arrow down

هدي النبي صلى الله عليه وسلم في شهر شعبان

السؤال:

شيخنا المبارك بعد أيام قلائل نستقبل شهر شعبان، لو حدثتنا شيخنا الحبيب عن هدي النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الشهر؟

الجواب:

بسم الله الرحمن الرحيم

أخي السّائل: أعزك الله بطاعته، ووفقنا وإياك إلى مرضاته، وبعد:

شعبان شهر مبارك، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصومه إلا قليلاً، مخالفة لمن تأخذهم الغفلة فيه؛ وذلك أنّه بين رجب ورمضان، ومعلوم أنّ رجباً من الأشهر الحرم، وهي –الأشهر الحرم- أشّد تعظيمًا من غيرها من شهور  العام، وقد سنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم الإكثار من الصيام فيها، ومعلوم أن رمضان شهر البركة والعتق من النيران، ومناقبه كثيرة، وقد تفتر عزائم الناس في شعبان لأنه يتوسط هذين الشهرين، فحرص النبي صلى الله عليه وسلم أن يجتهد بالعبادة فيه استدفاعاً للغفلة واغتنامًا أن ترفع أعماله إلى الله تعالى وهو صائم؛ وليقرر لأمته سنّة جليلة تقودهم إلى أجر عظيم، وهي إعمار الزمان والمكان والحال الذي يغفُل فيه الناس،  يرشد إلى هذا قوله تعالى: {وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [البقرة: 185].

وعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُكَبِّرُ في صَلاَةِ الْفَجْرِ يَوْمَ عَرَفَةَ إِلَى صَلاَةِ الْعَصْرِ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ حِينَ يُسَلِّمُ مِنَ الْمَكْتُوبَاتِ" [أخرجه: الدارقطني/ سننه].          

وعَنْ نُبَيْشَةَ الْهُذَلِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ، وَشُرْبٍ، وَذِكْرِ اللهِ" [حسن، أخرجه: أحمد/ سننه].

فيبدو للمتأمل الناصح أنّ الذّكر والتكبير في أيام العيد وأيام التشريق لحكمة دفع الغفلة، والشكر لله طمعا في الزيادة.

وقال تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾  [الإسراء: 79].

وقال تعالى: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ [المزمل: 6].

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَفْضَلَ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْمَفْرُوضَةِ صَلَاةٌ مِنَ اللَّيْلِ" [أخرجه: مسلم/ صحيحه].

وعن أبي الدرداء رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "ثلاثةٌ يحبُّهم اللهُ عزّ وجلّ ، ويضحكُ إليهم ، ويستبشرُ بهم : الذي إذا انكَشَفتْ فئةٌ ؛ قاتلَ وراءَها بنفسِه لله عزّ وجلّ ، فإمّا أنْ يُقتلَ ، وإمّا أن يَنصُرَه اللهُ و يكفِيَه ، فيقولُ اللهُ : انظرُوا إلى عبدِي كيف صَبَرَ لي نفسَه؟! والذي له امرأة حسناء ، وفراش لين حسن ، فيقوم من الليل ، فـيذر شهوتَه ، فيذكُرني ويناجيني ، ولو شاءَ رقَدَ ! والذِي يكونُ في سَفَرٍ ، وكانَ معَه ركْبٌ ؛ فسهِرُوا و نصِبُوا ثمّ هَجَعُوا ، فقامَ من السّحرِ في سرّاءَ أو ضرّاءَ" [حسن، أخرجه: الحاكم/ المستدرك].

وذلك  أنّ الليل سكن الناس، وطول رقودهم وغفلتهم، فجاءت دعوة الشّارع إلى دفع ذلك بالصلاة والذكر.

وعن مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْعِبَادَةُ فِي الْهَرْجِ، كَهِجْرَةٍ إِلَيَّ» [صحيح، أخرجه: ابن ماجه/ سننه].

والهرج: ظهور الفتن وسفك الدماء وانتهاك الأعراض ونهب الأموال، ونحو ذلك مما تطيش فيه العقول، وتزيغ فيه الأفئدة، ويُصرف فيه الناس عن العبادة، فكان الترغيب النبوي إلى العبادة في حال الفتنة؛ لأنها من أسباب الدفع وحصول العافية وتكثير الأجر.

وعن مُحَمَّدُ بْنُ وَاسِعٍ، قَالَ: قَدِمْتُ مَكَّةَ فَلَقِيَنِي أَخِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، فَحَدَّثَنِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " مَنْ دَخَلَ السُّوقَ، فَقَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ يُحْيِي وَيُمِيتُ، وَهُوَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ، بِيَدِهِ الخَيْرُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، كَتَبَ اللَّهُ لَهُ أَلْفَ أَلْفِ حَسَنَةٍ، وَمَحَا عَنْهُ أَلْفَ أَلْفِ سَيِّئَةٍ، وَرَفَعَ لَهُ أَلْفَ أَلْفِ دَرَجَةٍ " [صحيح، أخرجه: الترمذي/ سننه].

ومعلوم أنّ السّوق بيئة الغفلة وانشغال الناس في تجاراتهم وشراء حوائجهم، فكان الترغيب في دفع الغفلة بالذكر اغتنامًا للوقت وإعظاماً للأجر.

ومن نظائر هذه السنة، صيام شعبان إلا قليلاً، فعن  عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رضي الله عنها قَالَتْ: "كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ لَا يُفْطِرُ وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ لَا يَصُومُ وَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم اسْتَكْمَلَ صِيَامَ شَهْرٍ قَطُّ إِلَّا رَمَضَانَ وَمَا رَأَيْتُهُ فِي شَهْرٍ أَكْثَرَ صِيَامًا مِنْهُ فِي شَعْبَانَ"[صحيح، أخرجه: أبو داود/ سننه].

وعَنْ أَبِي سَلَمَةَ رضي الله عنه قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ رضي الله عنها عَنْ صِيَامِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَتْ: "كَانَ يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ قَدْ صَامَ، وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ قَدْ أَفْطَرَ، وَلَمْ أَرَهُ صَائِمًا مِنْ شَهْرٍ قَطُّ أَكْثَرَ مِنْ صِيَامِهِ مِنْ شَعْبَانَ كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ كُلَّهُ كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ إِلَّا قَلِيلًا" [أخرجه: مسلم/ صحيحه].

وعَنْ أُسَامَةَ بنِ زَيْدٍ رضي الله عنه قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي أَرَاكَ تَصُومُ فِي شَهْرٍ مَا لَا أَرَاكَ تَصُومُ فِي شَهْرٍ مَا تَصُومُ فِيهِ قَالَ: (أَيُّ شَهْرٍ ؟) قُلْتُ: شَعْبَان قَالَ: (شَعْبَانُ بَيْنَ رَجَبٍ وَشَهْرِ رَمَضَانَ يَغْفَلُ النَّاسُ عَنْهُ يُرْفَعُ فِيهِ أَعْمَالُ العِبَادِ فَأُحِبُّ أَنْ لَا يُرْفَع عَمَلِي إِلَّا وَأَنَا صَائِمٌ) قُلْتُ: أَرَاكَ تَصُومُ يَوْمَ الْاِثْنَيْنِ وَ الخَمِيس فَلَا تَدَعْهُمَا ؟ قَالَ: (إِنَّ أَعْمَالَ العِبَادِ تُرْفَعُ فَأُحِبُّ أَنْ لَا يُرْفَع عَمَلِي إِلَّا وَ أَنَا صَائِمٌ) [رجاله ثقات، أخرجه: البيهقي/ شعب الإيمان].

    وَعَنْه رضي الله عنه قَالَ: كَانَ يَصُومُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَيَسْرُدُ الأَيَامَ لَا يَكَادُ يُفْطِر وَ يُفْطِرُ فَيَسْرُدُ الأَيَامَ لَا يَكَادُ يَصُوم قَالَ: وَ كَانَ يَصُومُ مِنْ كِلِّ جُمُعَةٍ يَوْمَيْنِ لَا يَكَادُ يَدَعُهُمَا إِنْ كَانَا مِنْ صِيَامِهِ الَّذِي يَصُومُ وَ إِنْ لَمْ يَكُونَا مِنْهُ، وَكَانَ أَكْثُرُ مَا يَصُومُ فِيهِ مِنْ الشُهُورِ شَعْبَان قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّكَ تَصُومُ حَتَّى لَا تَكَادَ تُفْطِرُ وَتُفْطِرُ حَتَّى لَا تَكَادَ أَنْ تَصُومَ إِلَّا يَوْمَيْنِ إِنْ دَخَلَا فِي صِيَامِكَ وَإِلَّا صُمْتَهُمَا قَالَ: (أَيُّ يَوْمَيْنِ)، قُلْتُ: يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَيَوْمَ الْخَمِيسِ قَالَ: (ذَاكَ يَوْمَانِ تُعْرَضُ فِيهِمَا الْأَعْمَالُ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ فَأُحِبُّ أَنْ يُعْرَضَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ) [رجاله ثقات، أخرجه: البيهقي/ شعب الإيمان].

وقد  أفاد أهل العلم أنّ من كانت له عادة من صيام في شعبان فليمض في عادته، إلا اليوم الذي يشك فيه هل هو إكمال عدة شعبان، أو الأول من رمضان، فعَنْ صِلَةَ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ عَمَّارٍ فِي الْيَوْمِ الَّذِي يُشَكُّ فِيهِ، فَأَتَى بِشَاةٍ فَتَنَحَّى بَعْضُ الْقَوْمِ، فَقَالَ عَمَّارٌ: «مَنْ صَامَ هَذَا الْيَوْمَ، فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ صلى الله عليه وسلم » [أخرجه أبو داود في سننه، صححه الألباني].

 ومن لم تكن له عادة يسنّ له صوم الشطر الأول دون الآخر، فعن أَبِيْ هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: (إذا انتَصَفَ شعبانُ، فلا تَصُوموا). [حسن، أخرجه: أبو داود/ سننه]. والحمد لله رب العالمين.

أجاب عنه

د. سلمان بن نصر الداية

عضو رابطة علماء المسلمين

الاثنين 9 / شعبان / 1437هـ

16 / مايو / 2016م