arrow down

أحكام الأضحية .. جَوَازُ الْأَكْلِ وَالْإِطْعَامِ وَالْادِّخَارِ مِنَ الْأُضْحِيَّةِ

أ.د. سلمان بن نصر الداية ( عضو رابطة علماء المسلمين )

يُسْتَحَبُّ لِلْمُضَحِّي أَنْ يَأْكُلَ مِنْ أُضْحِيَّتِهِ، وَيُطْعِمَ الْقَرِيبَ وَالصَّدِيقَ وَلَوْ كَانَ غَنِيّاً؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾)[ سورة الحج آية (36)].
فَإِذَا نُحِرَتِ الدَّابَّةُ، وَسَقَطَتْ عَلَى جَنْبِهَا، فَكُلُوا مِنْهَا، وَأَطْعِمُوا الْجَارَ وَالسَّائِلَ وَالْمُتَعَفِّفَ ؛ فَعَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: (ذَبَحَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ضَحِيَّتَهُ ثُمَّ قَالَ يَا ثَوْبَانُ أَصْلِحْ لَحْمَ هَذِهِ فَلَمْ أَزَلْ أُطْعِمُهُ مِنْهَا حَتَّى قَدِمَ الْمَدِينَةَ) [مسلم/ صحيحه].
وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنه قَالَ: نَحَرَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَرْبَعَةً وَثَلَاثِينَ، ثُمَّ أَمَرَ مِنْ كُلِّ جَزُورٍ بِبَضْعَةٍ فَجُعِلَتْ فِي قِدْرٍ فَأَكَلُوا مِنْ اللَّحْمِ وَحَسَوْا مِنْ الْمَرَقِ، قَالَ سُفْيَانُ: لِأَنَّ اللهَ يَقُولُ ( فَكُلُوا مِنْهَا )[ السيوطي / الدر المنثور (10/377،376)]
وَعَنْ مُعَاذٍ، قَالَ: ( أَمَرَنَا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أن نُطْعِمَ مِنْ الضَّحَايَا الجَارَ والسَّائِلَ وَالمُتَعَفِّفَ) [ابن أبي شيبة/ مصنفه].
وَالْأَصَحُّ وُجُوبُ التَّصَدُّقِ مِنْهَا عَلَى الْفَقِيرِ، وَلَوْ بِجُزْءٍ يَسِيرٍ، بَلْ وَلَوْ لِفَقِيرٍ وَاحِدٍ ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ( فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ )[الحج:28].
وَالْأَكْلُ مِنْهَا أَفْضَلُ مِنَ التَّصَدُّقِ بِهَا كُلِّهَا لِلِاتِّبَاعِ.
وَيَجُوزُ الْادِّخَارُ ؛ لِلْأَحَادِيثِ الْكَثِيرَةِ الْمُرَخِّصَةِ فِي ذَلِكَ، مِنْهَا:
عَنْ عَائِشَةَ تَقُولُ: دَفَّ أَهْلُ أَبْيَاتٍ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ حَضْرَةَ الْأَضْحَى زَمَنَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:(ادَّخِرُوا ثَلَاثًا ثُمَّ تَصَدَّقُوا بِمَا بَقِيَ )،فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ النَّاسَ يَتَّخِذُونَ الْأَسْقِيَةَ مِنْ ضَحَايَاهُمْ وَيَجْمُلُونَ مِنْهَا الْوَدَكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ( وَمَا ذَاكَ ) قَالُوا: نَهَيْتَ أَنْ تُؤْكَلَ لُحُومُ الضَّحَايَا بَعْدَ ثَلَاثٍ، فَقَالَ: ( إِنَّمَا نَهَيْتُكُمْ مِنْ أَجْلِ الدَّافَّةِ الَّتِي دَفَّتْ فَكُلُوا وَادَّخِرُوا وَتَصَدَّقُوا) [مسلم/ صحيحه].
وعَنْ جَابِرٍ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: ( أَنَّهُ نَهَى عَنْ أَكْلِ لُحُومِ الضَّحَايَا بَعْدَ ثَلَاثٍ ثُمَّ قَالَ بَعْدُ : كُلُوا وَتَزَوَّدُوا وَادَّخِرُوا ) [مسلم/ صحيحه].
وَيُشْتَرَطُ فِي اللَّحْمِ أَنْ يَكُونَ نَيْئاً ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْفَقِيرِ فِي تَمَلُّكِهِ لَا فِي أَكْلِهِ، حَتَّى يَتَمَكَّنَ مِنْ تَوْجِيهِهِ بِحَسَبِ مَا يَنْفَعُهُ، فَإِنْ شَاءَ أَكَلَهُ، وَإِنْ شَاءَ بَاعَهُ.

وَالْأَفْضَلُ: التَّصَدُّقُ بِأَكْثَرِهَا ؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى، وَأَبْعَدُ عَنْ حَظِّ النَّفْسِ، وَيَأْكُلُ مِنْهَا وَيَدِّخِرُ عَمَلاً بِظَاهِرِ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ كَمَا بَيَّنَّا، وَإِذَا أَكَلَ الْبَعْضُ، وَتَصَدَّقَ بِالْبَعْضِ، فَقَدْ حَصَلَ لَهُ ثَوَابُ التَّضْحِيَةِ كَامِلاً.
وَيَجُوزُ لِلْمُضَحِّي أَنْ يَنْتَفِعَ مِنْ جِلْدِهَا كَأَنْ يَجْعَلَهُ سِقَاءً، أَوْ نَعْلاً، أَوْ خُفَّاً، وَالتَّصَدُّقُ بِهِ أَفْضَلُ.
أَمَّا إِذَا كَانَتِ الْأُضْحِيَّةُ مَنْذُورَةً فَوَجَبَ عَلَيْهِ التَّصَدُّقُ بِجِلْدِهَا. وَالْقَرْنُ كَالْجِلْدِ فِيمَا ذُكِرَ.
وَلَا يَجُوزُ إِعْطَاءُ الْجِلْدِ أُجْرَةً لِلْجَازِرِ، لِحَدِيثِ عَلِيٍّ رضي الله عنه قَالَ: ( أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّه ِصلى الله عليه وسلم أَنْ أَقُومَ عَلَى بُدْنِهِ وَأَنْأَتَصَدَّقَ بِلَحْمِهَا وَجُلُودِهَا وَأَجِلَّتِهَا وَأَنْ لَا أُعْطِيَ الْجَزَّارَ مِنْهَا قَالَ نَحْنُ نُعْطِيهِ مِنْ عِنْدِنَا ) [مسلم/ صحيحه].
وَيَجُوزُ جَزُّ صُوفِهَا إِنْ كَانَ تَرْكُهُ إِلَى يَوْمِ التَّضْحِيَةِ يَضرُّ بِهَا، سَوَاءً كَانَتِ الْأُضْحِيَّةُ وَاجِبَةً أَوْ غَيْرَ وَاجِبَةٍ.
فَإِنْ كَانَ الصُّوفُ لَا يَضُرُّهُا وَكَانَتْ وَاجِبَةً فَلَا يَجُوزُ جَزُّهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ وَاجِبَةً جَازَ جَزُّهُ وَالْانْتِفَاعُ بِهِ، وَالتَّصَدُّقُ بِهِ أَفْضَلُ .
وَلَهُ شُرْبُ فَاضِلِ لَبَنِهَا عَنْ وَلَدِهَا ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي الْهَدْيِ الْوَاجِبِ ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ﴾[المؤمنون:21] قَالَ النَّخْعِيُّ: إِنِ احْتَاجَ إِلَى ظَهْرِهَا رَكِبَ، وِإِنْ حَلَبَ لَبَنَهَا شَرِبَ، وَلَهُ سَقْيُ غَيْرِهِ بِلَا عِوَضٍ، وَلَوْ تَصَدَّقَ بِهِ كَانَ أَفْضَلَ، وَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ [الشربيني / مغني المحتاج (6/136)]
وَلَا تُجْزِئُ التضحيةُ عَنْ غَيْره إنْ كَانَ حَيَّاً ولم يَأْذَنْ لَهُ ؛ لِأَنَّهَا عِبَادةٌ، وَالْأَصْلُ فِي الْعِبَادَةِ أَنْ لَا تُفْعَلَ عَنِ الْغَيْرِ إِلَّا بِدَلِيلٍ مِنَ الشَّرْعِ.
وَلَا يَجُوزُ لِوَلِيِّ الطِّفْلِ وَالْمَجْنُونِ وَالْمَحْجُورِ أَنْ يُضَحِّيَ عَنْهُمْ مِنْ مَالِهِمْ .
وَلَا يَجُوزُ تَضْحِيَةٌ عَنْ مَيِّتٍ لَمْ يُوصِ بِهَا ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ( وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى )[النجم:39]،فَإِنْ أَوْصَى بِهَا جَازَ [الشربيني / مغني المحتاج (6/137)؛ الزركشي / الديباج في توضيح المنهاج (2/1090)].