arrow down

أمور الغيب التي اختص الله تعالى بعلمها


أجاب فضيلة د. عبدالله بن فيصل الأهدل ( عضو رابطة علماء المسلمين )


السؤال: يقول الله تعالى: {وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} [الأنعام:59] .

1- اختص الله بمعرفة أمور غيبية لا يعلمها غيره منها: معرفة ما في الأرحام, ومع تطور العلم الحديث أصبح باستطاعة الإنسان معرفة ما في الأرحام. فما تعليقكم؟

2- يذكر الله في نفس الآية بعد الأمور الغيبية الخمسة أموراً أخرى يعلمها, كمعرفة كل المتحركات والسواكن وحتى الورقة عندما تسقط يعلم بذلك الله؛ فلماذا لم تدخل هذه الأمور ضمن الغيبيات الخمس؟

الجواب:

1- علم ما في الأرحام من خصائص علم الله, كما في قوله تعالى: {وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ} [لقمان:34], وأما ما ورد في السؤال من أنه أصبح باستطاعة الإنسان معرفة ذلك؛ فهذا لا يمكن أن يقع؛ لأنه مخالف للآية, ولكن قد يكون الإنسان قد عرف شيئاً مما في الأرحام, كما يقال: إنه عرف الذكورة والأنوثة, ولكن ليس معنى هذا أنه علم ما في الأرحام؛ لأن لفظ: {مَا فِي الأَرْحَامِ} عام لكل أرحام الحيوان, ولا يقتصر ما فيها على الذكورة والأنوثة, وإنما يعلم كل ما فيها وما يتصل بها وما يتعلق بها من أرزاقها وسعادتها وشقاوتها وأعمارها وطبائعها وتقلباتها وشمائلها وأخلاقها, وغير ذلك مما لا يحصيها إلا بارئ الخلق. وكون الإنسان عرف شيئاً؛ فإن ذلك لا يتعارض مع الآية؛ فهي عامة لكل ما في الأرحام, وهيهات للإنسان معرفة ذلك.

2- أما أنه: لماذا لم تدخل هذه الأمور ضمن مفاتح الغيب مع أنها جزء منها؟

أقول: إنما اختصت هذه الأشياء بالذكر لعظمها, ولما فيها من العجائب, فقوله: {وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ} فالبر يشمل الناس والمدن والقرى والجبال والوديان والحيوانات باختلاف أنواعها؛ فإنه يعلم أحوالها جميعاً في وقت واحد لا يتداخل عليه علم هذا في هذا فسبحان الله. وكذا علم البحر وما تسقط من ورقة ولا حبة.. إلخ. فإذا كان الله قد علم فمن باب أولى أن يعلم ما هو أظهر منها, وهذا يسمى عند العلماء بعطف الخاص على العام, فعلم الغيب عام وهذه الأمور أمور جزئية منه, وإنما يعطف الخاص على العام إما إشارة إلى تعظيمه أو التنبيه إليه أو الاهتمام به أو لأي غرض آخر, وفي القرآن أمثلة كثيرة لذلك, منها قوله تعالى: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} [البقرة:238] فالصلوات تشمل الوسطى أيضاً, وإنما اختصت بالذكر لمكانتها وعظمها, ولذا جاء في الحديث: «من لم يصل العصر حبط عمله». وكذلك في السنة ,من ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه, وعن شبابه فيما أبلاه, وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه, وعن علمه ماذا عمل به» مع أن الشباب مرحلة جزئية من مراحل العمر, وخص بذلك دون بقية مراحل العمر لخطورتها وأهميتها, وهو من باب عطف الخاص على العام, والله أعلم.