arrow down

حكم مشاركة من ماله مختلط

المجيب فضيلة د. نادر العمراني السنوسي ( رحمه الله تعالى )

السؤال:

السلام عليكم أنا لدي قريب وصديق أريد مشاركته في عمل مشروع بحيث يكون منه المال ومني العمل، ولكنه كانت لديه شركة استيراد وتصدير، وحسب علمي أنه كان يتعامل بالرشوة في بعض معاملاته، وكوَّن منه مالاً استتمره فيما بعد في أعمال أخرى منها بيع الأثاث ومصنع للخشب، وهو الآن يصلي، فهل يجوز مشاركته في مشروع؟

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد؛

فإنَّ معاملة صاحب المال الحرام على أقسام:

الأول: أن يكون ماله كلُّه حراماً، أو مختلطاً بعضه حرام وبعضه حلال لكن يمكن تمييز حلاله من حرامه، وعُلم أنَّ المعاملة وقعت على عين المال الحرام.

وحكْم هذا القسم تحريم التعامل مع مالكه، لا بيعاً، ولا شراء، ولا اقتراضاً، ولا مشاركة؛ لما فيه من إقرار الحرام، ولكونه مبنياً على الحرام، وما بني على حرام فهو حرام.

قال الشيرازي في المهذب: "ولا يجوز مبايعة من يُعلَم أنَّ جميع ماله حرام".

وقال الدسوقي في حاشيته على الشرح الكبير: "وأمَّا من كان كلُّ ماله حراماً -وهو المراد بمستغرق الذمة- فهذا تُمنع معاملته ومداينته، ويمنع من التصرف المالي وغيره؛ خلافاً لمن قال: إنه مثل من أحاط الدين بماله فيمنع من التبرعات لا من التصرف المالي".

الثاني: أن يكون مالُه مختلطاً لكن يمكن تمييز حلاله من حرامه، وعُلِم أنَّ المعاملة وقعت على عين المال الحلال.

وحكم هذا القسم جواز التعامل مع مالكه؛ بيعاً وشراء واقتراضاً ومشاركة؛ إذ المال المتعامل به حلال لا إشكال فيه.

الثالث: أن يكون ماله مختلطاً ولا يُقدَر على تمييزه، فلا يعلم هل المعاملة وقعت بالمال المحرم أم الحلال.

وحكم هذا القسم الجواز، وكرهه بعضهم تورُّعاً، واشتدت الكراهة عندهم إذا زادت نسبة الحرام فيه زيادة ظاهرة.

ودليل الجواز: أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم عامل يهود خَيْبَر على النصف ممَّا تخرجه أرضهم، وأجاب يهودياً دعاه وأكل من طعامه، ومات صلى الله عليه وسلم ودرعه مرهونة عند يهودي في شعير. كلُّ ذلك مع إخبار الله تعالى أنَّهم أكَّالون للسحت.

قال القليوبي في حاشيته على شرح المنهاج: "وتصح الشركة وإن كُرِهَتْ، كشركة ذمي، وآكل الربا، ومَنْ أكثرُ مالِه حرام".

وسُئل ابن حجر الهيتمي في الفتاوى الفقهية الكبرى عن حكم معاملة اليهود والنصارى وقبول هداياهم وكذا مَنْ أكثرُ مالِه حرام، فأجاب بقوله: "حيث لم يتحقق حراماً معيناً جازت معاملتهم وقبول هديتهم، فإنَّه صلى الله عليه وسلم قبِل هداياهم، أمَّا إذا تحقَّق؛ كأن رأى ذمياً يبيع خمراً وقبض ثمنه، وأعطاه للمسلم عن دَيْن أو غيره؛ فإنه لا يحل للمسلم قبوله، ووجهه أن الاعتبار بعقيدتنا وإن كنا نقرهم على ذلك. وكذا يقال في الأكل من أموال الظلمة ومَنْ أكثرُ أموالِه حرام؛ فيُكره ما لم يعلمْ عينَ الحرام".

وقال ابن رجب في جامع العلوم والحكم: "ورخص قوم من السلف في الأكل ممَّن يعلم في ماله حرام، ما لم يعلم أنه من الحرام بعينه ... فصح عن ابن مسعود أنه سئل عمَّن له جارٌ يأكل الربا علانية، ولا يتحرَّج من مالٍ خبيثٍ يأخذه، يدعوه إلى طعام. قال: أجيبوه، فإنما المهنأ لكم والوزر عليه".

وقد لخَّص ابن قدامة القول في هذه المسألة في المغني ذاكراً حكم الأقسام الثلاثة، فقال: "وإذا اشترى ممَّن في ماله حرام وحلال، كالسلطان الظالم، والمرابي، فإنْ عَلم أنَّ المبيع من حلال ماله فهو حلالٌ، وإن علِم أنَّه حرام فهو حرام. فإنْ لم يعلم من أيهما هو، كرهناه؛ لاحتمال التحريم فيه، ولم يبطل البيع؛ لإمكان الحلال، قلَّ الحرام أو كثر، وهذا هو الشبهة، وبقدر قلة الحرام وكثرته تكون كثرة الشبهة وقلتها".

وعليه فما دام مال قريبك مختلطاً -كما ذكرتَ في سؤالك- فلا مانع من التعامل معه ومشاركته؛ بأن يدفع إليك رأس المال لتعمل فيه، على أن تقتسما الربح بينكما بحسب ما تتفقان عليه، وهو ما يُسمى بالقراض أو المضاربة، وهي جائزة بشرط أن يكون المشروع مباحاً ملتزماً فيه بأحكام الشريعة، والله أعلم.