arrow down

أحكام الأشهر الحرم

أجاب فضيلة أ.د. سلمان بن نصر الداية ( عضو رابطة علماء المسلمين )

السؤال:

لو حدثتنا شيخنا الحبيب عن بعض أحكام الأشهر الحرم, خاصة شهر رجب وهل لها فضيلة عن غيرها من الأشهر ؟

الجواب:

بسم الله الرحمن الرحيم

أخي السائل:  أعزك الله بطاعته، ووفقنا وإياك إلى مرضاته، وبعد:

قال تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾.

وعَنْ أَبِي بَكْرَةَ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: " الزَّمَانُ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ، السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلاَثَةٌ مُتَوَالِيَاتٌ: ذُو القَعْدَةِ وَذُو الحِجَّةِ وَالمُحَرَّمُ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ" [متفق عليه].

أفاد أهل العلم أنّ تخصيص الأشهر الأربعة الحرم بعد ذكر عموم الشّهور فيه تنبيه إلى شرفها وعلو قدرها، فهي معظمة في الجاهلية وفي الإسلام، ثلاثة متواليات، ذو القعدة، وذو الحجة والمحرم، وشهر فرد وهو رجب مضر الذي بين جمادى وشعبان،  ولعل حكمة تعيين هذه الشهور بالحرمة، والكف عن الاحتراب والظلم والعدوان أنّ ذا الحجة شهر الحج فحرّم الشهر الذي قبله والشهر الذي بعده ليأمن الحجيج ضيوف الله على أنفسهم أثناء أداء المناسك، وأثناء الذهاب إليها والإياب منها.

وحُرّم رجب الذي في منتصف شهور السنّة ليأمن العمّار على أنفسهم في أداء مناسك العمرة والذهاب إليها والإياب منها.

ولقد سنّ النّبي صلى الله عليه وسلم الإكثار من الصيام في أيامها فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ شَهْرِ رَمَضَانَ شَهْرُ اللهِ الْمُحَرَّمُ وَإِنَّ أَفْضَلَ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْمَفْرُوضَةِ صَلَاةٌ مِنَ اللَّيْلِ" [أخرجه: مسلم/ صحيحه]، والمحرم واحد من الأشهر الحرم.

وعن هُنَيْدَةَ بْنِ خَالِدٍ عَنْ امْرَأَتِهِ عَنْ بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَصُومُ تِسْعَ ذِي الْحِجَّةِ وَيَوْمَ عَاشُورَاءَ وَثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ أَوَّلَ اثْنَيْنِ مِنْ الشَّهْرِ وَالْخَمِيسَ» [صحيح، أخرجه: أبو داود/ سننه].

وعَنْ حَفْصَةَ قَالَتْ: «أَرْبَعٌ لَمْ يَكُنْ يَدَعُهُنَّ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم صِيَامَ عَاشُورَاءَ وَالْعَشْرَ وَثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْغَدَاةِ» [إسناده صحيح، أخرجه: النسائي/ سننه]،

وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "مَا الْعَمَلُ فِي أَيَّامٍ أَفْضَلَ مِنْهُ فِي عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ" قَالُوا يَا رَسُولَ اللهِ: وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ قَالَ: "وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فِي سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ لَا يَرْجِعُ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْء".

وعن عُثْمَان بْن حَكِيمٍ الْأَنْصَارِيّ، قَالَ: سَأَلْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ، عَنْ صَوْمِ رَجَبٍ وَنَحْنُ يَوْمَئِذٍ فِي رَجَبٍ فَقَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، يَقُولُ: " كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ: لَا يُفْطِرُ، وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ: لَا يَصُومُ" [أخرجه: مسلم/ صحيحه].

فهو دليل على استحباب الإكثار من الصوم في الأشهر الحرم دون تخصيص واحد منها إلا ما تقدم ذكره، ومن زعم أنّ الصيام في رجب وحده مستحب فقد أغرق في البعد وابتدع في الدين ما ليس منه؛ لأنه لم يصحّ حديث نبوي في استحباب الصيام في رجب.

قال النووي: "وَلَمْ يَثْبُتْ فِي صَوْمِ رَجَبٍ نَهْيٌ وَلَا نَدْبٌ لِعَيْنِهِ".

 

وقال ابن حجر: لم يرد في فضله، ولا في صيامه، ولا في صيام شيء منه معين، ولا في قيام ليلة مخصوصة منه، حديث صحيح يصلح للحجة".