arrow down

متى يكون الخلاف في الدين معتبراً ؟

السؤال :

متى يكون الخلاف في الدين معتبراً وهل لكم من كلمة توجيهية في أدب الخلاف ؟

الجواب :

 يكون الخلاف في الدين معتبراً حينما يكون كلا الرأيين غير مخالف لنص قطعي من كتاب أو سنة أو إجماع ، فقد يكون في المسألة آية أو حديث صحيح ولكن تكون دلالته محتملة فتختلف أفهام العلماء في معرفة معناه، وقد يكون في المسألة عدة أحاديث تحتاج إلى الجمع بينها فيختلف أهل العلم في ذلك ،وقد يكون في المسألة حديث ولكن يختلف أهل العلم في تصحيحه ،وما أشبه ذلك من الحالات فحينئذ يكون الخلاف معتبراً ،وليس لمن أخذ بأحد القولين أن يعادي الآخر أو ينسبه إلى بدعة أو ضلالة ، قال شيخ الإسلام ابن تيميه : (( مسائل الاجتهاد من عمل فيها بقول بعض العلماء لم ينكر ولم يهجر ،ومن عمل بأحد القولين لم ينكر عليه)).[مجموع الفتاوى : 20/207] ،وفي موضع آخر عرف مسائل الاجتهاد قائلاً : (( والصواب الذي عليه الأئمة أن مسائل الاجتهاد ما لم يكن فيه دليل يجب العمل به وجوباً ظاهراً مثل حديث صحح لا معارض له من جنسه )).[بيان الدليل على بطلان التحليل ص:210] ،وقد اختلف الصحابة ومن بعدهم في كثير من المسائل حتى مما يدخل في باب الاعتقاد كتنازعهم في رؤية رسول الله صلى الله عليه وسلم ربه ليلة المعراج ،وكتنازعهم في أفضلية عثمان على علي أو العكس ،ومع ذلك لم يبدع بعضهم بعضاً ،ومثل هذا الاختلاف هو الذي قال فيه قال يحيى بن سعيد القطان كما في سير أعلام النبلاء : (( ما برح أولو الفتوى يختلفون، فيحل هذا ويحرم هذا، فلا يرى المحرم أن المحل هلك لتحليله، ولا يرى المحل أن المحرم هلك لتحريمه)).

وليس معنى ذلك عدم جواز البحث والمناظرة في مثل هذه المسائل الاجتهادية ،وأن يحاول كل فريق إقناع الآخر بدليله وحجته ،وإنما المقصود فقط هو عدم الإنكار على من أخذ بأحد القولين ، قال شيخ الإسلام ابن تيمية بعد كلام له في مسائل الخلاف : (( ... ولهذا قال المصنفون في الأمر بالمعروف والنهي عن المكر من أصحاب الشافعي وغيره : إن مثل هذه المسائل الاجتهادية لا تنكر باليد، وليس لأحد أن يلزم الناس باتباعه فيها، ولكن يتكلم فيها بالحجج العلمية، فمن تبين له صحة أحد القولين: تبعه، ومن قلد أهل القول الآخر فلا إنكار عليه ونظائر هذه المسائل كثيرة)) [مجموع الفتاوى : (30/80)]

 أما إذا كان أحد الأقوال مخالفاً لنص قطعي لا يحتمل إلا قولاً واحداً ،أو كان مخالفاً لإجماع المسلمين فلا عبرة به، ويجب الإنكار على صاحبه ،وذلك كقول الرافضة في صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم من تكفيرهم وسبهم ولعنهم ،وكذلك يجب إنكار منهج من يحاول التقريب بين أهل السنة والشيعة واعتبار أن كليهما مذهب حق يجوز التعبد به ،وكذلك القول بتعطيل صفات الله عز وجل ونفيها ،وكذلك قول من يرى أن الشريعة الإسلامية غير صالحة للتطبيق في هذا الزمان ،أو من يقول بفكرة الخلط بين الإسلام وغيره من الأديان،وغير ذلك ،والمرجع في معرفة مخالفة القول للنصوص القطعية والإجماع هو إلى أهل العلم الأثبات .

وعلى ذلك فإني أنصح الشباب أن يتأدبوا بأدب الخلاف في الإسلام ،فلا ينكروا إلا ما كان خطأ بيناً واضحاً ،وأن يعلموا أنه ما من أحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم إلا ويتوقع منه الخطأ ،وأن هناك فارقاً بين رجل مبتدع جعل الدفاع عن البدعة شأنه وديدنه ،وبين رجل لا يعلم عنه في الجملة إلا أنه من أهل السنة والجماعة ،ولكنه أخطأ في بعض المسائل فوافق فيها بعض قول أهل البدع ،فكلاهما يرد قوله لكن الأول يغلظ له ويشهر به ،والثاني يبين خطؤه دون تبديع أو تضليل قال ابن أبي العز في شرح الطحاوية : (( وهذا أمر متيقن به في طوائف كثيرة وأئمة في العلم والدين ،وفيهم بعض مقالات الجهمية أو المرجئة أو القدرية أو الشيعة أو الخوارج ،ولكن الأئمة في العلم والدين لا يكونون قائمين بجملة تلك البدع بل بفرع منها ،ولهذا انتحل أهل هذه الأهواء لطوائف من السلف ،فمن عيوب أهل البدع تكفير بعضهم بعضاً ،ومن ممادح أهل العم أنهم يُخَطِّئون ولا يكفرون )).هذا والله تعالى أعلم

أجاب عنه

د. عبدالآخر حماد الغنيمي

عضو رابطة علماء المسلمين

الثلاثاء 26 / ذو الحجة / 1437هـ

 

27  / سبتمبر / 2016م