arrow down

حكم مشاركة أهل الكتاب في أعيادهم، وإظهار مظاهر الفرح، وبذل الهدايا والتهاني فيها؟

السؤال:

شيخي المفضال: هل يجوز مشاركة أهل الكتاب في أعيادهم، وإظهار مظاهر الفرح، وبذل الهدايا والتهاني فيها؟

الجواب:

بسم الله الرحمن الرحيم

أخي السائل: أعزك الله بطاعته، ووفقنا وإياك إلى مرضاته، وبعد....

لقد حفظ الإسلام حقّ أهل الكتاب من أهل الذمة والمستأمنين، فجاءت بعض أحكامه ترغب بعيادتهم، وإجابة دعوتهم إذا تجردت عن الملابس المحظور، وتلبية غوثهم، ومواساتهم بالمال من مفقرةٍ أو حاجةٍ ألمت أو ضرورة أحلت، والوصاية بصيانتهم.

فعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ في عيادة أهل الكتاب: كَانَ غُلاَمٌ يَهُودِيٌّ يَخْدُمُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، فَمَرِضَ، فَأَتَاهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَعُودُهُ، فَقَعَدَ عِنْدَ رَأْسِهِ، فَقَالَ لَهُ: «أَسْلِمْ»، فَنَظَرَ إِلَى أَبِيهِ وَهُوَ عِنْدَهُ فَقَالَ لَهُ: أَطِعْ أَبَا القَاسِمِ، فَأَسْلَمَ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ يَقُولُ: «الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ مِنَ النَّارِ» أخرجه: البخاري في صحيحه.

وَعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ في إجابة دعوتهم، أَنَّ يَهُودِيّاً دَعَا النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم إِلَى خُبْزِ شَعِيرٍ وَإِهَالَةٍ سَنِخَةٍ، فَأَجَابَهُ" أخرجه أحمد في مسنده.

وعن عائشة رضي الله عنها، في تلبية غوثهم أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلمكَانَ لا يقاتل , عن أحد من أهل الشرك إلا عن أهل الذمة" أخرجه: البزار في مسنده.

وعَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ في مواساتهم وقد سُئِلَ عَنِ الصَّدَقَةِ فِي مَنْ تُوضَعُ؟ فَقَالَ: فِي أَهْلِ الْمَسْكَنَةِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَأَهْلِ ذِمَّتِهِمْ، وَقَالَ: وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم «يَقْسِمُ فِي أَهْلِ الذِّمَّةِ مِنَ الصَّدَقَةِ وَالْخُمُسِ» أخرجه: ابن أبي شيبة في مصنفه.

وعن صِلَةَ بْنِ زُفَرَ. قَالَ: أَبْصَرَ عُمَرُ شَيْخًا، يَسْأَلُ، فَقَالَ: «مَالَكَ؟» فَقَالَ: لَيْسَ لِي مَالٌ وَأَنَا تُؤْخَذُ مِنِّي الْجِزْيَةُ، قَالَ: وَهُوَ شَيْخٌ كَبِيرٌ، فَقَالَ عُمَرُ: «مَا أَنْصَفْنَاكَ إِنْ أَكَلْنَا شَبِيبَتَكَ، ثُمَّ نَأْخُذُ مِنْكَ الْجِزْيَةَ»، ثُمَّ كَتَبَ إِلَى عُمَّالِهِ أَلَّا يَأْخُذُوا الْجِزْيَةَ مِنْ شَيْخٍ كَبِيرٍ" أخرجه: ابن زنجويه في الأموال .

وعَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في الوصاية بهم، قَالَ:"أُوصِي الخَلِيفَةَ مِنْ بَعْدِي بِالْمُهَاجِرِينَ الأَوَّلِينَ خَيْرًا، أَنْ يَعْرِفَ لَهُمْ حَقَّهُمْ، وَأَنْ يَحْفَظَ لَهُمْ حُرْمَتَهُمْ، وَأُوصِيهِ بِالأَنْصَارِ خَيْرًا الَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ أَنْ يُقْبَلَ مِنْ مُحْسِنِهِمْ، وَيُعْفَى عَنْ مُسِيئِهِمْ، وَأُوصِيهِ بِذِمَّةِ اللَّهِ، وَذِمَّةِ رَسُولِهِ أَنْ يُوفَى لَهُمْ بِعَهْدِهِمْ، وَأَنْ يُقَاتَلَ مِنْ وَرَائِهِمْ وَأَنْ لاَ يُكَلَّفُوا فَوْقَ طَاقَتِهِمْ " أخرجه: البخاري في صحيحه.

وجاءت بعض أحكام الإسلام تمنع من ظلمهم والاعتداء عليهم في دينهم وأنفسهم وأعراضهم وأموالهم من ذلك:

قوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾[البقرة: 256] .

وقوله تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾[الممتحنة: 8].

وعن أَبي ذَرٍّ، قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّكُمْ سَتَفْتَحُونَ أَرْضًا يُذْكَرُ فِيهَا الْقِيرَاطُ، فَاسْتَوْصُوا بِأَهْلِهَا خَيْرًا، فَإِنَّ لَهُمْ ذِمَّةً وَرَحِمًا، فَإِذَا رَأَيْتُمْ رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ فِي مَوْضِعِ لَبِنَةٍ، فَاخْرُجْ مِنْهَا» أخرجه: مسلم في صحيحه.

وعَن سُلَيمان بْنِ بُرَيدة، عَن أَبيهِ، رَضِي اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "لأَهْلِ الذِّمَّةِ مَا أَسْلَمُوا عَلَيْهِ مِنْ أَمْوَالِهِمْ وَأَرَضِيهِمْ وَذَرَارِيِّهِمْ وَعَبِيدِهِمْ وَمَاشِيَتِهِمْ لَيْسَ عَلَيْهِمْ فِيهَا إلاَّ الصَّدَقَةُ" أخرجه: البزار في مسنده.

وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رضي الله عنهما، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا لَمْ يَرِحْ رَائِحَةَ الجَنَّةِ، وَإِنَّ رِيحَهَا تُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا» أخرجه: مسلم في صحيحه.

وعن صَفْوَانِ بْنِ سُلَيْمٍ، عَنْ عِدَّةٍ، مِنْ أَبْنَاءِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، عَنْ آبَائِهِمْ دِنْيَةً عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «أَلَا مَنْ ظَلَمَ مُعَاهِدًا، أَوِ انْتَقَصَهُ، أَوْ كَلَّفَهُ فَوْقَ طَاقَتِهِ، أَوْ أَخَذَ مِنْهُ شَيْئًا بِغَيْرِ طِيبِ نَفْسٍ، فَأَنَا حَجِيجُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" أخرجه: أبو داود في سننه، وصححه الألباني.

وعَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، أَنَّ هِشَامَ بْنَ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ، وَجَدَ رَجُلًا وَهُوَ عَلَى حِمْصَ يُشَمِّسُ نَاسًا مِنَ الْقِبْطِ فِي أَدَاءِ الْجِزْيَةِ، فَقَالَ: مَا هَذَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِصلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ يُعَذِّبُ الَّذِينَ يُعَذِّبُونَ النَّاسَ فِي الدُّنْيَا» أخرجه: أبو داود في سننه وصححه الألباني.

وعَنْ أَبِي بَكَرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مَنْ قَتَلَ نَفْسًا مُعَاهَدَةً بِغَيْرِ حِلِّهَا، حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ أَنْ يَجِدَ رِيحَهَا" أخرجه: أحمد في مسنده، وقال شعيب الأرنؤوط إسناده صحيح.

وعَنْ رَجُلٍ، مِنْ جُهَيْنَةَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لَعَلَّكُمْ إِنْ تُقَاتِلُوا قَوْمًا فَتَظْهَرُونَ عَلَيْهِمْ فَيَتَّقُونَكُمْ بِأَمْوَالِهِمْ دُونَ أَنْفُسِهِمْ وَأَبْنَائِهِمْ، فَيُصَالِحُوكُمْ، فَلَا تُصِيبُوا مِنْهُمْ غَيْرَ ذَلِكَ» أخرجه: عبد الرزاق في مصنفه.

ومعلومٌ أنّ اللهَ جلّ وعلا قد خصّ كلَّ أمةٍ بشرعة وأمرهم بمراعاتها وامتثال أحكامها، قال تعالى: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} [المائدة: 48].

ولقد أوحى الله للنبي محمد صلى الله عليه وسلم وأمته بشريعةً خاتمة، وأقامها ناسخةً للشرائع قبلها، فاقتضى ذلك ألا يدين الناس بعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم عرباً كانوا أو عجماً، أهل كتاب أو أهل وثن إلا بها، وأن يَدَعُوا ما هم عليه من شرائع وضلالات، عنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكِتَابٍ أَصَابَهُ مِنْ بَعْضِ أَهْلِ الْكُتُبِ، فَقَرَأَهُ عَلَى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَغَضِبَ وَقَالَ: «أَمُتَهَوِّكُونَ فِيهَا يَا ابْنَ الْخَطَّابِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ جِئْتُكُمْ بِهَا بَيْضَاءَ نَقِيَّةً، لَا تَسْأَلُوهُمْ عَنْ شَيْءٍ فَيُخْبِرُوكُمْ بِحَقٍّ فَتُكَذِّبُوا بِهِ، أَوْ بِبَاطِلٍ فَتُصَدِّقُوا بِهِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ مُوسَى كَانَ حَيًّا، مَا وَسِعَهُ إِلَّا أَنْ يَتَّبِعَنِي» أخرجه: أحمد في مسنده، وحسنه الألباني.

والواقع على مدى الأزمان، واختلاف الأماكن والأمصار يشهدُ أنّ منهم من صدّقَ وآمن بشريعة الإسلام، وأنّ منهم من كذّب وأبى.

فأمّا الذين كذّبوا بمبعث النبي صلى الله عليه وسلم وأبوا شريعته لم يزالوا على دينهم وشريعتهم سواءٌ كانت على حقيقتها التي أَوحى الله لرسلهم بها، أو كانت مبتدعةً ومُحرَّفةً، ومن جملة أحكام شريعتهم الأعياد، والعيد يتألف من عبادةٍ وعادةٍ، ما يعني أنّه توقيف على الشارع، وأنّه جزءٌ من وحيه المنزل، ولا يخلو أن يكونوا ضيعوا ذلك واستحدثوا غيره أو أنهم أبقوه وأضافوا إليه غيره.

وقد ذكرتُ آنفاً أنّ شريعة الإسلام التي أنزلت على رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم جاءت ناسخةً للشرائع قبلها، فلزم من ذلك المنعُ من أن نصلي بصلاتهم أو أن نصوم بصيامهم أو نحج بحجهم أو نعيّد بأعيادهم، فيتقرر بهذا عدمُ جوازِ الاحتفال بأعيادهم ولا إظهار ما يُظهرونه من العوائد والطقوس، ولا المجاملات ببذل الهدايا ونحوها، قال تعالى: [وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً] [الفرقان:72].

قال ابن عباس: أن الزور هنا أعياد المشركين وكنائسهم. [مكي بن أبي طالب/ الهداية الى بلوغ النهاية (8/ 5264)]، [تفسير القرطبي (13/79)].

وَقَالَ مُجَاهِدٌ:يَعْنِي أَعْيَادَ الْمُشْرِكِينَ. [تفسير البغوي (6/ 98)].

وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ، وَلِأَهْلِ الْمَدِينَةِ يَوْمَانِ يَلْعَبُونَ فِيهِمَا، فَقَالَ: " قَدِمْتُ عَلَيْكُمْ وَلَكُمْ يَوْمَانِ تَلْعَبُونَ فِيهِمَا، فَإِنَّ اللهَ قَدْ أَبْدَلَكُمْ يَوْمَيْنِ خَيْرًا مِنْهُمَا، يَوْمَ الْفِطْرِ، وَيَوْمَ النَّحْرِ " أخرجه: أحمد في مسنده، وصححه الألباني. والله أعلم.

أجاب عنه

أ.د. سلمان بن نصر الداية

عضو رابطة علماء المسلمين

الأحد 26 / ربيع الأول / 1438هـ

25 / ديسمبر / 2016م