arrow down

حكم الاحتفال بالأعياد الوطنية

بسم الله الرحمن الرحيم

السؤال: أصحاب الفضيلة العلماء.. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،

اعتادت الدول أن تجعل يوما معينا من السنة يعظم فيه الوطن من الحكومة والشعب يسمونه اليوم الوطني، فيعود بعود السنة فيحتفى به، ولم يكن معروفا في المملكة العربية السعودية ثم أحدث، وهو الثالث والعشرون من سبتمبر، وقد عبر عنه بواحد الميزان، ولم يكن له كبير شأن ولا ذكر إلا في وسائل الإعلام، ولم يكن أكثر الناس يعرفه تحديدا، ولم يكن يحتفى به في داخل المملكة حتى صدر قرار وزاري باعتبار ذلك اليوم إجازة عامة لموظفي الدولة والشركات والمؤسسات والطلاب، فسار الناس يفرحون به فرحهم بالعيد، فما حكم هذا اليوم؟ وما حكم تعظيمه؟ فقد كثر الخوض في ذلك وتكلم من تكلم فيه، فبينوا لنا الحق الذي تقتضيه أصول الشريعة ومقاصدها، فقد كثر من يُلبس على الناس، ويدافع عن الاحتفاء به وتعظيمه، ويزعم أن في ذلك مصلحة للوطن والمواطنين، سددكم الله وأجزل مثوبتكم.

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته،

الجواب:

الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين،

أما بعد: فقد روى أبو داوود والنسائي بإسناد صحيح عن أنس رضي الله عنه قال: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما، فقال صلى الله عليه وسلم: " قد أبدلكم الله بهما خيراً منهما: يوم الأضحى ويوم الفطر".

في هذا الحديث دلالة على أنه كان لأهل المدينة في جاهليتهم يومان معيّنان يلعبون فيهما، فهما عيدان جاهليان، وقد أبطلهما النبي صلى الله عليه وسلم بما شرع الله من عيد الفطر وعيد الأضحى، وبين صلى الله عليه وسلم أن الله أغناهم عن عيدي الجاهلية بعيدين في الإسلام, وقد ترك الصحابة عيدي الجاهلية وأهملوهما, واستغنوا بعيد الفطر والأضحى، ونُسي ذانك العيدان، فلم يكن لهما ذكر في الإسلام، ومضى على ذلك التابعون وتابعو التابعين ومن تبعهم بإحسان، لا يعظمون من الأيام والشهور إلا ما عظّمه الله، فلم يتخذوا يوما من الأيام عيدا إلا ما شرع الله لهم.

وقد حدث في العصور المتأخرة بعد القرون المفضلة أن تشبه بعض المسلمين بالكفار في أعيادهم، إما بتعظيم أعياد الكفار ومشاركتهم فيها أو بإحداث أعياد على نحو أعياد الكفار من النصارى وغيرهم، كعيد مولد الرسول صلى الله عليه وسلم.

ومن عوائد الكفار في هذه الأعصار وما قبلها أن يجعلوا لكل حدث يتعلق بالأمة مناسبة فيجعلون له يوما يتذكرون فيه هذا الحدث سواء أكان فرحا أم ترحا كما ابتدعت الرافضة يوم عاشوراء يوم حزن وجزع على مقتل الحسين.

ومن أعياد الكفار ما يرتبط ببعض المعاني، كعيد الحب وعيد الزهور وعيد رأس السنة، وقد عظمت في المسلمين فتنة التشبه بالكفار في هذا وغيره، وشاركوا الكفار في أعيادهم وأحدثوا لهم أعيادا على نحو عادة الكفار، وهي أعياد ولو سميت أياما، فالعيد ما يعود ويتكرر، وهذه الأيام كذلك ولو غالط المغالطون، فإنه ينطبق عليها حقيقة العيد، ومن هذه الأعياد التي فيها مضاهاة للكفار والمتشبهين بهم ما يسمى باليوم الوطني أو العيد الوطني. فالاحتفاء بهذا اليوم وتعظيمه وإظهار الفرح به وفيه، وتخصيصه بأعمال ولباس وتفريغ للناس من أعمالهم كذلك بجعله إجازة وفرض ذلك على الناس بما في ذلك المؤسسات والشركات الخاصة، ومعاقبة من لم يلتزم به.

كل ذلك من التشبه الظاهر بالكفار، الذي دلت نصوص الشرع وأصوله ومقاصده على تحريمه، وهو إحداث عيد نحو أعياد الجاهلية قديمها وحديثها، وهو مع ذلك يتضمن المفاسد التي يرتكبها الناس في أيام فرحهم، ويتضمن تعطيل مصالح المسلمين وظلم الشركات والمؤسسات الخاصة بفرض ذلك عليهم، ولذلك أفتى العلماء في المملكة العربية السعودية -ممن ماتوا قبل أن تتغير الأحوال- أفتوا بتحريم هذه الأعياد الجاهلية السنوية، ومن ذلك ما جاء في فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ -رحمه الله- مفتي البلاد السعودية في رسالة له بعنوان ((العيد الوطني)) فإنه بعد ما ذكر ما يتميز به عيدا الفطر والأضحى قال: "وتعيين يوم ثالث من السنة للمسلمين فيه عدة محاذير شرعية:

أحدها: المضاهاة بذلك للأعياد الشرعية.

المحذور الثاني: أنه مشابهة للكفار من أهل الكتاب وغيرهم في إحداث أعياد لم تكن مشروعة أصلا، وتحريم ذلك معلوم بالبراهين والأدلة القاطعة من الكتاب والسنة...

المحذور الثالث: أن ذلك اليوم الذي عُين للوطن الذي هو أول يوم من الميزان هو يوم المهرجان الذي هو عيد أهل الفرس المجوس، فيكون تعيين هذا اليوم وتعظيمه تشبها خاصا، وهو أبلغ في التحريم.

المحذور الرابع: أن في ذلك من التعريج على السنة الشمسية وإيثارها على السنة القمرية التي أولها المحرم ما لا يخفى، ولو ساغ ذلك -وليس بسائغ ألبتة- لكان أول يوم من السنة القمرية أولى بذلك" أ.هـ (من مجموع فتاواه ورسائله ج3ص107).

وجاء في فتاوى اللجنة الدائمة (ج3 ص89) بتوقيع الشيخين: عبدالعزيز ابن باز وعبدالرزاق عفيفي رحمهما الله: "أن الاحتفال بالعيد الوطني من التشبه بالكفار" أ.هـ

ولما تغيّرت الأحوال نشأ في الأمة مُفتون يُعرفون بالتساهل وتسويغ ما لم يرد نص بتحريمه، ولا يرعون الأصول والمقاصد الشرعية، وقد تغيب عنهم، ويغفلون عن منهج السلف الصالح من هذه الأمة في قرونها المفضلة، ومن ذلك الفتوى بجواز اليوم الوطني بناء على مصالح فيه ـ زعموا ـ مع الإعراض عن وجوه تحريمه عند من حرمه، وعن المفاسد المترتبة على إقامته، ومع ذلك قد يعيب بعضهم على من خالفه من أكابر العلماء ممن سبقه.

ومنهم من يفتي بجواز اليوم الوطني بحسن نية واجتهاد، وهو مخطئ قطعا، فغفر الله له وأثابه وألهمه الصواب، ومنهم من يفتي بهوى طلبا لرضى الناس، ألهمه الله رشده وهداه، والله أعلم بالسرائر والظواهر، قال الله تعالى: (ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون).

نسأل الله أن يوفق ولاة أمورنا إلى الرجوع عن هذا المنكر، فإن ذلك من تحقيق تحكيم الشريعة، كما نسأله أن يصلح أحوال المسلمين ويولي عليهم من يقيم فيهم أمر الله ويحكم شرعه.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أجاب عنه

مجموعة من أهل العلم منهم:

أ.د ناصر بن سليمان العمر

د. عبدالرحمن بن صالح المحمود

د. عبدالعزيز بن محمد آلعبداللطيف

الثلاثاء 18 / ذو الحجة / 1437هـ

 

20  / سبتمبر / 2016م