arrow down

هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - في الوقوف بعرفة

أجاب فضيلة أ.د. سلمان بن نصر الداية ( عضو رابطة علماء المسلمين )

السؤال:
ما هو هدي رسول الله- صلى الله عليه وسلم - في الوقوف بعرفة ؟

الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم

أخي السّائل: أعزك الله بطاعته، ووفقنا وإياك إلى مرضاته، وبعد:

كان هديه صلى الله عليه وسلم بعرفة الاشتغال بالذكر تكبيرًا وتهليلاً وتلبية ودعاء ؛ فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما في حديثه الطويل، قال: "فَأَجَازَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى أَتَى عَرَفَةَ، فَوَجَدَ الْقُبَّةَ قَدْ ضُرِبَتْ لَهُ بِنَمِرَةَ، فَنَزَلَ بِهَا، حَتَّى إِذَا زَاغَتِ الشَّمْسُ أَمَرَ بِالْقَصْوَاءِ، فَرُحِلَتْ لَهُ، فَأَتَى بَطْنَ الْوَادِي، فَخَطَبَ النَّاسَ وَقَالَ: «إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ أَذَّنَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْعَصْرَ، وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئًا، ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حَتَّى أَتَى الْمَوْقِفَ، فَجَعَلَ بَطْنَ نَاقَتِهِ الْقَصْوَاءِ إِلَى الصَّخَرَاتِ، وَجَعَلَ حَبْلَ الْمُشَاةِ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ، وَذَهَبَتِ الصُّفْرَةُ قَلِيلًا، حَتَّى غَابَ الْقُرْصُ، وَأَرْدَفَ أُسَامَةَ خَلْفَهُ، وَدَفَعَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ شَنَقَ لِلْقَصْوَاءِ الزِّمَامَ، حَتَّى إِنَّ رَأْسَهَا لَيُصِيبُ مَوْرِكَ رَحْلِهِ، وَيَقُولُ بِيَدِهِ الْيُمْنَى «أَيُّهَا النَّاسُ، السَّكِينَةَ السَّكِينَةَ» كُلَّمَا أَتَى حَبْلًا مِنَ الْحِبَالِ أَرْخَى لَهَا قَلِيلًا، حَتَّى تَصْعَدَ، حَتَّى أَتَى الْمُزْدَلِفَةَ، فَصَلَّى بِهَا الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِأَذَانٍ وَاحِدٍ وَإِقَامَتَيْنِ، وَلَمْ يُسَبِّحْ بَيْنَهُمَا شَيْئًا، ثُمَّ اضْطَجَعَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ، وَصَلَّى الْفَجْرَ، حِينَ تَبَيَّنَ لَهُ الصُّبْحُ، بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ، ثُمَّ رَكِبَ الْقَصْوَاءَ، حَتَّى أَتَى الْمَشْعَرَ الْحَرَامَ، فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَدَعَاهُ وَكَبَّرَهُ وَهَلَّلَهُ وَوَحَّدَهُ، فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى أَسْفَرَ جِدًّا، فَدَفَعَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ» [أخرجه: البخاري/ صحيحه].

وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: كُنْتُ مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ بِعَرَفَاتٍ فَقَالَ: «مَا لِي لَا أَسْمَعُ النَّاسَ يُلَبُّونَ» قُلْتُ: يَخَافُونَ مِنْ مُعَاوِيَةَ، فَخَرَجَ ابْنُ عَبَّاسٍ مِنْ فُسْطَاطِهِ فَقَالَ: «لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ" [صحيح، أخرجه: النسائي/ السنن الكبرى].

وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الثَّقَفِيِّ، قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ وَنَحْنُ غَادِيَانِ مِنْ مِنًى إِلَى عَرَفَاتٍ عَنِ التَّلْبِيَةِ، كَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ مَعَ النَّبِيِّ r؟ قَالَ: «كَانَ يُلَبِّي المُلَبِّي، لاَ يُنْكَرُ عَلَيْهِ، وَيُكَبِّرُ المُكَبِّرُ، فَلاَ يُنْكَرُ عَلَيْهِ» [متفق عليه].

وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ، قَالَ: «غَدَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ مِنًى إِلَى عَرَفَاتٍ، مِنَّا الْمُلَبِّي وَمِنَّا الْمُكَبِّرُ" [أخرجه: مسلم/صحيحه].

وَعَنْهُ ، قَالَ: «كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي غَدَاةِ عَرَفَةَ، فَمِنَّا الْمُكَبِّرُ وَمِنَّا الْمُهَلِّلُ»[أخرجه: مسلم/صحيحه].

وَعَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ كَرِيز أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: (أَفْضَلُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ وَأَفْضَلُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ) [صحيح، أخرجه: مالك/ الموطأ].

وَكَانَ أَكْثرُ قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم بِعَرَفَةَ: «سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ»[ابن جماعة/ هداية السالك].

وَعَنْ أَبِي مِجْلَزٍ، أنه: «كَانَ مَعَ ابْنِ عُمَرَ، فَلَمَّا طَلَعَتِ الشَّمْسُ أَمَرَ بِرَاحِلَتِهِ فَرُحِلَتْ وَارْتَحَلَ مِنْ مِنًى فَسَارَ، قَالَ: فَإِنْ كَانَ لأَعْجَبُنَا إِلَيْهِ أَسْفَهُنَا، رَجُلٌ كَانَ يُحَدِّثُهُ عَنِ النِّسَاءِ وَيُضْحِكُهُ، قَالَ: فَلَمَّا صَلَّى الْعَصْرَ وَقَفَ بِعَرَفَةَ، فَجَعَلَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ، أَو قَالَ: يَمُدَّ، قَالَ: وَلاَ أَدْرِي لَعَلَّهُ قَدْ قَالَ: دُونَ أُذُنَيْهِ، وَجَعَلَ يَقُولُ: اللَّهُ أَكْبَرُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ، اللَّهُ أَكْبَرُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ، اللَّهُ أَكْبَرُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ، لاَ إلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، اللَّهُمَّ اهْدِنِي بِالْهُدَى، وَقِنِي بِالتَّقْوَى، وَاغْفِرْ لِي فِي الآخِرَةِ وَالأُولَى، ثُمَّ يَرُدَّ يَدَيْهِ فَيَسْكُتُ كَقَدْرِ مَا كَانَ إِنْسَانٌ قَارِئًا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، ثُمَّ يَعُودُ فَيَرْفَعُ يَدَيْهِ وَيَقُولُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَلَمْ يَزَلْ يَفْعَلُ ذَلِكَ حَتَّى أَفَاض» [أخرجه: ابن أبي شيبة/ مصنفه].

وَمِن الأَدْعِيَةِ المُخْتَارَةِ: «اللَّهُمَّ آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً، وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ» [أخرجه: مسلم/ صحيحه].

«اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا وَلَا يَغْفِرُ الذَّنْبَ إِلَّا أَنْتَ، فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ، وَارْحَمْنِي إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ».

«اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لِي دِينِي الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِي وَأَصْلِحْ لِي دُنْيَايَ الَّتِي فِيهَا مَعَاشِي وَأَصْلِحْ لِ ي آخِرَتِي الَّتِي فِيهَا مَعَادِي وَاجْعَلْ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لِي فِي كُلِّ خَيْرٍ وَاجْعَلْ الْمَوْتَ رَاحَةً لِي مِنْ كُلِّ شَرٍّ» [أخرجه: مسلم/ صحيحه].

وَيُسْتَحَبُّ الإِكْثَارُ مِنَ التَّلْبِيَةِ، وَمِنَ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَى رَسْوْلِ اللهِ r، وَأَنْ يُكْثِرَ مِنَ البُكَاءِ مَعَ الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ، فَهُنَالِكَ تُسْكَبُ العَبَرَاتُ، وَتُسْتَقَالُ العَثَرَاتُ، وَتُرْتَجَى الطَّلَبَاتُ، وَإِنَّهُ لَمَوْقِفٌ عَظِيْمٌ، وَمَجْمَعٌ جَلِيْلٌ، يَجْتَمِعُ فِيْهِ خِيَارُ عِبَاد اللهِ المُخْلِصِيْنَ، وَهُوَ أَعْظَمُ مَجَامِعِ الدُّنْيَا.

قَالَ النَّوَويُّ: يُسْتَحَبُّ الإِكْثَارُ مِنَ الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ، وَيَجْتَهِدُ فِيْ ذَلِك، فَهَذَا اليَوْمُ أَفْضَلُ أَيَّامِ السَّنَةِ لِلدُّعَاءِ، وَهُوَ مُعْظَمُ الحَجِّ، وَمَقْصُوْدُهُ وَالمُعَوَّلُ عَلَيْهِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَسْتَفْرِغَ الإِنْسَانُ وُسْعَهُ فِيْ الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ، وَفِيْ قِرَاءَةِ القُرْآنِ، وَأَنْ يَدْعُوَ بِأَنْوَاعِ الأَدْعِيَةِ، وَيَأْتِيَ بِأَنْوَاعِ الأَذْكَارِ، وَيَدْعُوَ لِنَفْسِهِ، وَيَذْكُرَ فِيْ كُلّ مَكَانٍ، وَيَدْعُوَ مُنْفَرِدَاً وَمَع جَمَاعَةٍ، وَيَدْعُوَ لِنَفْسِهِ، وَوَالِدَيْهِ، وَأَقْارِبِهِ وَمَشَايِخِهِ، وَأَصْحَابِهِ، وَأَصْدِقَائِهِ، وَأَحْبَابِهِ، وَسَائِرِ مَنْ أَحْسَنَ إِلَيْهِ، وَجَمِيعِ المُسْلِمِينَ، وَلْيَحْذَرْ كُلَّ الحَذَرِ مِنَ التَّقْصِيرِ فِيْ ذَلِكَ كُلِّهِ، فَإِنَّ هَذَا اليَوْمَ لَا يُمْكِنُ تَدَارُكُهُ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ، وَلَا يَتَكَلَّفُ السَّجَعَ فِي الدُّعَاءِ، فَإِنَّهُ يُشْغِلُ القَلْبَ، وَيُذْهِبُ الانْكِسَارَ، وَالخُضُوْعَ، وَالافْتِقَارَ، وَالمَسْكَنَةَ وَالذِّلَةَ، وَالخُشُوْعَ، وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَدْعُوَ بِدَعَوَاتٍ مَحْفُوْظَةٍ مَعَهُ، لَهُ أَوْ غَيْرِهِ، مَسْجُوْعَةٍ إِذَا لم يشتغل بِتَكَلُّفِ تَرْتِيْبِهَا وَمُرَاعَاةِ إِعْرَابِهَا.

وَالسُّنَّةُ أَنْ يَخْفِضَ صَوْتَهُ بِالدُّعَاءِ، وَيُكْثِرَ مِنَ الاسْتِغْفَارِ وَالتَّلَفُّظَ بِالتَّوْبَةِ مِنْ جَمِيْعِ المُخَالَفَاتِ، مَعَ الاعْتِقَادِ بِالقَلْبِ، وَيَلُحَّ فِي الدُّعَاءِ، وَيُكَرِّرَهُ، وَلَا يَسْتَبْطِئُ الإِجَابَةَ، وَيَفْتَتِحُ دُعَاءَهُ وَيَخْتِمُهُ بِالحَمْدِ للهِ تَعَالَى وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ I، وَالصَّلَاةِ والتَّسْلِيَمِ عَلَى رَسُوْلِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَلْيَخْتِمْهُ بِذَلِكَ، وَلِيَحْرِصْ عَلَى أَنْ يَكُونَ مُسْتَقْبِلَ الكَعْبَةِ وَعَلَى طَهَارَةٍ" [النووي/ الأذكار].