arrow down

تفصيل في مسألة اختلاف البلدان الإسلامية في الصيام والفطر

أجاب فضيلة د. عبدالآخر حماد الغنيمي ( عضو رابطة علماء المسلمين )

السؤال :
ما الحكم في مسألة اختلاف البلدان الإسلامية في الصيام والفطر ، أي يكون هناك دولة صائمة والأخرى مفطرة مع اشتراكهما في الليل ؟

الجواب :
الحمد لله وبعد فمذهب جمهور أهل العلم أنه لا عبرة باختلاف المطالع وأنه متى ما رؤي الهلال في بلد فعلى جميع البلدان التي تشترك معها في جزء من الليل أن تلتزم بتلك الرؤية لأن المسلمين أمة واحدة ، ولقوله صلى الله عليه وسلم : (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته) ، فمتى ما تحققت الرؤية وجب الصوم أو الفطر بغض النظر أين كانت تلك الرؤية ، وذهب الشافعية إلى أن لأهل كل بلد رؤيتهم ، واستدلوا بما في صحيح مسلم من حديث كريب أن أم الفضل بنت الحارث بعثته إلى معاوية في الشام ، قال : فقدمت الشام فقضيت حاجتها ، واستهل علي رمضان وأنا بالشام فرأيت الهلال ليلة الجمعة ثم قدمت المدينة آخر الشهر فسألني عبد الله بن عباس ، ثم ذكر الهلال فقال متى رأيتم الهلال فقلت : رأيناه ليلة الجمعة . فقال : أنت رأيته . فقلت : نعم ، ورآه الناس وصاموا وصام معاوية ، فقال : لكنا رأيناه ليلة السبت فلا نزال نصوم حتى نكمل الثلاثين أو نراه ، فقلت : أو لا تكتفي برؤية معاوية ؟ فقال : لا ، ( هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ) .
والراجح والله أعلم هو قول الجمهور في أن رؤية الهلال في بلد هي رؤية لسائر البلدان المشتركة معها في جزء من الليل ، وذلك لأن حديث كريب فيه أنه ابن عباس بلغه خبر رؤية أهل الشام في آخر الشهر ، ومن كان كذلك لم يمكن إلزامه في نهاية الشهر بأن يأخذ برؤيةٍ لم يبلغه خبرها وقعت في أول الشهر .
وإنما الكلام في من بلغه من أول الشهر أن إخوانه في بلد كذا قد رأوا الهلال ، ولذلك كان الإمام ابن تيميه رحمه الله يفتي بأن العبرة ببلوغ الخبر فمتى ما بلغ الإنسان خبر رؤية هلال رمضان في وقت يمكنه فيه الصوم فعليه أن يمسك ، وذلك بأن يبلغه الخبر قبل غروب شمس اليوم الأول ، أما إذا بلغه الخبر بعد الغروب فلا يلزم برؤية من رأوه بالأمس ، وكذلك من أصبح صائما في نهاية شهر رمضان ثم بلغه في أثناء النهار أن هلال شوال قد رؤي البارحة فإن عليه أن يفطر ، وقد صح في الحديث ( أن ركباً جاءوا فشهدوا أنهم رأوا الهلال بالأمس ، (أي هلال شوال) فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يفطروا ، وإذا أصبحوا أن يغدوا إلى مصلاهم ) . [ أخرجه رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه ، وصححه ابن حبان وقال الدارقطني : إسناده حسن ثابت ، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود ]
وهذا الحديث الثابت يدل على أن رؤية المسلمين واحدة مهما تباعدت المسافات بينهم ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يستفصل من هؤلاء الركب أين رأوا الهلال ، والظاهر أنهم كانوا على مسافة بعيدة من المدينة بدليل أنهم لم يصلوا إلى المدينة إلا بعد الزوال لأنه صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه بأن يصلوا العيد في اليوم التالي ، أي أن وقت صلاة العيد كان قد خرج حين بلغه خبر الرؤية ، وهذا لا يكون إلا بعد الزوال .
ثم إن القائلين من أهل العلم بأن لأهل كل بلد رؤيتهم لم يكونوا يقصدون بالبلدان هذه الحدود المصطنعة التي أوجدها الاستعمار بين بلاد المسلمين ، وإنما ذكر بعضهم أن العبرة بالقرب والبعد فمتى رؤي الهلال في بلد وجب من كان قريباً منه أن يتبع رؤيتهم ، وحدد البعض ذلك بمسافة القصر فإذا رؤي الهلال في بلد تبعد عنا بمسافة أقل من مسافة القصر وهي عند الجمهور أربعة وثمانون كيلو متراً وجب أن نتبع رؤيتهم ، وقال بعضهم إن العبرة باختلاف المطالع واتحادها فكل بلدين اتفقا في مطلع القمر فرؤيتهما واحدة وإن تباعدا جغرافياً .
أما هذه الحدود المصطنعة فلم يكن يقصدها القائلون بأن لأهل كل بلد رؤيتهم ، وإني أذكر على سبيل المثال أن هناك مدينة تابعة لسلطنة عمان تسمى البريمي ولكنها من الناحية الجغرافية واقعة في وسط مدينة العين التابعة لدولة الإمارات ، وعلى هذا التأويل غير الصحيح لقول الشافعية يراد لأهل البريمي أن يتركوا رؤية جيرانهم في مدينة العين ليأخذوا برؤية مدينة مسقط التي تبعد عنهم أكثر من ألف كيلو متر ، وهذا مثال واحد ومثله أمثلة كثيرة تبين أنه لا يصلح والله أعلم تطبيق قول الشافعية على الحدود الحالية للبلدان الإسلامية .
وعلى ذلك فالذي أراه أن قول الجمهور هو الصحيح ، خصوصاً وأن الظاهر أن سبباً مهماً من أسباب قول من قال بأن لأهل كل بلد رؤيتهم أنه لم يكن من السهولة إبلاغ خبر رؤية الهلال في بلد ما لجميع البلدان ، أما الآن فقد زال ذلك السبب ، وأصبح الخبر ينتقل بحمد الله من أقصى المعمورة إلى أقصاها في ثوان معدودات .
ومع ذلك فإنه إذا كان المسلم في بلد يأخذ علماؤه بقول الشافعية في أن لأهل كل بلد رؤيتهم فالذي نراه أن لا يخالف أهل بلده ، وأن يصوم معهم ويفطر معهم ، حتى لو تأولوه على غير وجهه الذي بيناه ، ما داموا يعتمدون على الرؤية لقوله صلى الله عليه وسلم : ( الصوم يوم تصومون ، و الفطر يوم تفطرون ، و الأضحى يوم تضحون ) [ أخرجه الترمذي من حديث أبي هريرة وصححه الألباني في الصحيحة ) وفي بعض الروايات : ( الصوم يوم يصوم الناس والفطر يوم يفطر الناس ) .
هذا كله إذ كانوا يعتمدون على الرؤية ، أما إذا كان أهل بلده يأخذون بالحساب الفلكي ، فإني أرى والله أعلم أن لا يتابع أهل بلده بل يتابع من رأى الهلال في أي بلد من بلدان المسلمين ، وذلك لأنه لا يجوز الأخذ بقول أهل الحساب في قول عامة أهل العلم إلا من شذ من المتأخرين ، بل قد نقل شيخ الإسلام ابن تيميه الإجماع على عدم جواز الاعتماد على الحساب الفلكي ، لكن حتى في هذه الحالة نرى أن لا يجهر الأخ المسلم بصيامه أو إفطاره من أجل عدم إحداث فتنة بين عامة المسلمين ، هذا والله تعالى أعلم .