arrow down

البيان رقم (103)
السبت 15 / جمادى الآخر / 1439هـ

« أيها المجاهدون لا تبطلوا أعمالكم »


الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعد ...

أيها المجاهدون في سوريا، نحمد الله تعالى إليكم أن جعلنا من أمة الإسلام، وجعل الرحم بيننا هو الإيمان، فقال سبحانه وتعالى: ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) [الحجرات: 10].

وإن رابطة علماء المسلمين ، ومن منطلق الأخوة الإيمانية ، والنصح لإخوانهم ، لتدعوكم إلى التأمل في هذه النصيحة والأخذ بأحسنها، لقوله تعالى: ( وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ (17) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ) [الزمر: 17، 18].

أولا : الله الله في عملكم فلا تبطلوه، وخاتمتكم فلا تفسدوها، فالثبات الثبات على الحق المبين .
ثم لتعلموا أيها الإخوة المجاهدون أن الحفاظ على العمل من البطلان لا يتحقق إلا بطاعة الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم ، لقوله تعالى: ( يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ ) [محمد: 33].
وإن من طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم ألا يقتل بعضكم بعضا ، لقوله صلى الله عليه وسلم : «لاَ تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا، يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ». رواه البخاري.
وإن المتابع للواقع لا يجد لكم عذراً في هذا القتال الظالم الدائر بينكم في هذه الأيام العصيبة التي يتكالب عليكم عدوكم بمختلف مللهم وتوجهاتهم، فاتقوا الله تعالى في أنفسكم ، ودماء إخوانكم ، ولا تبطلوا جهادكم.

ثانيا: إن القتال الواقع اليوم بين الفصائل لا يخرج عن قوله تعالى: ( وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ) [الحجرات: 9]، فسبب القتال بغي بعضكم على بعض، وكل الأطراف المتقاتلة اليوم تتحمل جزءا كبيرا من هذا البغي والعدوان ، وكل طرف مطلوب منه أن يفيء ويرجع إلى أمر الله تعالى ودينه وشرعه؛ بشكل واقعي وحقيقي ، ليتحقق الصلح، وترجع الحقوق إلى أهلها، ويسود العدل والقسط بينكم.

ثالثا: نذكركم أيها المجاهدون الكرام بحديث النبي صلى الله عليه وسلم : «إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ، وَلَكِنْ فِي التَّحْرِيشِ بَيْنَهُمْ» رواه مسلم وأحمد.
ففي الحديث تحذير وتنبيه للمؤمن الفطن، أما التحذير فظاهر من قوله (وَلَكِنْ فِي التَّحْرِيشِ بَيْنَهُمْ) فقد حذرنا نبينا الكريم من مدخل شياطين الجن والإنس على المسلمين في التفريق بينهم ، وإضعاف قوتهم ، وهو مدخل التحريش بينهم .
والأمر الآخر وهو التنبيه إلى أن علاج المشكلة الواقعة بينكم يكمن في قطع سبل التحريش الواصلة إليكم من أطراف متعددة قد تحسبون بعضها ناصح لكم ، وهي على خلاف ذلك.
ثم لتعلموا أيها المجاهدون أن التحريش يقع من أعداء الأمة، كما يقع من الدعاة وطلبة العلم؛ أما أعداء الأمة فأمرهم ظاهر؛ ولكن الخطورة من التحريش الصادر من الدعاة وطلبة العلم عبر وسائل التواصل الاجتماعي وغيرها من الوسائل ؛ ووجه الخطورة في هذا النوع من التحريش أنه يلبس بلباس شرعي، وتأول له النصوص الشرعية، وتحشد له الأقوال، وتعقد عليه قضية الولاء والبراء. وهذا التحريش والتنازع هو أحد أسباب تأخر النصر في سوريا كما أخبر الله تعالى بقوله: ( يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (45) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ) [الأنفال: 45 - 46].

وإن رابطة علماء المسلمين بهذا الصدد لتتوجه بكلمتها هذه إلى كل الدعاة وطلبة العلم والعلماء أن يتقوا الله تعالى فيما يقولون ويكتبون ، وأن يتأملوا في أبعاد الكلمة الصادرة منهم وعنهم ، وما قد تجره هذه الفتاوى على المجاهدين والأمة الإسلامية من اقتتال وويلات وفتن.

رابعا: أيها المجاهدون، تذكروا قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لاَ يُلْدَغُ المُؤْمِنُ مِنْ جُحْرٍ وَاحِدٍ مَرَّتَيْنِ». رواه البخاري. واستفيدوا من تجارب إخوانكم في ساحات الجهاد المختلفة؛ القريب منها والبعيد، ولا تكرروا أخطاءهم.

خامسا: إلى كل مجاهد خرج من بلده نصرة لإخوانه في بلاد الشام، نقول له: الله الله في عملك لا تبطله، وتذكر خروجك من بلدك لله تعالى ، ترجو ما عند الله والدار الآخرة، إننا ندعوك أن تعتزل هذا القتال الدائر بين الفصائل، وتبتعد عن الفتن فإنك لم تترك ملذات الدنيا من أجل هذا.
ختاما أيها المجاهدون لنتأمل جيدا قول الله تعالى: ( وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (66) وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (67) وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (68) وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (69) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا ) [النساء: 66 - 70].
وقوله سبحانه وتعالى: ( يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ (100) وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (101) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (102) وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ) [آل عمران: 100 - 103] .

والحمد لله رب العالمين

بيان صادرعن

الهيئة العليا لرابطة علماء المسلمين
السبت 15 / جمادى الثانية / 1439هـ
3 / مارس /2018م