arrow down

أرض غزة تعلمنا العزة

خطبة لفضيلة د. صالح بن علي الوادعي ( عضو رابطة علماء المسلمين )

الخطبة الأولى:

الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد:

أوصيكم أيها الناس ونفسي بتقوى الله تبارك وتعالى، يقول الله عز وجل: {وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ} [البقرة:281].

أيها الإخوة المؤمنون!

هذه الأمة أمة واحدة، كما قال المولى جل وعلا: {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء:92]، وكل بلاد الإسلام هي بلاد كل مسلم، وهذه الحدود التي اصطنعها الاحتلال مع عملائه لا بد وأن تنتهي، وإن كانت في قلوب المؤمنين لا قيمة لها، ولكن الأنظمة التي تقوم على هذه الأمور تمنع هذا الأمر.

أحدثكم اليوم عن أرض الرباط.. أرض فلسطين.. الأرض التي باركها الله سبحانه وتعالى، وجعلها مسرى لنبينا محمد عليه الصلاة والسلام، فيها أولى القبلتين، وثالث المسجدين، وهو ثاني مسجد وضع على الأرض، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم، وإذا وطئت قدمك تلك الأرض أحسست بشعور عجيب ينتابك، فبمجرد دخولها تشعر أن قلبك ينجذب إليها، وتود لو أنك من أهلها، وأن أهلك وأولادك بين أولئك الرجال، تدخل ولوحة مكتوب عليها: "مرحباً بك في فلسطين"، عند ما منعت هذه الأمة من دخول تلك الأرض، ويتسنى لإنسان أن يدخلها ما ظنكم بشعوره؟ إنه يتذكر عزة هذه الأمة، وينتظر أن تدخلها أقدام المؤمنين فاتحة ومؤيدة للمجاهدين في تلك الأرض.

أيها الأحبة في الله!

إن أرض غزة هي مفتاح -بإذن الله- لبيت المقدس.. أرض غزة تعلمك العزة، وتعلمك أموراً كثيرة. انتصر أهلها على اليهود، وهذا الانتصار لا يفهمه إلا المجاهدون؛ لأن الثبات انتصار، ولأن الشهادة في سبيل الله انتصار. كيف لم ينتصر أهل غزة وهم قد ثبتوا أمام جيش يعد من أقوى جيوش العالم، كان يقال عنه: "لن يغلب"؛ فأرغم المجاهدون على قلة ما في أيدهم، وبثباتهم، وبيقينهم بنصر الله عز وجل.. أرغموا اليهود ومرغوا أنوفهم في التراب.

ولعلكم لاحظتم -أيها الإخوة- في المؤتمر الصحفي الذي جمع رؤوس يهود كيف كانت رؤوسهم منكسة، بخلاف المؤتمر الصحفي لقادة الجهاد كيف كانت رؤوسهم مرتفعة. هذا هو حال أهل غزة: لا تراهم إلا رافعي رؤوسهم، لديهم من الثبات بقدر ضعفهم وحصارهم، وقلة ما في أيديهم، لا تسلم على أحد منهم إلا وهو يتمنى، ويقول لك: الشهادة بإذن الله، وفتح بيت المقدس.. كبيرهم. صغيرهم. شابهم. قلوبهم على كلمة واحدة: الشهادة.. الشهادة! لم يرضوا بأن يعود اليهود يجرون أذيال الخيبة والحسرة، بل كلمتهم «الآن نغزوهم ولا يغزوننا»، عندما تسمع من كبارهم وشبابهم هذه الكلمة يهتز وجدانك، وتعلم يقيناً أن النصر قرب، وأن سهمه بين القوس ونبلها، وهذا قريب بإذن الله تبارك وتعالى.

ما كان للمجاهدين في فلسطين أن يرعبوا الكافرين إلا بسبب الثبات واليقين بنصر الله تعالى، وهم يستبشرون بأهل اليمن، ويستبشرون بأهل السودان، ويستبشرون بأهل الشام والحجاز ونجد والعراق وإندونيسيا؛ علموا بأن إخوانهم معهم، وإن كانت الأعداد التي دخلت قليلة لكنهم فرحون بذلك، ويقرئونكم السلام، ويطلبون منكم الدعاء والمدد، ويعلمون منكم أنكم لو سنحت لكم الفرصة لطارت أجسادكم إليهم قبل أرواحكم، وإن كانوا يعلمون أن قلوبكم معهم الآن؛ فأنتم معهم بالقلوب وبالدعاء.

أيها الأحبة في الله!

اليهود في هذه الحرب الأخيرة أظهروا أن حربهم على فلسطين حرباً عقدية، ولذا فإن الأمة لن تنتصر إلا إذا كانت حربهم عقدية أيضاً، فقد سمى اليهود هذه الحرب الأخيرة التي دامت أياماً ثمانية: "عمود السماء"، من أين لهم بهذا الاسم؟ هل صنعه مفكروهم وقادتهم؟ لا. بل هو من كتبهم المقدسة، والمجاهدون سموها بـ: "حرب حجارة السجين"، وهو مستمد من كتاب الله تبارك وتعالى، وقد فهم المجاهدون هذا الأمر، فعلى مدى ثمانية عقود من الزمان منذ (1948م) وإلى الآن عاشوا أربعة عقود من التيه في القومية العربية والوطنية الفلسطينية.. فهم هذا المجاهدون الذين تربوا في المساجد.

وللعلم -أيها الأحبة- فإن اليهود في هذه الحرب والحرب الماضية على ماذا ركزوا؟ اليهود لا يبيدون البيوت والأحياء كما يفعل النصيري الخبيث الذي أهلك الحرث والنسل، ودمر الأخضر واليابس، اليهود ينتقون ما يدمرونه انتقاء، فقد كان هدفهم ضرب البنية التحتية لحكومة حماس، فضربوا المجمعات الوزارية والمساجد. رأينا مساجد هدمت وسويت بالأرض؛ لأن المجاهدين لا يتخرجون إلا من هذه المساجد حفاظاً لكتاب الله، حاملين للعلم. هذا الذي يغيظ اليهود، فهدموا أكثر من (120) مسجد في الحربين، وأكثر من (22) مسجد أبيدت وسويت بالأرض، ولما رأيناها شعرنا بحنق يهود على هذه المساجد.

المصاحف وكتب العلم أمام عينيك، تجعلك تفرح عندما ترى أن هذه المساجد عرفت دورها القيادي الذي يريد أعداء الله أن يمحوه عنها، فهذه المساجد لم تبن للصلاة وحسب، وإنما بنيت لإعداد الرجال المقاتلة، ولإعداد أولياء الله تعالى، ولإعداد الشخصية المسلمة المؤهلة لحمل رسالة النبي عليه الصلاة والسلام، والمؤهلة لأن ينصرها الله سبحانه وتعالى: {إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ} [آل عمران:160].. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} [محمد:7].. {بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} [آل عمران:120]، وكانوا يركزون على مساجد محددة، معروفة بالأثر بين الناس، وعموم المساجد وأغلبها هذا همُّ أصحابها.

أهل غزة لما تآمر عليهم اليهود بات أغلبهم يستقبل القنابل بالصدور، قلنا لهم: أنتم تعلمونا العزة! إن أردت أن تذكرهم بآيات وأحاديث الجهاد؛ فإنهم يجسدونها ويتمثلونها وليسوا فقط يسمعونها، وتراه واقعاً في الأرض أمامك يمشي!

ما من بيت إلا وفيه شهيد. رأينا تأبيناً لشهداء في مخيم المغازي من مخيمات غزة، والله إنك لتبكي وتتمنى أن أبناءك هناك حتى تقذف بهم إلى الجهاد؛ لأنه جهاد لا شبهة فيه، إن مات المؤمن وهو مخلص النية لله فهنيئاً له، ترى هناك الشهيد ابن الشهيد، والشهيد أخو الشهيد، والشهيد جار الشهيد، شباب في ريعان شبابهم، وزهرة شبابهم، وتراهم قبل استشهادهم يتنادون للشهادة! إذا أقبلت الأمة على الجهاد في سبيل الله والشهادة؛ فإن عدوها لا يستطيع أن يقف أمامها، وهذا أمر معلوم من تاريخ هذه الأمة.

كيف يقاتل يهود قوماً يشترون الشهادة ويدعون الله سبحانه وتعالى؟!

أول شهيد في هذه معركة حجارة السجين، هو القائد أبو محمد أحمد الجعبري، يحج بيت الله هذا العام، ويقول من كان بجانبه في عرفات: والله إن دمعته على عينه لا تفارقه، يتململ ويتذلل لربه سبحانه وتعالى أن يرزقه الشهادة، يقول: يا رب! منحتني الحج فأسألك الشهادة في سبيلك! كيف ليهود أن يقفوا أمام هؤلاء؟! فيرجع إلى بلده فيستجيب الله له، ويقتل شهيداً بعد أيام، وهذه من البشائر للشهيد في سبيل الله؛ إن سأل الله الشهادة بصدق بلغه الله الشهادة، حتى لو مات على فراشه، كما أخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

أيها الأحبة في الله!

هذه الأمة نصرها في جهادها، وتمسكها بدين ربها تبارك وتعالى. اليهود والصليبيون والأمريكان المحتلون ليمننا ولجزيرتنا التي يقول فيها النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يجتمع دينان في جزيرة العرب»، والقواعد الصليبية في جزيرة العرب، لن يفهم اليهود والأمريكان إلا لغة الجهاد في سبيل الله تبارك وتعالى! ما رأينا في تاريخ العالم أن عدواً محتلاً لأرض ولبلد يسالم ويهادن ويعرف مصلحة البلد. الأمريكان هم الذي يشرفون على بلدنا، وهم الذين يقتلون الأفغان، وهم الذين احتلوا العراق، هم الذين يمدون يهود في أرض فلسطين، وهم الذين يمدون العلمانيين في أرض مصر، وهم الذي وراء أغلب المصائب لهذه الأمة في العصر الحاضر! فكيف يكونوا نصحاء لأهل اليمن؟ ولكن العقول إذا لم تر بنور كتاب الله تكون عمياء، وآذانها صماء.

قتل الجعبري على أيدي يهود، وما كان لهم أن يصلوا إليه لولا الخونة؛ فمن الذي وضع شريحة في سيارته؟ ومن الذي أبلغ يهود أنه يقود سيارته؟ فلولا حبلهم من العملاء والخونة لما تربعوا على ما هم عليه الآن. ما قتل أسامة شامة الأمة إلا بالعملاء، وما قتل أبناء اليمن إلا بالعملاء -على ما فيهم- لكنهم ما زالوا يصرحون بعدائهم للأمريكان، ما قتل العولقي وغيره وغيره إلا بالخونة الذي وضعوا أيديهم في أيدي الأمريكان! وأباحوا البلاد والأجواء لأعداء الله سبحانه وتعالى، وكلهم خونة ولا بد أن ينزاحوا عن بلاد المسلمين، وهذه حقيقة. استعمل الأمريكان برويز ومبارك وزين العابدين وعلي عبد الله صالح والآن يستخدمون من خلفه، ولا بد أن يأتي يوم ليلفظونهم ويرفضونهم؛ لأن الأمريكان يسعون خلف مصالحهم، وإذا احترقت ورقة أحد عملائهم رموه ولم يبالوا به، ولكن العبرة لا تكون إلا لأولي الألباب.. العبرة لا تكون إلا لأولي الأبصار، أما الأعمى الذي لا يبصر والله لو زالت جبال الدنيا من أمامه، وقتل كل عميل بقتلة مختلفة ما اتعظ ولا اعتبر. نسأل الله تعالى أن يجعلنا نعتبر بغيرنا ولا نعتبر بأنفسنا.

أيها المؤمنون!

حربنا مع اليهود والنصارى قائمة منذ أن بعث الله تعالى نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم، فبنو قينقاع وبنو النظير وبنو قريظة وعبد الله بن سبأ وميمون القداح.. كل أولئك كانوا حرباً على الإسلام، وهكذا أبناءهم وأحفادهم هم حرب على الإسلام.

أيها الأحباب في الله!

ظهر جلياً في هذه الحرب الأخيرة أن كل راية غير راية الإسلام موضوعة، وأنها سبب في ذلتنا، ولا سبيل لعزة هذه الأمة إلا بالجهاد وشريعة الرحمن تبارك وتعالى، وأن نصر هذه الأمة بوحدتها، ففطن أعداء أن الأمة المتوحدة لا تهزم.

اقرءوا التاريخ: متى عادت القدس في القرن السادس؟ عندما وحد نور الدين الشام، وبعد موته انتثرت الشام مرة أخرى فوحدها صلاح الدين مع مصر، وكانت معركة حطين الفاصلة ثم فتح بيت المقدس.

التتر لما جاؤوا من منغوليا، واقتحموا البلاد الإسلامية، ودخلوا بغداد وقتلوا الخليفة دهساً بالأقدام، وقتلوا من أهل بغداد ما لا يحصى، وممالك الشام ومصر متفرقة؛ ففطن قطز وبيبرس وغيرهم أنه لا يمكن أن يهزم هؤلاء التتر والأمة متفرقة، فاجتمعوا فانتصروا، فنزل قطز مترجلاً ومرغ وجهه في التراب شكراً لله تعالى، وقالها في عين جالوت: "وا إسلاماه" فانتفض المسلمون انتفاضة الرجل الواحد، فمكن الله لهم من رقاب التتر وشردوهم، وكان هولاكو يخطط أن يستولي على العالم كله، فبوحدة الأمة وتآلفها، واعتصامها بحبل الله جميعاً تتحطم كل جيوش العالم مهما بلغت قوتها، فقد كسر صلاح الدين باثني عشر ألفاً ما يقارب الثمانين ألفاً من الصليبيين بملوكهم وقادتهم، فقتل منهم من قتل، وأسر الآلاف، وهرب الألوف، لا يقف أمام هذه الأمة أحد إذا توحدت بكتاب الله تعالى وسنة بينه عليه الصلاة والسلام.

أيها الأحباب!

في غزة انكشفت الرافضة، وسمعنا هذا من قادة المجاهدين في فصائل مختلفة. لا يوجد مع المجاهدين في غزة شيعي واحد؛ لأنهم لوثة، ويظهر هذا في الشام، ماذا فعل النصيري الذي تمده إيران المجوسية، وحزب اللات الرافضي اللبناني؟ لم يكتف بأهل سوريا فحسب بل توجه إلى المخيمات الفلسطينية؛ فاتضحت الرافضة، وبان عوارها، وإن إعلامهم يلوك اسم القضية الفلسطينية ليل نهار، ويردد شعارات: "الموت لإسرائيل"، وما وجهوا رصاصة لليهود. "الموت لأمريكا" وما وجهت رصاصة إلى أمريكا، بل الأيدي ممدودة إليهم، والصدور مرحبة بهم؛ تتبين عند الجهاد الحق هذه الشعارات المزيفة!

أيها الأحبة في الله!

وحدة الأمة عزها. انظروا إلى مصر الآن لما بدأت تتوجه إلى الإسلام، العلمانيون ظهر نفاقهم، الدستور المصري لو عرضته على علماء الأمة لقالوا ليس هذا هو الإسلام، ومع ذلك نجد أن العلمانيين بالتآمر اليهودي الأمريكي مع بعض دول الخليج يريدون أن لا تبقى ولو رائحة للإسلام، مع أن الدستور نشهد الله أنه ليس إسلامياً، ولكن حتى يظهر للأمة أن العلمانيين لا يريدون الإسلام، وأن اللبراليين يريدون الإسلام الذي يريدون هم وليس الذي أراده الله سبحانه وتعالى، والله عز وجل قد وضح أمر هؤلاء في كتابه لما قال: {وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ * وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ * أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [النور:48-50].. {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء:65]؛ فمن لم يرد الإسلام فهو من المنافقين، من الذين يبتغون الجاهلية، والله عز وجل يقول: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة:44].. {فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [المائدة:45].. {فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [المائدة:47]، ويقول الله عز وجل: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [المائدة:50].

يعرف أعداء الله أن قوة الأمة في تمسكها بشريعة ربها، وفي وحدتها، ولذا فإن هذه الأحزاب المتناحرة لا تمت إلى الإسلام بصلة، وكيف يمتون إليه بصلة، والله يقول: {وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ * فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} [المؤمنون:52- 53].. {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} [الأنعام:159]، هل من الضروري أن تدخل الأمة في الحزبيات التي تفرقها، وتجعل كل حزب يحارب الآخر؟ ليس هم أحدهم لوطنه أو دينه! هذا ما يلاحظ وما يرى؛ فلا بد أن نكفر بها، وأن ندعو إلى وحدة الأمة، فأعداء الله فرقونا إلى دويلات صغيرة حتى يتمكن العدو منها، وحمايتها بيده، فصوت 20 كيلو متر مربع، كصوت 2مليون كيلو متر مربع. تجمع قبلي يصبح دولة، من يقوم على مواردها؟ من يتحكم فيها؟ إنه عدوها. فوحدة الأمة على كل حال هي خير، ودعاة الانفصال في هذه الأمة لا بد أن يفهموا هذا؛ لأنه لو حدث انفصال بين الجنوب والشمال ستعود الحروب بين الطرفين.

الأمة واحدة.. دينها واحد.. ربها واحد.. بينها واحد صلى الله عليه وسلم.. قبلتها واحدة، لا بد أن تدعو الأمة إلى الوحدة في ظل شريعة الله سبحانه وتعالى. قسمونا إلى دول ودويلات، ثم في كل دولة أحزاباً، وكل حزب يكيد للحزب الآخر، حتى ولو كان يعلم أن هذا الحزب أفراده أفضل من الحزب الذي هو فيه فلا بد من أن ينصر حزبه، ومن نصر حزبه أو قبيلته عصبية فقد أتى أمراً من أمور الجاهلية، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم.

نسأل الله تعالى أن يؤلف بين قلوبنا، وأن يوحد كلمتنا، وأن يجمع شملنا، وأن يرد كيد الكائدين في نحورهم، وأن يولي علينا خيارنا، وأن يصرف عنا شرارنا؛ إنه على كل شيء قدير.

أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم؛ فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

عجباً لأمة عرفت عدوها ثم وضعت يدها في يده، ومكنت له من بلادها ومواردها وأبنائها!

ألا تعجب -أيها الأخ الحبيب- إذا عرفت أن هذه الأمة ما زالت توالي عدوها وتركن إلى ظالمها، وما زال النصر مؤخراً! نعم. نحن موعودون بنصر الله تعالى، ولكن للنصر أسبابه، وللنصر طريقه وبابه، ولا يمكن للأمة أن تنتصر ويدها في يد من تلوث بدمها.. يد الأمريكان ملوثة بدمائنا، ويد الأوروبيين ملوثة بدمائنا؛ فكيف نضع أيدينا في أيديهم؟! ألا ترى أن من وضع يده في يد قاتله أنه لا عقل له، ولا شعور له! انتهى شعوره، وانتهت عاطفته، وانمحت عروبته! لا قيمة لعروبته، أين شجاعته؟ أين عروبته؟ أين غيرته؟

أيها الأحباب في الله!

الطريق واحد، والمنهج واحد، وإن ابتغت الأمة طريقاً غيره؛ فليس لها إلا الهزيمة والذلة وتسلط العدو عليها!

إن هلاك هذه الأمة في ترك أوامر الله، ومن أوامر الله التي إذا تركتها الأمة قتلت وذلت، وداس عدوها عليها الجهاد، والله عز وجل يتعجب ويقول: {وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا} [النساء:75]، ويقول عز وجل: {الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا} [النساء:76].

أما تعلم أن الله من ورائهم محيط؟ أما تعلم أنهم: {وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} [الأنفال:30]، أما تقرأ قول ربك: {إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا * وَأَكِيدُ كَيْدًا * فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا} [الطارق:17]، إنما الأمر أمر وقت.

أيها الأحباب في الله!

يجب ألا تغيب هذه الحقائق عنا بحبنا لدنيانا، اعمروا آخرتكم، وتمسكوا بدينكم؛ تأتيكم الدنيا راغمة كما أتت للصحابة، فقد خرجوا شعثاً غبراً مرقعة ثيابهم ففتحوا بلاد كسرى وقيصر: «لتفتحن كنوز كسرى، ولتفتحن كنوز قيصر»، هكذا أخبر النبي صلى الله عليه وسلم، وما فتحها إلا أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين كانوا يعيشون على الماء والتمر، ما قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم اجلسوا في المدينة واعمروها، كان مسجد المدينة إذا نزل المطر أصبح اختلط الماء بالتراب فكان طيناً، والنبي صلى الله عليه وسلم أطهر الخلق، وأشرف الخلق على الله يسجد فيقع جبينه وأنفه على الطين. هذا هو المسجد الذي فتحت منه الأمصار.

هذه الأمة إذا عمرت دينها وحققت أمر ربها فتحت البلاد والأمصار، لن يسألنا الله يوم القيامة: كيف أرضكم والجسور؟ بل سيقول: {مَاْذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ} [القصص:65]، الدنيا حبها هو سبب ضعفنا كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم: «تتداعى عليكم الأمم كما تتداعي الأكلة إلى قصعتها»، أوروبا حلف الناتو أمريكا الصين المجوس روسيا الهندوس البوذيون ما تسلطوا علينا إلا بوهننا، ولما كانوا قد سمعوا من قبل أن هذه الأمة لن تغلب من قلة: «لن يغلب اثنا عشر ألفاً من قلة»، عندها سألوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: «أو من قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟ قال: لا. بل أنتم كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من قلوب عدوكم المهابة، وليقذفن في قلوبكم الوهن، قيل: وما الوهن يا رسول الله؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت».

لما عرف المجاهدون في غزة أن الموت في سبيل الله هو طريق النصر هانت عليهم نفوسهم!

كم قدم المجاهدون اليوم من قيادات، وكم طرد وشرد وقتل قبل هذا الجهاد؟ من قتل كان أكثر، الآن يعدون على الأصابع، فعندما تضع الأمة سلاحها يكون القتل فيها أكثر، وعندما ترفع سلاحها عدوها يهابها.

يقول الله عز وجل: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى} ونفوسنا ملك له، وأموالنا ملك له، له الملك كله له ومع ذلك يشتري نفسك ومالك، {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ} ما هو الثمن يا رب؟ {بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ} إذا وجد القتال فلا بد وأن يكون منا قتلى، ولكن لا سواء: {قُلْ هَلْ تَربَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ} [التوبة:52]، تربصوا فمنا الشهيد، ومنا من يجرح ويكلم في سبيل الله، فالذي يموت يهيئ لغيره أن يحكم بالإسلام في هذه الأرض.

إن الله قادر أن ينهي اليهود بكلمة "كن" فيكونون رماداً، {وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ} [محمد:4]، ليتخذ الشهداء، ليرتفع من يريد الله تعالى رفعته، يقول الله تعالى: {وَلَوْ يَشَاءُ لانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ} [محمد:4]، حكمة لله سبحانه وتعالى، فقوم لوط قلبهم جبريل عليه السلام بجناح واحد، وجعل عاليها سافلها، وأمطروا بحجارة من سجين، وفي معركة بدر يقاتل النبي وأصحابه، والله قادر أن يقول لجبريل: اقلبها على مشركي قريش، ولكنها حكمة الله تعالى، {وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ * سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ * وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ} [محمد:4-6].

مات في هذا الطريق أفاضل الصحابة، حمزة ومصعب وعمير بن الحمام وعبد الله بن حرام، وما كلم الله أحداً من خلقه مات إلا المجاهدين، يقول النبي صلى الله عليه وسلم لمات عبد الله بن حرام الأنصاري رضي الله عنه وبكته أخته: «ابكيه أو لا تبكيه، لقد رأيت الملائكة تظله بأجنحتها»، وعمير بن الحمام يقاتل ويلقي التمرات ويقول: "بخ بخ إنها لحياة طويلة، واهاً لريح الجنة"، وهكذا غيرهم من مجاهدي هذه الأمة، وقد خلد ذكر المعاصرين حياة السابقين منهم، فأحيوا ذكراهم، كم قتل من قادة ولكننا نحسبهم في أعلى عليين عند الله والله حسيبهم.. عدنان الغول أول من صنع الصواريخ إلى مترات وهي الآن بالكيلوات، «إن الله يدخل بهذا السهم ثلاثة: صانعه، والذي يدفع ثمنه، والرامي به».

هذه الأمة إن أعدت كان نصرها في إعدادها، وإن قتلت كان نصرها في قتلها، {وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ} [آل عمران:140].. {إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ} [النساء:104].

قرأتم وسمعتم كيف أصبح خمسة ملايين يهودي في رعب، وأين كانوا يهربون: {لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ} [الحشر:14]، لكن متى سنعي أن نصرنا بأيدينا؟! في أيدينا نصرنا أيها الناس! في أيدينا نصرنا أيها المؤمنون! متى تعي الأمة هذا؟! إذا وعته وتحققته واقعاً فنصر الله آتٍ ولا محالة؛ لأن الله يقول في كتابه الكريم: {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ} [الصافات:171-173]، هذا ليس كلام أوباما ولا غيره. إن نصر هذه الأمة مقرر إذا هي أخذت بسببه: {إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ} [آل عمران:160]، والله لو جاءت أمريكا بكل جيوشها، واتحدت مع أوروبا والروس والصين والهندوس، وتمسكت الأمة بدينها ونصرت ربها، سيتنزل النصر، {وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا} [الإسراء:51].

إذا رجعت الأمة إلى دينها، وعرفت أنها لا سبيل لها إلى ترك جهادها: {وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [البقرة:195]، وأي تهلكة لهذه الأمة إن قلنا إن قتلها في سبيل الله حياة لها؟!

بعد فتح الله على نبيه وأصحابه الجزيرة، جاؤوا للنبي صلى الله عليه وسلم وقالوا: نرجع إلى أموالنا فنعمرها، فأرضنا قد هلكت، وقد مكن الله لرسوله عليه الصلاة والسلام، فأنزل الله: {وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [البقرة:195]، نعم إن هلكتنا في ترك ديننا: «إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد في سبيل الله؛ سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم»، ويؤكد معنى هذا الحديث قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ * إِلَّا تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [التوبة:38-39]، يقول النبي عليه الصلاة والسلام: «عليكم بالجهاد فإنه باب من أبواب الجنة، يُذهب الله به الهم والغم»، فكشف الكروبات بالجهاد في سبيل الله عز وجل، والجهاد هنا هو جهاد الأمة كلها وحملها لهذا الهم.

يقول النبي عليه الصلاة والسلام: «من لم يغزو، أو يجهز غازياً، أو يخلف غازياً في أهله بخير»، ماذا عليه يا رسول الله؟ قال عليه الصلاة والسلام: «أصيب بقارعة قبل يوم القيامة»، نسأل الله العفو والعافية، وأن يرفع عنا عذابه ومقته وغضبه.

أيها الأحباب في الله!

من عذاب هذه الأمة أن يسلط عليها عبدة الأوثان، وعبدة الصلبان، وخونة الدين، وقتلة الأنبياء، لا عذاب أكبر من أن يسلط علينا من قال الله فيهم: {لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ} [الحشر:14].

أي ذل أعظم من أن يتسلط علينا من قال الله فيهم: {قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ * وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [التوبة:14-15].

من قال الله فيهم: {سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ} [آل عمران:151].

وقال الله عز وجل لهذه الأمة الموعودة بنصر الله، خير الأمم، المكرمة: {وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الأَدْبَارَ ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا} [الفتح:22].

 

هذه الأمة يقول الله فيها: {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة:257]، وهل يستوي أهل النور وأهل الظلمة؟ لا يستوون إذا عرف أهل النور أين نورهم.