arrow down

حكم بيوت العزاء وما يشوبها من تقاليد

أجاب فضيلة أ.د. سلمان بن نصر الداية ( عضو رابطة علماء المسلمين )

السؤال:
ما هو حكم بيوت العزاء وما يشوبها من تقاليد تحمل أهل الميت أعباءً شديدة؟؟

الجواب:
أخي السائل: أعزك الله بطاعته، ووفقنا وإياك إلى مرضاته، وبعد..
أفاد بعض أهل العلم أن طريقة العزاء من العادات لا من العبادات، ولذلك هي مختلفةٌ من بلدٍ إلى بلد.
أما حديث جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيِّ رضي الله عنه، قَالَ: "كُنَّا نَرَى الِاجْتِمَاعَ إِلَى أَهْلِ الْمَيِّتِ وَصَنْعَةَ الطَّعَامِ مِنَ النِّيَاحَةِ" [ابن ماجه/ سننه].
فهذا ضعيفٌ معلول بثلاث علل، وقد قال أبو داود رحمه الله: "ذكرت لأحمد رحمه الله حديث هُشَيْمٌ عَنْ إِسْمَاعِيلَ ، عَنْ قَيْسِ عَنْ جَرِيرِ ، قَالَ: "كُنَّا نَرَى الِاجْتِمَاعَ إِلَى أَهْلِ الْمَيِّتِ وَصَنْعَةَ الطَّعَامِ مِنَ النِّيَاحَةِ" قال: "زعموا أنه سمعه من شريك". فقال أحمد: "وما أرى لهذا الحديث أصلاً". إذن هو ضعيف.
أما تعزية المسلم أخاه المسلم فهذا سنة، أن يقول له: أعظم الله أجرك وأحسن عزائك، لله ما أخذ وله ما أبقى وكل شيءٍ عنده بأجلٍ مسمى أو بمقدار .
ولا مانع أن يدعو له بدعاء حديث أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها، فقد قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: (مَا مِنْ مُسْلِمٍ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ، فَيَقُولُ مَا أَمَرَهُ اللهُ: (إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) [البقرة: 156]، اللهُمَّ أْجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي، وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا، إِلَّا أَخْلَفَ اللهُ لَهُ خَيْرًا مِنْهَا) [مسلم/ صحيحه].
وأما طريقة التعزية فهي عادةٌ وهي جائزةٌ ما تجردت عن الملابس المحذور، ومن الملابس المحذور إغلاق طرقات المسلمين في بيوت العزاء، و إعلاء صوت القرآن الكريم بأحد القراء والناس عنه راحلون، والغناء والنشيد كما في بيوت عزاء الشهداء نحسبهم شهداء والله حسيبهم ولا نزكيهم على الله.
وكذلك من الملابسات المحذورة التألي على الله كما نسمع في بيوت العزاء أحياناً: هنيئاً لك الجنان، هنيئاً لك وأنت تزف إلى أزواجك من الحور العين، وما شابه ذلك فهذا أيضاً من الافتئات على الله عز وجل، ، فنحن لا نعلم ما هو حال الموتى عند الله عز وجل، وإنما نقول: فلانٌ لقي الله شهيداً نحسبه شهيداً عند الله والله حسيبه، نقولها بأدب وتواضع، وذلك أن الغيب لا يعلمه إلا الله.
ولذلك جاء في حديث خَارِجَةُ بْنُ زَيْدٍ الأَنْصَارِيُّ رضي الله عنه، أَنَّ أُمَّ العَلاَءِ -امْرَأَةً مِنْ نِسَائِهِمْ- قَدْ بَايَعَتِ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم ، أَخْبَرَتْهُ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ مَظْعُونٍ طَارَ لَهُ سَهْمُهُ فِي السُّكْنَى، حِينَ أَقْرَعَتْ الأَنْصَارُ سُكْنَى المُهَاجِرِينَ، قَالَتْ أُمُّ العَلاَءِ: فَسَكَنَ عِنْدَنَا عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ، فَاشْتَكَى، فَمَرَّضْنَاهُ حَتَّى إِذَا تُوُفِّيَ وَجَعَلْنَاهُ فِي ثِيَابِهِ، دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ، فَقُلْتُ: رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ أَبَا السَّائِبِ، فَشَهَادَتِي عَلَيْكَ لَقَدْ أَكْرَمَكَ اللَّهُ، فَقَالَ لِي النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: (وَمَا يُدْرِيكِ أَنَّ اللَّهَ أَكْرَمَهُ؟)، فَقُلْتُ: لاَ أَدْرِي بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (أَمَّا عُثْمَانُ فَقَدْ جَاءَهُ وَاللَّهِ اليَقِينُ، وَإِنِّي لَأَرْجُو لَهُ الخَيْرَ، وَاللَّهِ مَا أَدْرِي وَأَنَا رَسُولُ اللَّهِ مَا يُفْعَلُ بِهِ)، قَالَتْ: فَوَاللَّهِ لاَ أُزَكِّي أَحَدًا بَعْدَهُ أَبَدًا، وَأَحْزَنَنِي ذَلِكَ، قَالَتْ: فَنِمْتُ، فَأُرِيتُ لِعُثْمَانَ عَيْنًا تَجْرِي، فَجِئْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ، فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: (ذَاكِ عَمَلُهُ) [البخاري/ صحيحه].
ثم أيضاً من الملابسات المحذورة للمآتم وبيرت العزاء أخذ جزءٍ من مال الميت الذي له أولادٌ قصرٌ وجعل هذا المال في الطعام والشراب والتمور والحلا وغير ذلك، فهذا حرام؛ لما فيه من إضرارٍ بالقصر من الولد. والله تبارك وتعالى أعلم.