arrow down

حكم الاعتصام للحصول على الحقوق

السؤال:

بسم الله الرحمن الرحيم السلام عليك فضيلة الشيخ، نحن مجموعة من الثوار تم ترشيحنا إلي دورة خارجية  لدراسة اللغة الإنجليزية من قبل هيئة المحاربين ووزارة العمل حيث كان على وزارة العمل التنفيذ وهيئة المحاربين عليها إعداد كشوفات أسماء الثوار المستهدفين في الدورة والدعم المالي. تم ترشيح حوالي 1700 ثائر لدمجهم في هذا البرنامج  وتخصيص قيمة مالية لهم، فلما طالبت هيئة المحاربين وزارة العمل بالتنفيذ بدأت في المماطلة والتأخير لأسباب نجهلها، فألغت الهيئة تعاقدها مع الوزارة، وتعاقدت مع شركة حكومية اسمها شركة التطوير، وتم العمل في هذا البرنامج وفق خطة لم نعلم تفاصيلها حتى الآن، ولا كيفية التنفيذ.

في سنة 2014 تم إعداد برنامج لتدريب الدفعة الأولى من المستهدفين وعددهم 20 طالب أعزب، وكانت بلد الدراسة التي يفترض أن يذهبوا إليها هي بريطانيا، وتم إرسالهم إلي تونس لاستخراج التأشيرات بحكم أن السفارات لا تعمل في ليبيا، ولسوء الوضع السياسي لم يتحصلوا علي التأشيرات، فعرضت الشركة المنفذة على هيئة المحاربين أن تغير وجهة الدراسة  إلي تركيا لأنها هي الوحيدة التي كانت مفتوحة آن ذاك، فتم إرسالهم إلي تركيا، وتم تحديد برنامج خاص بهم من سكن ومواصلات ودراسة وكل ما تحتاجه.

في سنة 2015 في شهر ستة تم إرسالنا  نحن العشرين طالباً متزوجاً إلي نفس البلد بنفس الخطة، فلما التقينا مع بعض من الشباب العزاب قالوا لنا: إن الهيئة وشركة التطوير يسرقون منحتنا، وأن هذا ليس حقنا المنصوص عليه في القرارات التي أعدتها وزارة العمل، والتي استندت عليها الهيئة في تنفيذ البرنامج، وقالوا لنا: إنهم طالبوا بحقوقهم ولكن دون جدوى وأنَّهم يماطلون ويراوغون (هذا كلامهم).

بعد وصلونا إلي تركيا التقينا بمدير الهيئة، وشرح لنا معاناتهم في إخراج هذه الدفعات من ليبيا في الأوقات الصعبة التي تمر بها البلاد، فلما قلنا له: إن المنحة التي تعطونها للموفد ليست حقه، إنما هي ناقصة. فقال: أحضروا لي القرارات والقوانين التي تقول أن منحة الموفد ليس هذه القيمة التي نعطيها له ونحن نصرف له القيمة المحددة له. فلما أحضرنا له هذه الإثباتات وطالبنا بتوضيح كيفية صرف المنحة والخدمات، حيث إن هذه المستندات والقرارات أصدرتها وزارة العمل مسبقاً. قالوا لنا: سنستفسر من وزارة العمل ونرد عليكم وبدأوا في المماطلة وعدم الرد، وكلما نكلمهم يقولوا: وزارة العمل لم ترد علينا. وفي هذه معهم الحق؛ لأن الوزارة في الوقت الحالي أصبحت هيئة وأوراقها ومكاتبها غير مرتبة، وكل ما يذهبوا إليها لا يجدون أحداً، ونحن طالبنا بالتوضيح لا أكثر.

على العموم، لما وجدنا عدم الرد من المسؤلين، قررنا بإيقاف الدراسة (اعتصام)، فقالوا لنا: اذهبوا إلي الدراسة، وعندما يأتينا الرد سنوافيكم به، ولكن الشباب قالوا: إن ذهبنا إلي الدراسة فلن يوفونا بحقوقنا؛ لأنه إذا انقضت نصف مدة الدراسة سقط حقك في أي شيء، مع العلم أن الشركة قد دفعت إجارات الشقق والمواصلات ورسوم الدراسة في الجامعة والمعاهد، فهل الاعتصام وإيقاف الدراسة يجوز شرعاً أم لا؟ مع العلم أن إيقاف الدراسة يترتب عليه خسارة كبيرة لنا وللمال العام، وفي إيقاف الدراسة وجدنا اهتمام المسؤولين بنا ...... أفيدونا أفادكم الله وجزاكم الله عنا خير الجزاء.

الجواب:

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد؛

فإنَّ الاعتصامات والوقفات الاحتجاجية من الوسائل المعاصرة في التعبير عن الرأي، والمطالبة بالحقوق؛ إذ تلفت انتباه المسؤولين إلى مطالب بعض الفئات المتضررة.

ولا شك أنَّ المطالبة بالحق من حيث المبدأ مشروعة، بل هي من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر المأمور به شرعاً، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: " من رأى منكم منكراً فليغيره، فإن لم يستطع فبلسانه، ومن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان ". رواه مسلم.

لكن، للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ضوابط لابد من مراعاتها، ومن أهمها: ألا يؤدي إنكار المنكر إلى منكر أعظم منه.

وعليه، فإنَّه لا يمكن الحكم على كل الاعتصامات والوقفات الاحتجاجية بحكم واحد، بل يختلف حكمها باختلاف مقاصدها، ومآلاتها، وما يقارنها من أعمال، ولا يكون الاعتصام أو الاحتجاج جائزاً إلا إذا تحقَّقت فيه هذه الشروط:

أولاً: أن تكون المطالب في ذاتها مشروعة، فلا يجوز الاعتصام لتحصيل مصالح شخصية، أو أغراض لا يقرها الشرع، كالمطالبة بفتح خمارات، أو دور دعارة، ونحوها.

ثانياً: ألا يترتب على الاعتصام ضرر أكبر من المصلحة المرجوة منه، فلا يجوز تحصيل مصلحة خاصة بدفع مصلحة عامة، كمن يقوم بإغلاق المؤسسات الحيوية كالمستشفيات أو المدارس أو الطرقات العامة لأجل الحصول على مطالب خاصة.

ثالثاً: ألا يصاحب الاعتصام أو الوقفة الاحتجاجية أي منكرات، كالاختلاط، أو الضجيج، أو العبارات النابية، أو استعمال السلاح، أو إغلاق الطرق.

رابعاً: أن تسمح أنظمة الدولة بمثل هذه الوقفات الاحتجاجية، وأن يحصل المحتجون على تصريح بذلك، حتى لا يكون ذريعة للفوضى، أو أن يستغل من قبل بعض المفسدين.

فإذا تقرر هذا، تبين عدم جواز هذا الاعتصام الذي تنون القيام به؛ لما فيه من إضاعة للمال العام-كما جاء في نص السؤال-، وترك الدراسة، وإنما الواجب أن تستمروا في دراستكم مع المطالبة بحقوقكم المشروعة. والله أعلم.

أجاب عنه

د. نادر العمراني السنوسي

عضو رابطة علماء المسلمين

السبت 3 / ذي القعدة / 1437هـ

6 / أغسطس / 2016م