arrow down

فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا

خطبة لفضيلة د. صالح بن علي الوادعي ( عضو رابطة علماء المسلمين )

 

عناصر الخطبة:


المقدمة


حكاية الله لمآلات الطغاة


تأملات في مصير من ركنوا إلى الذين ظلموا

من صبر قَدر

الخطبة الأولى:

إن الحمد لله؛ نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} [آل عمران:102].

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء:1].

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب:70-71].

ثم أما بعد:

فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

ثم أما بعد:

حكاية الله لمآلات الطغاة:

عباد الله! إن المتأمل في آيات الله تبارك وتعالى في الآفاق والأنفس يشاهد: أن الله عز وجل وحده القهار، وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأن الإنسان مهما بلغ من القوة والغطرسة؛ فلن تحول دون قوة الله وحوله تبارك وتعالى، وإذا قدر الله عز وجل فإن قدرته نافذة لا محالة.

عباد الله! المتأمل في قوله تبارك وتعالى: {هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ} [الحشر:2].

أيها الأحباب! إن هذه الآية تحكي ما وقع ليهود بني النضير، وهي عبرة لكل من طغى وتجبر، وعاند الله تبارك وتعالى؛ فإن الله قادر على كل شيء، فقد قال في هذه الآية: {فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا} [الحشر:2]، وقال في آية أخرى تبارك وتعالى: {وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ مِن سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ} [الزمر:47].

ولقد بين تبارك وتعالى في كتابه الكريم حال كثير من الطغاة والظلمة وما حل بهم من العذاب والعقاب منه تبارك وتعالى، لكن غفل عن هذا البيان الواضح كثير من الطغاة؛ فلم يعتبروا بها، فساروا وسلكوا مسلك الطغاة الأوائل والظلمة، ولقد حدث في عصرنا وفي زماننا الحاضر، وفي عامنا المنصرم أن الله تبارك وتعالى قدر أن قلع ملوكاً من ملكهم، وقلع طغاة مفسدين مما كانوا فيه: {فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا} [الحشر:2]، ولم تنفعهم جندهم، ولا شرطهم، ولا أعوانهم: {وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ} [الزمر:47].

سنة الله تعالى في نصرة المظلوم:

عباد الله! ما حدث في تونس، ثم في مصر، ثم في ليبيا، ثم في بلدنا؛ لخير عبرة لطاغية سوريا الذي طغى وتجبر، وما علم أن الله عز وجل على كل شيء قدير، وأن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} [هود:102].

وقال تبارك وتعالى: {قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللّهُ بُنْيَانَهُم مِّنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ} [النحل:26].

وقال تبارك وتعالى: {وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِدًا} [الكهف:59].

وقال عزَّ من قائل: {وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ} [إبراهيم:42].

عباد الله! إن نصر الله عز وجل، وتمكين الله تبارك وتعالى لمن ظُلم، ولمن أوذي، ولمن قتل في بلاد سوريا.. قائم لا محالة، واقع بأمر الله تبارك وتعالى، والوقائع تشهد لبعضها البعض، فصاحب ليبيا وطاغيتها فعل بشعبه ما فعل، ثم كان عاقبته أن قتل -والعياذ بالله- بأيدي أبناء قومه، وهذا الطاغية الذي يفعل ويقتل في اليوم -كما نسمع ونشاهد- مئات الأشخاص، يدمر البلاد، يهلك الحرث والنسل.. ما علم أو تجاهل أن الله عز وجل قادر على كل شيء! {وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} [يوسف:21].

عباد الله! يقول الله تبارك وتعالى أيضاً: {وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ} [هود:113].

تأملات في مصير من ركنوا إلى الذين ظلموا:

المتأمل في هذه الآية يتضح له: أن الركون إلى الطغاة.. الركون إلى أعداء الله عز وجل مصيره الخسارة في الدنيا قبل الآخرة؛ فإن الحبل الذي مده الطغاة مع أعداء الله عز وجل يقطع عند أشد الحاجة إليه؛ لأن أعداء الله عز وجل يستعملون هؤلاء الطغاة مناديل لمسح أوساخهم، فإذا سقط الطاغية تحولوا عنه وهو في أمس الحاجة إليهم، ولنا في التاريخ عبرة بهؤلاء الطغاة، ومن ذاك: ما وقع لشاة إيران، الذي كان عبداً لأمريكا، عبداً لبريطانيا، وشرطيهم في المنطقة، لما انتهت صلاحيته وأخذوا منه ما شاءوا، وفعل لهم ما أرادوا، تحالفوا مع الخميني لإخراجه من البلاد، فجاءوا بالخميني من فرنسا، وأقام الثورة المعروفة، وأخرج طاغية إيران إلى بلاد غير بلاده منفياً.

وها هو طاغية تونس لما حدث له ما حدث ووقع له ما وقع، خرج شريداً طريداً بطائرته لا يدري أين يذهب، فإذا فرنسا الذي كان عبداً ذليلاً لها ترفض أن تستقبله، ويخرج لا يدري أين يذهب، وأين تحط به طائرته؟ طاغية

مصر الذي فعل لأعداء الله ما فعل، وقدم لهم ما قدم، وأعطاهم ما أعطى من التسهيلات، ومما لا يفعله أحد بأبناء قومه وأبناء جلدته، ها هو سجين لا يستطيع أحد أن يقدم له شيئاً.

طاغية ليبيا قتله أبناء جلدته، وقد فعل لأعداء الله ما فعل.

رئيسنا الذي قدم لأمريكا، وكان عميلاً لها في بلادنا.. ها هي تنبذه كما ينبذ غيره، واليوم وغداً ستنبذ روسيا والصين طاغية سوريا، ولن يفعلوا له شيئاً أبداً؛ لأن أمر الله إذا جاء لا يحول بينه أحد أبداً.

فنقول: هذا مآل الطغاة عند أسيادهم.. عند من قدموا لهم وبذلوا.

ونقول لكل من ينظر إلى الشرق أو الغرب إلى أعداء الله عز وجل: إنهم سرعان ما يتركونكم بعدما يأخذون منكم ما شاءوا وما أرادوا، {وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ} [هود:113].

ونقول للحكومات الجديدة القادمة في هذه البلاد.. في بلاد مصر، في بلاد تونس، في بلاد ليبيا، في بلادنا في غيرها من البلاد: احذروا الوقوع والتسكع على أبواب الغرب أعداء الله تبارك وتعالى، فسيلفظونكم كما لفظوا غيركم، وسيتركونكم في أشد الظروف وأحلكها كما تركوا غيركم، ولتأخذوا ولتتمسكوا بحبل الله تبارك وتعالى؛ فإن الله عز وجل مع من كان معه، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك»، وقال الله تبارك وتعالى: {فَاللّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} [يوسف:64].

أسأل الله عز وجل بمنه وكرمه أن يوفقنا جميعاً لما يحب ويرضى، وأن يأخذ بنواصينا إلى البر والتقوى، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

أقول ما سمعتم، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب؛ فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

من صبر قَدر:

الخطبة الثانية:

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله إمام المتقين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

عباد الله! يقول الله تبارك وتعالى: {وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا} [آل عمران:120].

في هذه الآية: يبين تعالى أن العاقبة لأهل الصبر؛ فمن صبر قَدر بإذن الله تبارك وتعالى، ومن صبر واحتسب نال الفوز في الدنيا والآخرة، هذا نداء من عند الله، وأمر وقدر قدره الله {وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا } [آل عمران:120].

وقد قال تعالى عن بني إسرائيل: {وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَآئِيلَ بِمَا صَبَرُواْ} [الأعراف:137].

فبالصبر عباد الله ينال الإنسان الدرجات العلى عند الله، وينال النصر عند الله تبارك وتعالى، لذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: «واعلم أن النصر مع الصبر».

فالمتأمل في هذه الآيات وفي غيرها التي تدل وتحث على الصبر؛ يتبين له: أن النصر من عند الله تبارك وتعالى، وما علينا إلا أن نصبر، والعاقبة للمتقين، فما يحدث لإخواننا في أرض بلاد الشام من طاغيتها والله إنه ليؤلم.. إنه ليدمع العين؛ فالذي يُشاهد مجاز شديدة أليمة على نفس كل مسلم، لكن نقول: {وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [الأعراف:128]، وأن النصر من عند الله تبارك وتعالى، «وأن الله يملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته»، ولنعلم عباد الله أن النصر من عند الله تبارك وتعالى، كما قال: {وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ} [آل عمران:126].

لا نسأل النصر من أعداء الله، لا نرتمي في أحضان الشرق ولا الغرب، لا نرتمي في أحضان أمريكا، ولا أحضان بريطانيا، ولا الاتحاد الأوروبي ولا في غيرها، ولنعلم أن الله قادر على كل شيء، وأن قدرته لا يقاومها شيء، وأن نصره قادم لأهل الشام؛ نؤمن بذلك حقيقة.

والله لكأني أرى نصر إخواننا بين عيني، والله لأنها سنة الله التي لا تتغير ولا تتبدل أبداً.. كلما طغى طاغية وعلا جاء النصر من عند الله عز وجل لأوليائه ولعباده المؤمنين، كما قال الله: {وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ} [القصص:5].

فهذه أرض الله يورثها من يشاء من عباده، وقد بين أن العاقبة لأوليائه المتقين، لكن الواجب علينا أيها الأحباب: أن ننصر إخواننا بقدر ما نستطيع، لا نخذلهم ولو بالدعاء، نكثر من الدعاء فوالله إنه أعظم سلاح ينصر به إخواننا، فنحن في بلادنا آمنين وغيرنا في بلاد المسلمين كذلك آمنين مطمئنين، وهم يضربون ويقتلون وتسفك دماؤهم؛ فما علينا إلا أن نرفع أيدينا إلى الله عز وجل أن يرفع ما بهم وأن يهلك طاغيتهم.

دماج.. لا صارخ لهم:

وفي الختام أيها الأحباب! الجميع سمع، والجميع يتابع أحداث ما يفعله الحوثيون ضد إخوانكم المسلمين في جميع بلاد اليمن، فعلوا في دماج ما فعلوا من الحصار، ووالله قد شاهدت بعيني، وذهبت إلى المكان بنفسي، وشاهدت الحصار الشديد الذي كان على أهل دماج، حتى كادوا يموتون من الجوع، وما استطاعوا أن يقبروا موتاهم إلا في ساحة داخل بيوتهم، أو في حوايا بيوتهم، واليوم يعتدون على المسلمين في عاهم، وفي كُشر، وفي مستبة، وفي غيرها من بلاد حجور. ولا صارخ؟!!

الجيوش لا تتحرك إلا لنصرة أنفسها، حتى من كان من الجيوش -كما يقال مع المعارضة لا- يغير ولا يبدل، الوقت غير الوقت، الزمان غير الزمان، ننتظر حتى تنجح الثورة، ننتظر حتى نفعل ونفعل، يقتل المسلمون من هؤلاء أو من هؤلاء؛ فلابد أن نأخذ بيد الظالم نأطره على الحق أطراً ونقيمه عليه بقوة، فلو قام أبناء المسلمين على الطغاة الظلمة لأوقعوهم، ولجعلوهم يتركون ظلمهم، لكن الله عز وجل يسلط عليهم جنداً من جنوده، يسلط عليهم أولياءه الذين لا يخافون في الله لومة لائم، ويقاتلون لدفع الظلم، ولدفع العدوان، ولدفع ما فعلوه ضد المسلمين الآمنين في كل مكان.

الدعاء:

أسأل الله عز وجل بمنه وكرمه أن يوفقنا لما يحب ويرضى، اللهم إنا نسألك العفو والعافية والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة..