arrow down

ما هو واجب أجهزة الدولة ومكونات المجتمع في توعية الناس وإصلاح شأن الأمة؟

أجاب عنه د. أحمد بن حسن المعلم ( عضو رابطة علماء المسلمين )

السؤال:

ما هو واجب أجهزة الدولة ومكونات المجتمع في توعية الناس وإصلاح شأن الأمة؟

الجواب:

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبة أجمعين، أما بعد:

في نظري أن هناك واجبات مشتركة يجب أن يقوم بها الجميع، وهناك واجبات تخص كل جهاز بذاته.

فمن الواجبات المشتركة:

توحيد مصادر التلقي (مصادر المعرفة والثقافة)، فالسلوك تابع للفكر، وصادرٌ عنه، ومن تربَّى على فكر معتدل اعتدل سلوكه، وحسنت أخلاقه، كما أن من تربى على فكر غال انعكس على سلوكه وأخلاقه.

وإنَّ أعدل مصادر المعرفة هو كتاب الله، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ومن خلفه، وسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم، وعلى أن يُفهم هذان المصدران بفهم من شهد الجميع باعتدالهم ووسطيتهم وسمو أخلاقهم وحسن معاملتهم: «أولئك أصحاب محمد صلى اله عليه وسلم كانوا أفضل هذه الأمة، وأبرها قلوباً، وأعمقها علماً، وأقلها تكلفاً»، والذين شهد الله لهم بقوله: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آل عمران:110] وقوله: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً} [البقرة:143].

وشهد لهم الرسول صلى الله عليه وسلم لهم بذلك فقال: «خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم» [رواه البخاري ومسلم].

وعلى ذلك يجب أن ترتكز أسس التوجيه والإرشاد، والتربية والتعليم، والثقافة والإعلام، وحتى التربية الأسرية. وأن توضع إستراتيجيات التعليم والإعلام والتوجيه مرتكزة على هدى ذلك المنهج المستقيم.

أما ما يخص كل جهاز من أجهزة الدولة:

فالجهاز الأول: جمعية علماء اليمن:

التي من المفترض فيها أن تضم خيرة علماء اليمن، وأفضلهم وأرسخهم علماً وأكثرهم إخلاصاً ونصحاً للأمة.

وواجب هذه الجمعية أن تستعيد مكانتها ودورها بين فئات الشعب اليمني، وأن تصلح وضعها الداخلي أولاً، ثم تطور آلياتها، وتحدد استراتيجياتها، وتجلي أهدافها، وتضع الخطط الكفيلة بتنفيذ تلك الأهداف.

وتأخذ زمام المبادرة لقيادة الأمة بموجب الوراثة النبوية التي يتحملها أعضاؤها، والمسؤولية الدينية والوطنية المناطة بهم، وأن يكون سلطان الشرع هو المهيمن والحاكم عليهم، وأن يكونوا متبوعين لا تابعين، ومنطلقين من قناعتهم الذاتية بما توصلوا إليه من اجتهاد في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ومراعاة للواقع الذي يعيشونه، والأوضاع المحيطة بهم، وإعمالاً لقاعدة: "الموازنة بين المصالح والمفاسد"، وأن يعملوا جاهدين لترسيخ الثقة والمصداقية عند الأمة كلها، حكامها وأفرادها دون تحيز إلى فئة على حساب أخرى.

وعند ذلك سوف يكون صوتهم مسموعاً، وتوجيههم متبوعاً والطريق على من يسعى لنشر الغلو والتطرف من مخاليفهم مقطوعاً.

الجهاز الثاني: وزارة الأوقاف والإرشاد(قطاع الإرشاد):

المسؤول عن أعظم مصدر توجيه وإرشاد في أوساط المسلمين ألا وهو المساجد.

وعلى هذه الوزارة وقطاع الإرشاد فيها أن يقوموا بالدور المنوط بهم، بقدر ما يستوجب، وبقدر مكانته ومنزلته عند الله ثم عند الناس. فالمساجد بيوت الله ويجب أن ينطلق منها صوتُ الحق ونداء الخير والدعوة الى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ومعنى ذلك أن تسخر للدعوة الخالصة لوجه الله، وتخلو من المآرب والأهواء الحزبية أو الطائفية أو المذهبية المتعصبة، فتكون منابرها منابر هداية عامة، ونصيحة خالصة، وأمر بمعروف ونهي عن منكر، غير مصبوغ بأي صبغة غير صبغة الله.

وأن يكون المسؤولون عن المساجد في الوزارة ومكاتبها في المحافظات متجردين من أي عصبية حزبية أو طائفية أو مذهبية؛ لأن المساجد للأمة كلها بجميع طوائفها ومذاهبها المعتبرة، غير تلك الطوائف المتفق على ضلالها.

وإذا كانت المساجد كذلك فمن الظلم أن يتعصب القائمون عليها لجهة معينة، وأن يعملوا على إمساكها بزمام تلك المنابر، والتسلط على تلك المنائر؛ لأن كل طائفة غالباً سوف تنشر فكرها، وتعزز مذهبها، وتحارب من يخالفها مما يغرس الأحقاد والضغائن، وعليها ينبني الغلو والتطرف فكراً وسلوكاً، وبعد أن يكون المسؤولون عن المساجد متجردين من العصبية، فإن واجب النصيحة للأمة يقتضي منهم أن يكون ميزان اختيار الأئمة والخطباء والمرشدين هو ميزان الكفاءة والقدرة على مخاطبة الجماهير، والتأثير عليهم، وحسن قيادتهم، دون اعتبارٍ لشخص ذلك الموجه او انتمائه لغير المنهج الرباني القائم على الكتاب والسنة. ثم إن من واجب الوزارة أن تعلِّم وتدرب أولئك العاملين في المساجد في دورات مختلفة كل دورة تعالج جانباً من جوانب النقص لديهم، أو تنمي جانباً من الجوانب الإيجابية، بشرط أن تفتح تلك الدورات أبوابها للجميع وخصوصاً من يُشك في أن لديهم شيء من ذلك المرض (الغلو)، بعكس ما كان يجري سابقاً من استبعاد الكثير من العاملين في المساجد؛ لاعتبارات غير شرعية ولا تمليها المصلحة والنصيحة للأمة.

الجهاز الثالث: جهاز الإعلام:

والإعلام في بلاد المسلمين المفترض فيه أن يكون رديف المسجد، يدعو إلى الله تعالى، ويكرس قيم الخير والنبل والطهارة والإخاء والمحبة في الأمة، ويحارب أضداد ذلك، مع ما يقتضيه الحال من ترويح مباح ولهو برئ حقاً يتمتع به المستمع والمشاهد والقارئ، مع الحفاظ على دينه وأخلاقه، وعدم إثارة الغرائز السيئة فيه، فهو المرآة العاكسة لقيم الأمة وأخلاقها، وهو المعبر عن آمالها وآلامها، والموجه لسلوكها. وحضوره معها أكثر من أي موجه آخر، غير أن أجهزة الإعلام هذه الأيام غير قائمة على عهدها، ولا متحملة لمسئوليتها، بل إن أكثرها في أكثر بلاد المسلمين تؤدي عكس ما هو مطلوب منها.

وأنا لا أطالب بالمثالية التي تحلم بها الأمة، غير أني أقول: إذا لم تعمل أجهزة الإعلام على التوجيه السديد، وغرس قيم الخير والمحبة والاعتدال، فلا أقل من أن تكف شرها، وتتجنب الإثارة الجالبة لردود الأفعال الغالية، فإن استفزاز الشعوب بالإساءة إلى مقدساتها، والطعن في دينها أو نبيها أو منهجها، كل ذلك يوجب الغَيرة على تلك المحارم، تلك الغَيرة التي قد لا تنضبط بل تتجاوز هذا الاعتدال، وعندها يشيع الغلو، وكذلك الانحراف في نشر الرذيلة من مقالات ومشاهد وتصرفات وصور تخالف العفة والحشمة والطهارة، كل ذلك يؤدي الى تكريس الغلو.

وشيء ثالث: وهو أن بعض أجهزة الإعلام ووسائله تفتح المجال لمن يحارب الحق والدين والمبادئ الصحيحة المنبثقة من روح الاسلام الصحيح، باسم محاربة الغلو وهذا التصرف إنما يزيد في الغلو ولا يعالجه.

والواجب أن ترجع الأمر إلى أهله، وتسأل كل مختص عن اختصاصه، وأن لا تفتح المجال لمن هب ودب أن يتكلم باسم الدين أو في القضايا العامة التي لا يحسنها؛ فإن ذلك أيضاً يعمق الغلو ولا يعالجه، وقد حذر رسول صلى الله عليه وسلم من هذا المنهج، وعدّه من علامات السنوات الخداعة الكائنة بين يدي الساعة، فقال: «سيأتي على الناس سنوات خداعات يُصدَّق فيها الكاذب، ويُكذب فيها الصادق، ويُؤتمنُ فيها الخائن، ويُخوَّن فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة؟ قيل: وما الرويبضة قال: الرجل التافه -وفي رواية: السفيه- يتكلم في أمر العامة» [رواه أحمد وابن ماجه والحاكم وصححه غير واحد من المحدِّثين].

الجهاز الرابع: جهاز التعليم بأقسامه المختلفة:

فالواجب على تلك الأجهزة أن تنطلق من شرع الله، الذي يجب إرجاع كل شيء إليه، ثم من ثوابت الأمة وقيمها، وأن تصوغ استراتيجية التعلم من هذا المنطلق، وليس من منطلق النظام الدولي الجديد بمراكز تأثيره المختلفة، وعليها أن تعلم أنه: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر:28] فتركز على التعليم الذي يعرِّف بالله وبالسبيل الموصل إليه، وأن تحافظ على منهج التعليم الأساسي للقرآن الكريم والتربية الإسلامية؛ فإنه من أفضل المناهج العربية والإسلامية، وهو منبثق من مدرسة يمنية حائزة على إعجاب وتقدير كافة مراكز العلم في العالم الإسلامي، والواجب هو مراجعته فقط من حيث ما قد يوجد من أخطاء يسيرة فنية أو نحوها، ثم تكريس مادة التربية الإسلامية في التعليم العالي بما يورث العلم بالله الذي يجلب الخشية منه، والسير على هدي رسوله صلى الله عليه وسلم، وعلى هذه الأجهزة وخصوصاً التعليم العالي التفكير الجاد والصادق في فتح كليات متخصصة للعلوم الشرعية، وأصول الدين، والتربية الإسلامية، يتخرج منها العلماء الراسخون المعتدلون الذين يقودون الأمة بكتاب الله وسنة رسوله دون غلو أو جفاء، وأن تسمح للجامعات الأهلية، وتشجعها على فتح مثل تلك الكليات وفق مناهج مدروسة متفق عليها، مستندة إلى منهج المدرسة اليمنية السنية التي تحظى بالقبول لدى سائر الأوساط العلمية، وتعرف بتوسطها واعتدالها.

ولا تكفي العناية بالمنهج وحده، بل لا بد من العناية بالمعلم من حيث اختياره، ثم من حيث تدريـبه وتأهيله؛ ليكون قادراً على التأثير على طلابه، وغرس قيم الخير والمحبة والاعتدال في نفوسهم.

وعلى هذا الجهاز أن يحقق شطري اسمه، فلا يكتفي بالتعليم وإنما لا بد من العناية بالتربية وهي مقدمة على التعليم حساً ومعنى.

الجهاز الخامس: الأسرة:

والواجب عليها كبير وعظيم، بل إنها القاعدة التي تستند إليها بقية الأجهزة، فما لم تقم الأسرة بواجبها نحو أولادها، فإن بقية الأجهزة لن تستطيع أن تحصنهم من الغلو، ولا تربيهم على الاعتدال، ويتمثل واجب الأسرة في حسن القيام على أطفالها من نعومة أظفارهم بالتوجيه السديد، والتربية الحسنة، وتعليمهم الأخلاق الحسنة، وتعويدهم عليها، وغرس حب الآخرين، ورحمتهم والشفقة عليهم في نفوس أولئك الصبية، ثم اختيار الرفقة الصالحة لهم التي تحافظ عليهم من الانحراف بشتى أنواعه، ثم الدفع بهم إلى المسجد وتحبيـبه إليهم، وحثهم على ملازمته والاستفادة مما تقام فيه من حلقات قرآنية وتعليمية، بعد التأكد من سلامة منهج القائمين عليها، ثم متابعتهم في مراحل تعليمهم المختلفة، والحرص على إبعادهم عن كل منحرف أياً كان انحرافه فكرياً أو سلوكياً أو أخلاقياً، وبذلك يسلمون من الوقوع في شباك من يوقعهم في الغلو المباشر أو غير المباشر.

وعلى الأسرة، كما هو على كافة الأجهزة أن يعملوا بكل ما أوتوا من قوة على غرس الإيمان وتقويته في نفوس الأجيال، فهو أقوى حصانة من الغلو والعنف وسائر أسباب الخوف والقلق قال تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ} [الأنعام:82] فكلما ازداد الإيمان ازداد الأمن، وكلما نقص الإيمان نقص الأمن، فعلى الجميع أن يعملوا على زيادة الإيمان، وذلك بالعلم الشرعي وتكثير الأعمال الصالحة، وتجنب المعاصي، فالإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية كما هو معلوم.

والله الموفق..