arrow down

حكم الطعن في الدعاة وطلبة العلم

السؤال :

عندنا بعض الشباب يذهبون للدراسة في الجامعة الإسلامية ثم يعودون  إلى البلاد يحذرون من المشايخ ويصفهم بأنهم تكفيرون أو إخوانيون أو قطبيون أو سروريون أو حزبيون ما رأيك في هذه المسألة، الرجاء التوضيح لأن هؤلاء المشايخ كثيراً ما يطعنون بالمشايخ السلفيين.

االجواب :

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد

فإن ما يقع من أولئك الشباب من الطعن في الدعاة وأهل العلم ممن عرفوا بأنهم على المعتقد الصحيح ورميهم بمثل الألقاب التي وردت في السؤال كل ذلك من الأمور المنكرة التي لا يجوز أن تصدر من داعية أو طالب علم ، ففرق كبير بين رجل مبتدع همه الدفاع عن البدعة كالروافض والمعتزلة والطرقيين ونحوهم ،وبين من كان على المعتقد السلفي ولكنه أخطأ في مسألة أو مسائل ،فأما الأول فيبين ضلاله ويحذر منه ،وأما الثاني فالواجب النصح له ،ولا بأس ببيان ما أخطأ فيه من غير تجريح ولا تشهير ،فإنه ليس أحد بمعصوم غير النبي صلى الله عليه وسلم ،وما من عالم إلا وله هفوة ،ولو أعرضنا عن كل عالم لخطأ وقع فيه لما بقي لدينا من نأخذ عنه العلم ، ولقد وقعت هفوات وأخطاء حتى من الصحابة رضوان الله عليهم فقد كان ابن عباس رضي الله عنهما يجيز زواج المتعة إلى أن نبه إلى ذلك ،وقيل إنه رجع عن ذلك والأرجح كما ذكر الشيخ الألباني في إرواء الغليل أنه صار يقول بإباحته عند الضرورة فقط ،وقد كان من أئمة التابعين كالنخعي والشعبي من يرى جواز شرب النبيذ ( أي ما كان من غير العنب ولم يسكر) ،وكان منهم من لا يرى بأساً ببيع الدرهم بالدرهمين كما هو قول سعيد بن جبير وعطاء وطاووس وعكرمة ، نقل ذلك ابن القيم في إعلام الموقعين (3/359) .

فهل يصح أن نطعن في أولئك السلف لمثل تلك الهفوات ،قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مجموع الفتاوى (3/349): (( ومما ينبغي أيضاً أن يعرف أن الطوائف المنتسبة إلى متبوعين في أصول الدين والكلام على درجات ،منهم من يكون قد خالف السنة في أصول عظيمة ومنهم من يكون إنما خالف السنة في أمور دقيقة،ومن يكون قد رد على غيره من الطوائف الذين هم أبعد عن السنة منه ؛فيكون محموداً فيما رده من الباطل وقاله من الحق، لكن يكون قد جاوز العدل في رده بحيث جحد بعض الحق وقال بعض الباطل... ومثل هؤلاء إذا لم يجعلوا ما ابتدعوه قولاً يفارقون به جماعة المسلمين، يوالون عليه ويعادون عليه،كان من نوع الخطأ ،والله سبحانه وتعالى يغفر للمؤمنين خطأهم في ذلك)) .

وذلك أن مخالفة الحق في أمر جزئي لا ينفك عنه أحد ولا ينشأ عنه التشيع والتحزب ،إلا أن تكثر المخالفات الجزئية فتصير بمثابة الأمر الكلي ؛وفي ذلك يقول الإمام الشاطبي : (( وذلك أن هذه الفرق إنما تصير فرقاً بخلافها للفرقة الناجية في معنى كلي في الدين وقاعدة من قواعد الشريعة ،لا في جزئي من الجزئيات ،إذ الجزئي والفرع الشاذ لا ينشأ عنه مخالفة يقع بسببها التفرق شيعاً ،وإنما ينشأ التفرق عند وقوع المخالفة في الأمور الكلية ،لأن الكليات تقتضي عدداً من الجزئيات غير قليل ... ويجري مجرى القاعدة الكلية كثرة الجزئيات ؛فإن المبتدع إذا أكثر من إنشاء الفروع المخترعة عاد ذلك على كثير من الشريعة بالمعارضة ،كما تصير القاعدة الكلية معارضة أيضاً ،وأما الجزئي فبخلاف ذلك )). [الاعتصام : 2/435].

هذا مع أن بعض أولئك المسؤول عنهم لا يكتفون بتصيد الأخطاء والعثرات ،بل كثيراً ما تجدهم يؤولون كلام بعض الدعاة وأهل العلم ويحملونه غير ما يحتمل ليتوصلوا بذلك إلى الطعن فيهم وتجريحهم ،وهذا من أعظم الإثم وأظلم الظلم نسأل الله تعالى السلامة والعافية. وبالجملة فهذا المسلك مسلك لا يجوز والواجب على المسلم أن يحفظ لسانه من الوقوع في أعراض المسلمين عامة وأهل العلم خاصة ؛فإن لحوم العلماء كما قال الحافظ ابن عساكر : ( مسمومة ،وعادة الله في هتك أستار منتقصيهم معلومة ....) إلخ ما قاله رحمه الله

كما أني أنصح من ناله من أولئك القوم شيء من الطعن والتجريح ألا ينشغل بالرد عليهم ولا الالتفات إلى أقوالهم وليحتسب ما ناله منهم من الأذى عند الله تعالى فهو سبحانه أعدل العادلين وأحكم الحاكمين ،والله تعالى أعلى وأعلم . 

أجاب عنه

د. عبدالآخر حماد الغنيمي

عضو رابطة علماء المسلمين

الثلاثاء 13 / ذو القعدة / 1437هـ

16 / أغسطس / 2016م