arrow down

ابتلاء الأمة

خطبة لفضيلة د. عبدالوهاب بن محمد الحميقاني ( عضو رابطة علماء المسلمين )

إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل له, ومن يضلل فلا هادي له, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله, صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء:1] {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب:70-71].

ثم أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله, وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم, وشر الأمور محدثاتها, وكل محدثة بدعة, وكل بدعة ضلالة, وكل ضلالة في النار.

عباد الله! قد تبتلى الأمة في سياستها بتسلط المستبدين والظلمة، وقد تبتلى في اقتصادها بنهب خيراتها وثرواتها وسرقتها، أو تردي أوضاعها، أو قد تبتلى في أنفسها بتسلط عدوها عليها، بقتل أو تشريد ونحوه، وقد تبتلى بغير ذلك من أنواع البلايا والرزايا، والتي يقدرها الله عز وجل على كثير من عباده المسلمين تمحيصاً وابتلاء لهم، ورفعاً لدرجاتهم، وإملاء للكافرين والمجرمين.

لكن كل هذه المصائب تهون دون المصيبة في الدين والأخلاق، أن تصاب الأمة في دينها وأخلاقها فهذه أم المصائب، وجامعة الرزايا، وهذا والله لهو البلاء العظيم، فلا مصيبة أجل ولا أعظم ولا أكبر من أن تصاب الأمة أو يصاب المسلمون في أمر من أمور دينهم، فكيف بدينهم كله؟ في خلق من أخلاقهم, فكيف في جل أخلاقهم؟

بل يعظم الأمر بلية ورزية ومصيبة عندما تصبح المخالفات الشرعية ويصبح المروق على الدين والتمرد على الأخلاق سمة بارزة في المجتمع، بل مظهراً من مظاهر الفخر والتنافس في إشاعتها، بل تروج إلى أن تصبح مظهراً من سمات المجتمع الإسلامي، فيراها الفرد المسلم فيتقبلها ويتلقفها من غير تحريج ولا تأثيم.

وهذا هو الانزلاق في شعب الكفر النفاق، والمروق من شعب الإيمان والإسلام، ومما ابتليت الأمة –أمة الإسلام- في هذا البلد بلد الحكمة والإيمان، بعد أن ابتلاها الله عز وجل بمستبدين ظالمين، وبجوع وفقر في معاشها واقتصادها، وابتلاها قبل ذلك بمصيبة أعظم وأجل؛ ليعرف المؤمنون الصادقون من المنافقين الكاذبين، ليعرف الناصرون للدين من الناكصين على الأعقاب، ابتلاها الله عز وجل بقوم تلقفوا قذر الأعادي عجره وبجره، وأخذوا يبثون هذا القذر وينشرونه في البلاد، ويحضون عليه العباد؛ ليحدوا بالأمة عن دينها وأخلاقها، ويوقعوها في الرذيلة، وصدق الله: {وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا} [النساء:27].

هكذا يريد الله عز وجل لعباده، يريد لهم الخير والفضيلة، يريد لهم البر والتقوى، يريد لهم الفلاح والسعادة في المعاش والمعاد، وأرباب الشهوات يريدون الميل عن ذلك كله، من الفضيلة إلى الرذيلة، ومن الخير إلى الشر، ومن الحشمة والعفة إلى الزنا والفاحشة، وهكذا هو شأن كل الذين يتبعون الشهوات، يريدون أن يميل المسلمون عن دينهم ميلاً عظيماً، والله يريد أن يتوب عليهم.

لهذه المصائب والرزايا التي ابتلينا بها في بلدنا وهي من قذر الأعادي الذي يروجه فئام من أبناء جلدتنا، دعوة إلى أمر أعدوا له العدة، وأنفقوا عليه الأموال، وجيشوا له الإعلام، ونشروا له الدعايات وبثوها في الصحيفة الرسمية وفي غيرها، وفي القناة الرسمية وفي غيرها، يدعون أبناء اليمن من المحافظات والقرى والعزل والمديريات ومن كل أرجاء اليمن ليهبوا إلى عدن، هلموا أقبلوا تعالوا، عليكم بالانطلاق إلى عدن, لمه؟ لحضور ماذا؟ لأي أمر؟ ألعلم في دين؟ أم علم في دنيا؟ ألمعاش في الدنيا؟ أم لأجر في الآخرة؟ ألحضور مجلس عالم من علماء المسلمين؟ أم من علماء الدنيا الذي يؤول علمهم علينا بالنفع في دنيانا؟ أم إلى وظائف شاغرة؟ أم إلى أموال تنفق على الفقراء والمساكين؟ أم إلى ماذا؟ إلى دورات تدريبية وتأهيلية في دينهم ودنياهم؟ في معاشهم وأخراهم؟ إلى ماذا يدعون الناس؟

يدعونهم إلى حضور السهرات الفاضحة، والرقصات الماجنة، يحيون ليلة ساهرة، مع مغن ومغنية استجلبوهم من خارج اليمن، تميزوا وبرزوا واشتهروا بالمجون والفجور، وهم مجهولون مغمورون نكرات في القيم والأخلاق في الناس، وفي النافع في الدنيا أو في الآخرة، لكنهم ما اشتهروا إلا بهز أوساط النساء، وكشف نهودهن، وتعري فخوذهن، واختلاط الرجال مع النساء في رقصات، تثير الغرائز، وتستحي المرأة المسلمة أن تفعلها لزوجها في غرفة النوم، لكنهم يدعون أهل اليمن على مرأى ومسمع وبكل تبجح وبكل وقاحة، في الصحيفة الرسمية وفي التلفزيون الرسمي، وفي غيرها، ويتنافسون على إقامة هذه السهرات، واستضافة الفاجرين والفاجرات، وبث الرذيلة والعهر والدعوة إلى الفاحشة، ويتنافسون على هذه المنزلة وهذا العمل الشنيع منافسة, سواء كانت هذه المؤسسات رسمية أو شعبية.

ومنهم من فاز وحاز المنصب والدرجة الذهبية في رعاية وتمويل إقامة هذا المنكر العظيم، ومنهم من هبط يا لحسرته! إلى المنزلة الفضية، ومنهم هبط إلى الرعاية الإعلامية، ويا سبحان الله! كيف وصلت الوقاحة والبجاحة والرذالة والسفول والانحطاط لأقوام يزعمون أنهم ساسة، يزعمون أنهم قادة، يزعمون أنهم رعاة لبلد ينتسب إلى الإسلام ثم يتشدقون أنهم يريدون الخير لليمن، ولأبناء اليمن، ولدين اليمن، ولقيم اليمن.

ويا سبحان الله! وكأن أهل اليمن من جوعهم وفقرهم وتمزقهم وتشردهم وضعف حالهم في دينهم ودنياهم، ينتظرون من هذه الحكومة اللارشيدة أن تصحح أوضاعهم، فينتظرون منها أن تأتي لهم بامرأة معها فرقة من النساء والرجال يكشفون لهم المفاتن، ويعرضون لهم المفاتن، ويتبرجون لهم على مسارح عدن، وعلى مرأى ومسمع من أمام الناس جميعاً في اليمن وخارجه، وكأن هذا هو الحل لقضايا اليمن واليمنيين في دينهم ودنياهم، ووالله ما هو إلا التغرير باليمنيين؛ ليسلكوا سبيل الرذيلة، استجابة لأسيادهم في واشنطن وغيرها، استجابة لإملاءات تملى عليهم من الخارج، وانطلاقاً من خسة ورذالة امتلأت بها نفوسهم، عندما تخلت عن الإيمان، وتجردت عن الحياء، وصدق النبي عليه الصلاة والسلام –كما يقول في الصحيح-: «إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستح فاصنع ما شئت».

فلا تسل إذا عطل الإنسان من الإيمان, والحياء عن جرابه، ولا تعجب من فضائحه ورذائله، ولا تندهش من سفول قدره وانحطاط منزلته؛ لأنه يتحرك بنفس دنية، وينقاد لأسياده من وراء البحار والمحيطات.

هذا هو الذي يراد لأهل اليمن، يدعون إلى مهرجان في الأسبوع القادم، مهرجان غنائي راقص، يحيي هذا المهرجان فاجرة من الفاجرات، اشتهرت بغنائها وفجورها وإبراز مفاتنها للناس على الفضائيات، ويساعدها في ذلك فاجر مثلها، ومعهم شلة من الفاجرين والفاجرات، يستعرضون بمفاتنهم وتغنجهم ورقصاتهم أمام اليمنيين في الأسبوع القادم في محافظة عدن.

بالله عليكم! هل يعقل أن تنفق أموال المسلمين على هذا الحفل الذي ترعاه جهات رسمية على رأسها صاحب المرتبة الذهبية محافظة عدن، سبحان الله، أهل عدن كل يوم يخرجون إلى الشارع، يتظاهرون يطلبون اللقمة، يطلبون تصحيح المسار، وإزالة المجرمين والظلمة الذين عكفوا على رقاب الناس، ينتظرون تصحيحاً للأمة في دينها ودنياها، ماذا كان العلاج؟ صحح المسار, واستغل هذا المسار الخاطئ ثلة –ونحن نعلم بذلك ولا نستحي من ذلك- يدعون إلى تمزيق اليمن، وإلى انفصاله، وارتهنوا بدعوات خارجية، مستغلين هذا الوضع، ثم تأتي محافظة عدن فتقدم البراهين التي يروج لها أولئك، وتبين أن تصحيح المسار يا أهل اليمن عموماً ويا أهل عدن خصوصاً يكون بضحككم وتصفيقكم وترفيهكم أمام الراقصات والعاهرات، حتى تنسوا حقوقكم وما يجب لكم، وما يجب على الحكومة نحوكم من القيام بأمر دينكم ودنياكم.

وتعجب من أمة لا تجد اللقمة، تعجب من أمة تتلوى جوعاً تعجب من أمة تذل وتداس، تعجب من أمة لا وزن لها، ولا تستشار في أمرها، تعجب من أمة يضحك عليها تنهب ثرواتها، وتؤخذ خيراتها، وتجوع صباح مساء، وهي تدعى إلى الرقص والتطبيل والتصفير وإلى اللهو والمجون! وهي تستجيب ضاحكة لاهية صامتة لا تنكر منكراً ولا تأمر بمعروف, ولا تأخذ على يد ظالم!

ماذا ننتظر؟ ننتظر عقوبة الله عز وجل أن تنزل علينا من السماء!

على صفحات الجرائد صفحة كاملة، بل صفحتين كاملتين في الجريدة الرسمية، بل مقاطع –كما أخبرت- في القناة الرسمية فيها دعوة إلى هذا المهرجان الغنائي الراقص الفاجر.

وأنا أسأل: امرأة مزينة فاتنة عارية كاسية تكشف عن مفاتنها، وتبرز إلى الرجال مع ثلة وشلة من الفتيات اللائي تعرين وقد اكتسين وأبرزن مفاتنهن، وأخذن يرقصن بمفاتنهن أمام الرجال والنساء، يتراقصن ويتغنجن بأصواتهن، ويتأوهن ويتميعن على أصوات المعازف، وينثرن القبلات على الحاضرين، في جو مصحوب بأضواء باهتة، وأصوات صاخبة، وصفير وتصفيق، وتميع وتكسير، ورقص وطبل أمام الناس، ومجاهرة في ميدان عام، أهذا مما يجوز في الإسلام؟ ويقبله أهل الإيمان؟ ويفتي به علماء الدين؟

والله لا تجيزه ملة، ولا يجوز في دين من الأديان، ولا يفتي به أحد من أهل الملل، فضلاً عن أهل العلم والإيمان.

ولا ندري هذه الحكومة اللارشيدة –نسأل الله أن يريحنا منها وأن يأخذهم أخذ عزيز مقتدر- الذين أجاعوا الوطن وضيعوا وباعوا ثرواته وفرقوه مزقوه يريدون القضاء على ما بقي من خير في هذه الأمة -وأنا مسئول عن كلامي- الفنادق في صنعاء وفي غيرها تبث لروادها ولنزلائها أفلاماً إباحية جنسية كاملة!

هذا ممنوع في دول الكفر، زرت الصين –وهي دولة شيوعية- أي فندق يفعل ذلك يلق الجزاء العظيم، يحافظون على قيمهم وأخلاقهم، ونحن في يمن الإيمان والحكمة يبثون، ووزارة السياحة لا دخل لها بذلك، والبحث الجنائي لا دخل له بذلك، والأمن السياسي لا دخل له بذلك، والأمن القومي لا دخل له بذلك، لا دخل لهم إلا بمكافحة الإرهاب (الإسلام) كما طلب بوش سيدهم، هذا الذي يريدون.

ما المراد؟ وقاحة وقلة حياء، وإساءة للدين والأخلاق، وللشعب اليمني، ولقيمه وأخلاقه.

وقد أصدر علماء اليمن قبل أشهر بياناً ركزوا فيه على هذه المنكرات ونحوها، وطالبوا الرئيس والحكومة بالإسراع في إزالتها، وشكل وفد من العلماء والتقى برئيس الجمهورية في عدن، وفعلاً استقبلهم وأمر –وصورة أمره محفوظة- وأمر رئيس الوزراء -وأرفق له بيان العلماء- بأن على الحكومة أن تزيل هذه المظاهر التي طالب العلماء بإزالتها.

لكن ماذا كانت النتيجة يا أيتها حكومة؟

الرئيس يأمر بالإزالة -وقبل ذلك الله- وأنت تسارعين للنشر والترويج، وللحماية والرعاية، فلا ندري لصالح من يعملون؟ وماذا يريدون؟

وتتنافس في ذلك حتى شركات خاصة أهلية، حتى ينظر إليها أنها من دعاة الرذائل، من دعاة الفاحشة، أنها ليست من دعاة الإسلام، ولا ممن يحافظ على قيم الشعب اليمني، ولذلك لا تظنوا أن أهل التجارة وأهل الشركات لا يدفعون ديناراً ولا درهماً إلا ويحلمون من ورائه ربحاً وكسباً، وهم يعلمون أن مقابل هذه الرعاية تكون تسهيلات تجارية ونحوها، من هنا أو من هناك، فهم يبيعون أخلاقنا وديننا بثمن بخس ودراهم معدودة!

كما أن الدعوة إلى هذا المهرجان ليست بالسر، بل في ملعب عام في عدن، في الأسبوع القادم، ويدعى إليه أين؟ ليس في الصحف ولا في التلفزة، حتى في الشوارع ملأوا عدن، ملأوا تعز ملأوا صنعاء، وغيرها من المدن!

سبحان الله! ما هذا الاهتمام؟ ماذا سيعود على الشعب اليمني من نفع في دينه أو دنياه؟ سنترقى في التسلح والصناعة؟ سنتقدم في التكنولوجيا والحضارة؟ سيرتفع منسوب الدخل الاقتصادي للفرد اليمني؟ سنتأهل في علم نافع من علوم الدنيا أو الآخرة؟

هل سيعود علينا بالنفع؟

لا والله، ما يعود على الشعب اليمني إلا إثارة الغرائز وتهييج الشهوات، واختلاط الشباب بالشابات، ثم لا تسل بعد ذلك عن جيل مارد، يتمرد على دينه، ويتنكر لمجتمعه، ويحترف الجريمة، ويمارس اللواط والشذوذ والزنا، وغيرها من الجرائم.

ثم نزعم بعد ذلك أن معنا أجهزة تمنع الجريمة، ونحن الذين نروج للجريمة، ونقدم أسبابها، وندعو إليها ونحث الناس عليها.

فيا سبحان الله! أنا أريد فقط أن أسأل رئيس الحكومة ومحافظ عدن ووزير الإعلام ووزير السياحة وغيرها من الأجهزة الحكومية التي تشارك في هذا المنكر، أسألهم سؤالاً واحداً أو أسئلة محصورة، وأسألكم معهم:

بالله عليكم هذا المهرجان الذي يدعى إليه هؤلاء الفاجرون والفاجرات...

فلا والله ما في العيش خير *** ولا الدنيا إذا ذهب الحياء

يعيش المرء ما استحيا بخير *** ويبقى العود ما بقي اللحاء