arrow down

من حكم الصوم

خطبة لفضيلة د. محمد عبدالكريم الشيخ ( عضو الهيئة العليا لرابطة علماء المسلمين )

أحمد الله تعالى علي حلمه بعد علمه، و علي عفوه بعد قدرته، فكل شئ خاشع له، عز كل ذليل، وقوة كل ضعيف، وملجأ كل ملهوف، من تكلم سمع نطقه، ومن سكت علم سره، ومن عاش فعليه رزقه، ومن مات فإليه منقلبه، أحمده سبحانه وتعالى وأشكره، ومن مساوئ عملي استغفره، وأقر وأعترف بأنه الله الذي لا اله إلا هو الذي في السماء عرشه، وفي إلارض سلطانه، أحمده تعالى علي كل حال، وأسأله تعالى المزيد من فضله، فهو أهل التقوى وأهل المغفره، وأصلي وأسلم علي خاتم إلانبياء، وخير إلاتقياء إلانقياء إلاصفياء - سيدنا محمد- وعلي إله وصحبه أجمعين ومن اقتفي أثره واستن بسنته إلى يوم الدين،  اللهم انا نسألك ربنا أن تتقبل منا صيامنا، وأن تتقبل منا قيامنا، وأن توفقنا إلى ما تحب وترضي.

إخوة إلايمان عباد الله !

أيها الصائمون أوصيكم ونفسي بتقوي الله جل وعلا فإننا قد حللنا في شهر التقوى فعلينا أن نتقيه تعالى حق التقوى قال تعالى:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) والتقوى كما قال بعض أهل العلم أن تعمل بطاعة الله، علي نور من الله، ترجو ثوابه، وأن تترك معصية الله، علي نور من الله، تخاف عقابه.

تزود من التقوى فإنك لاتدري                 تموت بليل أو تعيش إلى الفجر

ثم اعلموا إخوة إلايمان أنّ ربنا الرحمن جل في علاه لم يشرع لنا في إلاسلام شيئاً إلا لحكمة علمها من علمها، وجهلها من جهلها، وكما أنّ أفعاله جل وعلا لا تخلو من حكمة بالغة وكما أنّ خلقه لايكون عبثا، فكذلك حكمه وشرعه لا يكون هملا، فهو سبحانه وتعالى حكيم في خلقه حكيم في شرعه وفي أمره، لا يشرع شيئا إلا ومن وراء ما شرع سبحانه وتعالى الخير كله والنفع كله والهدي كله، وهذا في العبادات والمعاملات وفي الواجبات والمحرمات مثلا بمثل وسواء بسواء.

إخوة إلايمان أيها الصائمون !

إنّ الله سبحانه وتعالى غني عنا ونحن الفقراء، فهو لا تنفعه طاعة طائع كما لاتضره معصية عاصي، فالحكمة في طاعته سبحانه راجعة إلى مصالحنا إلى منافعنا نحن البشر قال تعالى :( مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ) وها نحن في هذا الشهر في عبادة الصيام التي قال عنها الله :( كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ، إلا الصِّيَامَ، هُوَ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ).

 إنّ الله تعالى قد أودع في هذه العبادة حكماً ومصالح كثيرة لا ينبغي أن نمرَّ عليها من غير أن نقف علي هذه الحكم وأن نلتمس هذه المصالح، وأهمها مما ينبغي أن نجعلها نصب أعيننا:

أولا : تزكية النفس:

وذلك بإمتثال أوامر الله جل جلاله، وإلانتهاء عما نهي سبحانه وإلاقامة علي كمال العبودية لله، فإنّ نفسا تمتنع عما تشتهي وتحب من طعام وشراب ونكاح من أجل الله تعالى الواحد إلاحد، هذه نفس تتربي علي التزكية والتطهير وتكون نفس طاهرة نقية بعيدة عن إلادران.

إنّ إلانسان فيه عنصران: عنصر من الطين من الحمأ المسنون، وعنصر من الروح فإذا ما كان الطين يجذبه إلى أسفل فإنّ الروح يرفعه إلى أعلي فإذا امتنع إلانسان عن حاجيات الطين، وعن حاجيات الجسد من الطعام والشراب-هذه إلارضيات التي تجذب إلانسان جذبا -  يرتفع، ويسمو إلى الله عز وجل سمواً بترك ذلك من أجل الله، فيشابه الملائكة التي لا تطعم و لاتشرب وإنما تلهم التسبيح، فيجد المرء عند ذلك فرحة تخالج فؤاده، ولعل هذا هو سر الفرح الذي نجده عندما نفطر في نهاية صومنا يقول صلي الله عليه وسلم:( " لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ: فَرْحَةٌ عِنْدَ فِطْرِهِ، وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ ")  يفرح لأنه امتنع عن متطلبات الجسد إرضاءً لربه.

يا صائما ترك الطعام تعففاً

                              أضحى رفيق الجوع و اللأواء

أبشر بعيدك في القيامة رحمة

                              محفوفة بالبر وإلانداء

 ثانيا: التربية علي إلارادة :

من حكمة الصوم أنّ الصيام يريبنا علي إلارادة والصبر، فهو جهاد للنفس وتعويد علي الصبر، وثورة علي المألوفات التي نألفها، وهل إلانسان إلا إرادة؟ وهل السعي إلى الخير إلا إرادة؟ وهل القيام بمعالجة إلامور إلا إرادة؟

 إنّ إلارادة لا تتولد لدى إلانسان بين عشية وضحاها، وإنّما المرء بحاجة إلى أن يسعى بإراداته إلى العلياء، كما حكى القرآن حث طالوت جنوده بذلك  " إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إلا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إلا قَلِيلًا مِنْهُمْ "فما صفى إلا الذين إرادتهم سامية سامقة . 

ثالثا : كسر الغريزه الجنسية :                               

الغريزة الجنسية من أخطر أسلحة الشيطان علينا،فبالصوم نكسرها ونحجم تطلعات النفس البشريه «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ».

 رابعا : استشعار نعمة الله:

من حكم الصوم أن يستشعر إلانسان نعمة الله تعالى عليه، فانّ إلفة النعم يذهب من إلانسان إلاحساس بقيمتها، فإن تركت هذه النعم لساعات ثم أقبلت بعد جوع وعطش وأنت تتناول اللقمة وتشرب الشربه فتقول من أعماقك "الحمد لله" لانك شعرت بنعمة الله التي تألفها صباح ومساء وقد كنت عنها غافلا

 وإنّ من خصوصيات رمضان أنّه يفرض الجوع على إلاغنياء والفقراء، فيشعر الموسرون بحاجة الفقراء، ويحسون بإلاكباد الجائعه التي كثيراً ماتجوع الليل والنهار، يقول العلامة ابن الهمام رحمه الله : "إنه لما ذاق ألم الجوع في بعض إلاوقات تذكر من هذا حاله في عموم إلاوقات، فتسارع إلىه الرق" يرق قلبه للفقراء والمساكين .

إخوة إلايمان!

 إنّ جماع ذلك كله مصلحة ومنفعة وخيرجماع ذلك في التقوى بأن يصل إلانسان بصومه إلى درجة التقوى فيرتقي إلى منازل المتقين وهل  زُيِّنت الجنة  إلا للمتقين (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ  ) .  

 

يقول العلامة ابن القيم : وللصوم تأثير عجيب في حفظ الجوارح الظاهرة والقوى الباطنة، وحميتها عن التخليط الجالب لها المواد الفاسدة التي إذا استولت عليها أفسدتها، واستفراغ المواد الرديئة المانعة لها من صحتها، فالصوم يحفظ على القلب والجوارح صحتها، ويعيد إليها ما استلبته منها أيدي الشهوات، فهو من أكبر العون على التقوى، كما قال تعالى: {ياأيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون}.