arrow down

|| حسابات آخر العام ||

خطبة لفضيلة د. محمد بن عبدالرحمن العريفي ( عضو رابطة علماء المسلمين )

الخطبة الأولى
الحمد لله المحمود بجميع المحامد تعظيما وتشريفا وثناءً , الحمد لله المتصف بصفات الكمال عزة وقوة وكبرياءً , به نَصول ، وبه نجول ، وبه نأمل دفع الكروب شدة وبلاءً , ودرء الخطوب ضَنَكاً ولأواءً .
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, جل عن الشبيه والمثيل والكفء والنظير، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ,وصفيه وخليله أفضل هذه الأمة جهادا وفداءً ,و أعظمهم قدوة واصطفاءً ,صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه الذين ضربوا أروع الأمثلة صفاء ووفاءً وطُهرا ونقاءً , والتابعين ومن تبعهم بإحسان وسار على نهجهم اهتداءً واقتفاءً .
أما بعد:
أيها الإخوة الكرام: أوصيكم بتقوى الله عز وجل فهي وصية الله تعالى للأولين والآخرين (وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُواْ اللَّهَ)[النساء]
أيها المؤمنون:
ما هي إلا أيام قلائل ونودع هذا العام الهجري ,وهي كلمات نقولها في كل عام مضى , ونقولها في نهاية كل عام يمر علينا .

إن هذا العام الذي تصَرَّمت عنا أيامه ,قد حوى في خزائن لحظاته وساعاته الأعاجيب من أشياء قد تشهد لنا يوم القيامة أو تشهد علينا ,وسبحان من يغير ولا يتغير ,(يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّأُوْلِي الْأَبْصَارِ) [النور : 44]
وقال جل وعلا ( وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ )[ال عمران :140] وقال سبحانه وتعالى (وهو الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا ) [الفرقان: 62 ] .
قال ابن كثير -رحمه الله - جعل الله الليل والنهار يتعاقبان توقيتا لعِبَادَةِ عِبَادِهِ له عز وجل فمن فاته عمل بالليل استدركه بالنهار ومن فاته عمل بالنهار استدركه بالليل .
وقد جاء في الحديث الصحيح ( إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل ) .
قال قتادة رحمه الله " فأروا الله تعالى خيرا في هذا الليل والنهار فإنهما مطيتان " يعني كالدواب تحمل الناس وتحمل الأعمال , قال "فإنهما مطيتان تحملان الناس إلى آجالهم تقربان كل بعيد وتُبلِيان كل جديد , وتجيئان بكل موعود إلى يوم القيامة "
وقال علي بن ابي طالب رضي الله عنه "ارتحلت الدنيا مدبرة , وارتحلت الآخرة مقبلة ولكل واحدة منهما بنون يتبعونها فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا "
نَسيُر إلى الآجال في كل لحـظةٍ ** وأعمارنا تُطْــوى وهُنَّ مــراحلُ
ترحل عن الدنيا بزاد من التُقى** فعمــــــرك أيام وهنّ قـلائـلُ
وما هذه الأيام إلا مــــــراحــلُ **يحث بها حاد إلى الموت قاصدُ
وأعجبُ شيءٍ لو تأملتِ أنها ** منازلُ تُطْـوى والمســـافر قــــاعدُ

عام كامل تصرمت أيامه كل يوم يمر , بل كل ساعة تمضي وكل لحظة وثانية تمر علينا إنما هي تقربُنا من الأجل .
يَسُرُّ المرءَ ما ذَهَبَ الليّالي ** وكَانَ ذَهَابُهنَّ لَهُ ذَهابَا
أيها الإخوة الكرام :
إن العقلاء يتبصرون في تصَرم أيامهم ولياليهم ,ويعلمون أن كل لحظةٍ وثانية ودقيقة فضلاً عن كل ساعة ويوم وشهر وسنة أنها تسير بهم وتقربهم إلى ربهم ..
لقي الفضيل ابن عياض رحمه الله تعالى رجلاً فسأله الفضيل
قال يا رجل : كم مضى من عُمُرك ؟ قال الرجل : مضى من عمري ستون سنة , فقال له الفضيل : فإنك منذ ستين سنة تسير إلى ربك يُوشِك أن تبلغ اليه "
أنت منذ ستين سنة تسير إلى ربك يوشك أن تبلغ إليه , قال الرجل : آه فما العمل , قال خذ من صحتك لمرضك ومن فراغك لشغلك ,وتصدق من مالك وابذل من بدنك ..وجعل يوصيه على العمل الصالح , سواءً في بدنه أو في ماله أو بخبرته أو بعلمه أو في وقته أو في غير ذلك , أن يستثمره في مباح أو أن يستثمره في طاعة , المهم أن لا يستثمره في شيء يسود وجهه إذا وقف بين يدي الله عز وجل
روى البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما قال :" أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنكبي ــ وضع يده صلى الله عليه وسلم على منكبه ـــ "قال : ( يا ابن عمر كُنْ في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل ).

وكان ابن عمر يقول :"إذا امسيت فلا تنتظر الصباح وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء ,وخذ من صحتك لمرضك ,ومن فراغك لشغُلك "
ويقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( كلُّ النَّاسِ يغدو ، فبائعٌ نفسَهُ فمُعتِقُها أو موبِقُها ) فما معنى هذا الحديث؟ يغدوا أي: يخرج في الغَداة أي في الصباح فالناس جميعا يخرجون في الصباح ,وإنك إذا نظرت إليهم في طرقاتهم أو نظرت إلى بيوتهم لوجدت البيوت في الصباح تفتح فيخرج الرجل ويخرج الشيخ الكبير وتخرج الفتاة ,وتخرج الطفلة الصغيرة ,هذا يحمل أولاده ,وهذه معها متاعها ,وهذا ربما خرج مسرورا وهذا خرج حزينا ,هذا خرج يتجهز لعرس ,وهذا خرج ليعزي في ميت ,هذه خرجت فرحة مسرورة مع زوجها في سفر يفرحون ويسرون به ,وهذه خرجت مُطلقةً مُبْعدةً إلى أهلها , الناس يغدون جميعا ,وإذا خرجت في الطريق وجدت أنهم يزدحمون كُلاً في سيارتِهِ له حاجهٌ يمضي إليها كما قال عليه الصلاة والسلام :(كلُّ النَّاسِ يغدو ، فبائعٌ نفسَهُ) يعني صارف عمرِه ,وممضي وقتِهِ خلال هذا اليوم ؛فهم ينقسمون إلى قسمين، قال: ( فمُعتِقُها ) معتقها من النار ,ومقربها إلى الله تعالى ورافع قدرها عند رب العالمين بأن يفعل الصالحات أو المباحات، قال: ( أو موبِقُها ) وإنك لترى الناس يذهب الرجلان في الغدو ــ في الصباح ــ كلاهما يركب سيارته متوجه إلى المطار هذا في نفسه أن يذهب إلى مكة يتعبد لرب العالمين ويتقرب اليه أو أن يذهب إلى بلد آخر في خارج المملكة يدعو إلى الله تعالى أو يبني مسجدا أو يكفل أيتاما ,بينما الثاني قد حجز فندقا في الخارج ليعاقر فيه خمرا أو يقع فيه بفاحشة ,أو كان يريد أن يعقد صَفَقاتٍ بالربا أو ما شابَهَ ذلك كلاهما قد غدا كلاهما قد باع نفسه فأحدهما قد أعتق نفسه والثاني قد أوبقها ,والنبي عليه الصلاة والسلام قد أخبرنا أنه لا تزول قدم عبد حتى يسأل عن أربع ثم قال عليه الصلاة والسلام في بيان هذه الأربع بدأ بأولها قال :( عن عمره فيما أفناه ) يعني عن هذه الأيام التي تمضي علينا ستسأل عن عام 1430وتسأل عن عام 24و28وماقبلها وإن أحياك الله تعالى ستُسأل عما بعدها ، قال :( عن عمره فيما أفناه ) تسأل عن كل دقيقة مرت عليك وعن كل ساعة مضت ماذا فعلت فيها المال الذي اكتسبته ,المال الذي أنفقته قال: :( عن عمره فيما أفناه, وعن شبابه فيما أبْلاه ) ، وخص الشباب من العمر وذلك لأن الشباب هو قوةٌ بين ضعفين كما قال الله عز وجل: (اللَّه الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْف ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْد ضَعْف قُوَّة ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْد قُوَّة ضَعْفًا وَشَيْبَة يَخْلُق مَا يَشَاء وَهُوَ الْعَلِيم الْقَدِير ) [الروم:54].
فالشباب هو قوةٌ بين ضَعف الطفولة ,وبين ضَعف الشيخوخة , هو قوةٌ بين ضعفين فيسألك رب العالمين عنه تحديدا بعد ما سألك عن عمرك عموما قال :( عن عمره فيما أفناه ) - ثم قال: ( وعن شبابه فيما أبلاه ,وعن علمه ماذا عمل به ,وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه ).
فالإنسان إذا عَلِم أنه سيُسأل عن عمره عَرفَ فعلا بركة هذا الزمان الذي يمر عليه وأهميتَه, لذلك إذا اشتكى أهل النار ـــ عِياذاً بالله من النار ـــ منها، قيل لهم: (أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ ) [فاطر:37] يعني أولم نعطكم أعمارا مرت عليكم كان يستطيع أحدكم فيها أن يتذكر وأن يتأمل في حاله (أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ.) [فاطر:37].
أيها الإخوة الكرام :
عام كامل تصَرَّمت أيامُهُ ,كم عزَّ في هذا العام من أقوام بعد ذُل , وكم ذل فيه من أقوام بعد عِز ,وكم ترملت فيه من امرأة ,وكم تيتم فيه من طفل ,وكم من مُتَأَهِّلٍ قد تَأَيَّمَ، ومريضِ قومٍ قد تَعَافَى، وسليمِ قومٍ في التّراب تَوَارَى، أهل بيت يُشَيِّعُون مَيِّتَهم، وآخرون يَزُفُّون عروسهم، دار تفرح بمولود ,وأخرى تُعَزَّى بمفقود ,عِناقٌ وعَبراتٌ من شوق اللقاء , وعَبَراتٌ تُهَل من لوعة الفراق آلام تنقلب أفراحا ,وأفراح تنقلب أتراحا , أحدٌ يتمنى دوام يومه ليتلذذ بفرحه وسروره، وواحد يتمنى زوال يومه لينتهي عنه حزنه وما يصيبه .

أيام تمر على أصحابها كأعوام من حزنهم ومصائبهم ، وأيام تمر على أصحابها كلحظات ,نحن في هذه الدنيا نتقلب ما بين خير وشر، وقد وصف الله تعالى دنيانا فقال جل وعلا (وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ ) , المتاع هو ما يأخذه المسافرُ لسفرِهِ، ماذا سيضع المسافر في متاعه؟ , لن يحمل معه الكراسي، ولن يحمل معه غرفة نومه، ولن يحمل معه مكتبته ولن يحمل معه كثيرا من حاجاته , إنما هي سَفْرَةٌ يَسيرهٌ يأخذ منه البُلْغَة , يأخذ ما يحتاج إليه ضرورة في سفره (وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ ) ثم قال عز وجل ( إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ) لم يقل إلا متاع فقط ؛ إنما متاع يُغر به الإنسان أيضا .
وينبغي على الإنسان أيها الإخوة الأفاضل أن يكون عنده موازنة ما بين حياته الدنيا والآخرة فكما أن النبي عليه الصلاة والسلام أوصى بأن يتخفف المرء من الدنيا إلا أنه عليه الصلاة والسلام منع من أصحابه من أراد أن يحرم نفسه من المتع وقال لأبي ذر: ((إن لنفسك عليك حقا ,ولزوجك عليك حقا ، ولولدك عليك حقا ، ولزورك عليك حقا، ولربك عليك حقا فأعطي كل ذي حق حقه)).
نحن لا ندعوا الناس إلى ألا يتلذذوا بشيء من الدنيا، لكن النعم التي أعطاك رب العالمين إما أن تستعملها فيما يقربُك إليه من طاعات أو أن تستعملها في مباح لا يؤاخذك الله تعالى فيه, انما الحياة الدنيا متاع .
أيها الناس :
إن الشرْبَة التي نشربها ثم نتبولها تقول لنا إنما الدنيا متاع ,إن اللباس الذي نلبسه ثم ننزعه لنستبدله بغيره يقول لنا إنما الدنيا متاع , إنما الصيف والشتاء اللذان يتعاقبان علينا يقولان لنا (إنما الدنيا متاع ) , إن الأشخاص الذين نراهم ونصافحهم ونحبهم ونجالسهم ثم نفقِدهُم يقولون لنا (إنما الدنيا متاع ) إن المقابر التي نحفر فيها ، وندفن أحبتنا ,وفلذات أكبادنا إنها تقول لنا (إنما الدنيا متاع) ,إن المال الذي نكتسبه بكدنا وتعبنا ثم يزول عنا في طرفة عين ليقول لنا (إنما الدنيا متاع .)
إن لله عـبـاداً فُطَـنـا *** تركوا الدنيا وخافوا الفِتنا
نظروا فيهـا فلما عَلِمـوا *** أنها ليست لحي وطنـا
جعلوهـا لُجـةً واتخـذوا *** صالح الأعمال فيها سُفُنا
أيها الإخوة الكرام :
عام كامل تصَرَّمَت أيامه وتتابعت ساعاته بالله عليكم ماذا اودعنا خلال هذا العام المنصرم ؟!هذا العام إنما هو خزائن ,كل إنسان يودع كل يوم، تودع الخزينة وتقفلها ,ولا تفتح إلى يوم القيامة , كما قال عليه الصلاة والسلام ذكراً بعد الوضوء قال :((من توضأ ثم قال: سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك "قال : كتبت له في رق ثم جعل عليها طابع فلم يكسر إلى يوم القيامة" ، يعني يحفظ له.
هذه الأيام التي مضت علينا خزائن ,كل خزينة وضعنا فيها شيئا ,لا تستطيع أن تعود إليها وتفتح وتغير شيئا مما فعلت إلا أن تستغفر وتتوب منه ,وتسأل الله أن يبدله لك حسنات ,لكن القضية ماذا أودعنا فيها؟!
أناس أودعوا فيها ذكر وخير ,واستغفار ,وكسب للمال الصالح وإنفاقه في صالح أو في مباح , تربية لأولادهم , بناء مسجد ,مشاركة في خير ,ذهب تعبها وبقي أجرها .

لكن أناسا أودعوا فيها رشاوٍ ,أودعوا فيها ربا ,أودعوا فيها فواحش ,أودعوا فيها شرب خمر ,أودعوا فيها غيبة للناس أودعوا فيها أخذاً لأموال الناس وعدم إرجاعها إليهم , أودعوا فيها احتيالاً على الآخرين , أودعوا فيها سباً ولعناً ,وظُلما وما هذه الأيام إلا خزائن فانظر أنت ماذا تضع في هذه الخزائن ، (فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ{81} الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَـئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ)[ الانعام 81- 82]
أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعل أعمارنا حُجةً لنا لا علينا ,اسأل الله أن يجعل أعمارنا حجة لنا لا علينا ,وأن يجعل صحتنا وأموالنا وأبداننا وأعمارنا رافعة لقدرنا عنده ومقربة إليه ومُباعِدة لنا عن النار, وأن يجعلنا ممن يستثمرون حياتهم في طاعته وأن يبعدنا عن معصيته
أقول ما تسمعون وأستغفر الله الجليل العظيم لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو الغفور الرحيم
الخطبة الثانية
الحمد لله على إحسانه ,والشكر له على توفيقه وامتنانه وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه ,وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه وإخوانه وخِلانه ومن سار على نهجه واقتفى أثره واستن بسنته إلى يوم الدين
أما بعد :
أيها الإخوة الكرام - إن هذا العام الذي نَستقبله ينبغي على الإنسان أن يتجهز وأن يهيئ نفسه لاستقباله وألا يعيش المرء هكذا سَبَهللا , تمضي عليه الأيام كيفما اتفق دون أن يكون له تخطيط وترتيب فيها.

وقد كان من هدي رسولنا وحبيبنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان إذا أراد أن يفعل شيئا تهيئ له ,وتجهز له ونَظرَ في المصالح والمفاسد ,ونظر كيف يمكن الاستفادة منه .
ألا ترى أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد سفراً تهيئ وسأل عن الطريق واستفسر عما يَعرِض لهم فيه ,ولما أراد صلى الله عليه وسلم أن يخرج إلى الهجرة تهيئ لذلك فاتفق على مَن يدلهم على الطريق ,وحددوا مكانا يأوون إليه حتى يذهب عنهم طلب أهل مكة، وعمل عليه الصلاة والسلام أمورا تدل على أنه فيه نوع من التخطيط قبل أن يفعل مثل هذه الأمور وكذلك كان السلف رحمهم الله تعالى ,كانوا قبل أن يفعلوا شيئا يخططون له وينظرون ماذا نعمل خلال هذه الايام .
ومنه ما يُسمى اليوم في زماننا بالخُطط الخَمسية ,والخطط العَشرية , يعني الخطط التي تمتد إلى الخمس سنوات والعشر سنوات , كذلك نحن أيها الأفاضل من أراد أن ينفع هذه الأمة بالعلم أو أن يطور نفسه في تجارة أو أن يعمل أي عمل من الأعمال التي يكون فيها نوع من النفع سواءً في دينه أو في دنياه فلا بد أن يخطط لذلك .
يقول عدد من الباحثين ـــ مع الأسف ـــ : إن الذين يخططون لحياتهم من الناس لا يتجاوزون 3% , وتجد أن الإنسان يدخل عليه هذا العام الجديد تقول له أنت ماذا تود أن تنهي من القراءة من الكتب خلال هذا العام القادم عليك؟ يقول والله لا أدري حسب ما يتيسر، تقول له حسنًا ألا توجد كتب تود لو تنهيها , يقول :بلى أتمنى أن أنتهي من حفظ القرآن وهو أعظم كتاب ,وأريد أن أنتهي من كتاب ابن كثير قراءة ,وأن أنتهي من كتاب البداية والنهاية مثلا في التاريخ , وأن أنتهي من كذا ..
تقول هل وضعت لنفسك خطة !؟ . هذا العام 365يوم، ماذا ستفعل خلال هذه الأيام من خطة واضحة ؟!
الانسان الذي يضع خطة يحاسب بها نفسه إذا قصرت ,هو الذي إذا انتهى عنه هذا العام قال نعم ولله الحمد أنا خلال هذه السنه انتهيت من عشرة أجزاء من القرآن ,وأسلم على يدي ثلاثة أو أربعه من العمال وفعلت كذا وكذا من إصلاح ذات البين وفعلت كذا من الأمور التجارية ونحو ذلك مما خطط له ثم نفعه بعد ذلك وهذا من هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن ديننا الذي دلت عليه عموميات الشريعة .
أسأل الله تعالى أن يستعملنا جميعا في طاعته , أسأل الله تعالى أن يستعملنا جميعا في طاعته ,اللهم وفقنا لفعل الخيرات وترك المنكرات ,وحُب المساكين ,وأعذنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن ,اللهم انصر المجاهدين في كل مكان ,اللهم انصر المجاهدين في كل مكان ,اللهم انصر إخواننا المجاهدين في الجنوب ,وانصرهم يا رب في العراق ,وانصرهم يا رب في فلسطين وفي افغانستان وفي كل أرض من أرضك يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام ,اللهم واخصص من بينهم إخواننا الذين يجاهدون في الجنوب اللهم ثبت أقدامهم وتقبل شهدائهم واشف مرضاهم وصوب رميهم واجمع كلمتهم وأحْسِن نياتهم ياذا الجلال والإكرام ورد كيد أعداء الدين في نحورهم يا قوي يا عزيز ,اللهم اغفر لنا ولآبائنا وأمهاتنا ,اللهم من كان منهم حيا فمتعه بالصحة على طاعتك حتى يلقاك , ومن كان منهم ميتاً فوسع له في قبره وضاعف له حسناته وتجاوز عن سيئاته واجمعنا به في جنتك يا حي يا قيوم , اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.