arrow down

المنهجية في الإسلام

خطبة لفضيلة أ.د. محمد أحمد لوح ( عضو رابطة علماء المسملين )

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله بعثه الله تعالى بالهدى ودين الحق فبلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وتركها على محجة بيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين

أما بعد:أيها الإخوة المؤمنون.. إن قضية المنهجية في الفكر والتصور والاعتقاد والسلوك تمثل الركيزة الأساسية لدى المسلم السني العارف بدقائق السنن الربانية، ومحصلات المقاصد الشرعية، ومتى سلم الفكر، وصح التصور، ورسخ الاعتقاد، واستقام السلوك كان لا بد من وجود المنهجية الواضحة، وفي المقابل فإن غياب المنهج الواضح المرسوم عن فكر المسلم وتصوراته يؤدي به إلى الحيرة والتهافت، والدين الإسلامي يقوم على منهج رباني مرسوم واضح جلي من سلكه اهتدى، ومن انحرف عنه ضل وغوى، ووقع تحت غائلة الإفراط، أو ركب صهوة التفريط، وهذا المنهج هو ما يعبر عنه في نصوص الوحي باسم الصراط المستقيم:

كما جاء في الفاتحة: ﴿ اهدِنَــــا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ ﴾ الفاتحة 6

والمنهج- حسب ما يرشد إليه نصوص الوحي- هو الذي يحدد سمات الأمة الواحدة فكلما كان المنهج موحدا، كانت الأمة واحدة قال تعالى:﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ المائدة 48

وإذا حصلت الفرقة فالمنهج هو الذي يوحِّد بين المختلفين ولذلك أمر الله نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بالتزام المنهج فقال تعالى: ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾ الزخرف 43

وأمر جميع المؤمنين به فقال عز من قائل:﴿وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ الأنعام 153

ذلك -أيها الإخوة المؤمنون- لأن هذا المنهج ينبني على عبادة الله وحده لا شريك له ﴿ وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ ﴾

وهناك أمارات بها يمكن التفريق بين من يسير وفق منهج مرسوم وبين من يتخبط ولا يكاد يعي ما يقول، أو يدرك ما يصنع، وفرقٌ كبيرٌ بين الاثنين قال تعالى: ﴿ أَفَمَن يَمْشِي مُكِبّاً عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّن يَمْشِي سَوِيّاً عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾ الملك 22

ومن تلكم الأمارات:

1. في قضية التصور نجد أن صاحب المنهج يبني يقينه وإيمانه بالله على ثوابت الكتاب والسنة، بينما تجد الهائمين الذين لا منهج لهم يلتقطون فتاتا من الخرافات والخوارق محاولين بناء اليقين عليها وهو أمر غير ممكن، فقد سمعنا بأناس ركبوا طائرة من بلد إلى آخر حتى يشاهدوا ثمرة باذنجان كتب عليها لفظ الجلالة بزعمهم! وبآخرين اشتروا حوتاً زعموا أن عليه كلمة التوحيد ثم بان لهؤلاء وأولئك أن ذلك كله كان بصنع البشر ودعاية الإنسان، ومثله شريط أصوات المعذبين المنشور على الشبكة.

2. وفي قضية إصدار الأحكام على المستجدات فإن صاحب المنهج ينظر إلى كل أمر جديد بنظرة توافق السنن الربانية ولا تخالفها، بينما تجد السائرين على غير منهج يخالفون في أحكامهم السنن الإلهية، فقبل أيام فقط وقعت حادثة الإغماء المرهبة التي نالت تلميذات المعاهد الفرنسية في أكثر من مكان في السنغال، ونقلت العشرات منهن إلى المستشفيات، وبدأ المحللون يتلمسون الأسباب من هنا وهناك، فتسارع الإسلاميون السائرون على غير منهج سوي مرسوم إلى القول بأن السبب هو التبرج والسفور، وعدم التزام شرع الله، فالسؤال هنا هل هناك سنة ربانية ماضية تقضي بأن المرأة المتبرجة تصاب ولابد بمرض بدني ؟ لا وكلا، إن الدعوة إلى الإسلام لا يكون إلا إلى الإسلام كدين، والتزام شرع الله يجب أن يكون عن قناعة وتطبيق لما أمر الله به، وحين يكون الالتزام بأوامر الله مجرد وقاية من الأسقام يكون الدين قد فقد روحه وجوهره المؤثر في حياة الناس وفي أخلاقياتهم، نعم قد تُعجَّل العقوبة للعاصي لكن الوعيد الذي ينتظره مالم يتب أكبر من ذلك بكثير.

3. وفي قضية التعامل مع المخالفين نجد الذي يسير على منهج ينصف الناس كلهم، ويعطي كل ذي حق حقه وإن كان مخالفا له،ولا يحابي أحدا لكونه مقربا إليه في العرق أو في النحلة، وذلك هو العدل المأمور به في مثل قوله تعالى:﴿ أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ المائدة 8

وقوله: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللّهِ أَوْفُواْ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾ الأنعام 152

إن منهج الوحي كتاباً وسُنة يقوم على الإنصاف والعدل حتى مع غير المسلمين ، وقد أنصفَ اللهُ أهل الكتاب في كتابه فقال :﴿ لَيْسُواْ سَوَاء مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللّهِ آنَاء اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ ﴾ آل عمران 113 ، وقال : ﴿ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ قَالُوَاْ إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ ﴾ المائدة 82 وهذا هو المنهج الذي رسمه النبي صلى الله عليه وآله وسلم حين ذكر ملك الحبشة بما فيه من خير ولم يكن ذلك تزكية لدينه، وكذلك حين قال له حَكِيمُ بْنَ حِزَامٍ: (( يا ِرَسُولِ اللَّهِ أَرَأَيْتَ أُمُورًا كُنْتُ أَتَحَنَّثُ بِهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ هَلْ لِي فِيهَا مِنْ شَيْءٍ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم أَسْلَمْتَ عَلَى مَا أَسْلَفْتَ مِنْ خَيْرٍ )) رواه مسلم

وثبت في صحيح مسلم من حديث الليث بن سعد عن موسى بن عُلًيّ عن أبيه : أن المستورد القرشي قال عند عمرو بن العاص رضي الله عنه - : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : « تقوم الساعة والروم أكثر الناس » . قال له عمرو بن العاص: أبصر ما تقول ! قال: وما لي أن لا أقول ما قاله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟ قال : إن كان كذلك ؛ فلأن في الروم خصالاً أربعاً: إِنَّهُمْ لأَحْلَمُ النَّاسِ عِنْدَ فِتْنَةٍ وَأَسْرَعُهُمْ إِفَاقَةً بَعْدَ مُصِيبَةٍ وَأَوْشَكُهُمْ كَرَّةً بَعْدَ فَرَّةٍ وَخَيْرُهُمْ لِمِسْكِينٍ وَيَتِيمٍ وَضَعِيفٍ. ))

فهذا المنهج السوي يقضي بأن يذكر الناس بما فيهم، بعيدا عن تزكية مناهجهم وأديانهم، وهذا هو العدل والإنصاف على عكس ما يظنه أهل التخبط بوجوب سب المخالف كلما ذكر وأنه لا ينبغي أن يجتمع الخير والشر في الإنسان.

ولا شك أن الشيطان يحرص على ألا يسير المسلم على هذا الصراط المستقيم ولا يرضى له غير التخبط لذلك ﴿ قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾ الأعراف 16

أيها الإخوة المؤمنون إن قضية المنهج لدى السلف الصالح كان هو المقدم وكانوا يتعلمون المنهج السوي أكثر مما يتعلمون العلم المجرد:

ذكر السمعاني رحمه الله وغيره : أن مجلس الإمام أحمد رحمه الله كان يحضره خمسة آلاف : فكان خمسمائة يكتبون ، والباقي يستمدون من سمته وخلقه وأدبه.

وقال أبو بكر المطوعي رحمه الله : (( حضرت مجلس أبي عبدالله - وهو يقرئ أبناءه المسند - اثنتي عشرة سنة ، ولم أكن أكتب ، إنما أنظر إلى أدبه وخُلقه . ))  [1]

اللهم وفقنا لسلوك منهجك القويم، واهدنا الصراط المستقيم، وجنبنا الخلل في الفكر والتصور، وقنا شر التخبط والتهور، وثبتنا على سنة نبيك المصطفى، ورسولك المنتقى، حتى نلقاك يا أرحم الراحمين.. وصل وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين..

---------------------------

 

[1] سير أعلام النبلاء 11 / 316