arrow down

وداع رمضان

خطبة لفضيلة د. قاسم بن علي العصيمي ( عضو رابطة علماء المسلمين )

في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «من صام رمضان إيماناً واحتساباً غُفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه» وزاد النسائي في الصيام: «وما تأخر» [قال المنذري إسناده على شرط الصحيح ورواه أحمد بإسناد حسن].

قال ابن المنذر في قيام ليلة القدر إنه يرجى به مغفرة الذنوب كبائرها وصغائرها.اهـ

أما صيام رمضان وقيامه فيتوقف التكفير بهما على إتمام الشهر ومن نقص من العمل الذي عليه نقص من الأجر بحسب نقصه، فلا يلُم إلا نفسه قال الله تعالى: {وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ} [المطففين:1] والصيام وسائر الأعمال على هذا المنوال من وفاها فهو من خيار عباد الله الموفين ومن طفف فيها فويلٌ للمطففين.

أما يستحي من يستوفي مكيال شهواته، ويطفف في مكيال صيامه وصلاته! وفي الحديث: «أسوأ الناس سرقة الذي يسرق صلاته» [رواه أحمد وصححه الألباني]، وإذا كان الويل لمن طفف مكيال الدنيا فكيف حال من طفف مكيال الدين!.

اعلم أيها المسلم: أن الله تعالى قد جعل نجاتك من النار بيدك، ورتب الأجور العظيمة على أعمال مقدورة وميسورة، فقد أعتقك من النار بتمكينك من العمل. فيا من أعتقه مولاه من النار! إياك أن تعود بعد أن صرت حراً إلى رق الأوزار، أيبعدك مولاك عن النار وأنتَ تتقرب منها؟ وينقذك منها وأنت توقع نفسك فيها ولا تحيد عنها؟!

فيا أيها العاصي -وكلنا ذلك- لا تقنط من رحمة الله لسوء أعمالك، فكم يعتق من النار في هذه الأيام أمثالك، فأحسن الظن بمولاك، وتب إليه، فإنه لا يهلك على الله إلا هالك.

إذا أوجعتك الذنوب فداوها *** برفع يدٍ في الليل والليل مظلم

ولا تقنط من رحمة الله إنما *** قنوطك منها من ذنوبك أعظم

ينبغي لمن يرجو العتق في شهر رمضان من النار أن يأتي بأسبابه فليتصدق وليفطر الصائم وليكن ذلك العابد القائم، ويستغفر الله فإن الله غفورٌ رحيم.

عباد الله إن شهر رمضان قد عزم على الرحيل، ولم يبق منه إلا القليل، فمن منكم أحسن فيه فعليه التمام، ومن كان فرط فليختمه بالحسنى فالعمل بالختام، فاستمتعوا منه فيما بقي من الليالي والأيام، واستودعوه عملاً صالحاً يشهد لكم به عند الملك العلام، وودّعوه عند فراقه بأزكى تحية وسلام.

سلامٌ من الرحمن كل أوانِ *** على خير شهر قد مضى وزمان

سلامٌ على شهر الصيام فإنه *** أمان من الرحمن أي أمان

لئن فنيت أيامك الغر بغتةً *** فما الحزن من قلبي عليك بفانِ

لقد ذهبت أيامه فهل أطعتم، وكُتبت عليكم فيه أيامُه وما أضعتم، وكأنكم بالمشمرين فيه وقد وصلوا وأنتم انقطعتم، أتُرى ما هذا التوبيخ لكم أوما سمعتم؟

كيف لا يجري للمؤمن على فراقه دموع، وهو لا يدري هل يبقى له في عمره إليه رجوع، أين حَرق المجتهدين في نهاره، أين قلق المتهجدين في أسحاره؟

إذا كان هذا جزعُ من ربح فيه، فكيف حال من خسر أيامه ولياليه؟

ماذا ينفع المفرط فيه بكاؤه، وقد عظمت فيه مصيبته وجل عزاؤه؟

كم نُصح المسكين فما قبل النصح، كم دُعي إلى مصالحة ربه فما أجاب إلى الصلح!

كم شاهد الواصلين فيه وهو متباعد! كم مرت به زُمر السائرين وهو قاعد، حتى إذا ضاق به الوقتُ، وحاق به المقتُ، ندم على التفريط حين لا ينفع الندم، وطلب الاستدراك في وقت العدم.

عباد الله: اعلموا أن الاستغفار ختام الأعمال الصالحة كلها، فتختم به الصلاة والحج وقيام الليل، وتُختم به المجالس فإن كانت ذكراً كان كالطابع عليها، وإن كانت لغواً كان كفارةً لها فكذلك ينبغي أن يختم صيام رمضان بالاستغفار.

كتب عمر بن عبد العزيز رحمه الله إلى الأمصار يأمرهم بختم رمضان بالاستغفار والصدقة. وروى الإمام أحمد عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: «أن الشيطان قال: وعزتك يا رب لا أبرح حتى أغوي عبادك ما دامت أرواحهم في أجسادهم، فقال الرب: وعزتي وجلالي لا أزال أغفر لهم ما استغفروني» [حسنه الألباني].

وقال أبو هريرة رضي الله عنه: "الغيبة تخرق الصيام، والاستغفار يرقعه".

قال ابن رجب: "فصيامنا هذا يحتاج إلى استغفار نافع، وعمل صالح له شافع، كم نخرق صيامنا هذا بسهام الكلام، ثم نرقعه وقد اتسع الخرق على الراقع.

كم نرفوا مخيطه بمخيط الحسنات، ثم نقطعه بحسام السيئات القاطع.

كان بعض السلف إذا صلى صلاة استغفر من تقصيره فيها كما يستغفر المذنب من ذنبه. فإذا كان هذا حال المحسنين في عبادتهم فكيف حال المسيئين مثلنا في عبادتهم.

وأنفع الاستغفار ما قارنته التوبة، وهي حل عقدة الإصرار، فمن استغفر لسانه وقلبه على المعصية معقود، وعزمه أن يرجع إلى المعاصي بعد رمضان ويعود، فصومه عليه مردود، وباب القبول عنه مسدود.

وإذا كانت توبتك نصوح، فاعلم أن الباب مفتوح، فأتقن العمل، فقد كان السلف يجتهدون في إتمام العمل وإكماله ثم يهتمون بعد ذلك بقبوله، ويخافون رده، وهؤلاء الذين {يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ} [المؤمنون:60].

روي عن علي رضي الله عنه أنه قال: "كونوا لقبول العمل أشد اهتماماً منكم بالعمل، ألم تسمعوا الله عز وجل يقول: {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} [المائدة:27]، وكذا كان الصحابة والتابعون جميعهم وجميع صالحي الأمة.

قال بعض السلف: كانوا يدعون الله ستة أشهر أن يبلغهم رمضان، ثم يدعون الله ستة أشهر أن يتقبله منهم.

وروي عن علي رضي الله عنه أنه كان ينادي في آخر ليلة من شهر رمضان: "يا ليت شعري من هذا المقبول فنهنيه؟ ومن هذا المحروم فنُعزيه؟".

وكذا كان يقول ابن مسعود رضي الله عنه: مَن هذا المقبول منا فنُهنِّيه، و من هذا المحروم منا فنعزيه، أيها المقبول هنيئا لك، أيها المردود جبر الله مصيبتك.

الخطبة الثانية:

أيها الناس ماذا فات من فاته خير رمضان؟ وأي شيء أدرك من أدرك فيه الحرمان؟ كم بين من كان حظه فيه القبول والغفران، ومن كان حظه فيه الخيبة والخسران، رب قائم حظه من قيامه السهر، وصائم حظه من صيامه الجوع والعطش.

فيا أرباب الذنوب العظيمة، الغنيمة الغنيمة في هذه الأيام الكريمة، فما منها عوض ولا لها قيمة، فكم يُعتق فيها من النار من ذي جريرة وجريمة.

{قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الزمر:53]. وقال سبحانه: {فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ} [آل عمران:185].

قلوب المتقين إلى هذا الشهر تحنُّ، ومن ألم فراقه تئن.

دموع المحبين تدفق، عسى وقفة للوداع تطفئ من نار الشوق ما أحرق، عسى منقطع عن ركب المقبولين يلحق.

عسى وعسى من قبل وقت التفرقِ *** إلى كل ما ترجو من الخير ترتقي

فيجبر مكسور ويقبل تائبُ *** ويعتقُ خطاء ويَسعد من شقي

صدقة الفطر والزكاة:

يا أيها الصائم اعلم أن من جحد الزكاة لا يقبل منه صوم ولا صلاة، كمثل الصائم الذي لا يصلي كيف يقبل عمل من هدم ركناً من أركان الإسلام، فأدوا زكاة أموالكم وزكاة صومكم أعني صدقة الفطر، وهي كما قال ابن عمر: « فرض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: زكاة الفطر صاعاً من تمر، أو صاعاً من شعير على العبد والحر والذكر والأنثى والصغير والكبير من المسلمين» [رواه مسلم].

وروى أبو داود وابن ماجه عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال عن صدقة الفطر: «طهرة للصائم من اللغو والرفث وطعمة للمساكين».

وقتها قبل الخروج لصلاة العيد كما في حديث ابن عمر المتفق عليه.

ومن أداها قبل العيد بيوم أو يومين فلا حرج عليه، ففي البخاري عن ابن عمر أن المساكين كانوا يعطون قبل العيد بيوم أو يومين.

ولا يجوز تأخيرها بعد صلاة العيد فإن أخرت فهي صدقة من الصدقات إلا من عذر.

الزكاة في أصناف الأموال على مقاديرها وشروطها العشر أو نصف العشر، وفي عروض التجارة ربع العشر، وكذا زكاة النقود والديون.

 

ففي صحيح البخاري ومسلم واللفظ له من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار فأحمي عليها في نار جهنم فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره كلما بردت أُعيدت له في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضى بين العباد فيُرى سبيلُه إما إلى الجنة وإما إلى النار. قيل: يا رسول الله فالإبل؟ قال: ولا صاحبُ إبلٍ لا يؤدي منها حقها ومن حقها حلبُها يوم ِوردها إلا إذا كان يوم القيامة بُطح لها بقاع قرقر أو فر ما كانت لا يَفقد منها فصيلا واحدا تَطؤه بأخفافها وتَعَضُّه بأفواهها كلما مر عليه أُولاها رد عليه أُخراها في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يُقضى بين العباد فيُرى سبيلُه إما إلى الجنة وإما إلى النار. قيل: يا رسول الله فالبقرُ والغنمُ؟ قال: ولا صاحبُ بقرٍ ولا غنمٍ لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة بُطح لها بقاع قرقر لا يَفقد منها شيئا ليس فيها عقصاءُ ولا جلحاءُ ولا عضباءُ تنطحه بقرونها وتطؤه بأظلافها كلما مر عليه أُولاها ُرد عليه أُخراها في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يُقضى بين العباد فيُرى سبيلُه إما إلى الجنة وإما إلى النار. قيل: يا رسول الله فالخيلُ؟ قال: الخيلُ ثلاثةٌ هي لرجل وزرٌُ، وهي لرجل سترٌ، وهي لرجل أجر، فأما التي هي له وزرٌ فرجل ربطها رياءً و فخرًا و نوًاء على أهل الإسلام فهي له وزر، وأما التي هي له ستر فرجل ربطها في سبيل الله ثم لم ينسَ حق الله في ظهورها ولا رقابها فهي له ستر، وأما التي هي له أجر فرجل ربطها في سبيل الله لأهل الإسلام في مرج وروضة فما أكلت من ذلك المرج أو الروضة من شيء إلا كُتب له عددُ ما أكلت حسنات وكُتب له عددُ أرواثها وأبوالها حسنات، ولا تقطع ِطَولَها فاستنَّت شرفاً أو شرفين إلا كَتب الله له عدد آثارها وأرواثها حسنات، ولا مر بها صاحبُها على نهر فشربت منه ولا يريد أن يسقيها إلا كتب الله له عدد ما شربت حسنات، قيل: يا رسول الله فالحُمُر؟ قال ما أُنزل علي في الحُمُر شيءٌ إلا هذه الآية الفاذة الجامعة {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه} [الزلزلة:7-8]».