arrow down

أحوال الأمة والمخرج من محنتها

خطبة لفضيلة د. عبدالوهاب بن محمد الحميقاني ( عضو رابطة علماء المسلمين )

إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل له, ومن يضلل فلا هادي له, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله, صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء:1] {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب:70-71].

ثم أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله, وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم, وشر الأمور محدثاتها, وكل محدثة بدعة, وكل بدعة ضلالة, وكل ضلالة في النار.

أما بعد:

عباد الله! إن الله سبحانه وتعالى ببالغ حكمته وسابغ نعمته شرفنا وأكرمنا وأعلانا بدين الإسلام، وطهرنا به من الأدناس ووعد عباده المؤمنين المتمسكين به من التمكين في الأرض، وجعلهم خير أمة أخرجت للناس.

ومن خصائص دين الإسلام أنه يكسب من انتسب إليه واعتنقه قوة وعزة ومنعة ورفعة وشرفاً؛ لأنه دين منزل من العزيز الحكيم، منزل من القوي الجبار، دين الله الذي ارتضاه لعباده في الأرض، فلا يقبل ديناً سواه، فأمة الإسلام شرفت بهذا الدين؛ لأنها آمنت به، آمنت بالإسلام، آمنت بربها ودعت إلى هذا الخير الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكانت خير أمة أخرجت للناس، {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [آل عمران:110].

بل رب العزة ولجلال جعل أمة الإسلام طليعة بني آدم والشهيدة على البشر، فهي الوسطية وهي الشهيدة، {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [البقرة:143].

واجتبى الله واصطفى هذه الأمة ولم يجعل لها منهجاً ولا سمتاً إلا الإيمان، ولم يجعل لها رسماً ولا اسماً إلا الإسلام، {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا} [الحج:78].

فأمة الإسلام أمة الخيرية أمة الوسطية أمة الشهادة أمة الاصطفاء والاجتباء، لكن هذه الخصال وهذه الصفات لا تتحقق في الأمة إلا بشروط ومقدمات، فإذا انتفى الشرط انتفى المشروط، وما غابت هذه الصفة من أمة الإسلام إلا حين تخلت عن رسالتها، وتخلت عن قيامها بأمر ربها، وتخلت عن دينها وإسلامها.

فأمة الإسلام اليوم الناظر في أحوالها شرقاً وغرباً شمالاً وجنوباً يجد أنها أمة رفعت شعارات كاذبة، وتبنت أطروحات مارقة، وخضعت وحكمت قوانين ومبادئ وضعية، فما الذي حدث لها؟

دنست كرامتها، وذهبت عزتها، {وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ} [الحج:18].

أمة الإسلام سلطت فج التغريب وركبت موجة العدو، ودخلت جحره، وتخبطت في الظلمات، وعميت بصيرتها، {وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ} [النور:40].

أمة الإسلام اليوم عندما جعلت من أرباب النفاق والعلمنة هم روادها، وهم مفكروها وهم قادتها، وهم موجهوها حارت وظلت وتاهت، {وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} [الرعد:33].

أمة الإسلام عندما تخلت عن الفرائض وركبت الحرام، وركبت الشهوات، وشربت الشهوات، كيف كان حالها؟

بان عوارها، وانكشفت سوأتها وكان عاقبة أمرها خسراً، أمة الإسلام عندما تخلت عن كتاب ربها وسنة نبيها صلى الله عليه وسلم وجعلت الإسلام وراءها ظهرياً استقبلت النكبات والهزائم، وعانقت البؤس والشقاء، {قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [آل عمران:165].

وهكذا عندما تبدل الأمة حالها يبدل الله أحوالها، عندما تبدل دينها يبدل الله أحوالها جزاء وفاقاً، {وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} [فصلت:46]، {وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} [آل عمران:182].

أمة الإسلام اليوم تحتاج منا إلى إنقاذ، دين الله يحتاج إلى نصرة، أبناء المسلمين يحتاجون إلى عون، لكن أين المسلمون اليوم؟ كل منهم يفكر في لقمته، وفي ثوبه وفي معاشه، لا هم له إلا دنياه، لا يغضب ولا يخاصم، ولا يزمجر إلا إذا نوزع في دنياه، أما إذا نوزع في دينه، ونقص الدين، ونقصت الملة في حياة الناس فكأن الأمر لا يعنيه.

واليوم نحن بحاجة إلى بذل كل وسع، وبذل كل طاقة، وبذل كل جهد لنصرة الإسلام، نحن اليوم نحتاج إلى تكرير هذه الكلمة واستنفاد الطاقات، والجهود للقيام بأمر الدين، لا نسأم ولا نكل من ذلك؛ لأن هذا هو الواجب المتحتم علينا شرعاً وضرورة في هذه الأيام.

يدخل الرجل اليوم على أهله أو يصادف زميله أو قريبه أو شخصاً في شارع مقطباً جبينه مكفهر الوجه، مهموماً مكروباً، ما الذي دهاه؟

إما فشل في دراسته وإما خسر وظيفته، وإما صدم سيارته، وإما تخاصم مع رجل في دنياه، وهكذا، لكن قل من تجد مهموماً مكروباً لأجل الإسلام، بل لربما بعض الناس إذا خرج من المسجد ووجد حذاءه قد ضاع تقطب جبينه حنقاً، وارتفع صوته غضباً، وامتلأ قلبه كمداً على الحذاء، فيالله! كيف وجد الحذاء طريقاً ومكانة في قلوب بعض أبناء المسلمين لم يجدها الإسلام ولا الإيمان.

فهلا أفسحنا في قلوبنا مكانة للإسلام، يعتصر القلب من أجله ويتهم الفكر من أجله؟ هلا جعلنا هم الإسلام قبل همومنا الشخصية؟ هلا أصبحنا وأمسينا وصحونا ونمنا على هم الإسلام، هذا هو الواجب الشرعي الذي يوجبه علينا الانتساب إلى الإسلام ونطق الشهادتين لا إله إلا الله محمد رسول الله.

لكن اليوم يهجم على مسلمات ومحكمات الدين، يستهزأ بشرائع الإسلام، أما الحرب المادية العسكرية على الإسلام والمسلمين في كثير من بلدان المسلمين فحدث ولا حرج، وكثير من دهماء المسلمين، لا هم له إلا نفسه وكأن الأمر لا يعنيه.

لما مات النبي صلى الله عليه وسلم، وارتدت العرب، منهم من خرج عن الإسلام، ومنهم من قال: نصلي ولا نزكي، وارتدت كثير من قبائل العرب عامة وخاصة، ولم يبق يعبد الله جهاراً نهاراً -أي: تقام الجمعة والجماعات- إلا في أربعة مساجد فقط، في المسجد الحرام بمكة، والمسجد النبوي بالمدينة، ومسجد عبد القيس في البحرين، وقيل بمسجد في الطائف، وبقية المساجد في جزيرة العرب عطلت فيها الجمعة والجماعات، ومنعت الزكوات، ومن بقي في القبائل مؤمناً بقي مستخفياً بإيمانه مستتراً به، لا يستطيع أن يجهر به؛ لأن النفاق قد نجم، ولأن الكفر قد اشرأب.

فنزل هذا الأمر بالصحابة، وكان أمراً عصيباً جللاً، فجاء صحابة النبي صلى الله عليه وسلم إلى خليفته إلى أبي بكر، بعد أن قرر أن يقاتل العرب جميعاً، وبالمقياس المادي لا طاقة لهم بقتال العرب، وأنى لهم ذلك؟ يقاتلون العرب في آن واحد، وقد أحدقت بهم الأعراب كالسوار بالمعصم، ورمتهم العرب عن قوس واحدة، كيف يتأتى لهم ذلك.

فجاء عمر رضي الله عنه مجتهداً برأيه إلى خليفة رسول الله قائلاً له: "يا خليفة رسول الله! ارفق بالناس، تأن بالناس؛ فإنهم بمنزلة الوحش، ولا طاقة لنا بقتال العرب جميعاً" فوثب أبو بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه، وأخذ بلحية عمر وقال: "رجوت نصرتك، وجئتني بخذلانك، أجبار في الجاهلية خوار في الإسلام؟ بماذا أتألفهم بشعر مفتعل أم بسحر مفترى، هيهات هيهات مات النبي صلى الله عليه وسلم وانقطع الوحي، وتم الدين أو ينقص الدين وأنا حي! أو ينقص الدين وأنا حي! أو ينقص الدين وأنا حي! والذي نفسي بيده لأقاتلنهم ما استمسك السيف بيدي والذي نفسي بيده لأقاتلنهم ولو خذلتموني جميعاً، والذي نفسي بيده لو منعوني عقالاً أو عناقاً كانوا يؤدونه إلى رسول الله لقاتلتهم على منعه".

"أو ينقص الدين وأنا حي" كلمات الإيمان، كلمات أهل الدين؛ لأنهم يعلمون أن الدين وحفظ الدين موكل بهم، إذا نقص في حياة الناس لزمهم مسؤولية تجاه هذا النقصان، فلا يعقل أن يوجد مؤمن يدب على هذه الحياة ويرى الدين ينقص ولا يتحرك، لكن اليوم نقص الدين؛ لأن الأمة قد ماتت وإن كانت في صورة أحياء.

"أو ينقص الدين وأنا حي" قالها أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه، وفعلاً رجع الصحابة كلهم رضي الله عنهم أجمعين إلى رأيه وقاتلوا العرب، وفي ظرف ستة أشهر والجزيرة العربية كلها تلهج لا إله إلا الله محمد رسول الله.

تقول عائشة رضي الله عنها –كما ذكر عنها ابن عساكر وغيره- تقول: "لما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتدت العرب عامة وخاصة، واشرأبت اليهودية والنصرانية، ونجم النفاق، وكادوا للدين، وبقي المسلمون كالشاة المطيرة في الليلة الشاتية المظلمة، في الأرض المسبعة، قالت: فما اختلفوا في قطعة إلا وفاز أبو بكر ببابها وطار بفنائها، و والله لقد نزل بأبي ما لو نزل بالجبال الراسيات لهاضها".

لو نزل بالجبال لدمرها لكنها نزلت على أبي بكر الصديق على صاحب المرتبة الأولى في هذا الدين بعد رسول الله صلى عليه وسلم الذي امتلأ قلبه بالتصديق بهذا الدين وبالتضحية والمحبة له، فنصر هذا الدين، و والله ما نقص الدين وأبو بكر وصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحياء، بل زاد وزاد، حتى دخل بلاد فارس وبلاد الروم، وأخضعوا أكبر مملكتين في ذلك الوقت كسرى وقيصر أخضعوهما لدين الإسلام.

"أو ينقص الدين وأنا حي" أين هذا الشعار من كثير من المؤمنين؟ بل من خاصة المسلمين؟

"أو ينقص الدين" قلة الصلوات، وانتهاك المحرمات، والاستهزاء بهذا الدين، والبعد عن شريعة الله تراه أينما ركبت، ركبت السيارة، مررت في الشارع، ذهب إلى المسجد دخلت الجامعة، دخلت الأسواق، تجد نقصاً في الدين، وذهاباً للملة، وكثير من الناس لا يتأثر لذلك ولا يلقي لذلك بالاً.

فأين المسئولية تجاه هذا الدين؟ وأين الواجب الشرعي تجاه هذا الدين؟ وأين القيام بأمر هذا الدين؟ والله لو بذلت نفسك من حين خلقت إلى حين تموت ي مرضات الله ما أديت حق الله عليك، روى الإمام أحمد والطبراني عن عتبة بن عبد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لو أن رجلاً يجر على وجهه من حين ولد إلى أين يموت هرماً في مرضات الله، لحقره يوم القيامة».

لو أخذت برجليك وكان عمرك سبعين ثمانين تسعين مائة سن الهرم، وأخذت وسحبت على وجهك مائة سنة تسعين سنة كل ذلك في مرضات الله لأتيت يوم القيامة ورأيت ذلك حقيراً!

فماذا قدمنا لهذا الدين، وماذا عملنا للإسلام، وبماذا نصرنا الملة، اليوم هجوم على محكمات الإسلام، كما أن بلاد الإسلام تغزى بالآلة العسكرية فمفاهيم الدين تغزى بالحرب الفكرية، وبمؤسسات التغريب والتخريب يهجم على محكمات الإسلام، ويستهزأ بشرائع الإسلام في الصحف والمجلات، وأصبحت أحكام الإسلام الصدع بها جريمة، أحكام الولاء والبراء لا يتلكم بها، أحكام الجهاد لا يتكلم بها، أحكام الإيمان والكفر لا يتكلم بها؛ حتى يبقى الدين ضائعاً مميعاً فيقضى على هذا الدين، {كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا} [الكهف:5].

والله ليتمن الله هذا الأمر وليعلون هذا الدين، حتى لا يبقى بيت من حجر ولا مدر على وجه هذه الأرض إلا أدخله الله فيه الإسلام بعز عزيز يعز الله به الإسلام وأهله، وبذل ذليل يذل الله به الكفر وأهله.

أقول ما سمعتم وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد ألا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله إمام المتقين، صلوات ربي وسلامه عليه وعلى من سار على هديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين.

ثم أما بعد:

عباد الله! قد يقول قائل: ألسنا أهل الإيمان؟ ألسنا أهل الإسلام؟ ألسنا أهل الطاعة؟ فلماذا نرى الكفر قد علا؟ ونرى أهل الإسلام قد سفلوا؟

نرى انتصار الكفر ونرى انحسار أهل الدين وأهل الإسلام والله سبحانه وتعالى يقول: {وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا} [النساء:141].

ويقول: {وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الأَدْبَارَ ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا} [الفتح:22] {سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا} [الفتح:23].

فكيف يكون ذلك؟ كيف يعلو أهل الفجور والكفر على الإيمان والطاعة؟ أين الخلل؟

هذا السؤال أجاب عليه العلامة ابن القيم عليه رحمة الله في كتابه إغاثة اللهفان، في صفحات كثيرة خلاصة ما قال: "إن هذا السؤال لا يأتي إلا من جهل بأمرين:

جهل بأمر الله ودينه، وجهل بوعد الله ووعيده، أما الجهل بأمر الله ودينه فكثير من الناس ومن المؤمنين يظنون أنهم قد عملوا بما يجب عليهم ظاهراً وباطناً، ويظنوا أنهم يستحقون نصر الله، فإذا فشتت في أحوالهم لوجدت إما تفريطاً بأمر الله أو نهيه، إما عن علم وإما عن جهل، فإما أن يتقحموا المعاصي والمخالفات، وإما أن يفرطوا في واجبات يظنونها لا تجب عليهم، فهم في حقيقة الأمر لم يقوموا بأمر الدين، ولم يقوموا بما افترض الله عليهم من القيام بأمر الدين ظاهراً وباطناً، فظنوا أنهم قاموا به، وأنهم بذلك يستحقون النصر وهم قد أخلوا بالشرط من حيث عملوا أو من حيث لم يعلموا".

فنفتش هل فعلاً قمنا بأمر الدين ظاهراً وباطناً.

أما الجهل بوعد الله ووعيده، فالله سبحانه وتعالى قدر الابتلاء على عباده الصالحين لمه؟ ليتعبدوا بالصبر والاحتساب، فالمؤمن يصبر والكافر قد يصبر، لكن صبر الكافر كصبر البهائم، أما صبر المؤمن فهو صبر تعبد، فلا بد أن يعبد المسلم ربه في الحالين، في الرخاء في الشدة في الشكر وفي الصبر، أما أن يعبد ربه في حالة السراء والرخاء ولا يعبد ربه في حالة الضراء والبلاء فهذا لا يعقل، فمن تما استكمال عبودية العبد أن يبتلى في دينه، ليعلم الله صدق إيمانه وإسلامه، فيعبد ربه بالصبر والاحتساب إذا نزل البلاء، ولذلك كان أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل؛ لأن هذا استكمال لمعاني العبودية لرب العالمين.

لأنه إذا لم يكن هناك ابتلاء لدخل في الدين من لا يريد الآخرة، لو أن الله ينصر أولياءه من غير ابتلاء ومن غير تمحيص ومن غير زلزلة لانتسب إلى هذا الدين كل من يريد الدنيا وكل من يريد ظفراً وفوزاً سريعاً، لكنه طريق فيها ابتلاء وفيها تمحيص، فلا بد أن يعبد المسلم ربه في الحالين، ويصبر ويحتسب ويكون عبداً لله في حالة الشدة، كما يكون عبداً لله في حالة الرخاء.

الأمر الثاني: أن المؤمن مع الكافر مبتلى في هذه الدنيا، كل نفس خلقت من بني آدم تبتلى في هذه الدنيا، فكما أن المؤمن مبتلى فكذلك الكافر يبتلى، والبلاء يكون بفتنة السراء ويكون بفتنة الضراء، وقد يتعرض المؤمن في هده الدنيا لفتنة البلاء، لكن تكون له العاقبة في الدنيا والآخرة، وقد يحصل للكافر لذة النعيم ابتداء في هذه الدنيا لكن تكون عليه العاقبة في الدنيا والآخرة.

فلا ضير أن يبتلى المسلم لكن أين معان العبودية وأين التعبد لله في حالة الشدة والابتلاء، فالابتلاء كما يقول ابن القيم: لا بد منه، كالبرد والحر، تستخرج به الأدواء، يمحص فيه أهل الإيمان، ويعرف الصادق من الكاذب، ويعرف الثابت من المتزلزل، ويعرف أهل الإيمان من أهل النفاق، كما يرفع الله بذلك درجات المؤمنين، ويتخذ منهم شهداء وصديقين.

فيا عباد الله! العلاج في القيام بأمر هذا الدين يحتاج من طلاب العلم والعلماء القيام بالحجة والبيان؛ لأن لهذا الدين أعداء، بل لكل دين أنزله الله على نبي من الأنبياء، {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا} [الفرقان:31]، هادياً بالكتاب وناصراً بالسيف، فقيام هذا الدين كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "كتاب يهدي وسيف ينصر، وكفى بربك هادياً ونصيراً".

فأهل العلم وأهل المحجة يبينون ويذودون عن الدين بالكتاب الهادي بالحجة والبيان، لا سيما إذا هوجم الإسلام من قبل المحرفين والملحدين، فعليهم أن يذودوا عنه تحريف الغالين وتأويل الجاهلين، وطعن الملحدين وتزوير المزورين، وافتراء المفترين، وهذا هو الجهاد الذي يجب على كل من انتسب إلى العلم وإلى علم الشريعة، عليه أن يقوم بذلك.

وعليه وعلى عامة الناس أن يلتزموا أمر الله فالهزيمة في بغداد قد تكون أنت سبباً فيها يا من تسكن صنعاء، نتشدق بألسنتنا فعلوا وتركوا وهزموا، وأنت يا من تنتسب إلى الإسلام أنت من السهام التي توجه إلى صدر الإسلام، ومن السهام التي تعان بها الأعداء على المسلمين، كيف ذلك؟

بمخالفتك أمر الله ونهيه؛ لأن الله يقول: {وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} [آل عمران:120].

فإذا اتقى المسلمون ربهم والتزموا أمره واجتنبوا نهيه أتى النصر، ودافع الله عنهم، لكن إذا ركبوا المعاصي استحقوا البلاء، واستحقوا ما يحدث لهم، وبقدر تفريطهم في دينهم بقدر ما يكون للكفار سبيل عليهم.

فعليك أن تبدأ بنصرة الإسلام من عندك، تبدأ بالتزام أمر الله واجتناب نهيه، فانصر الإسلام بأن تقف عند حدود الله، فتجتنب ما حرم الله، وتؤدي ما افترض الله، ولذلك رب العزة والجلال يقول: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} [فاطر:10].

قال ابن القيم: "من طلب العزة فليطلبها بطاعة الله، بالكم الطيب والعمل الصالح" والنبي صلى الله عليه وسلم بين أن سبب الذلة مخالفة أمره، فيقول كما عند أحمد: «وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري» فكل من خالف أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم جعلت عليه الذلة والصغار، يقول ابن القيم: "فكما أن الذلة والصغار تلزم كل من خالف أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن العزة تكون لأهل طاعته ومتابعته".

ولذلك أتى في الدعاء المأثور: «اللهم أعزنا بطاعتك ولا تذلنا بمعصيتك» فنحن نطلب العزة بالطاعة بطاعة الله، ويقول الحسن البصري عليه رحمة الله: "وإن هملجت بهم البراذنين وطقطقت بهم البغال فإن ذل المعصية في قلوبهم، أبى الله إلا أن يذل من عصاه".

كل من عصى الله يبقى ذليل؛ لأنه خالف أمر الله وأمر الرسول، ولذلك ندعو في الدعاء المأثور في القنوت: «فإنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت» وكل من أطاع الله وأطاع الرسول فقد والاه الله، والله لا يذله، لكن كل من خالف أمر الله وأمر الرسول كتب الله عليه الذلة «وجعل الذل والصغار على من خالف أمري».

فلتبدأ بنفسك عبد الله وانصر الإسلام بنفسك والتزم أمر الله واجتنب نهيه، وتجرد من الهوى والشهوات ومخالفة أمر الله وأمر الرسول، فكن يا عبد الله مسلماً، مؤمناً قوياً بإيمانه، مستعصماً بربه متوكلاً عليه، لا تخيفه قوة المادة، ولا لغة الأرقام، ولا يثنيه عن طاعة ربه وعد ولا وعيد، بل يمضي متحملاً عبء هذا الدين متوكلاً على ربه، مستنصراً به، ناصراً للإسلام والمسلمين في كل مكان، وأين ما كان، وفي كل زمان.

هذا وصلوا وسلموا على البشير النذير؛ إذ أمركم الله بالصلاة عليه فقال: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب:56].

اللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحابته، وعلى من سار على هديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين.

اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين.

اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى، اللهم آت نفوسنا تقواها وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها يا رب العالمين.

اللهم أبرم لأمة الإسلام أمراً رشداً، يعز فيه أولياؤك ويذل فيه أعداؤك، ويحكم فيه شرعك، ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر يا رب العالمين.

اللهم عليك باليهود والنصارى والمنافقين، اللهم عليك بكل متآمر على الإسلام والمسلمين، اللهم عليك بهم فإنهم لا يعجزونك يا قوي يا عزيز، اللهم أدر الدائرة عليهم إنك على كل شيء قدير، اللهم اجعل ما يملكون غنيمة للإسلام والمسلمين، ومكن عبادك المجاهدين من رقابهم يا رب العالمين. اللهم انصر عبادك المجاهدين المستضعفين في كل مكان، اللهم انصرهم في فلسطين والعراق وأفغانستان والشيشان وكشمير والفلبين وفي كل أرض يا رب العالمين.

اللهم كن لهم مؤيداً وحافظاً ونصيراً يا رب العالمين، اللهم فك أسر المجاهدين والمسلمين يا رب العالمين، اللهم اجعل لهم من كل ضيق مخرجاً، ومن كل هم فرجاً ومن كل عسر يسراً، ومن كل بلاء عافية يا رب العالمين، و احفظ لهم دينهم وأعراضهم يا رب العالمين.

اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات، إنك سميع قريب مجيب الدعوات.

عباد الله! إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله يذكركم، وادعوه يستجب لكم ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.