arrow down

الدعاء الجماعي دبر الصلوات المكتوبات

أجاب فضيلة البروفيسور/ الأمين الحاج محمد ( رئيس رابطة علماء المسلمين )

الحمد لله القائل: “فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا”1. والقائل: “فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ باللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً”2.

وصلى الله وسلم وبارك وعظم على إمام الهدى وسيد الورى وخاتم الرسل والأنبياء، القائل: “كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبي”. قيل: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: “من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى”3 وعلى آله وأصحابه وأزواجه النجباء، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم اللقاء.

الدعاء هو سلاح المستضعفين، والصلة بين العباد ورب العالمين، وهو مخ العبادة كما صح بذلك الخبر، والعبادات كما هو معلوم من دين الله ضرورة توقيفية لا تحل الزيادة فيها ولا النقصان منها، فالخير كل الخير في الاتباع والشر كل الشر في الابتداع. ورحم الله مالكاً الإمام فإنه كثيراً ما كان ينشد:

وخير أمور الدين ما كان سنة      وشر الأمور المحدثات البدائع

والقائل: (لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها)، وكان صلاح أولها في الاعتصام بالكتاب والسنة مستندهم في ذلك قول رسولهم صلى الله عليه وسلم: “من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد” متفق عليه. وفي رواية البخاري: “من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد”.

فعلى الرغم من أهمية الدعاء وحاجتنا الماسة إليه، ولكن لكل مقام مقال، ولكل شأن حال.

أما بعد…

فهذا بيان لحكم الدعاء الجماعي دبر الصلوات المكتوبة، كتبته نصحاً لله ولرسوله ولعامة المسلمين، لما رأيت من حرص البعض عليه، ونيلهم ممن لا يفعله من الأئمة والمؤذنين أو ينكره عليهم، بل ومن دعوى البعض أن هذا هو مذهب مالك رحمه الله، حيث أضحى البعض ينسب لمذهب إمام دار الهجرة كل رزية وكثير من البدع المنكرة الردية، نحو التبليغ من غير ضرورة وما شابه ذلك.

قبل الشروع في الطلوب أحب أن أذكر بأمور قد يغفل عنها كثير من المسلمين هي:

–  الأصل أن يكون الدعاء داخل الصلاة، فأقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، وكان عليه الصلاة والسلام إذا حزبه امر فزع إلى الصلاة، وكان يقول: “أرحنا بها يا بلال”.

–  الموضع بعد السلام موضع ذكر، وليس بموضع دعاء في الأصل، ولكن لا مانع من أن يدعو المرء لنفسه بما شاء من خيري الدنيا والآخرة له ولإخوانه المسلمين غير رافع يديه في الدعاء دبر الصلوات المكتوبة، وأكثر الأئمة نهياً عن رفع اليدين في الدعاء دبر الصلوات المكتوبة مالك، بل أثر عن مالك رحمه الله أن الأيدي لا ترفع في الدعاء إلا في الاستسقاء، وقد خولف مالك في ذلك والراجح رفع اليدين في الدعاء إلا دبر الصلوات المكتوبة، أما في الاستسقاء فيبالغ في رفعهما.

–  الذي يَدَّعي جواز أو سنة الدعاء الجماعي عليه ان يأتي بدليل ـ في موضع النزاع ـ وهو الدعاء دبر الصلوات المكتوبة لأن الدعاء عبادة، لا أن يطلب من المنكرين عليه أن يأتوا بالدليل.

–  كون الدعاء مرغوب فيه محضوض عليه بصفة عامة، لا يدل على جواز ذلك دبر الصلوات المكتوبة فالقرآن أفضل الذكر لكن نهانا الشارع الحكيم عن قراءته حال الركوع.

–  أن الخلاف المجرد عن الدليل لا حجة فيه لأحد أبداً وأنه لا يحتج بأقوال أهل العلم ولكن يحتج لها بالكتاب والسنة والإجماع.

مذاهب أهل العلم في المداومة على الدعاء الجماعي دبر الصلوات المكتوبة

–  ليس من السنة.

–  يستحب بعد صلاتي الفجر والعصر ـ وإلى هذا ذهب بعض أصحاب الشافعي وأحمد رحمهم الله.

–  يستحب دبر كل الصلوات المكتوبة.

أدلة القائلين بعدم سنيته

استدل القائلون بعدم سنيته، وهم الجمهور، بأنه لم يكن يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا خلفاؤه الراشدون، ولكن يجوز أن يدعو الإمام أحياناً لجدب أو نازلة تنزل بالمسلمين، أو لتعليمهم شيئاً من الأدعية المأثورة.

يدل على ذلك ما يأتي:

– خَرَّج مسلم عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: “كان إذا سلم لم يقعد إلا مقدار ما يقول: اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت وتعاليت يا ذا الجلال والإكرام”.

– وخَرَّج البخاري عن أم سلمة رضي الله عنها: “أنه صلى الله عليه وسلم كان يمكث إذا سلم بمكانه يسيراً”. قال ابن شهاب: حتى ينصرف النساء فيما نرى.

– وعن أنس رضي الله عنه قال: (صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم فكان ساعة يسلم يقوم، ثم صليت مع أبي بكر فكان إذا سلم وثب كأنه على رضفة4).

– وقال ابن مسعود رضي الله عنه: (لأن يجلس ـ أي الإمام ـ على الرضفاء خير له من ذلك).

– وقال مالك رحمه الله في المدونة: (إذا سلم فليقم، ولا يقعد إلا أن يكون في سفر أو في فنائه).

– ونقل ابن يونس عن ابن وهب عن خارجة: أنه كان يعيب على الأئمة قعودهم بعد السلام5.

– وقد عد الفقهاء قيام الإمام من موضعه ساعة يسلم من فضائل الصلاة.

أما حجة الذين استحبوا الدعاء الجماعي والجهر به دبر صلاتي الصبح والعصر لأنه لا صلاة نافلة بعدهما.

أما الذين استحبوا ذلك دبر كل الصلوات المكتوبة فليس لهم دليل سوى الأدلة العامة لمشروعية الدعاء واستحبابه.

وليس في ذلك حجة لأن هذا العلم خص بما  كان عليه صاحب الشرع وخلفاؤه الراشدون، حيث لم يكونوا يواظبون على ذلك، بل لا يجلسون في مكانهم بعد سلامهم إلا مقدار أن يقول أحدهم: اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت وتعاليت يا ذا الجلال والإكرام. أو قريباً من ذلك لأن المقام مقام ذكر.

أقوال العلماء

قال الونشريسي المالكي رحمه الله تحت مبحث: [جلوس الإمام في المحراب للدعاء بعد الصلاة بدعة]: (وسئل الشيخ الحافظ أبو العباس أحمد بن قاسم القباب من أئمة (فاس) عن حكم الدعاء أثر الصلاة:

فأجاب رحمه الله بما نصه: الحمد لله، الجواب وبالله تعالى التوفيق: أن الذي عندي، ما عند أهل العلم في ذلك من أن ذلك بدعة قبيحة. ولو لم يتق منها إلا هذا الواقع من أن من ترك ذلك يُرى أنه أتى منكراً وينهى عنه. وذلك من علامات الساعة، أن يصير المعروف منكراً والمنكر معروفاً.

إلى أن قال:

ونقل الفقهاء في توجيه استحباب السرعة في القيام له أن جلوسه6 يدخل عليه به كبر وترفع على الجماعة، وتزيين في انفراده بموضع عنهم يرى به الداخل أنه إمامهم.

وأما انفراده به حال الصلاة فضرورة. فإذا كان هذا في الانفراد بالموضع فكيف بما انضاف إليه من تقدمه إياهم للتوسل به في الدعاء والرغبة وتأمينهم على دعائه جهراً.

ولو كان هذا حسناً لفعله النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه. ولم ينقل ذلك أحد من العلماء، مع تواطئهم عن نقل جميع أموره حتى هل كان ينصرف من الصلاة عن اليمين أو على اليسار.

وقد نقل ابن بطال7 في شرح البخاري عن علماء السلف من إنكار ذلك والتشديد فيه على من فعله ما فيه كفاية.

ونقل عن أربعة من التابعين جوازه في الأمر يحدث؛ من قحط، أو خوف، ونحوه من مُلِّم. ومن (العتبية) سئل مالك عن قيام الرجل بعد فراغه من الصلاة يدعو قائماً قال: ليس هذا بصواب، ولا لأحد أن يفعله)8.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (وأما دعاء الإمام والمامومين بعد الصلاة جميعاً رافعين أَصواتهم، أو غير رافعين، فهذا ليس من سنة الصلاة الراتبة، ولم يكن يفعله النبي صلى الله عليه وسلم. وقد استحسنه طائفة من العلماء من اصحاب الشافعي وأحمد في وقت صلاة الفجر وصلاة العصر، لأنه لا صلاة بعدها، وبعض الناس تستحبه في أدبار الخمس. لكن الصواب الذي عليه الأئمة الكبار أن ذلك ليس من سنة الصلاة، ولا يستحب المداومة عليه، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يفعله هو ولا خلفاؤه الراشدون، ولكن كان يذكر الله عقيب الصلاة ويرغب في ذلك، ويجهر بالذكر عقيب الصلاة كما ثبت في ذلك الأحاديث الصحيحة: حديث المغيرة بن شعبة9 وعبد الله بن الزبير10 وغير ذلك).

والناس في هذه المسألة طرفان ووسط:

– منهم من لا يستحب ذكراً ولا دعاء، بل بمجرد انقضاء الصلاة يقوم هو والمأمومون كأنهم فروا من قسورة، وهذا ليس بمستحب.

– ومنهم من يدعو هو والمأمومون رافعين أيديعهم وأصواتهم وهذا أيضاً خلاف السنة.

– والوسط هو اتباع ما جاءت به السنة من الذكر المشروع عقيب الصلاة، ومكث الإمام يستقبل المأمومين على الوجه المشروع. لكن إذا دعوا أحياناً لأمر عارضٍ كاستسقاء، أو استنصار، أو نحو ذلك فلا بأس بذلك، كما أنهم لو أقاموا ولم يذكروا لأمر عارض جاز ذلك ولم يكره، وكل ذلك منقول عن النبي صلى الله عليه وسلم11.

وقد كان في أكثر الأوقت يستقبل المأمومين بوجهه بعد أن يسلم، وقبل أن يستقبلهم يستغفر الله ثلاثاً ويقول: “اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت وتعاليت يا ذا الجلال والإكرام”12. وكان يجهر بالذكر، كقوله: “لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد”13.

وأحياناً كان يقوم عقيب السلام إذا عرض له أمر، كما قام مرة يخطب للناس، وقال: “ذكرت ذهيبة كانت عندنا، فكرهت أن تبيت عندي”14.

وقال العلامة ابن القيم رحمه الله: (أما الدعاء بعد السلام من الصلاة مستقبل القبلة، أو المأمومين، فلم يكن ذلك من هديه صلى الله عليه وسلم أصلاً، ولا روي عنه بإسناد صحيح، ولا حسن.

وأما تخصيص ذلك بصلاتي الفجر والعصر، فلم يفعل ذلك هو ولا أحد من خلفائه، ولا أرشد إليه أمته، وإنما هو استحسان رآه من رآه عوضاً عن السنة بعدهما، والله أعلم.

وعامة الأدعية المتعلقة بالصلاة إنما فعلها فيها، وامر بها فيها، وهذا هو اللائق بحال المصلي، فإنه مقبل على ربه، يناجيه ما دام في الصلاة، فإذا سلم منها انقطعت المناجاة، وزال ذلك الموقف بين يديه والقرب منه، فكيف يترك سؤاله بعد انصرافه عنه؟! ولا ريب أن عكس هذا الحال هو الأولى بالمصلي، إلا أن ها هنا نكتة لطيفة وهي أن المصلي إذا فرغ من صلاته، وذكر الله وهلله وسبحه وحمده وكبره بالأذكار المشروعة عقيب الصلاة، استحب له أن يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم بعدذاك، ويدعو بما شاء، ويكون دعاؤه عقيب هذه العبادة الثانية، لا لكونه دبر الصلاة، فإن كل من ذكر الله وحمده وأثنى عليه، وصلى على رسول الله صلى الله عليه وسلم استحب له الدعاء عقيب ذلك، كما في حديث فضالة بن عبيد: “إذا صلى أحدكم، فليبدأ بحمد الله والثناء عليه، ثم ليصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم ليدع بما شاء”15)16.

الخلاصة

أولاً:  أن الدعاء الجماعي دبر الصلوات المكتوبة جهراً كان أم سراً، من الإمام أو المؤذن أو غيرهما، ليس من سنة النبي صلى الله عليه وسلم ولا خلفائه الراشدين، ولا الصحابة المهديين، ولا السلف المرضيين.

ثانياً: يجوز للمرء أن يدعو لنفسه ولمن شاء سراً غير رافع ليديه، ولا ماسحاً بهما وجهه بعد فراغه من الأذكار المشروعة.

قال ابن أبي زيد رحمه الله: (قال مالك: كان عامر بن عبدالله يرفع يديه بعد الصلاة يدعو،ولا بأس به ما لم يرفع جداً، وفي رواية17 ابن غانم: ليس رفع اليدين في الدعاء من أمر الفقهاء)18.

ثالثاً: المداومة على الدعاء بعد الفراغ من حلقات العلم ليس من السنة كذلك.

رابعاً: يجوز للأئمة أن يدعوا في بعض الأحيان ويؤمن من خلفهم، دعاء للاستسقاء والمجاهدين المستضعفين، وعلى الكفار الغاصبين وإذا نزل بلاء على المسلمين، والأفضل أن يخرجوا لصلاة الاستسقاء عند القحط، وأن يقنتوا بعد الرفع من الركوع في النوازل.

 

والله أعلم، وصلى الله وسام على النبي الأعظم، والرسول الأكرم، وعلى آله وصحبه وأزواجه والتابعين لهم باحسان ما تعاقب الملوان19.