arrow down

ما المقصود بالاستطاعة, وهل يأثم من أخر الحج مع الاستطاعة؟

 

أجاب فضيلة أ.د. سلمان بن نصر الداية ( عضو رابطة علماء المسلمين )

 

السؤال:


يقول السائل: ما المقصود بالاستطاعة, وهل يأثم من أخر الحج مع الاستطاعة؟

 

الجواب:

 

أخي السائل: أعزك الله بطاعته، ووفقنا وإياك إلى مرضاته، وبعد:

الاستطاعةُ نوعان: استطاعةُ مباشرة، واستطاعةُ نيابة، أما المباشرة: أن يكونَ المسلمُ الحرُّ العاقلُ البالغُ قادرًا

في بدنهِ وعافيتهِ على سفرِ الحجِ، وأداءِ مناسكهِ، وأن يكون مالكًا للزادِ والراحلةِ الفاضلينِ عن حاجةِ أهله وولدهِ ومن

يمونُه من الطعامِ والشرابِ والدواءِ واللباسِ والمسكنِ، فإذ كان عاجزًا عن ذلك لم يكن مستطيعًا، ولا يجبُ عليه الحج،

ويُزادُ في حقِ المرأةِ وجود الزوجِ أو المحرم.

قال تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} [ سورة آل عمران، آية(97)]، وقال تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ

مَا اسْتَطَعْتُمْ} [سورة التغابن، آية (16)]، وقال تعالى: {لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ

مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ، وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ

لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ} [سورة التوبة، آية

(91، 92)]. والحجُ كالجهادِ، فإذا سقطَ الجهادُ لعدمِ الظَهْرِ سقطَ الحجُ قياسًا عليه، فعَنْ خَيْثَمَةَ، قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا مَعَ

عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، إِذْ جَاءَهُ قَهْرَمَانٌ لَهُ فَدَخَلَ، فَقَالَ: أَعْطَيْتَ الرَّقِيقَ قُوتَهُمْ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَانْطَلِقْ فَأَعْطِهِمْ، قَالَ: قَالَ

رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يَحْبِسَ، عَمَّنْ يَمْلِكُ قُوتَهُ». [أخرجه: مسلم/صحيحه ].

وعنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ، وَلَا تُسَافِرِ الْمَرْأَةُ إِلَّا

مَعَ ذِي مَحْرَمٍ»، فَقَامَ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ امْرَأَتِي خَرَجَتْ حَاجَّةً، وَإِنِّي اكْتُتِبْتُ فِي غَزْوَةِ كَذَا وَكَذَا، قَالَ:

«انْطَلِقْ فَحُجَّ مَعَ امْرَأَتِكَ»، [أخرجه: مسلم/صحيحه]

وعن ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لِامْرَأَةٍ مِنَ الْأَنْصَارِ «مَا مَنَعَكِ أَنْ تَحُجِّي مَعَنَا؟» قَالَتْ: لَمْ

يَكُنْ لَنَا إِلَّا نَاضِحَانِ فَحَجَّ أَبُو وَلَدِهَا وَابْنُهَا عَلَى نَاضِحٍ وَتَرَكَ لَنَا نَاضِحًا نَنْضِحُ عَلَيْهِ، قَالَ: «فَإِذَا جَاءَ رَمَضَانُ فَاعْتَمِرِي،

فَإِنَّ عُمْرَةً فِيهِ تَعْدِلُ حَجَّةً».[أخرجه: مسلم/صحيح].

من فوائد الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمرها بالحج، وقد عدمت الظهرَ الذي تركب، فدلَّ أنَّ الراحلةَ من

الاستطاعة، فإذا عدمت انخرمت الاستطاعة، فعَنْ أَنَسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: قِيلَ: يَا

رَسُولَ اللَّهِ مَا السَّبِيلُ؟ قَالَ: «الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ».[ صحيح على شرط مسلم، أخرجه: الحاكم/ المستدرك على الصحيحين].

ومن الاستطاعةِ أمنُ الطريقِ من قاطعِ طريقٍ أو سبعٍ أو عدوٍ أو بحرٍ هائجٍ أو سيولٍ مغرقةٍ ونحوها قال تعالى: {فَإِذَا

أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} [ سورة البقرة، آية (196)].

أما استطاعةُ النيابة: أن يكونَ المسلمُ قادرًا على سفرِ الحجِ وأداء المناسكِ فإذا عجزَ لِعَضَبٍ -أي فالجٍ أو مرضِ موت-

سقطَت عنه مباشرةُ الحجِ ووجبَ أن يُنيبَ آخر عن نفسه، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: كَانَ الفَضْلُ

رَدِيفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَجَاءَتِ امْرَأَةٌ مِنْ خَثْعَمَ، فَجَعَلَ الفَضْلُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا وَتَنْظُرُ إِلَيْهِ، وَجَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى

اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَصْرِفُ وَجْهَ الفَضْلِ إِلَى الشِّقِّ الآخَرِ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ فِي الحَجِّ أَدْرَكَتْ

أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا، لاَ يَثْبُتُ عَلَى الرَّاحِلَةِ، أَفَأَحُجُّ عَنْهُ؟ قَالَ: «نَعَمْ»، وَذَلِكَ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ". [أخرجه: البخاري/

صحيحه].

ويُشترطُ في النائبِ أن يكونَ قد أدى الحجَ عن نفسهِ وإلا لم تصحَّ نيابته، فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ

وَسَلَّمَ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: لَبَّيْكَ عَنْ شُبْرُمَةَ، قَالَ: «مَنْ شُبْرُمَةُ؟» قَالَ: أَخٌ لِي - أَوْ قَرِيبٌ لِي - قَالَ: «حَجَجْتَ عَنْ

نَفْسِكَ؟» قَالَ: لَا، قَالَ: «حُجَّ عَنْ نَفْسِكَ ثُمَّ حُجَّ عَنْ شُبْرُمَةَ». [صحيح، أخرجه: أبو داود/ سننه]

أما عن حُكمِ من يُؤجلُ الحجَ مع تحقق الاستطاعةِ وانعدامِ العذرِ فأقول وبالله التوفيق، اتفقَ العلماءُ على حسنِ تعجيلهِ،

واختلفوا في حكم تأجيلهِ، فقالَ الجمهورُ بوجوبهِ، وقال الشافعيةُ باستحبابهِ، فمن قال بوجوبهِ وانتظمت عنده

الاستطاعةُ ولم يحجَّ أثِمَ؛ فعَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ لَمْ يَمْنَعْهُ عَنِ الْحَجِّ حَاجَةٌ

ظَاهِرَةٌ، أَوْ سُلْطَانٌ جَائِرٌ، أَوْ مَرَضٌ حَابِسٌ فَمَاتَ وَلَمْ يَحُجَّ، فَلْيَمُتْ إِنْ شَاءَ يَهُودِيًّا، وَإِنْ شَاءَ نَصْرَانِيًّا». [إسناده

ضعيف، أخرجه: الدارمي/ سننه].

وقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: "مَنْ قَدَرَ عَلَى أَنْ يَحُجَّ فَلَمْ يَحُجَّ، فَلْيَمُتْ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا، وَمَنْ حَجَّ هَاهُنَا

فَلْيَخْرُجْ هَاهُنَا، حِجَّةٌ هَاهُنَا وَخُرُوجٌ هَاهُنَا". [الفاكهي/ أخبار مكة]

وفي روايةٍ عنه: «مَنْ مَاتَ وَهُوَ مُوسِرٌ وَلَمْ يَحُجَّ، فَلْيَمُتْ إِنْ شَاءَ يَهُودِيًّا , وَإِنْ شَاءَ نَصْرَانِيًّا». [أبو بكر الخلال/

السنة].


وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «قَالَ اللَّهُ: إِنَّ عَبْدًا صَحَّحْتُ لَهُ جِسْمَهُ، وَوَسَّعْتُ عَلَيْهِ

فِي الْمَعِيشَةِ يَمْضِي عَلَيْهِ خَمْسَةُ أَعْوَامٍ لَا يَفِدُ إِلَيَّ لَمَحْرُومٌ».[صحيح، أخرجه: ابن حبان/ صحيحه]. والله أعلم.