arrow down

حكم أكل اللحوم المستوردة

أجاب فضيلة د. مراد بن أحمد القدسي ( عضو رابطة علماء المسلمين )

السؤال:
ما حكم أكل اللحوم المستوردة؟

الجواب:
للإجابة على هذا السؤال نذكر عدة حالات :
الحالة الأولى : إذا كانت اللحوم المستوردة جاءت من بلاد إسلامية أو أكثر سكانها مسلمون ، فالأصل في ذبيحة المسلم أنها حلال ، فتُحمَل الذبائح في هذه الحالة على أنها موافقة لأحكام الشريعة في التسمية‍ وكيفية الذبح فتُؤكَل ، والسؤال عن الذبيحة في هذه الحالة تنطُّعٌ في الدين ، إذْ لو طُلِب من الناس أن ينقّبوا عن الشروط فيما يتلقَّونه مِمّن هو صحيح التصرف لكان في ذلك من التكليف ما يجعل الناس في حرج ومشقة .
وإذا شكَكْنا هل ذُكِر اسم الله على الذبيحة أم لا؟ فنُسَمِّي نحن ونأكل ، لحديث عائشة رضي الله عنها : أن قوما قالوا يا رسول الله: إن قوما يأتوننا باللحم ولا ندْري أذكَروا اسم الله عليه أم لا ؟ فقال: (سمُّوا عليه أنتم وكُلُوا) . قالت: وكانوا حدِيثي عهْد بِكُفْر) رواه البخاري برقم 2097.
الحالة الثانية :إذا كانت اللحوم المستوردة جاءتْ من بلاد تَدِين بدين أهل الكتاب اليهود أوالنصارى فيجوز أكْل الذبيحة ، لقوله تعالى : ( وطَعَامُ للذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامُكم حِلٌّ لهم ) المائدة :5 ، و وجْه الدلالة من الآية كما قال ابن كثير : إباحة ذبائح أهل الكتابين من اليهود والنصارى ، حيث قال: ( وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَبَ حِلٌّ لَكُمْ ) . قال ابن عباس، وأبو أمامة، ومجاهد، وسعيد بن جُبَيْر، وعِكْرِمة، وعَطاء، والحسن، ومَكْحول، وإبراهيم النَّخَعِي، والسُّدِّي، ومُقاتل بن حيَّان: يعني ذبائحهم . وهذا أمرٌ مجمعٌ عليه بين العلماء: أن ذبائحهم حلال للمسلمين؛" تفسير ابن كثير 3/40
ولا ينبغي السؤال عن كيفية الذبح ، وهل سمُّوا عليه أم لا ؟ وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم أكَل من الشاة التي أهدتْها إليه اليهودية في خيبر . رواه البخاري برقم 2617ومسلم برقم 2190 . وأكَل من الطعام الذي دعاه إليه يهودي وكان فيه إهالة سَنِخة (وهي الشحْم المتغير) . رواه البخاري برقم 115 ولم يسأل النبي صلى الله عليه وسلم كيف كان الذبح ، وهل ذُكِر اسم الله عليه أم لا؟
الحالة الثالثة: إذا كانت اللحوم المستوردة جاءت من بلاد وثنِيَّة لا تدِين بدينٍ كتابي ، كالمجوس والبوذيين والشيوعيين وممن حُكِم بِرِدّته ونحوهم ممن ليسوا من اليهود ولا النصارى . فهؤلاء لا تحل ذبائحهم و لا يحلُّ أكْلها ، لأن الله تعالى لم يُبِحْ من أطعمة غير المسلمين إلا طعام الذين أوتوا الكتاب وهم اليهود والنصارى .
و يَرِد كثيراً في أسئلة السائلين أنه يقال إن بعض تلك اللحوم المستوردة لا تُذكََّى "أي لا تُذبح " وإنما تموت بالصعْق الكهربائي .. والجواب عن ذلك أن الأمر لا يخلو من حالتين :
الحالة الأولى : من تبيَّن له يقيناً أو غلَب على ظنه أن تلك اللحوم لم يتمَّ ذبْحها وإنما ماتت بالصعْق الكهربائي ، حتى وإن قُطِع رأسها فيما بعد : فالذي يظهر أنه لا يحِلُّ له أكْلها لأنها ميتة ، قال تعالى : (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ وَ الْمُنْخَنِقَةُ وَ الْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَ النَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُواْ بِالأَزْلاَمِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ ، الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَ اخْشَوْنِ ، الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً ، فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) المائدة
قال ابن كثير "يخبر تعالى عباده خبراً متضمِّنا النهْي عن تعاطي هذه المحرمات من الميتة وهي: ما مات من الحيوان حَتْف أنفه ، من غير ذكاةٍ ولا اصطياد ، وما ذاك إلا لِمَا فيها من المضرَّة ، لما فيها من الدم المحتقِن ، فهي ضارةٌّ للدين وللبدن فلهذا حرمها الله عز وجل"تفسير ابن كثير 3/14 .
وجاء من حديث عائشة قال صلى الله عليه وسلم : ( ما أنهر الدم وذُكِر اسم الله عليه فكُلْ إلا السنّ والظُّفْر ، فإن السن عظْم والظفْر مُدَى الحبشة)رواه البخاري برقم 2488ومسلم برقم 1967 والشاهد من الحديث (أنهر الدم) فلا بد من ذلك ، ولأجله شُرِع الذبح .
الحالة الثانية: من شكَّ مجرّد شكٍّ أن تلك اللحوم ماتت بالصعْق الكهربائي :
فالحكم في هذه الحالة أن الذبيحة حلال بناءاً على قاعدة أن ما غاب عنا لا نسأل عنه ، فنحن لا نسأل عما غاب عنا . ويكفي أن نعرف أن الطعام من المسلمين أومن أهل الكتاب فنأكله ونُسمِّي الله عند الأكْل ونكتفي بهذا. ولا يجب أن نسأل أو نبحث كيف ذُبِح؟ ، وهل سُمِّي أم لم يُسمَّ ؟ بل إن ظاهر السُّنة يدل على أن الأفضل عدم السؤال وعدم البحث كما تقدم ، ولكن إذا تورَّع الإنسان وترَك الأكْل بسبب الشك فلا حرَج عليه ، والله أعلم .