arrow down

الترياق المجرب

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي أكمل لنا ديننا، وأتم علينا نعمته، ورضي لنا الإسلام ديناً، وأمرنا أن نستهديه صراطه المستقيم، صراط الذين أنعم عليهم، غير المغضوب عليهم (اليهود) ولا الضالين (النصارى).

وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالدين القيم والملة الحنيفية، وجعله على شريعة من الأمر، أمرَهُ باتباعها، وأمره بأن يقول: {هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي} [يوسف:108] صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليماً كثيراً.

أما بعد:

فقد كنت مع بعض الإخوة الفضلاء في مجلس من المجالس، فأثار بعض الحاضرين مقولةً لإبراهيم الحربي رحمه الله تعالى وما تعقبه به الإمام الذهبي، مستدلاً بذلك على أمر مُحدثٍ؛ مسهلاً ذلك، فأحببت أن أبين بدعية ذلك.

نقل الإمام الذهبي في السير (9/344):

عن إبراهيم الحربي أنه قال: قبرُ معروفٍ الترياقُ المجرب. ثم قال الذهبي رحمه الله: " يريد إجابة دعاء المضطر عنده؛ لأن البقاع المباركة يستجاب عندها الدعاء، كما أن الدعاء في السحر مرجو، ودُبُرَ المكتوبات، وفي المساجد، بل دعاء المضطر مجاب في أي مكان اتفق، اللهم إني مضطر إلى العفو، فاعف عني".

وتعقّبه الشيخ الأرناؤوط فقال: هذا الكلام لا يسلم لقائله؛ إذ كيف يكون قبر أحد من الأموات الصالحين ترياقاً ودواءً للأحياء، وليس ثمة نصٌّ من كتاب الله يدل على خصوصية الدعاء عند قبرٍ مّا من القبور، ولم يأمر به النبي صلى الله عليه وسلم، ولا سنَّهُ لأمّته، ولا فَعله أحد من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، ولا استحسنه أحدٌ من أئمة المسلمين الذين يُقتدى بقولهم، بل ثبت النهي عن قصد قبور الأنبياء والصالحين لأجل الصلاة والدعاء عندها؟!!

فعن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب زين العابدين الثقة الثبت الفقيه، أنه رأى رجلاً يجيء إلى فُرجةٍ كانت عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم، فيدخل فيها فيدعو، فدعاه، فقال: ألا أُحدّثك بحديث سمعته من أبي عن جدي رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: «لا تتخذوا قبري عيداً، ولا بيوتكم قبوراً، وصلّوا علي، فإن صلاتكم وتسليمكم تبلغني حيثما كنتم» [أخرجه ابن أبي شيبة 2/ 375].

وإسماعيل القاضي في فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم رقم (20)، ويقوّيه ما أخرجه عبد الرزاق في المصنف (6726) من طريق سهيل، عن الحسن بن علي قال: رأى قوماً عند القبر، فنهاهم، وقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تتخذوا قبري عيداً» [أخرجه أبو داود (2042)، وأحمد 2/ 367 من طريق عبد الله بن نافع].

عن ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تجعلوا بيوتكم قبوراً، ولا تجعلوا قبري عيداً، وصلوا علي، فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم» وهذا سند حسن.

وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف 2/ 376 من طريق أبي معاوية عن الأعمش، عن المعْرورِ بن سويد قال: "خرجنا مع عمر في حجة حجها، فقرأ بنا في الفجر: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ} [الفيل:1]، {لِإِيلافِ قُرَيْشٍ} [قريش:1]، فلما قضى حجه ورجع والناس يبتدرون، فقال: ما هذا؟ فقالوا: مسجدٌ صلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: هكذا هلك أهل الكتاب، اتخذوا آثار أنبيائهم بِيَعاً، مَن عَرضت له منكم فيه الصلاة، فليصلّ، ومن لم تعرض له منكم فيه الصلاة، فلا يصل" [وإسناده صحيح على شرط الشيخين].

وجاء في مناسك الحج للإمام النووي 69/ 2، وهو من محفوظات الظاهرية ما نصه: " كره مالك رحمه الله لأهل المدينة - كلما دخل أحدهم وخرج - الوقوف بالقبر، قال: وإنما ذلك للغرباء، قال: ولا بأس لمن قدم من سفر، أو خرج إلى سفر أن يقف عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم، فيصلي عليه ويدعو له ولأبي بكر وعمر رضي الله عنهما".

قال الباجي: "فرّق مالك بين أهل المدينة والغرباء؛ لأن الغرباء قصدوا ذلك، وأهل المدينة مقيمون بها".

وقد قال صلى الله عليه وسلم: «اللهم لا تجعل قبري وثناً يُعبد».

فتأمل قول مالك: "يصلي عليه ويدعو له ولأبي بكر وعمر»، فإن هذه هي الزيارة الشرعية للقبور أن نسلّم على أصحابها وندعو لهم كما علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث المخرج في صحيح مسلم (974) عن عائشة، و"975" عن بريدة.

وأقول مستعيناً بالله: هذه الأقوال لم تكن معروفة عن السلف، ووجد في كلام بعض الناس: فلان ترجى الإجابة عند قبره وفلان يُدعى عند قبره، وقبر فلان الترياق المجرب.. ونحو ذلك، مما لم يكن معروفاً في عهد الصحابة والتابعين، وقائل هذا أحسن أحواله أن يكون مجتهداً في هذه المسألة أو مقلداً فيعفو الله عنه، أما أن هذا الذي قاله يقتضي استحباب ذلك فلا، بل يقال: هذه زلة، فلا يجوز تقليده فيها إذا عرف أنها زلة؛ لأنه اتباع للخطأ على عمد، ومن لم يعرف أنها زلة فهو أعذر من العارف، وكلاهما مفرط فيما أُمر به.

وقال الشعبي: قال عمر رضي الله عنه: "يفسد الزمان ثلاثة: أئمة مضلّون، وجدال المنافق بالقرآن -والقرآن حق-، وزلة العالم".

وقال معاذ رضي الله عنه: "احذروا زيغة الحكيم، فإن الشيطان قد يقول الضلالة على لسان الحكيم، وقد يقول المنافق كلمة الحق، وقال: اجتبوا من كلام الحكيم المشتبهات التي يقال: ما هذه؟ ولا يثنيك ذلك عنه، فإنه لعله يراجع، وتلقّ الحق إذا سمعته، فإن على الحق نوراً".

وقد تكون من العالم الهفوة والزلة، وهو فيها معذور، بل مأجور لاجتهاد، فلا يجوز أن يتبع فيها، ولا يجوز أن يهدر مكانه وإمامته منزلته من قلوب المسلمين.

قال مجاهد والحكم ومالك وغيرهما: "ليس أحد من خلق الله إلا يؤخذ من قوله ويترك إلا النبي صلى الله عليه وسلم".

وقال سليمان التيمي: "إن أخذت برخصة كل عالم اجتمع فيك الشرّ كله"، وهذه المقولة عن الحربي وغيره يجب التأكد من ثبوته، فقد قال ابن تيمية أن هذه الحكايات "إما كذب، أو غلط، وليس حجة".

وهذا القول لا يثبت عن إبراهيم الحربي، فقد رواه الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد (1/122)، وفي سنده أبو الحسن أحمد بن محمد بن الحسن بن مقسم، وهو متهم كما هو مبسوط في ترجمته في ميزان الاعتدال (1/134)، وترجمه الحافظ في اللسان (1/260)، فقال: "أحمد بن محمد بن الحسن بن مقسم المقري حدث عن الباغندي".

قال أبو القاسم الأزهر: كذاب، وقال الخطيب: حدثنا عنه أبو نعيم الحافظ ومحمد بن عمر بن بكر والخلال، وكان يظهر النسك والصلاح، ولم يكن في الحديث ثقة، وقال حمزة السهمي: حدث عمّن لم يره، وقال العتيقي: توفي سنة ثمان وثلاث ومائة. انتهى.

وقال الحاكم: "حدَّث بأحاديث شاذة عن قوم ثقات".

وقال حمزة: "سمعت الدارقطني وجماعة من المشائخ تكلموا فيه، وكان أمره أبين من هذا".

وقال ابن أبي الفوارس: "كان سيء الحال في الحديث، مذموماً ذاهباً، لم يكن بشيء البتة".

والذهبي - عفا الله عنه - عنده تساهل في نقل مثل هذه الحكاية وأشباهها دون تعقب لها، وقد رأيت بالاستقراء أهل السير والتواريخ يتساهلون في النقل، والله المستعان.

ولابد من معرفة أصلين عظيمين لا غنى لأي مسلم عنهما:

الأصل الأول: أن لا يعبد إلا الله.

الثاني: أن لا يعبد إلا بما شرع على ألسن رسله.

فالأولى معنى شهادة أن لا إله إلا الله، والثاني معنى شهادة أن محمداً رسول الله، ومعناها: طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما عنه نهى وزجر.

فمتى عَبَدَ اللهَ تعالى بالمحدثات والبدع؛ نقص تحقيقه لشهادة أن محمد عبده ورسوله، وقد يزول بالكلّية.

فعبادة الله تعالى لا تكون إلا موافقة لهدي النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن عبادة الله تعالى بالمحدثات والبدع مردودة على صاحبها.

لما روى البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها؛ قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه؛ فهو ردّ».

وفي رواية لمسلم: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا؛ فهو ردّ».

وعبادة الله تعالى عند قبور الصالحين، أو تحري الدعاء عند قبورهم، من محدثات الأمور التي نهينا عنها، ووسيلة من وسائل الشرك، ولو كان هذا الفعل خيراً؛ لسنه النبي صلى الله عليه وسلم للأمة؛ فإنه بلّغ البلاغ المبين؛ وأدّى الأمانة، ونصح للأمّة، فلم يدع شيئاً يقرب إلى الجنة إلا وبيّنه لنا صلى الله عليه وسلم.

فلو كانت العبادة مشروعة عند قبور الصالحين، أو تحري الدعاء عند قبورهم له مزيّة وفيه فضل؛ لبيّنه النبي صلى الله عليه وسلم بياناً عاماً، ولَفَعلهُ الصحابة رضي الله عنهم أجمعين، الذين هم أحرص الناس على الخير، وأسرعهم مبادرة إليه، فلما لم يفعلوه؛ عُلم أنه بدعة وضلالة، ووسيلة من وسائل الشرك.

وقال ابن تيمية: "وَقَصْدُ الْقَبْرِ لِلدُّعَاءِ عِنْدَهُ رَجَاءَ الْإِجَابَةِ؛ بِدْعَةٌ لَا قُرْبَةٌ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ".

وقال أيضاً: "يحرم بلا نزاع بين الأئمة".

والحاصل: أن تحري الدعاء عند قبر معروف أو غيره من الصالحين بدعة ووسيلة من وسائل الشرك، ولا يبعد أن يأتي جاهل من الجهلة فيسأل صاحب القبر، خصوصاً في البلاد التي يكثر فيها الجهل!!

وقد خيّم الجهل على معظم البلاد في هذا الزمان، واستحكمت غُربة الدين، وتسلط الحكام الظلمة المجرمون على عباد الله المؤمنين، وأرخوا العنان لأهل البدع والملحدين؛ فعاثوا في الأرض فساداً؛ فإنا لله وإنا إليه راجعون.

وإني أهتبل هذه الفرصة، فأوصي نفسي وإخواني من المسلمين وطلبة العلم أن يعظّموا السنة، وأن يتحروا هدي السلف من الصحابة والتابعين، وأن يبتعدوا عن شواذّ المسائل، وألا يتساهلوا في البدع، وأن يبتعدوا عن إثارة مثل هذه المسائل إلا على سبيل البيان والتحذير.

قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: "ما أنتَ بمُحَدِّث قوماً حديثاً لا تَبلُغُه عقُولهم إِلا كان لبعضهم فِتْنة" [أَخرجه مسلم في مقدِّمة كتابه].

عن أبي الطفيل عامر بن واثلة قال: سمعت علياًّ رضي الله عنه قال: "حَدِّثوا الناس بما يعرفون، أتُحِبُّونَ أن يُكذَّبَ الله ورسولُهُ" [أخرجه البخاري].

وقال هشام بن عروة، قال لي أبي: "ما حدثت أحدًا بشيء من العلم قط لم يبلغه علمه إلا كان ضلالًا علي رواه ابن عبد البر في جامع بيان العلم".

اللهم رب جبريل وميكال وإسرافيل، فاطر السموات والأرضين، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدِني لما اختُلِفَ فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

بحث لفضيلة

د. صالح بن علي الوادعي

عضو رابطة علماء المسملين

الاثنين 7 / صفر / 1438هـ

 

7 / نوفمبر / 2016م