المحارب

قرأتُ مقالةَ أخينا المفضال الأستاذ د. حمد الماجد، و التي جعل عنوانها: (أحبُّ زوجتي المسيحية...فأفتوني كيف أكرهها؟). حيث استشكل الدكتور مسألة (بغض الكافر غير المحارب). وقد رأيته –سلمه الله- يذكر أن "من صالح التسويق للمبادئ الإسلامية أن يعاد النظرُ في قراءة بعض العلماء الفضلاء للنص القرآني الكريم: (لا تجدُ قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله، ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم)".

ما أودُّ البدء بذكره والتذكير به هنا: أن من صالح التسويق للمبادئ الإسلامية أن يحافظَ على نصاعتها، وأن تصان من التحريف والتبديل المتعمَّد وغير المتعمَّد، ما كان منه بحسن نيةٍ، أو بسوء نيةٍ. فمن المتعيِّن أن تقدَّم مفاهيم الإسلامِ للناس كما هي، لكن في قالب لفظيٍّ جميلٍ، ومنطقٍ عقليٍّ مقبولٍ لا يبدل المضمون ولا يحرفه. ذلك أن التحريف مع كونه اعتداءً على الشرع، فهو أيضاً مسلكٌ لم يعد مجدياً في وقتٍ يستطيع كل يهودي أو نصراني أن يطالع القرآن ليكتشف أننا كنا نخادعه، حين قلنا إن الإسلام لم يأمر المسلمين بقطع مودة أهل الكفر.

يستطيع المسلمُ أن يقول للنصارى: إن القرآن لا يأمر ببغضكم. لكنهم سيقرأون القرآن، ويرون فيه آياتٍ تلعنهم، وتذمهم، وتنهى عن موالاتهم ومودتهم، وتأمر بالبراءة منهم، وتحرم دخولهم المسجد الحرامَ باعتبارهم أنجاساً، وتذكر أنهم كالأنعام بل أضل. تلك الآياتُ صريحةٌ في معناها، وليس فيها تفريق بين محاربٍ و غيرها. وصراحةُ هذه الآيات تجعلُ من الصعب على النصرانيِّ أن يلغي عقله وفهمه، ليأخذ بتأويلاتٍ تنافي ما يقرؤه بعيني رأسه. وبخاصة أن القضية التي يطرحها د. الماجد ظاهرةٌ في القرآن ظهوراً يستحيل أخفاؤه لو أراد أحدٌ ذلك.

دين الإسلام جاء ليؤسس العواطف القلبية (الحب والبغض) على قاعدة دينيةٍ، وليس على الروابط الإنسانية، أو القومية، أو القبلية، أو الوطنية، أو على المنافع والمضار الخاصة. فالله يقول بنصٍّ محكَم لا يحتمل التأويل: (المؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعضٍ). ثم يقول: (والذين كفروا بعضُهم أولياء بعضٍ. إلا تفعلوه تكن فتنةٌ في الأرض وفسادٌ كبيرٌ).

وليتأمل أخي د. الماجد في قول الحكيم العليم بمصالح الخلق: (إلا تفعلوه تكن فتنةٌ في الأرض وفسادٌ كبيرٌ). فمعنى الآيةِ: أن على المؤمنين أن يكون ولاؤهم لبعضهم، وأن يتركوا الكفار ليكون ولاءُ بعضهم لبعضٍ، وإن لم يفعل المؤمنون ذلك، (تكن فتنةٌ في الأرض وفسادٌ كبيرٌ).

هكذا يقولُ العليمُ الحكيمُ. فليتأمل د. الماجد هذا. ثم ليراجع ما ذكره هو في مقالته، حين أعلنَ: إن إعادة قراءة نصوص النهي عن مودة الكفار: "من شأنها أن تفك كثيراً من الاحتقانات والإشكالات، بل من الممكن أن تساعد على ترسيخ السلم الاجتماعي"! فما يقول حبيبنا د. الماجد: إنه السبيل المساعد على ترسيخ السلم الاجتماعي، يقول القرآن عنه: إنه طريقٌ إلى فتنةٍ في الأرضِ وفسادٍ كبيرٍ.

******

د. الماجد –وفقه الله- طرحَ إشكالاتٍ حول مسألة بغض الكافر. والذي أقطع به أن حلَّ جميعِ تلك الإشكالات سهلٌ وقريبٌ كلَّ القُرب. لكنَّ هذا الحلَّ له شرطٌ واحدٌ جليلُ القدر: وهو شرطُ (التسليم والانقياد التام للوحي الإلهي). فالقضية هنا لا تتعلق بفهم ((بعض)) العلماء لآيةٍ قرآنيةٍ واحدةٍ محتملة الدلالة كما ظنَّ الدكتور. بل هي قضية تتعلق بأصل ديني بدهي كبير، دلائله متواترة من القرآن والسنة والإجماع الجليِّ.

نصوص الشريعة متوافرةٌ متضافرةٌ في تقريرِ أن الحبَّ والبغضَ يجب أن يدورَ أصله مع الإيمان، لا مع الأهواء والأذواق والرغبات. والذي يقول: (لا نبغض إلا من يحاربنا)، فهو –من حيثُ لم يشعُر- جعل التعدي على شخصه أو قومه أو بلده، أعظم من التعدي على حق الله في التعظيم والتوقير والإفراد بالوحدانية. فصار انتهاكُ حقوق الخلق من موجبات الكره والبغض. أما انتهاك حق الله، وشتيمته بنسبة الولد والشريك له، فليس لهذا علاقةٌ بمشاعر الكره والحب!

*****

نصوص الشريعة كلها أدارت الحب والمودة مع الإيمان: (إنما المؤمنون إخوةٌ). (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا). (لا يجد أحدٌ حلاوةَ الإيمان حتى يحبَّ المرءَ لا يحبه إلا لله...). (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد (المؤمن للمؤمن كالبنيان..). فالحبُّ في دين الإسلام قاعدته الإيمان بالله. ولن يجد الباحثُ في نصوص الشريعة نصاً يقول: (مثل الناس في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد). بل الموجود فيها فقط: (مثل المؤمنين في توادهم...).

والمحبة والمودة مشاعر قلبية، تدور مع ما يسكن القلب ويستقر فيه من المعاني. فمتى استقر في القلب تعظيمُ شيءٍ ومحبته محبةً تامةً، فإنه ينفر مباشرةً مما يناقضه وينافيه. فحبك لأبيك وأمك يجعلك تنفر ممن يشتمهما أو ينالُ منهما. ومحبتك لمالك تجعلك تنفر ممن يتلفه ويتعدى عليه. ومحبتك لولدك تجعلك تنفر وتكره من يسعى في أذيتهم وإفسادهم. فكذلك حبك لله، يجعلك تنفر وتكره من يكفر به، أو يجعل له شريكاً، أو ينسبُ له ما لا يليق بجلاله. وقد ثبت في الصحيح عن أبي هريرة –رضي الله عنه- عن النبي –صلى الله عليه وسلم- أن الله تعالى قال: "يشتُمني ابنُ آدمَ، وما ينبغي له أن يشتمني، ويُكذِّبني وما ينبغي له. أما شتمه فقوله: إن لي ولداً. وأما تكذيبه، فقوله: ليس يعيدني".

فالنصراني الذي ينسب لله الولد، هو –في الواقع- شاتمٌ لله. فهل نقول: حتى مع شتمه لله وأذيته له، لن نكرهه حتى يؤذينا و يحاربنا نحن المخلوقين؟!

وأبعدُ من هذا أن يقالَ: نبغضُ شتمَ لله وسبَّه والكفرَ به، لكن لا نبغض الشاتم والكافرَ ولا نكرهُه!

*****

قد يقول قائلٌ هنا: إن هذا النصراني جاهلٌ بدين الإسلام، فهو قد نشأ على شيءٍ يظنه حقاً، فكيف نؤمر ببغضه وكراهيته؟

هذا السؤال يمكن قلبه بالاتجاه الآخر: فالنصراني المحاربُ أيضا، قد نشأ على دين يراه حقاً، وهو يحسب أنه محسنٌ مأجورٌ في حربه لأعداء المسيح. فكيف نؤمر ببغضه وكراهيته؟

على أن هذا السؤال إنما يصدر ممن يظن مخطئاً أن بغض الكافر عقوبةٌ مرتبةٌ على جنايةٍ. والواقع أن بغض الكافر والنفور منه، ليس عقوبةً يختار المؤمن إنزالها بالكافر. بل هو شعورٌ قلبيٌّ، واستجابةٌ فطرية، يفترضُ أن تنشأ تلقائياً متى استقر في القلبِ إيمانٌ صحيحٌ وتعظيم لمقام الله -عز وجل-.

فكما أن المسلم المحافظ المهذَّب الخلوق الذي نشأ في خيرٍ وأدبٍ، يجدُ في نفسه تلقائياً: نفرةً وكرهاً للفاجر العربيد السكير سيء الأخلاق، بقطع النظر عن تربية ذاك السكير وظروف نشأته التي أوصلته لهذه الحال. فكذلك قلب المؤمن المعظم لمقام الله، فإنه يكره ويبغضُ وينفر ممن يكفر بالله، أو ينسب له الولد والشريك، أو ينتهك حقه في الوحدانية، بقطع النظر عن أسباب ذلك الكفرِ وملابساته.

ولا بد من التنبيه هنا إلى أن: هذا الشعور بالكره والبغض والنفور، لا يستلزم التعدي وانتهاك الحقوق. بل لا ينافي مشاعر الشفقة والرحمة والرغبة في الإحسان. فمن الممكن أن تكره السكير العربيد سيء الأخلاق، وتنفر من مجالسته، أو الحديث معه، أو حتى رؤيته. وفي الوقت نفسه تشفق عليه، وتأسى لحاله، وربما تحمل نفسك على ما تكره، فتحادثه وتعظه وترغبه في الخير، علَّ الله ينفعه ويصلح حاله. فإن تغيرت حاله، نشأت في قلبك –تلقائياً- محبته. وإن أبى وعاند، بقي كرهك له كما هو، وربما زادَ.

هذا بالنسبة لمسلمٍ معه أصل الإيمان، لكنه عربيدٌ فاجرٌ سيء الأخلاق لم يحظ بتربيةٍ تهذب سلوكه. وأسوأ منه حالاً من يقارف أكبرَ جنايةٍ في الوجود، وهي الكفر بالله أو برسوله -صلى الله عليه وسلم-. فمثل هذا يفترضُ أن ينفرَ القلبُ السليمُ منه ولا يألفه، إذ (الأرواح جنودٌ مجندةٌ، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف) كما أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم-. ومتى لم يكره القلبُ وينفر ممن كفر بالله، دلَّ هذا على مرضه وفساده. فالمؤمن الحقُّ الذي سلم قلبه من الأوضار لا يستطيع -لو أرادَ- منع قلبه من كراهية الكافر بالله والنفرةِ منه. لكن مع ذلك، قد تأخذه الرأفة والشفقة على ذاك الكافر المكروه، فتراه يحسن معاملته، ويترفق به، ويرغبه في دين الحق، عله ينجح في إنقاذه من الكفر. لكن هذا السلوك شيءٌ لا علاقة له بالحب والكره، أو الألفة والنفرة.

فالمقصود من هذا أن كله: أن خصال السوء إذا اتصف بها شخصٌ، فإن القلبَ السليمَ ينفرُ منه. ولا يصلح هنا أن يقال: عليك أن تكره شربَ الخمرة. لكن لا يجوز أن تكره السكير العربيد. عليك أن تكره سوء الخلق، لكن ليس لك أن تكره الشخص سيء الأخلاق. عليك أن تكره الكذب والنفاق. لكن لا يجوز أن تكره الكذابين المنافقين. عليك أن تبغض الكفر. لكن ليس لك أن تكره الكافر! فمثلُ هذه التكلفات والتمحلات لا تستقيم ونصوص الشرعِ الصريحة الجلية، بل لا تتفق مع طباع النفوس السليمة من الدواخل. فمن لا يجد في قلبه كرهاً ونفرةً ممن ينسب لربه الولد، أو يشرك معه غيره في ألوهيته أو ربوبيته. فما قدر الله حق قدره.

ومن لم يدرك غورَ هذه المسألة، فليتأمل كيف حكى الله ردة فعل الجمادات الصماء حين تسمعُ الكفر المجلجل. يقول –تعالى-: (وقالوا اتخذ الرحمن ولداً. لقد جئتم شيئاً إدَّاً، تكاد السماوات يتفطرن منه، وتنشق الأرضُ، و تخرُّ الجبال هداً. أن دعو للرحمن ولداً).

فالسماوات كادت تتفطر لما سمعت من ينسبُ لله الولدَ. وكادت الأرض تنشق، وأوشكت الجبال أن تخر. فماذا عن قلب المؤمن حين تطرقه مثلُ هذه المقولة الفاجرة؟ إن لم يبغض ويكره وينفر، فلا ريبَ أنه قلبٌ محجوبٌ عن حقائق الإيمان، بل محروم من حلاوته ولذته التامة: (لا يجدُ أحدٌ حلاوةَ الإيمان حتى يحبَّ المرءَ لا يحبه إلا لله..).

د. الماجد نقل عن فاضلٍ معروفٍ وصفه بأنه (فيلسوف السلفية). نقل عنه قوله: "لا أعرفُ كيف يطلب إليَّ بعضُهم أن أكره رجلاً نصرانياً يمشي في الشارع. وحتى لو أردتُ أن أكرهه فلن أستطيع".

فليأذن لي د. الماجد أن أنقل له مقولةً لمن هو أفضلُ وأجلُ وأعلم وأرسخ علماً وفهماً. علَّ (فيلسوف السلفية) يفهم من ذلك ما غابَ عنه، فيدرك حقائق الإيمان ومقتضياته. فقد كان الإمامُ أحمدُ بن حنبلٍ إذا نظرَ إلى نصرانيٍّ أغمض عينيه. فلما سئل عن ذلك قال: "لا أقدرُ أنظر إلى من افترى على الله وكذبَ عليه". فليقرأ هذا (فيلسوفُ السلفية)، عله يدرك كيف يستطيع أن يكره نصرانياً يمشي في الشارع.

أما إمامُ الإسلام الآخرُ ابن تيمية، فكان يقول: "ليُعلم أن المؤمن تجب موالاته وإن ظلمك واعتدى عليك. والكافر تجب معاداته وإن أعطاك وأحسن إليك".

أما سيدُ هؤلاء جميعاً، فاروق الأمة عمرُ بن الخطاب –رضي الله عنه-، فقد صحَّ أن رجلاً من أهل الشام قدمَ عليه فسأله عمر: لعلكم تجالسون أهل الشرك؟ قال: لا يا أمير المؤمنين. قال: إنكم إن جالستموهم أكلتُم وشربتُم معهم، ولن تزالوا بخيرٍ ما لم تفعلوا ذلك.

هكذا فقِهَ هؤلاء وسائر أئمة الإسلام وحي الله وشرعه.

******

النصوص الشرعيةُ والأخبارُ عن أئمة الإسلامِ في تقرير هذا المعنى كثيرةٌ وفيرةٌ. وليس المقام مقام استيفاءٍ. لكنَّ المراد أن من الخطأ أن يظن أحدٌ أن هذا الأصل العظيم مبني على خطأ من ((بعض)) العلماء في فهم آية. بل هو أصلٌ راسخٌ مجمعٌ عليه، ودلائله منثورةٌ مشهورةٌ في نصوص الوحيين.

لكن هذه النصوصُ الواضحةُ الجلية، لن يفيد منها قارئها حتى يأتي البيت من بابه. ومسائل الشريعة لها بابٌ واحدٌ، وهو بابُ التسليم والخضوع للتوجيه الإلهي، بأن يحاول المسلمُ فهم مراد الله من كلامه، كي ينزله على الواقع مهما كان هذا التنزيل ثقيلاً. وإن من أعظم سبل الزلل أن نعكس المسار، فننظر إلى تعقيدات الواقع، ثم ننادي بإعادة قراءة النص القرآني كي نخرج بتفسير يخفُّ علينا ويلائم أهواءنا. سواءٌ في ذلك أهواؤنا القلبية، أو أهواؤنا العقلية. فللعقول أهواؤها كما أن للقلوب أهواءها. وإذا كان هوى القلوب في شهواتها ورغباتها، فإن هوى العقول في تفلتها وتمرُّدها الخفي على الوحي الإلهي.

*****

في سبيل أن نصل لفهمٍ صحيح للمسألة، نحتاج لفتح القلوب والعقول للتوجيهات الربانية، فإذا سمعنا نهياً واضحاً صريحاً عن مودة الكفار أو موالاتهم، فلا نحرف الكلم عن مواضعه ونذهبَ لنقول: المقصود النهي عن محبة ومودة الكفر، وليس الكافر!

لنفتح قلوبنا وعقولنا، ولنقرأ –مثلاً- قول الحكيم العليم الخبير:

(يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء، إن استحبوا الكفر على الإيمان. ومن يتولهم منكم فإنه منهم. إن الله لا يهدي القوم الكافرين).

لنقرأ الآية، ثم لنتدبر قوله: (لا تتخذوا آباءكم وأبناءكم). فالكلام هنا عن موالاة ومودة أشخاص الكفار وأعيانهم (الآباء والأبناء)، وليس عن محبة معنى مجرد اسمه (الكفر).

و لنتأمل –أيضاً- أن الله قال: (إن استحبوا الكفر على الإيمان)، ولم يقُل (إن قاتلوكم أو حاربوكم). فالنهي عن الموادة والموالاة هنا ليس لأجل أنهم حاربونا أو قاتلونا أو أبغضونا أو منعونا من الدعوة إلى الله. بل النهي عن المودة سببه -بنص القرآن- أن أولئك الآباء والأبناء: (استحبوا الكفر على الإيمان).

فكيف يسوغ لمن يعظم النص القرآني أن يلغي هذه الدلالة الجلية الصريحة، ثم يعلنُ أن المقصودَ بالآيةِ الكافر المحارب؟! أو أن المقصود بغضُ الكفر وليس الكفار أنفسهم؟!

*****

آيةٌ أخرى عظيمةٌ جليلةٌ:

يقول الله جل ذكرُه: (قد كانت لكم أسوةٌ حسنةٌ في إبراهيم والذين معه).

الآية تقول: إن لنا أسوةً حسنةً في إبراهيم والذين معه. فما الذي فعله إبراهيم والذين معه حتى نتأسى ونقتدي بهم؟

(إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله).

انظروا لدقة التعبير القرآني الذي يأبى أيَّ تأويل أو تحريف: (إنا برآء منكم)، وبرآء أيضاً (مما تعبدون من دون الله). براءة من الكفر. وبراءة من الكفار أنفسهم. فهل نقبل بعد هذا من أحدٍ أن يقول: بل البراءة والعداوة تكون للكفر وليس للكافر؟!!

لم تنته كنوزُ هذه الآية بعد. فلا زال هناك المزيد من جوانب الأسوة الإبراهيمية:

(إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله. كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبداً).

يقولون لقومهم وأهليهم: (كفرنا بكم)....فأين هذا من قول من يقولُ: الكره للكفر وليس للكافر؟!

(وبدا بيننا وبينكم العداوةُ والبغضاء أبداً).

عداوة... بغضاء...أبداً.

لكن إلى متى تستمرُّ هذه العداوة والبغضاء؟

قال تعالى: (وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبداً حتى تؤمنوا بالله وحده).

إذن نهاية العداوة والبغض: (إيمان قومِ إبراهيم بالله وحده). هنا تنتهي العداوةُ والبغضاء.

السؤال هنا: لماذا تنتهي العداوة عند هذا الحد؟

الجواب واضح: فسبب العداوة والبغض كفرهم بالله. فمتى آمنوا بالله وحده، زال السبب، فزالت العداوة والبغضاء، وحلت محلها المودة والمحبة والموالاة.

أوليس من المغالطة أن يقول قائل بعد هذا: إن سبب الأمر ببغض الكافر محاربته لنا؟!! فهلا قالَ إبراهيم: (بدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء حتى تكفوا عن حربنا وأذيتنا)؟

هناك نصوصٌ أخرى كثيرةٌ تؤكد هذا المعنى. لكني أكتفي بهذا القدر. وقد جعلتُ هذا التقريرَ مقدمةً للحديث عن الإشكالات الجانبية التي طرحها د. حمد الماجد. ولأني أطلتُ عليكم بما فيه كفاية، فسوف أؤجل ما تبقى إلى جزء آخر من هذا التعليق.

بحث لفضيلة

د. بندر بن عبدالله الشويقي

عضو رابطة علماء المسلمين

الثلاثاء 18 / ذو الحجة / 1437هـ

20  / سبتمبر / 2016م