arrow down

ضوابط لباس المرأة المسلمة

بحث لفضيلة د. مراد بن أحمد القدسي ( عضو رابطة علماء المسلمين )

بسم الله الرحمن الرحيم

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

أما بعد:

إن الحديث عن لباس المرأة المسلمة له أهمية بالغة في هذه الآونة الأخيرة نظراً لوجود التآمر عليها من قبل المتربصين بها من الأعداء في الداخل والخارج، ولانتشار الجهل والتساهل بين النساء في الالتزام بالضوابط الشرعية التي ينبغي أن تراعى في اللباس، كما من الأسباب التي تدعو إلى الحديث وجود الفتاوى المنحرفة والتي سوغت الانحراف وجعلته من قبيل الإباحة، مما أورث البعض من النساء أن ما تلبسه من الألبسة غير الساترة لا تعدو كونها من الألبسة السائغة ولا حرج عليها في لبسها، فلهذه الأسباب وغيرها لزم التأكيد على بيان ضوابط لباس المرأة في حال من أحوالها أمام النساء، أو الرجال المحارم وغير المحارم.

وقبل الخوض في هذه الضوابط لابد من عرض مقدمات هامة:

أولاً: انتشر في السنوات الأخيرة في أوساط النساء مظاهر خلل كبير في اللباس، وبدأت الأسواق تلفظ ألواناً من الألبسة السيئة، والعباءات المتبرجة.

والناظر في واقع النساء يرى سرعة التغير، ثم تزايدت هذه المخالفات الشرعية، وألفها كثير من النساء بسبب الجهل، أو كثرة الاعتياد، وأصبح نقص الوعي في أحكام لباس المرأة سمة عامة بين النساء حتى بين كثير من الصالحات.

ثانياً: أن هذا الموضوع وإن كان خاصاً بالنساء، إلا أن فهم الرجال له لا يقل أهمية، فقد تبين أن من أهم أسباب الانحراف في اللباس بين النساء هو الرجل؛ إما لجهله أو إهماله.

ثالثاً: أن الله تعالى جبل المرأة على حب الزينة، والعناية بالمظهر؛ ولذلك أباح الشرع لها الذهب والحرير وغيرهما دون الرجال إشباعاً لهذه السمة التي فطرها الله عليها إلا أن شدة العاطفة، والرغبة في التقليد قد تخرج المرأة عن حد المباح فتقع في المحرم استجابة لهوى النفس، وداعي الشيطان، فكان هذا الموضوع تذكيراً وتحذيراً.

رابعاً: أن الأصل في الألبسة هو الحل والإباحة إلا ما دل الدليل على تحريمه.

والدليل على هذا الأصل قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً} [البقرة:29]. وقوله تعالى: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ} [الأعراف:32].

أقسام لباس المرأة:

ينقسم لباس المرأة إلى قسمين:

أولاً: لبس المرأة أمام النساء والرجال المحارم:

وينقسم الكلام فيه إلى قسمين:

1- لباس المرأة أمام النساء:

وينقسم إلى قسمين:

أ- لباس المرأة أمام المرأة المسلمة:

ذهب الفقهاء إلى أن عورة المرأة بالنسبة للمرأة هي كعورة الرجل إلى الرجل، أي ما بين السرة والركبة، ولذا يجوز لها النظر إلى جميع بدنها عدا ما بين هذين العضوين، وذلك لوجود المجانسة وانعدام الشهوة غالباً، ولكن يحرم ذلك مع الشهوة وخوف الفتنة.

ب- لباس المرأة أمام المرأة الكافرة:

ذهب جمهور الفقهاء: "الحنفية والمالكية وهو الأصح عند الشافعية إلى أن المرأة الأجنبية الكافرة كالرجل الأجنبي بالنسبة للمسلمة، فلا يجوز أن تنظر إلى بدنها، وليس للمسلمة أن تتجرد بين يديها، لقوله تعالى: {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ} [النور:31].

أي: النساء المسلمات، فلو جاز نظر المرأة الكافرة لما بقي للتخصيص فائدة، وقد صح عن عمر رضي الله عنه الأمر بمنع الكتابيات من دخول الحمام مع المسلمات.

والقول الآخر عند الشافعية أنه يجوز أن ترى الكافرة من المسلمة ما يبدو منها عند المهنة، وفي رأي آخر عندهم أنه يجوز أن ترى منها ما تراه المسلمة منها، وذلك لاتحاد الجنس كالرجال" [انظر مغني المحتاج للشربيني: 3/ 313].

والمذهب عند الحنابلة أنه لا فرق بين المسلمة والذمية ولا بين المسلم والذمي في النظر قال ابن قدامة: "وعن أحمد رواية أخرى أن المسلمة لا تكشف قناعها عند الذمية ولا تدخل معها الحمام وهو قول مكحول وسليمان بن موسى لقوله تعالى: {أَوْ نِسَائِهِنَّ} [النور:31]، والأول أولى لأن النساء الكوافر من اليهوديات وغيرهن قد كن يدخلن على نساء النبي صلى الله عليه وسلم فلم يكن يحتجبن ولا أمرن بحجاب، وقد قالت عائشة جاءت يهودية تسألها فقالت: أعاذك الله من عذاب القبر، فسألت عائشة رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر الحديث، وقالت أسماء: قدمت علي أمي وهي راغبة يعني عن الإسلام فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أصلها؟ قال: نعم، ولأن الحجب بين الرجال والنساء بمعنى لا يوجد بين المسلمة والذمية، فوجب أن لا يثبت الحجب بينهما كالمسلم مع الذمي؛ ولأن الحجاب إنما يجب بنص أو قياس، ولم يوجد منهما، فأما قوله: {أَوْ نِسَائِهِنَّ} [النور:31]، فيحتمل أن يكون المراد جملة النساء" [المغني: 7/ 464].

2- أنواع لباس المرأة أمام النساء في هذا الزمان:

النوع الأول: الألبسة غير الساترة

والتي يلبسها كثير من النساء اليوم في الأعراس، ومجامع النساء، فهي غير ساترة؛ لأنها لاصقة، أو شفافة، أو قصيرة، أو تكشف العضد أو المنكب.

والصواب أن هذه الألبسة لا يجوز لبسها لخمسة أسباب:

السبب الأول:

أن القول بأن عورة المرأة أمام المرأة ما بين السرة والركبة، لم يثبت بدليل صحيح، والأرجح أن المرأة لا تكشف إلا ما جرت العادة السوية بكشفه بين النساء، كالرأس، والعنق، والذراعين، والقدمين.

ولو سلمنا جدلاً بأن عورة المرأة أمام المرأة من السرة إلى الركبة فإن هذه الألبسة لا تستر ما بين السرة والركبة حقيقةً لكونها لاصقة، أو شفافة، أو مفتحة.

السبب الثاني:

أن هذه الألبسة غير الساترة هي محض تشبه وتقليد بالكافرات والماجنات، وسقط المتاع من المغنيات والممثلات، وفدت إلينا من القنوات الفضائية، ومجلات الأزياء.

وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من تشبه بقوم فهو منهم» [أخرجه أبو داود: 4/ 314، وحسنه ابن حجر في الفتح: 6/ 98].

السبب الثالث:

أن التي تلبس هذه الألبسة يصدق فيها حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «صنفان من أهل النار لم أرهما بعد: قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات مميلات مائلات، رءوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة، ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا» [أخرجه مسلم برقم:2128].

السبب الرابع:

أن في هذه الألبسة ذريعة لمفاسد كثيرة إذا لم تمنع، منها أن التساهل والتكشف يزداد يوماً بعد يوم، وهذا أمر يلحظه النساء.

ومنها القدوة السيئة للأخريات، فإن المرأة سريعة التأثر بالقرينات، والقريبات.

والمرأة ستكون أماً وجدة، فإذا كان هذا حال من رضيت بهذا اللباس، فماذا سيكون حال بناتها وبنات بناتها؟!

السبب الخامس:

حضور المرأة الحفلات العامة بهذه الألبسة قد يعرضها لالتقاط صور وهي بهذا الشكل، وربما عرضت الصور على رجال أجانب وفي ذلك شر مستطير.

النوع الثاني: من الألبسة المذمومة أمام النساء

لبس ما فيه تشبه محرم، والتشبه المحرم هو التشبه بالكافرات، أو الفاسقات، أو الرجال.والتشبه المحرم بالكفار يكون في أمرين:

الأول: ما كان من دينهم ومعتقداتهم.

الثاني: ما اختصوا به من عوائدهم؛ كالألبسة.

وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم ينهى عن التشبه بالكفار، ويأمر بمخالفتهم.

وتأمل في النهي عن التشبه حديث ابن عمر رضي الله عنه الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من تشبه بقوم فهو منهم» [أخرجه أبو داود: 4/ 314، وحسنه ابن حجر في الفتح 6/ 98].

ومن الأحاديث التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمر فيها بمخالفة الكفار حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى عليه ثوبين معصفرين فقال: «إن هذه من ثياب الكفار فلا تلبسها» [أخرجه مسلم برقم:2077].

3- لباس المرأة أمام المحارم:

المراد بمحرم المرأة من يحرم عليه نكاحها على وجه التأبيد لنسب أو سبب مصاهرة أو رضاع.

قال المالكية والحنابلة: "إن عورة المرأة بالنسبة إلى رجل محرم لها هي غير الوجه والرأس واليدين والرجلين، فيحرم عليها كشف صدرها وثدييها ونحو ذلك عنده، ويحرم على محارمها كأبيها رؤية هذه الأعضاء منها، وإن كان من غير شهوة وتلذذ" [انظر منح الجليل شرح مختصر خليل: 1/ 222].

"وعند الحنابلة وذكر القاضي أن حكم الرجل مع ذوات محارمه هو كحكم الرجل مع الرجل والمرأة مع المرأة" [المغني: 7/ 454].

"وعند الحنفية هي ما بين سرتها إلى ركبتها، وكذا ظهرها وبطنها، أي يحل لمن هو محرم لها النظر إلى ما عدا هذه الأعضاء منها عند أمن الفتنة وخلو نظره من الشهوة، والأصل فيه قوله تعالى: {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ} [النور:31]، والمراد بالزينة مواضعها لا الزينة نفسها لأن النظر إلى أصل الزينة مباح مطلقاً، فالرأس موضع التاج، والوجه موضع الكحل، والعنق والصدر موضعا القلادة والأذن موضع القرط، والعضد موضع الدملوج، والساعد موضع السوار، والكف موضع الخاتم، والساق موضع الخلخال، والقدم موضع الخضاب، بخلاف الظهر والبطن والفخذ؛ لأنها ليست بموضع للزينة؛ ولأن الاختلاط بين المحارم أمر شائع ولا يمكن معه صيانة مواضع الزينة عن الإظهار والكشف" [الهداية شرح البداية للمرغياني: 4/ 86].

"والشافعية يرون جواز نظر الرجل إلى ما عدا ما بين السرة والركبة من محارمه من النساء من نسب أو رضاع أو مصاهرة صحيحة، وقيل: يحل له النظر فقط إلى ما يظهر منها عادة في العمل داخل البيت، أي إلى الرأس والعنق واليد إلى المرفق والرجل إلى الركبة" [انظر مغني المحتاج للشربيني: 3/ 129].

قال ابن قدامة المقدسي رحمه الله: "فصل: ويجوز للرجل أن ينظر من ذوات محارمه إلى ما يظهر غالباً: كالرقبة والرأس والكفين والقدمين ونحو ذلك، وليس له النظر إلى ما يستر غالباً كالصدر والظهر ونحوهما" [المغني: 7/ 454].

قال ابن عثيمين: "أما في البيت ومع النساء فالأمر أسهل بلا شك، تخرج المرأة رأسها ووجهها وكفيها وذراعيها ولا حرج، لكن الثياب لا بد أن تكون ضافية، فإذا كان على المرأة ثياب ضافية وأخرجت ذراعيها لعمل من الأعمال وحولها نساء أو محارم فلا بأس، لكن نحن لا نرخص الثياب القصيرة إطلاقاً، وهناك فرق بين أن يخرج الذراع أو أن تخرج الرقبة أو الرأس أو أعلى الصدر أو ما أشبه ذلك وبين أن تكون الثياب مهتكة الأستار خفيفة أو ضيقة أو قصيرة فهذا النوع من الثياب دل الدليل على أنه حرام؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «صنفان من أهل النار لم أرهما قط: قومٌ معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساءٌ كاسيات عاريات مميلات مائلات رءوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا»" [اللقاء الشهري:2/ 375].

والأولى بالمرأة التستر أمام محارمها وبخاصة الشباب، ويتأكد هذا في زماننا الحاضر الذي كثرت فيه الفتن، وانتشرت في وسائل الإعلام الإثارة الجنسية مع ضعف الوازع الديني ولعل هذا هو السبب الذي جعل من بعض أهل العلم يذهب إلى المرأة يجب عليها أن تستر بدنها إلا وجهها وكفيها حتى عن أدنى أقاربها في البيت.

القسم الثاني: لباس المرأة أمام الرجال الأجانب

الغرض من اللباس الستر، وحجب المرأة عن أنظار الرجال الأجانب، منعاً للفتنة والفساد

قال تعالى: {يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُون} [الأعراف: 26].

قال ابن كثير: "يمتن تبارك وتعالى على عباده بما جعل لهم من اللباس والريش فاللباس المذكور هاهنا لستر لعورات -وهي السوءات- والرياش والريش: هو ما يتجمل به ظاهراً، فالأول من الضروريات، والريش من التكملات والزيادات".

وقوله تعالى: {وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ} [الأعراف:26]، قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: "لباس التقوى يتقي الله، فيواري عورته، فذاك لباس التقوى" [تفسير أبن كثير: 3/ 399-401بتصرف].

وهناك شروط على المرأة المسلمة مراعاتها في لباسها أمام الرجال الأجانب ومن تلك الشروط:

أولاً: أن يغطي ويستوعب جميع بدن المرأة

وذلك إن كانت المرأة أمام الرجال من غير المحارم يجب على المرأة أن تستر جميع بدنها حتى الوجه والكفين والقدمين.

والدليل قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} [الأحزاب: 59].

قال الشنقيطي: "في الآية الكريمة قرينة واضحة على أن قوله تعالى فيها: يدنين عليهن من جلابيبهن يدخل في معناه ستر وجوههن بإدناء جلابيبهن عليها، والقرينة المذكورة هي قوله تعالى: قل لأزواجك، ووجوب احتجاب أزواجه وسترهن وجوههن، لا نزاع فيه بين المسلمين فذكر الأزواج مع البنات ونساء المؤمنين يدل على وجوب ستر الوجوه بإدناء الجلابيب، كما ترى".

ومن الأدلة على ذلك أيضاً: هو ما قدمنا في سورة النور، في الكلام على قوله تعالى: {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} [النور:31]، من أن استقراء القرآن يدل على أن معنى: إلا ما ظهر منها الملاءة فوق الثياب، وأنه لا يصح تفسير: إلا ما ظهر منها بالوجه والكفين، كما تقدم إيضاحه.

واعلم أن قول من قال: إنه قد قامت قرينة قرآنية على أن قوله تعالى: {يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ} [الأحزاب:59]سورة الأحزاب، لا يدخل فيه ستر الوجه، وأن القرينة المذكورة هي قوله تعالى: ذلك أدنى أن يعرفن، قال: وقد دل قوله: أن يعرفن على أنهن سافرات كاشفات عن وجوههن؛ لأن التي تستر وجهها لا تعرف، باطل، وبطلانه واضح، وسياق الآية يمنعه منعا باتا؛ لأن قوله: يدنين عليهن من جلابيبهن صريح في منع ذلك.

وإيضاحه أن الإشارة في قوله: ذلك أدنى أن يعرفن راجعة إلى إدنائهن عليهن من جلابيبهن، وإدناؤهن عليهن من جلابيبهن، لا يمكن بحال أن يكون أدنى أن يعرفن بسفورهن وكشفهن عن وجوههن كما ترى، فإدناء الجلابيب مناف لكون المعرفة معرفة شخصية بالكشف عن الوجوه، كما لا يخفى.

وقوله في الآية الكريمة: {لِّأَزْوَاجِكَ} [الأحزاب:28] دليل أيضاً على أن المعرفة المذكورة في الآية ليست بكشف الوجوه؛ لأن احتجابهن لا خلاف فيه بين المسلمين.

والحاصل: أن القول المذكور تدل على بطلانه أدلة متعددة:

الأول: سياق الآية، كما أوضحناه آنفا.

الثاني: قوله: لأزواجك، كما أوضحناه أيضاً.

الثالث: أن عامة المفسرين من الصحابة فمن بعدهم فسروا الآية مع بيانهم سبب نزولها، بأن نساء أهل المدينة كن يخرجن بالليل لقضاء حاجتهن خارج البيوت، وكان بالمدينة بعض الفساق يتعرضون للإماء، ولا يتعرضون للحرائر، وكان بعض نساء المؤمنين يخرجن في زي ليس متميزا عن زي الإماء، فيتعرض لهن أولئك الفساق بالأذى ظنا منهم أنهن إماء، فأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يأمر أزواجه وبناته ونساء المؤمنين أن يتميزن في زيهن عن زي الإماء، وذلك بأن يدنين عليهن من جلابيبهن، فإذا فعلن ذلك ورآهن الفساق، علموا أنهن حرائر، ومعرفتهم بأنهن حرائر لا إماء هو معنى قوله: {ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ} [الأحزاب:59]، فهي معرفة بالصفة لا بالشخص.

وهذا التفسير منسجم مع ظاهر القرآن، كما ترى.

فقوله: {يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ} [الأحزاب:59]؛ لأن إدنائهن عليهن من جلابيبهن يشعر بأنهن حرائر، فهو أدنى وأقرب لأن يعرفن، أي: يعلم أنهن حرائر، فلا يؤذين من قبل الفساق الذين يتعرضون للإماء، وهذا هو الذي فسر به أهل العلم بالتفسير هذه الآية، وهو واضح، وليس المراد منه أن تعرض الفساق للإماء جائز، هو حرام ولا شك أن المتعرضين لهن من الذين في قلوبهم مرض.

وأنهم يدخلون في عموم قوله: {وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} [الأحزاب:60]، في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} [الأحزاب:60] إلى قوله: {وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا} [الأحزاب:61]" [أضواء البيان: 6/ 244-245].

أقوال أهل العلم في وجوب تغطية الوجه والكفين:

قال أبو بكر الرازي الجصاص الحنفي رحمه الله لقوله تعالى: {يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ} [الأحزاب:59].

"في هذه الآية دلالة على أن المرأة الشابة مأمورة بستر وجهها عن الأجنبيين، وإظهار الستر والعفاف عند الخروج لئلا يطمع أهل الريب فيهن" [أحكام القرآن: 5/ 245].

قال النسفي الحنفي رحمه الله لقوله تعالى: "{يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ} [الأحزاب:59] يرخينها عليهن، ويغطين بها وجوههن وأعطافهن" [مدارك التنزيل: 3/ 315].

قال أبو بكر بن العربي المالكي رحمه الله لقوله تعالى: {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاء حِجَابٍ} [الأحزاب:53].

"والمرأة كلها عورة؛ بدنها وصوتها، فلا يجوز كشف ذلك إلا لضرورة أو لحاجة، كالشهادة عليها، أو داء يكون ببدنها" [أحكام القرآن: 3/ 616].

قال ابن جزي الكلبي المالكي رحمه الله لقوله تعالى: {يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ} [الأحزاب:59].

"كان نساء العرب يكشفن وجوههن كما تفعل الإماء، وكان ذلك داعياً إلى نظر الرجال لهن، فأمرهن الله بإدناء الجلابيب ليستر بذلك وجوههن" [التسهيل لعلوم التنزيل: 3/ 144].

قال النووي رحمه الله: "ويحرم نظر فحل بالغ إلى عورة حرة كبيرة أجنبية وكذا وجهها وكفها عند خوف الفتنة، قال الرملي في شرحه: إجماعاً وكذا عند الأمن على الصحيح".

قال ابن شهاب الدين الرملي رحمه الله: "ووجهه الإمام: باتفاق المسلمين على منع النساء أن يخرجن سافرات الوجوه، وبأن النظر مظنة الفتنة، ومحرك للشهوة.. وحيث قيل بالتحريم وهو الراجح: حرم النظر إلى المنتقبة التي لا يبين منها غير عينيها ومحاجرها كما بحثه الأذرعي، ولاسيما إذا كانت جميلة، فكم في المحاجر من خناجر" [نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج في الفقه على مذهب الشافعي: 6/ 187-188].

وقال تقي الدين السبكي الشافعي رحمه الله: "الأقرب إلى صنيع الأصحاب أن وجهها وكفيها عورة في النظر" [المرجع السابق: 6/ 187].

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "وكشف النساء وجوههن بحيث يراهن الأجانب غير جائز، وعلى ولي الأمرِ الأمرُ بالمعروف والنهى عن هذا المنكر وغيره، ومن لم يرتدع فإنه يعاقب على ذلك بما يزجره" [مجموع الفتاوى: 24/ 352].

وقال أيضاً: "ثم لما أنزل الله عز وجل آية الحجاب بقوله: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ} [الأحزاب:59]، حجب النساء عن الرجال وكان ذلك لما تزوج زينب بنت جحش فأرخى الستر ومنع النساء أن ينظرن ولما اصطفى صفية بنت حيي بعد ذلك عام خيبر قالوا: إن حجبها فهي من أمهات المؤمنين وإلا فهي مما ملكت يمينه فحجبها، فلما أمر الله أن لا يسألن إلا من وراء حجاب، وأمر أزواجه وبناته ونساء المؤمنين أن يدنين عليهن من جلابيبهن، والجلباب هو الملاءة، وهو الذي يسميه ابن مسعود وغيره الرداء وتسميه العامة الإزار وهو الإزار الكبير الذي يغطى رأسها وسائر بدنها، وقد حكا أبو عبيد وغيره أنها تدنيه من فوق رأسها فلا تظهر إلا عينها ومن جنسه النقاب، فكن النساء ينتقبن، وفي الصحيح أن المحرمة لا تنتقب ولا تلبس القفازين، فإذا كن مأمورات بالجلباب لئلا يعرفن وهو ستر الوجه أو ستر الوجه بالنقاب كان الوجه واليدان من الزينة التي أمرت ألا تظهرها للأجانب، فما بقى يحل للأجانب النظر إلا إلى الثياب الظاهرة، فابن مسعود ذكر آخر الأمرين وابن عباس ذكر أول الأمرين" [مجموع الفتاوى: 22/ 110-111].

قال ابن القيم رحمه الله: "العورة عورتان: عورة النظر، وعورة في الصلاة؛ فالحرة لها أن تصلي مكشوفة الوجه والكفين، وليس لها أن تخرج في الأسواق ومجامع الناس كذلك، والله أعلم" [إعلام الموقعين: 2/ 80].

قال البهوتي الحنبلي رحمه الله: "الكفان والوجه من الحرة البالغة عورة خارج الصلاة باعتبار النظر كبقية بدنها" [كشاف القناع:1/ 26].

قال ابن حجر: "في شرح حديث عائشة رضي الله عنها، وهو في صحيح البخاري أنها قالت: "لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ} [النور:31] أَخَذْنَ أُزْرَهُنَّ فَشَقَّقْنَهَا مِنْ قِبَلِ الْحَوَاشِي فَاخْتَمَرْنَ بِهَا، قوله: (فاختمرن) أي: غطين وجوههن" [فتح الباري:8/ 490].

قال السيوطي: "{يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ} [الأحزاب:59]، هذه آية الحجاب في حق سائر النساء، ففيها وجوب ستر الرأس والوجه عليهن" [عون المعبود: 11/ 106].

تحرير محل النزاع بين العلماء في حكم تغطية الوجه والكفين:

أولاً: محل الخلاف إنما هو الوجه واليدين، فقال الجمهور يستحب تغطية الوجه والكفين: واستدلوا بحديث عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ أَسْمَاءَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ دَخَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَيْهَا ثِيَابٌ رِقَاقٌ، فَأَعْرَضَ عَنْهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ: «يَا أَسْمَاءُ إِنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا بَلَغَتْ الْمَحِيضَ لَمْ تَصْلُحْ أَنْ يُرَى مِنْهَا إِلا هَذَا وَهَذَا، وَأَشَارَ إِلَى وَجْهِهِ وَكَفَّيْهِ».

قَالَ أَبُو دَاوُد: هَذَا مُرْسَلٌ خَالِدُ بْنُ دُرَيْكٍ لَمْ يُدْرِكْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا" [رواه أبو داود: 4/ 358].

تخريج الحديث:

علل سند أبي داود:

1- الإرسال:

فقد قال أبو داود بعد روايته للحديث: "هذا مرسل، خالد بن دُرَيْك لم يُدرك عائشة" [سنن أبي داود: 4/ 358].

ونقل الحافظ الزيلعي عن أبي داود مثله: "قال ابن القطان: ومع هذا فخالد مجهول الحال" [نصب الرواية: 1/ 299].

2- في سنده "سعيد بن بشير" وهو ضعيف عند نقاد الحديث.

فقد قال يعقوب بن سفيان: سألتُ أبا مسهر عنه فقال: "لم يكنْ في جندنا أحفظ منه، وهو ضعيف منكر الحديث".

قال سعيد بن عبد العزيز: "كان حاطبَ ليل".

وقال الميموني: "رأيت أبا عبد الله يُضَعفُ أمره".

وقال الدوري وغيره عن ابن معين: "ليس بشيء".

وقال عثمان الدارمي وغيره عن أبن معين إمام الجرح والتعديل: "ضعيف".

وقال علي بن المديني شيخ البخاري: "كان ضعيفاً".

وقال النسائي: "ضعيف".

وقال محمد بن نمير: "منكر الحديث، ليس بشيء، ليس بقوي الحديث، يروي عن قتادة المنكرات".

وقال الحاكم أبو أحمد: "ليس بالقوي عندهم".

وقال البخاري: "يتكلمون في حفظه وهو مُحتمل".

وقال الآجري عن أبي داود: "ضعيف".

وقال ابن حبان: "كان رديء الحفظ، فاحش الخطأ، يروي عن قتادة ما لا يُتابع عليه، وعن عمرو بن دينار مالا يُعرفُ من حديثه" [تهذيب التهذيب: 4/ 9].

3- العنعنة:

وفي حديث عائشة السابق عنعنة بعض المدلسين، مثل: الوليد بن مسلم وقتادة بن دِعامة السدوسي، وليس في روايتهما تصريح بالسماع.

وأما الوليد بن مُسْلم، فقد قال الحافظ ابن حجر في ترجمته: "ثقة لكنه كثير التدليس والتسوية" [تقريب التهذيب: 1/ 584].

قال أبو مسْهِر وغيره: "كان الوليد مُدلساً، وربما دلس على الكذابين".

قال الذهبي: "لا نزاع في حفظه وعلمه، وإنما الرجل مُدلس، فلا يُحتج به إلا إذا صرح بالسماع" أهـ [تذكرة الحفاظ: 1/ 302-304].

وقال أيضاً: "إذا قال الوليد: عن ابن جريج، أو عن الأوزاعي فليس بمعتمد، لأنه يُدلسُ عن كذابين، فإذا قال: حَدثنا "فهو حجه" أهـ [ميزان الاعتدال: 7/ 142].

وترجم له الحافظ صلاح الدين العلائي في: جامع التحصيل، ووصفه بأنه: "أحد المشهورين بالتدليس" أهـ [جامع التحصيل في أحكام المراسيل: 1/ 254].

رواية البيهقي قال: "أخبرنا أبو على الروذباري، أخبرنا أبو بكر محمد بن بكر، حدثنا أبو داود، حدثنا يعقوب بن كعب الأنطاكى، ومؤمل بن الفضل الحراني، قالا: حدثنا الوليد هو ابن مسلم ح، وأخبرنا أبو سعد الماليني، أخبرنا أبو أحمد بن عدي، حدثنا محمد بن أحمد بن عبد الواحد بن عبدوس، حدثنا موسى بن أيوب النصيبي، حدثنا الوليد عن سعيد بن بشير عن قتادة عن خالد بن دريك عن عائشة أن أسماء بنت أبى بكر دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليها ثياب شامية رقاق، فأعرض عنها، ثم قال: «ما هذا يا أسماء؟ إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا، وأشار إلى وجهه وكفيه» لفظ حديث الماليني.

قال أبو داود: "هذا مرسل، خالد بن دريك لم يدرك عائشة".

قال الشيخ: "مع هذا المرسل قول من مضى من الصحابة رضي الله تعالى عنهم في بيان ما أباح الله من الزينة الظاهرة، فصار القول بذلك قوياً، وبالله التوفيق" [السنن الكبرى: 2/ 226].

وحاول البيهقي تقوية حديث أسماء فقال: "مع هذا المرسل قول من مضى من الصحابة في بيان ما أباح الله من الزينه الظاهرة، فصار القول بذلك قوياً" أهـ [انظر سنن البيهقي: 2/ 226].

علل سند البيهقي:

تعزيز البيهقي لهذا الحديث بما أخرجه من طريق ابن لهيعة عن أسماء بنت عُمَيس لا يُفيدُه أي قوة، لأسباب التالية:

1- اجتماع ثلاث علل قادحة فيه، كما سبق ذكرها، مما جعله ضعيفاً جداً.

2- قول البيهقي في هذا الحديث وإسناده ضعيف، والضعيف لا ينهض بأضعف منه ما لم يَرد من طُرُقٍ ترفعه للحسن لغيره.

3- في سند هذا الحديث ابن لهيعة، وهو ضعيف عند جمهور المحدثين؛ قال الحافظ ابن حجر: قال البخاري عن الحميدي: "كان يحيى ابن سعيد لا يراه شيئاً".

وقال ابن المديني عن ابن مهدي: "لا أحمل عنه قليلاً ولا كثيراً".

وقال عبد الكريم بن عبد الرحمن النسائي، عن أبيه: "ليس بثقة"، وقال ابن معين: "كان ضعيفاً لا يحتج بحديثه؛ كان من شاءَ يقول له حدثنا" أهـ [تهذيب التهذيب: 5/ 328-331].

وقال ابن عبد البر: "ابن لهيعة، ويحيى بن أزهر ضعيفان لا يُحتجُ بهما ولا بمثلهما" أهـ [التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد: 5/ 244].

ثم لو صح هذا الحديث جدلاً فيُحتمل أنه كان قبل نزول الحجاب، فنحمله عليه" أهـ [انظر المغني لأبن قُدامه: 7/ 460].

على أنه جاء فيما نقل عن بعض الفقهاء أنه لا يرى من المرأة الوجه والكفين إلا عند الحاجة.

قال البيهقي: "باب تخصيص الوجه والكفين بجواز النظر إليها عند الحاجة، قال الله تبارك وتعالى: {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} [النور:31].

قال الشافعي رحمه الله: "إلا وجهها وكفيها" [سنن البيهقي: 7/ 85].

أما ما عدا الوجه والكفين فيجب فيها التغطية بالاتفاق؛ كالقدم، والساعد، وشعر الرأس، كل هذا عورة بالاتفاق.

فالقدمان مثلاً: فقد ذهب جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة أنهما من العورة، لما جاء عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلَاءَ لَمْ يَنْظُرْ اللَّهُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَة: فَكَيْفَ يَصْنَعْنَ النِّسَاءُ بِذُيُولِهِنَّ؟ قَالَ: يُرْخِينَ شِبْرًا، فَقَالَتْ: إِذًا تَنْكَشِفُ أَقْدَامُهُنَّ، قَال: فَيُرْخِينَهُ ذِرَاعًا لَا يَزِدْنَ عَلَيْهِ» [أخرجه الترمذي: وقَالَ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ: 5/ 407 برقم: 1731، وصححه الألباني].

من الحديث فإنه يشرع للنساء إسبال الإزار والثياب وكل ما يستر جميع أبدانهن، والحاصل أن لها حالة استحباب، وهو قدر شبر، وحالة جواز، بقدر الذراع.

ثانياً: اتفق العلماء على وجوب تغطية الوجه واليدين إذا كان فيهما زينة كالكحل في العين، والذهب والحناء في اليدين.

ثالثاً: اتفق العلماء على وجوب تغطية الوجه واليدين إذا كان في كشفهما فتنة، وقد نص كثير من العلماء القائلين بأن وجه المرأة ليس بعورة على وجوب تغطية الشابة لوجهها دفعاً للفتنة، وما لم يغلب على المجتمع الذي تعيش فيه فساق لا يتورعون عن النظر المحرم إليها؛ وعليه فإن كشف أكثر النساء اليوم لوجوههن أمر محرم باتفاق العلماء؛ لكونها كاشفة عن مقدمة الرأس والشعر، أو لأنها قد وضعت زينة في وجهها أو يديها؛ كالكحل أو الحمرة في الوجه، أو الخاتم في اليد.

فمحل الخلاف إذاً بين العلماء هو الوجه واليدين فقط، إذا لم يكن فيهما زينة، ولم يكن في كشفهما فتنة، واختلفوا على قولين: الوجوب والاستحباب. فالقائلون بأن وجه المرأة عورة قالوا بوجوب التغطية، والقائلون بأن وجه المرأة ليس بعورة قالوا يستحب تغطيته.

ولم يقل أحد من أهل العلم إن المرأة يجب عليها كشف وجهها، أو أنه الأفضل إلا دعاة الفتنة ومرضى القلوب.

ثانياً: أن يكون اللباس واسعاً

"المقصود من اللباس الستر، وحجب بدن المرأة عن أنظار الأجانب، منعا للفتنة والفساد، ولا شك أن اللباس الضيق لا يحقق هذا الغرض، لأنه يصف بدن المرأة ويبرز حجمه أو حجم أعضائه، فلا يكون في الحقيقة ساتراً للبدن ولا حاجباً له عن أنظار الأجانب، ولا مانعاً من الفتنة، وتحريك الشهوة ووقوع الفساد.

ومن أجل هذا كله جاء النهي الشرعي عن اللباس الضيق للمرأة، فاشترط فيه أن يكون واسعاً فضفاضاً حتى لا يصف شيئاً من بدنها ولا يحدد حجمه ولا يبرزه للناظرين" [المفصل في أحكام المرأة لشيخنا زيدان: 3/ 330].

ودليل ذلك ما رواه الإمام أحمد عن أسامة بن زيد رضي الله عنه قَالَ: «كَسَانِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُبْطِيَّةً كَثِيفَةً كَانَتْ مِمَّا أَهْدَاهَا دِحْيَةُ الْكَلْبِيُّ، فَكَسَوْتُهَا امْرَأَتِي، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا لَكَ لَمْ تَلْبَسْ الْقُبْطِيَّةَ؟ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! كَسَوْتُهَا امْرَأَتِي، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مُرْهَا فَلْتَجْعَلْ تَحْتَهَا غِلَالَةً إِنِّي أَخَافُ أَنْ تَصِفَ حَجْمَ عِظَامِهَا» [مسند أحمد: 5/ 205، وحسنه الألباني في جلباب المرأة المسلمة: 131].

قبطية: ثياب من مصر بيضاء فيها رقة ورهافة، منسوبة إلى الأقباط. وأراد بالكثيف هنا الساتر.

الغلالة: شِعار يلبس تحت الثوب وتحت الدرع أيضاً تشبه الملابس الداخلية، والشعار: الثوب الذي يلي الجسد؛ لأنه يلي شعره".

تضييق الأكمام: فقد نبه ابن الحاج إلى لزوم تضييق الكم فقال رحمه الله: "ويجب على ولي الأمر أن يمنعهن من توسيع الأكمام التي أحدثتها مع قصر الكم، فإنها إذا رفعت يدها ظهرت أعكانها ونهودها وغير ذلك" [المفصل: 3/ 332].

ثالثاً: أن لا يكون اللباس زينةً في نفسه

لقوله تعالى: {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} [النور:31]، وقوله جل وعلا: {وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى} [الأحزاب:33]، وقد شرع الله الحجاب ليستر زينة المرأة، فلا يُعْقَلُ أن يكونَ هو في نفسه زينة وعلى المرأة أن تراعي ذلك في جلبابها.

رابعاً: أن يكون اللباس كثيفاً غير شفاف

فلا يجوز لبس الرقيق من الثياب إذا كان يشف عن العورة، فيعلم لون الجلد من بياض أو حمرة، ولو في بيتها، هذا إن رآها غير زوجها، لما يأتي من الأدلة، وهو بالإضافة إلى ذلك مخل بالمروءة، ولمخالفته لزي السلف، ولا تصح الصلاة في مثل تلك الثياب، ويجوز للمرأة لبسه إذا كان لا يراها إلا زوجها.

ودليل ذلك عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «صِنْفَانِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَمْ أَرَهُمَا: قَوْمٌ مَعَهُمْ سِيَاطٌ كَأَذْنَابِ الْبَقَرِ يَضْرِبُونَ بِهَا النَّاسَ، وَنِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ مُمِيلَاتٌ مَائِلَاتٌ، رُءُوسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْمَائِلَةِ لَا يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ وَلَا يَجِدْنَ رِيحَهَا، وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ كَذَا وَكَذَا» [أخرجه مسلم برقم: 2128].

قال أبن عبد البر: "أراد صلى الله عليه وسلم النساء اللواتي يلبسن من الثياب الشيء الخفيف، الذي يصف ولا يستر، فهن كاسيات بالاسم عاريات في الحقيقة" [المفصل: 3/ 333].

قال شيخنا عبد الكريم زيدان: "«كاسيات عاريات» إنهن النساء اللواتي يلبسن ثياباً رقيقة تشف عما تحتها وتصف لون أبدانهن، أو أنهن يسترن بعض أبدانهن ويكشفن البعض الآخر، أو يجمعن بين الأمرين: يغطين بعض أبدانهن بثياب رقاق قصيرة تصف لون ما تحتها من أبدانهن، بل وتظهر حجم أعضائهن أيضاً، ويتركن أجزاءً أخرى من أبدانهن مكشوفة أصلاً ليس عليها أي شيء ولو كان رقيقاً.

كما هو المشاهد في وقتنا الحاضر، إذ تلبس المرأة ثياباً رقيقة ناعمة ضيقة تغطي بدنها، ولكن تكشف ما تحته وتظهر حجمه، وتكشف البعض الآخر من بدنها مثل الرقبة والذراعين والصدر، وربما شيئاً من النهدين، كما تكشف الساقين، وربما شيئاً من فوق الركبتين.

فهن كما قال صلى الله عليه وسلم: «كاسيات عاريات» فهن كاسيات بالاسم، عاريات في الحقيقة والله المستعان، ولا حول ولا قوة إلا بالله" [المفصل: 3/ 333-334].

خامساً: أن لا يكون لباس المرأة لباس شهرة

قال أبن الأثير: "الشهرة ظهور الشيء في شنعة حتى يشهره الناس" [النهاية في غريب الحديث: 2/ 515].

وقال الشوكاني: "المراد بلباس الشهرة أنه ثوب يشتهر بين الناس لمخالفة لونه لألوان ثيابهم، فيرفع الناس إليه أبصارهم ويختال عليهم صاحب الثوب بالعجب والتكبر" [نيل الأوطار:2/ 113].

وقال ابن تيمية: "وتكره الشهرة من الثياب وهو المترفع الخارج عن العادة، فإن السلف كانوا يكرهون الشهرتين: المترفع والمنخفض" [مجموع الفتاوى: 22/ 138].

والشهرة لها حالتان:

"الأولى: أن تلبسه قاصدة السهرة فهذا محرم لقصد الشهرة بلبسه.

الثانية: أن تلبسه لا بقصد الشهرة، ولكن يحصل به الاشتهار بين الناس فعليها نزعه لحصول الشهرة به" [انظر المفصل: 3/ 338].

ولباس الشهرة بالمعنى الذي ذكر محظور على المرأة كما هو محظور على الرجال، فعن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ لَبِسَ ثَوْبَ شُهْرَةٍ أَلْبَسَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثَوْبًا مِثْلَهُ ثُمَّ تُلَهَّبُ فِيهِ النَّارُ» [رواه أبو داود برقم: 4029، وهو حديث حسن، انظر: صحيح سنن أبي داود للألباني: 9/ 29].

وفي رواية: «ألبسه الله ثوب مذلة».

وفي رواية أخرى لابن ماجه: «من لبس ثوب شهرة أعرض الله عنه حتى يضعه متى وضعه» هذا ومن الضروري التفريق بين طلب الشهرة باللباس وهذا محظور، وبين الرغبة في الحسن من الثياب وهذا مباح غير محظور ما دام لم يقصد الشهرة والاشتهار، وليس فيه ما يدعو إلى الشهرة لا من جهة لونه ولا هيئته ولا ما صنع من مادته.

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُود رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ، قَالَ رَجُلٌ: إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنَةً قَالَ: إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ، الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وغَمْطُ النَّاسِ» [رواه مسلم برقم: 91].

قال شيخ الإسلام ابن تميمة رحمه الله: "من لبس جميل الثياب إظهاراً لنعمة الله أو استعانة على طاعة الله كان مأجوراً" [مجموع الفتاوى: 22/ 139].

سادساً: أن لا يكون لباس المرأة من لباس الاختيال

"لباس الاختيال يحدث بسبب تجاوز حد الاعتدال والقصد فيه، مع عدم وجود الداعية إلى ذلك والنية والقصد هما الأصل في ذلك.

وحد الاعتدال والقصد في اللباس يكون باتباع ما ورد في صفة اللباس من آثار صحيحة، واجتناب ما ورد النهي عنه. وللعرف مدخل في ذلك، ما لم يلغه الشرع.

ما كان من ذلك على سبيل الخيلاء فلا شك في تحريمه، وما كان على طريق العادة فلا تحريم فيه، ما لم يصل إلى جر الذيل الممنوع منه.

ونقل القاضي عياض عن العلماء كراهة كل ما زاد على العادة في اللباس لمثل لابسه في الطول والسعة" [شرح الزرقاني على موطأ مالك: 1/ 273].

سابعاً: أن لا يكون لباسها شبيهاً بلباس الرجال أو النساء الكافرات والفاجرات

من المعروف أن للرجال ملابس خاصة وللنساء ملابس خاصة أيضاً، فإذا كان الرجل معتاداً أن يلبس لباساً معيناً، بحيث يعرف أن هذا اللباس هو لباس رجل، فليس للمرأة أن ترتدي مثل هذا اللباس، لأنه يحرم عليها.

عن عبد الله ابن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس منا من تشبه بالرجال من النساء، ولا من تشبه بالنساء من الرجال» [رواه أحمد: 11/ 462، قال الشيخ الألباني: في صحيح الجامع صحيح برقم: 5433].

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجل يلبس لبسة المرأة، والمرأة تلبس لبسة الرجل» [رواه أبو داود، قال الألباني: صحيح ابن ماجة: 1903، وفي صحيح الجامع الصغير: 5095، حجاب المرأة المسلمة: 66].

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاث لا يدخلون الجنة ولا ينظر الله إليهم يومَ القيامة: العاقُ والديه، والمرأةُ المترجلة المتشبهة بالرجال، والدَّيُّوث».

قال عبد الله: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاث لا يدخلون الجنة ولا ينظر الله إليهم يوم القيامة: العاق بوالديه، والمرأة المترجلة المتشبهة بالرجال، والديوث».

و«ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة: العاق بوالديه، والمدمن الخمر، والمنان بما أعطى» [رواه أحمد: 10/ 322].

وقال محققه: إسناده حسن، رجاله ثقات رجال الشيخين غير عبد الله بن يسار، فقد روى عنه جمع، وذكره ابن حبان في الثقات، وصحح حديثه هذا هو والحاكم والذهبي.

يعقوب: هو ابن إبراهيم بن سعد الزهري المدني" [حاشية مسند أحمد لشعيب الأرنئوط وآخرون: 10/ 322].

قال ابن حجر: "وتشبه النساء بالرجال والرجال بالنساء من قاصد مختار حرام اتفاقاً" [فتح الباري: 9/ 336].

فالنبي صلى الله عليه وسلم لعن المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال، فلا يجوز للمرأة أن تتشبه بالرجل ولا للرجل أن يتشبه بالمرأة؛ لأن هذا عدوان على الفطرة.

فالله عز وجل خلق الذكر والأنثى وميز كلاً منها بتركيب عضوي غير تركيب الآخر، وجعل لكل منهما وظيفة في الحياة، وليس هذا التميز عبثاً، ولكن لحكمة فلا يجوز أن نخالف هذه الحكمة، ونعدو على الفطرة التي فطر الله الناس عليها، ونحاول أن نجعل من أحد الصنفين ما لم يخلق له وما لم يعد له بطبيعته وفطرته.

فالرجل حين يتشبه بالمرأة لن يكون امرأة، ولكنه لن يصبح رجلاً، لذلك فهو يفقد الرجولة، ولن يصل إلى الأنوثة، والمرأة التي تتشبه بالرجل لن تكون رجلاً، ولن تصبح امرأة كما ينبغي أن تكون النساء، فالأولى أن يقف كل من الجنسين عند حده، وعند وظيفته التي فطره الله عليها.

وأما كونه لا يكون فيه تشبه بلباس الكافرات أو الفاجرات:

لحديث ابن عمر مرفوعاً «من تشبه بقوم فهو منهم» [أخرجه أبو داود: 4/ 314، وحسنه ابن حجر في الفتح: 6/ 98].

وقد حرمت التشبه بهن لئلا تجر هذه المشابهة إلى المشابهة بما يستحسنون أو يستقبحون مما هو مخالف للشرع، وقد تتعمق المشابهة في هذه الأمور الظاهرة من لباس وعادات، فتجر إلى استحسان ما عندهم من عقائد باطلة، وفي هذا إثم عظيم قد يؤدي إلى الانسلاخ من الإسلام" [المفصل: 3/ 344].

هل لبس المرأة السروايل تشبه بالرجال؟

قال شيخنا عبد الكريم زيدان: "يجوز للمرأة لبس السروايل، بل وردت السنة بالترغيب فيه واستحبابه لما فيه من الستر لعورة المرأة، ولكن يجب أن يعلم بأن المرأة كانت تلبس السروال تحت ثيابها، فإذا لبست المرأة السروال كما يلبسه الرجل عادة ضيقة وتصف أعضاءه، فيكون لبسها تشبهاً بلباس الرجال" [المفصل: 3/ 343].

قال ابن تيمية: "فإن النساء على عهده صلى الله عليه وسلم كن يلبسن ثياباً طويلات الذيل ثم إن هذا ليس متعيناً، فلو لبست المرأة سراويل، لكان هذا محصلاً للمقصود" [مجموع الفتاوى: 22/ 148].

وقول شيخنا: بل وردت السنة في الترغيب فيه فقد راجعت بعض كتب الحديث فذكروا ضعف الأحاديث الواردة في ذلك.

فعن عبد الرحمن عن سعد بن طريف قال: "بينا أمشى مع النبي صلى الله عليه وسلم في ناحية المدينة وامرأة على حمار يطوف بها أسود في يوم طش، إذ أتت يد الحمار على وهدة فزلق فصرعت المرأة، فصرف النبي صلى الله عليه وسلم وجهه كراهة أن يرى منها عورة، فقلت: «يا رسول الله! إنها متسرولة فقال: رحم الله المتسرولات، وقال: البسوا السراويلات، وحصنوا بها نساءكم عند خروجهن» [أخرجه البيهقي في شعب الإيمان: 6/ 168برقم: 7808].

قال ابن الجوزي: "هذا حديث لا أصل له" [الموضوعات لابن الجوزي: 3/ 46]، وقال الألباني: "ضعيف جداً" [السلسلة الضعيفة: 7/ 249].

ثامناًً: ألا يكون مطيباً

لا يجوز للمرأة أن تتطيب عند خروجها من بيتها، لما فيه من لفت الأنظار إليها، وتحريك الشهوة وإثارتها، وسواء كان الطيب في جسمها أو ثوبها ودليله ما جاء عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أيما امرأة استعطرت فمرت على قوم ليجدوا ريحها فهي زانية» [النسائي برقم: 5126، والحاكم: 2/ 430، وقال صحيح الإسناد وحسنه الألباني في صحيح الجامع برقم:2701].

وعن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "كل عين زانية، والمرأة إذا استعطرت فمرت بالمجلس فهي كذا وكذا، يعني زانية" [رواه الترمذي برقم: 2786، وقال: هذا حديث حسن صحيح، وقال الشيخ الألباني: حسن].

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: لَقِيَتْهُ امْرَأَةٌ وَجَدَ مِنْهَا رِيحَ الطِّيبِ يَنْفَحُ وَلِذَيْلِهَا إِعْصَارٌ. فَقَالَ: يَا أَمَةَ الْجَبَّارِ، جِئْتِ مِنْ الْمَسْجِدِ؟! قَالَتْ: نَعَمْ. قَالَ: وَلَهُ تَطَيَّبْتِ؟! قَالَتْ: نَعَمْ. قَال: إِنِّي سَمِعْتُ حِبِّي أَبَا الْقَاسِمِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «لَا تُقْبَلُ صَلَاةٌ لِامْرَأَةٍ تَطَيَّبَتْ لِهَذَا الْمَسْجِدِ حَتَّى تَرْجِعَ فَتَغْتَسِلَ غُسْلَهَا مِنْ الْجَنَابَةِ» [أخرجه أبو داود برقم: 4176، وصححه الألباني].

قَالَ أَبُو دَاوُد: الْإِعْصَارُ غُبَارٌ.

جاء في شرح هذا الحديث أن أبا هريرة رضي الله عنه قال لها: "يا أمة الجبار" ناداها بهذا الاسم تخويفاً لها بأنه سمع من حبيبه محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: «لا تقبل صلاة امرأة تطيبت لمسجد» أي: لحضوره والصلاة فيه، «حتى ترجع وتغتسل» بأن يعم غسلها جميع بدنها إذا كانت قد تطيبت جميع بدنها، ليزول عنها الطيب، وأما إذا أصابت الطيب موضعاً مخصوصاً من بدنها فيكفيها أن تغسل ذلك الموضع، قال ذلك علي القاري.

ولكن صاحب شرح سنن أبي داود قال: "ظاهر الحديث يدل على الاغتسال، أي: غسل جميع البدن في كلتا الصورتين" [المفصل: 3/ 368، وانظر: عون المعبود: 9/ 212].

تاسعاً: ألا يحوي صوراً وأشكالاً مخالفةً للإسلام كالصليب أو الصور

يحرم على المرأة لبس الثياب التي عليها تصاوير الحيوانات على، لحديث أبي طلحة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا تدخل الملائكة بيتاً فيه كلب ولا تصاوير» [أخرجه البخاري برقم: 5949].

فإن أزيل من الصورة ما لا تبقى بإزالته الحياة كالرأس، أو لم يكن لها رأس فلا بأس به، كما يحرم جعل الصليب في الثوب ونحوه كالخمار والجلباب وغيرها مما يلبس، لقول عائشة رضي الله عنها: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يترك في بيته شيئاً فيه تصليب إلا قضبه» [أخرجه البخاري برقم: 5952].

ومعنى قضبه: أي قطع موضع الصليب منه دون غيره، والقضب القطع.

وهذا الشيء يشمل الملبوس والستور والبسط والآلات وغير ذلك، كما يحرم تصويرها في نسج الثياب، لقوله صلى الله عليه وسلم: «إن أشد الناس عذابا عند الله يوم القيامة المصورون» [أخرجه البخاري برقم: 5950].

ولا بأس بلبس الثياب المصورة بصور غير الحيوانات، كشجر وقمر وجبال وكل ما لا روح فيه، لما روى البخاري عن ابن عباس لما قال له المصور: لا أعرف صنعة غيرها. قال: إن لم يكن بد فصور وذلك في بيتها لا أن يراها الرجال.

--------------------------------------------

المراجع:

مراجع استفيد منها في البحث غير المراجع الواردة في ثناياه:

1- المفصل في أحكام المرأة في الشريعة الإسلامية: د/ عبد الكريم زيدان.

2- دليل المرأة المسلمة: د/ علي بن سعد الغامدي.

3- لباس المرأة المسلمة: د/ يوسف الأحمد.

4- الموسوعة الفقهية الكويتية.