arrow down

اعتقاد أهل السنة والجماعة في أبوي النبي صلى الله عليه وسلم

أجاب فضيلة د. عبدالله بن فيصل الأهدل ( عضو رابطة علماء المسلمين )

السؤال:
هل أبوا النبي صلى الله عليه وسلم في النار أم لا, وما هو معتقد أهل السنة في ذلك؟

الجواب:
إن أبوي النبي صلى الله عليه وسلم ماتا على الشرك باتفاق العلماء, وقد قال صلى الله عليه وسلم: «أينما مررت بقبر مشرك فبشره بالنار» [رواه ابن ماجه وغيره وهو صحيح]. وقال تعالى: «إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء» وليس بين الله وبين أحد نسباً إلا نسب التقوى والإيمان، قال تعالى: {لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ} [النساء:123] وقال جل وعلا: {وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ} [سبأ:37]، وقال صلى الله عليه وسلم لفاطمة رضي الله عنها: «سليني من مالي ما شئت؛ فوالله لا أغني عنك من الله شيئاً» والآيات والأحاديث في هذا المعنى كثيرة، وقد ورد في صحيح مسلم -الذي هو أصح الكتب بعد كتاب الله وبعد صحيح البخاري باتفاق المحدثين- عن أنس رضي الله عنه: أن رجلاً قال: يا رسول الله! أين أبي؟ فقال: «في النار, فلما قفا دعاه فقال: إن أبي وأباك في النار» [رواه أبو داود وأحمد].

وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه: أنه صلى الله عليه وسلم استأذن في الاستغفار لأمه فلم يؤذن له, وإنما لم يؤذن له لأنها ماتت على الشرك فتبين أنها من أصحاب الجحيم, كما قال تعالى: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} [التوبة:113] وروى الحاكم في مستدركه وصححه: أنه صلى الله عليه وسلم قال لبني مليكة: «أمكما في النار. فشق عليهما فدعاهما فقال: إن أمي مع أمكما». وهذا الحديث وإن تعقب الذهبي الحاكم في تصحيحه إلا أنه يشهد بمعناه حديث مسلم السابق وتعضده الأدلة العامة.

وأما حديث: إن الله أحيا أبوي النبي صلى الله عليه وسلم فآمنا به ثم ماتا. فهو ضعيف بل باطل باتفاق المحدثين؛ فممن ضعفه الحافظ ابن كثير في تفسير قوله: {وَلا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ} [البقرة:119] ولا يجوز العمل بالأحاديث الضعيفة؛ فكيف إذا عارضت ما في صحيح مسلم، والعجب من بعض الطوائف المتأثرة بمذهب الرافضة كيف لا تقبل أحاديث الصحيحين في باب الاعتقاد لأنها آحاد، ثم تقبل الأحاديث الواهية بل الموضوعة؟! وكيف نترك صحيح الأدلة والمحكم منها ونعمل بالمتشابه وقد حذر الله من ذلك بقوله: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ} [آل عمران:7]؟! وهذه المسألة لا غرابة فيها، فهذا أبو ابراهيم في النار بنص القرآن {إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ} [الأنعام:74] وقال تعالى: {فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ} [التوبة:114] وإبراهيم هو أفضل الرسل بعد نبينا محمد صلى الله عليه وسلم, هذا أبو لهب عم النبي صلى الله عليه وسلم في النار كما قال تعالى: {سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ} [المسد:3] وقد قال صلى الله عليه وسلم: «عم الرجل صنو أبيه» يعني مثله، فالعبرة بالإيمان.

ولا يجوز لهذه المسائل أن تثار بها الفتنة.

وأيضاً لا يقال: إن أبوي النبي صلى الله عليه وسلم من أصحاب الفترة، فالراجح أن مشركي قريش ليسوا أصحاب فترة لوجود دين إبراهيم واليهودية والنصرانية معروفة، وورقة بن نوفل والمتحنّفة كانت موجودة في قريش، ولو سلّم أنهم أصحاب فترة فالصحيح في أصحاب الفترة أنهم يمتحنون يوم القيامة؛ فإن تلك الأدلة عامة وما ذكرناه في أبوي النبي صلى الله عليه وسلم خاص, والخاص مقدم على العام في الجملة باتفاق الأصوليين والعلماء.

وصلى الله على محمد والحمد لله رب العالمين.