arrow down

ما حد المرض الذي يبيح الفطر في رمضان؟

بقلم فضيلة البروفيسور/ الأمين الحاج محمد ( رئيس رابطة علماء المسلمين )

“فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ”1

من سمات شرعنا الحنيف بجانب رفع الآصار والأغلال التي كانت على الأمم السابقة، رفع الحرج عن هذه الأمة المرحومة، قال تعالى: “مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ”2، وقال: “يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ”3، فما من أمر فيه مشقة زائدة إلاَّ وقد رخَّص الشارع فيه.

من تلكم الرخص الشرعية الكثيرة التي تفضل الله بها على عباده، إباحة الفطر في رمضان للمريض الذي لا يقوى على الصيام.

ينبغي للمسلم أنْ لا يستنكف ولا يستكبر عن قبول الرخص، فالله عز وجل يحب أنْ تؤتى رخصه لمن كان محتاجاً لها، كما يحب أنْ تؤتى عزائمه لمن كان من أهل العزائم.

فقد روي عنه صلى الله عليه وسلم: “إنَّ الله يحب أنْ تؤتى رخصه كما يحب أنْ تؤتى عزائمه”4.

أمَّا بعد:

فهذا بيان لأقوال أهل العلم ومذاهبهم في حد المرض الذي يبيح لمن أصيب به الفطر في رمضان، وترجيح ما يؤيده النظر والآثار، وذلك لأنَّ الآية الكريمة اطلقت المرض، فهل كل مرض، خفيفاً كان أم ثقيلاً يبيح الفطر؟، أم هناك حد للمرض الذي يبيح الفطر عمَّا سواه؟.

وقبل الشروع في ذلك لابد من التنبيه والتذكير أنَّ العبادات والتكاليف الشرعية أمانة في عنق المسلم، فعليه أنْ لا يتهاون فيها ولا يفرط، وعليه كذلك أنْ لا يكلف نفسه ما لا طاقة لها به، فقد قال أرحم الراحمين: “ما نهيتكم عنه فاجتنبوه وما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم”5.

فالله أعلم بالنيات والسرائر، فلا تخف عليه خافية في الأرض ولا في السماء، وهو يعلم المفسد من المصلح، فمن عجز عن العمل فاليحسن نيته، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم في مخرجه إلى غزوة من غزواته: “إنَّ بالمدينة أقواماً ما سرتم مسيراً ولا قطعتم وادياً إلاَّ كانوا معكم”، قالوا يا رسول الله: وهم بالمدينة؟، قال: “وهم بالمدينة حبسهم العذر”6.

وعليك أخي المسلم أنْ تأخذ من شبابك لهرمك، ومن صحتك لمرضك، ومن فراغك لشغلك، وتذكر قول رسولك الناصح الأمين: “إذا مرض العبد أو سافر كتب له من الأجر ما كان يعمله وهو صحيح مقيم”7.

واعلم أن كلاً ميسر لما خلق له، فمن الناس من يفتح له في الصلاة، ومنهم من يفتح له فـي الصيـام، ومنهم من يفتح له في الصدقة، ومنهم من يفتح له في تلاوة القـرآن، في الأمر والنهي، في الجهاد، فإن عجزت عن الصيام فلا تعجز عمن سواه.

فالمؤمن أمره كله خير إنْ أصابته سرَّاء شكر فكان خيراً له، وإنْ أصابته ضرَّاء صبر فكان خيراً، وليـس هذا إلاَّ للمؤمن، كما أخبر الصادق المصدوق.

مذاهب أهل العلم في حد المرض المبيح للفطر:

ذهب أهل العلم في ذلك مذاهب شتى، ولهم في ذلك أقوال عدة، كل حسب ما أدَّاه إليه اجتهاده، والحق عند الله عز وجل واحد لا يتعدد، فمن اجتهد فأصاب الحق فله أجران، ومن اجتهد وكان من أهل الإجتهاد لا من الأدعياء فأخطأ، فله أجر.

ولنتذكر دائماً أنَّ الخلاف منه ما هو راجح وما هو مرجوح، وما هو ضعيف، وما هو شاذ مردود، وأنَّ الخلاف المجرد عن الدليل ليس بحجة، وأنَّ أقوال العلماء المقتدى بهم يحتج لها بالدليل، ولا تكون هي حجة على الدليل، كما هو مقرر عند علماء الأمة سلفاً وخلفاً.

للمريض أحوال مع الصوم، هي:

حال لا يطيق الصوم فيها، فيجب عليه الفطر.
حال لا يقدر على الصوم إلاَّ بضرر ومشقة، فيستحب له الفطر.
حال يخشى إذا صام أنْ يزداد مرضه أو يتأخر برؤه، فله الفطر.
حال ينصحه الطبيب المسلم الثقة أن الصوم فيه خطر على حياته، فله الفطر.
حال يمكنه الصوم من غير مشقة ظاهرة، فله أنْ يصوم.
حال جرَّب فيها الصوم من قبل ولم يؤثر ذلك على صحته، فله الصوم.

قال الإمام القرطبي رحمه الله في تفسير قوله تعالى: “مَّرِيضًا”: (للمريض حالتان:

إحداهما، لا يطيق الصوم بحال، فعليه الفطر واجباً.
الثانية، أنْ يقدر على الصوم بضرر ومشقة، فهذا يستحب له الفطر، ولا يصوم إلاَّ جاهل.

قال ابن سيرين: متى حصل الإنسان في حال يستحق بها اسم المرض صح الفطر، قياساً على المسافر، وإنْ لم تدع إلى الفطر ضرورة.

قال طريف بن تمَّام العُطاردي: دخلت على محمد بن سيرين في رمضان وهو يأكل، فلما فرغ قال: إنه وجعتْ اصبعى هذه.

وقال جمهور من العلماء: إذا كان به مرض يؤلمه ويؤذيه، أو يخاف تماديه، أو يخاف تزيده، صح له الفطر.

قال ابن عطية: وهذا مذهب حذاق أصحاب مالك، وبه يناظرون.

وأمَّا لفظ مالك: فهو المرض الذي يشق على المرء ويبلغ به.

وقال ابن خويزمنداد: واختلفت الرواية عن مالك في المرض المبيح للفطر، فقال مرة: هو خوف التلف من الصيام.

وقال مرة: شدة المرض، والزيادة، والمشقة الفادحة.

وهذا صحيح مذهبه، وهو مقتضى الظاهر، لأنَّه لم يخص مرضاً من مرض، فهو مباح في كل مرض إلاَّ ما خصه الدليل من: الصداع، والحمى، والمرض اليسير الذي لا كلفة معه في الصيام.

وقال الحسن ـ البصري ـ: إذا لم يقدر من المرض على الصلاة قائماً أفطر، وقاله النخعي.

وقالت فرقة: لا يُفطر بالمرض إلاَّ من دعته ضرورة المرض نفسه إلى الفطر، ومتى احتمل الضرر معه لم يفطر، وهذا قول الشافعي رحمه الله تعالى.

قلت: قول ابن سيرين أعدل شيء في هذا الباب إن شاء الله تعالى.

قال البخاري: اعتللت بنيسابور علة خفيفة، وذلك في شهر رمضان، فعادني إسحاق بن راهويه في نفر من أصحابه، فقال لي: أفطرت يا أبا عبد الله؟، فقلت: نعم، فقال: خشيت أنْ تضعف عن قبول الرخصة.

قلت: حدثنا عبدان عن ابن المبارك عن ابن جُريح قال: قلت لعطاء: من أي المرض أفطر؟، قال: من أي مرض كان، كما قال الله تعالى: “فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا”، قال البخاري: وهذا الحديث لم يكن عند إسحاق.

وقال أبو حنيفة: إذا خاف الرجل على نفسه وهو صائم إنْ لم يفطر أنْ تزداد عينه وجعاً، أو حُمَّاه شدة، أفطر)8.

قلت: وصف القرطبي رحمه الله لمَّا ذهب إليه ابن سيرين، بأنَّ قوله اعدل الأقوال فيه نظر، وذلك لأنَّ هناك أمراض لا تأثير للصيام عليها، نحو: الصداع، والحمى الخفيفة، وبعض الجراحات، ونحو ذلك.

وقياس المرض على السفر، قياس مع الفارق، لأنَّ السفر مظنة المشقة والتعب.

قال ابن قدامة رحمه الله في شرح ما قاله الخرقي: “وللمريض أنْ يفطر إذا كان الصوم يزيده في مرضه، فإنْ تحمل وصام، كره له ذلك، وأجزأه”: (أجمع أهل العلم على إباحة الفطر للمريض في الجملة، والأصل فيه قوله تعالى: “فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ”.

والمرض المبيح للفطر هو: الشديد الذي يزيد بالصوم، أو يخشى تباطؤ برئه، قيل لأحمد ـ ابن حنبل ـ: متى يفطر المريض؟، قال: إذا لم يستطع، قيل: مثل الحمى؟، قال: وأي مرض أشد من الحمى!.

وحكي عن بعض السلف أنه أباح الفطر بكل مرض، حتى من وجع الإصبع والضرس، لعموم الآية، ولأنَّ المسافر يباح له الفطر وإنْ لم يحتج إليه، فكذلك المريض.

ولنا9، أنه شاهد للشهر، لا يؤذيه الصوم فلزمه، كالصحيح. والآية مخصوصة في المسافر والمريض جميعاً، بدليل أنَّ المسافر لا يباح له الفطر في السفر القصير، والفرق بين المسافر والمريض، أنَّ السفر اعتبرت فيه المظنَّة، وهو السفر الطويل، حيث لم يكن اعتبار الحكمة بنفسها، فإنَّ قليل المشقة لا يبيح، وكثيرها لا ضابط له في نفسه، فاعتبرت بمظنتها وهو السفر الطويل، فدار الحكم مع المظنة وجوداً وعدماً، والمرض لا ضابط له، فإنَّ الأمراض تختلف، فمنها ما يضر صاحبه الصوم، ومنها ما لا أثر للصوم فيه، كوجع الضرس، وجرح في الإصبع، والدمل، والقرحة اليسيرة، والجرب، وأشباه ذلك، فلم يصلح المرض ضابطاً، وامكن اعتبار الحكمة، وهو ما يخاف منه الضرر، فوجب اعتباره بذلك.

فإذا ثبت هذا، فإنْ تحمل المريض وصام مع هذا، فقد فعل مكروهاً، لما يتضمنه من الإضرار بنفسه، وتركه تخفيف الله تعالى، وقبول رخصته، فإذا تحمله أجزاه، كالمريض الذي يباح له ترك الجمعة إذا حضرها، والذي يباح له ترك القيام في الصلاة إذا قام فيها)10.

وقال الإمام النووي رحمه الله: (المريض العاجز عن الصوم لمرض يرجى زواله، لا يلزمه الصوم في الحال، ويلزمه القضاء،… إذا الحقه مشقة ظاهرة بالصوم، ولا يشترط أنْ ينتهي به إلى حالة لا يمكنه فيها الصوم، بل قال أصحابنا: شرط إباحة الفطر أنْ تلحقه بالصوم مشقة يشق احتمالها…، وأمَّا المرض اليسير الذي لا يلحق به مشقة ظاهرة، لم يجز له الفطر بلا خلاف عندنا، خلافاً لأهل الظاهر.

قال أصحابنا: ثمَّ المرض المجوز للفطر إنْ كان مطبق11، فله ترك النية بالليل12، وإنْ كان يحم وينقطع، ووقت الحمى لا يقدر على الصوم، وإذا لم تكن حمى يقدر عليه، فإن كان محموماً وقت الشروع في الصوم فله، وإلاَّ فعليه أنْ ينوي من الليل، ثمَّ إنْ عاد المرض واحتاج إلى الفطر افطر، والله أعلم. وإذا أصبح صائماً ثمَّ مرض، جاز له الفطر بلا خلاف)13.
الخلاصة

أولاً: أنَّ الفطر في رمضان للمريض رخصة، والرخصة تستعمل عند الحاجة إليها.

ثانياً: إذا كان الصوم يزيد في مرضه، أو يؤخر برؤه، يجب عليه الفطر.

ثالثاً: إذا كان المريض يمكنه الصوم بمشقة شديدة وعناءً، لا يجب عليه الصوم.

رابعاً: إذا منعه الطبيب المسلم، الحاذق، الثقة عن الصوم، فلا يصوم.

خامساً: هناك أمراض يغلب على الظن خطورة الصوم معها، نحو مرض الكلى، والسكر، وما شابههما، فالأولى استشارة الطبيب المختص قبل الصيام.

سادساً: الأمراض التي لا يؤثر الصيام فيه، فلا يفطر بسببها.

قال الوزير ابن هبيرة الحنبلي رحمه الله: (هل يفطر الصائم بالفصد؟، فقال أبو حنيفة، ومالك، والشافعي: لا يفطر بالفصد.

وقال أحمد: يفطر الصائم بالفصد، وعن أحمد: أنَّه لا يفطر بالفصد، وهو الصحيح من مذهب أحمد، ذكره في “المحرر”14، رواية واحدة)15.

اللهم بلغنا رمضان، وأعنا على الصيام، والقيام، واحفظ الجوارح من مفارقة الآثام، ووفقنا لبر الوالدين، وصلة الأرحام، وصلى الله وسلم على خير من صلى، وحج، واعتكف، وصام، وعلى آله وصحبه الكرام، والتابعين لهم بإحسان.