arrow down

أركان دولة الفساد الفرعونية وتكراره عبر الزمن

خطبة لفضيلة أ.د. طارق بن محمد الطواري ( عضو رابطة علماء المسلمين )

1- مقدمة.
2- قصة موسى أكبر القصص في القرآن.
3- أوصاف الدول الظالمة:
أ- الفاسد معه تخمة فاسدة تحكم.
ب- أن هذه الدول تقوم على الكبر والتعالي والطغيان.
ت- الفساد.
ث- أن الظلم ينتشر فيها.
حـ- فسق القائمين عليها.
خـ- أن القائمين عليها مجرمين.
د- الاستبداد بالرأي.
ذ- اتهام المصلحين بالفساد.
ر- قمع المصلحين وصدهم.
ز- استخفاف الشعوب والمن عليهم.
س- القرارات المتسرعة والمتعجلة.
ش- إدعاء العدل.
ص- الثراء الفاحش للحاكم وحاشيته فقط.
ض- التخضيم بأخطاء المصلحين.
ط- الاعتزاز بقوتهم.
ظ- تقسيم المجتمع إلى طبقات.
4- الغرض من القصص القرآني.
5- الفائدة من قصة سيدنا موسى مع فرعون.
6- دعاء.
طريقة استخدام الارتباطات التشعبية:
- قف على العنصر المراد قراءته ثم اضغط كلك يمين ثم اختر فتح ارتباط تشعبي.
1- مقدمة:
إن الحمد لله تعالى نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم، وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
أيها الناس أوصيكم ونفسي بتقوى الله تعالى، هي وصية الله للأولين والآخرين، قال الله تعالى: {وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ}[النساء:131]، فاتقوا الله عباد الله، ثم أما بعد:
من أطول القصص التي ذكرها الله تعالى في القرآن: قصة موسى – عليه الصلاة والسلام – مع فرعون.
2- قصة موسى أكبر القصص في القرآن:
في الحقيقة قصة موسى هي أكبر القصص...
أنا أديت فيها أربعين محاضرة في الإذاعة مسجلة، قصة نبي الله موسى في أربعين درس ما خلصتها، هذه قصة نبي الله موسى عليه الصلاة والسلام فيها من العبر كثير، لكن بعد ما تدقق في قصة نبي الله موسى تجد إسقاطات، أراد الله تعالى للناس أن يفهموها، قصتها على واقع الآن، فيها قصة كاملة لنشأة موسى عليه السلام في الولادة لما كان في بني إسرائيل.
فيها قصة ثانية: لما نشأ موسى في قصر فرعون وما تبع ذلك من تطورات.
في قصة ثالثة: قصة موسى عليه السلام في أرض مدين لمّا خرج هاربًا إلى أرض مدين، وبقا فيها أكثر من عشر سنوات ورعايته للغنم وغيرها.
في قصة رابعة: قصة موسى ودخولها في مناظرات ومناقشات مع فرعون، لما رجع إلى مصر يريد إخراج الناس.
في قصة خامسة: متعلقة مع موسى وبني إسرائيل في التيه، وهي قصص مركبة بعضها مع بعض.
لكن في الحقيقة دعوني في هذه الخطبة ألقي بنظرة إلى ملمح عجيب في القرآن الكريم في قصة فرعون، ولك أنت بنفسك أن تسقطها على من تشاء، لكننا نحن نأخذ هذه القصة وما فيها.
3- أوصاف الدول الظالمة:
في قصة موسى وفرعون: ذكر الله تعالى أوصاف الدول المستبدة، وأوصاف الظلمة، وهذه يمكن يقول واحد ما تعنيني – لا – لأنها تتكرر مع الزمان، إذا كان فرعون هلك، فثمة غير فرعون، إذا كان الملأ من قوم فرعون قد هلكوا فثمة ملأ آخر يتآمر علينا، ولذلك جاء الله سبحانه وتعالى وفصلها بكثرة.
دعوني في هذه الخطبة أذكر لكم تسعة عشر وصفًا وصفه الله تعالى في القرآن للدولة الفاسدة انطلاقًا من دولة فرعون، وبعد ذلك أسقطه على من تشاء من الدول الفاسدة.
أحيانًا تكون هذه الصفات موجودة في دولة واحدة قائمة بذاتها، وأحيانًا تكون مفرقة.
أ- الفاسد معه تخمة فاسدة تحكم:
أول صفة ذكرها الله سبحانه وتعالى للفاسدين ممن يقتلون ويحكمون الناس: أن الفاسد لا يحكم لوحده، وإنما يحكم معه تخمة فاسدة، معه مجموعة فاسدة، معه ملأ، يُسميهم الله تعالى أحيانًا – هؤلاء الذين يتولون السلطة – أنصابًا، الفاسدة، الشرذمة، الباغية، التي استولت على مقدرات البلاد والعباد، الله سبحانه وتعالى سماهم "آل"، الآل تطلق على التناسب الرحم، دخول الرحم، قال من كثرة تماسك هذه العصابة الفاسدة أنها متآمرة مع بعض صاروا كالآل، أي: صاروا كالأرحام، كما يقول الله تعالى: {وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ}[البقرة:49]، هو الحاكم فرعون، لكن آل فرعون عصابة اللي مع فرعون.
فأول صفة من صفات الفاسدين الذين يقودون في كثير من الأحيان واستولوا على ذمام الأمة: أنهم عصابة مع بعض فاسدة، الله سبحانه سماهم في بعض الأحيان "آل"، كما قال الله تعالى: {وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ}.
وسماهم أحيانًا بأسمائهم: هامان وقارون وجنوده: {إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ}[القصص:8]، فلمهم الله مع بعض، فرعون وهامان وجنودهما، عصابة مع بعضهم.
وأحيانًا يُسميهم القوم، وأحيانًا يسميهم الملأ: {وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ}[الأعراف:127]، وأحيانًا يُسميهم من حوله، أو كما قال الله تعالى: {قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ}[الشعراء:25]، يعني: فرعون يقول لمن حوله.
فأول صفة للدول الفاسدة: أن التخم التي تفسد وتتملك عصابة، مجموعة عصابة لا تُشكل واحد في المائة.
كم يُشكل العلويون اليوم في سوريا بالنسبة للشعب السوري؟! كم تشكل التخمة الفاسدة الحاكمة اليوم التي تجثو على صدر المسلمين في سوريا والشام؟! هذه عصابة فاسدة وشرذمة، هؤلاء الذين يجثون على قلوب الأمة.
إذًا هذه الصفة الأولى، الله تعالى وصفها للناس صفعًا، هذه المعاني القرآنية تتكرر في كل زمان ومكان.
ب- قيام هذه الدول على الكبر والتعالي والطغيان:
الصفة الثانية للدولة الفاسدة: أن هذه الدولة تقوم على التكبر والتعالي والتغلظ والطغيان والعلو على الخلق، كما قال الله تعالى: {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ}[القصص:4]، علا فوق الناس، يرى نفسه فوق الناس، هو يفهم والناس لا تفهم، إحنا أخلص من الناس، ولذلك الله تعالى وصف الدولة الفاسدة أن النظام فيها عالٍ على الناس، {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ}، {وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ * مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ}[الدخان:30-31]، هذه الصفة الثانية فيهم: العلو، وفيهم الطغيان، ويروا أنفسهم أحسن من الناس، وهم أعلى من الناس، {ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ * إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ}[المؤمنون:45-46]، فهذه الصفة الثانية التي ذكرها الله سبحانه وتعالى للأمم الفاسدة: أنهم من العالين، يعني: يروا أنفسهم فوق الناس، فوق الخلق، وهذه صفة ذمهم ذكرها الله تعالى.
وكذلك الطغيان، فمن العلو الطغيان، الطغيان يعني: تجاوز الحد، يعني: أنت تستحق أن تحاكم محاكمات بدنية قبل المحاكمات العسكرية، أنت تؤخذ بالشبهة، أن تؤخذ بالضمنة، أنت لا يُسمح لك أن تعبر عن رأيك، هذا يُسمى الطغيان، طغاة عمت العقوبة، كما قال تعالى: {اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى}[النازعات:17]، وقال: {سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ}[الأعراف:127]، وقال لهم موسى: {وَأَنْ لا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ}[الدخان:19]؛ إذًا هذه الصفة الثانية في الدول الفاسدة، سواء كان صفة مجتمعة أو منفردة، أنهم عندهم الطغيان، عندهم العلو، عندهم مضاعفة العقوبة، عندهم إهانة الخلق، هذه الصفة الثانية بعدما ذكرنا الصفة الأولى: أنهم عصابة، والصفة الثانية: أنهم طاغين وعالين وعندهم من الطغيان.
ت- الفساد:
الصفة الثالثة: الفساد.
دولة يدخلها الفساد: فساد قضائي، فساد اقتصادي، فساد إعلامي، لو فتشنا في هذه الدولة ودققت ... هذه صفات الدول الفاسدة، الله ذكرها في القرآن، كفرعون، لكنها تتجدد، ما حكمة الله من القصة هذه؟ قصة أكبر قصة في القرآن، تجردت في أكثر من سورة حتى الناس يعرفون أنها صفات في البشر تتكرر مع مرور الزمان.
فمن صفات الدول الفاسدة: أن القائمين على هذه الدولة فاسدين أصلاً، عندهم فساد أخلاقي، عندهم فساد ديني، عندهم فساد مادي، ولذا قال الله تعالى: {إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ}، الله يقول عن فرعون، وقال الله تعالى عن فرعون لما أدركه الغرق: {آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ}[يونس:91].
قال الله تعالى: {فَظَلَمُوا بِهَا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ}[الأعراف:103]، فالصفة الثالثة لهذه الدول، وهذا إيمان بسقوطها وانتهاكها، وأنها تحارب الله، وأنها تنقص من الداخل، فيها فساد كما كان حال فرعون.
ث- أن الظلم ينتشر فيها:
الصفة الرابعة: فيها ظلم.
والظلم وضع الشيء في غير محله.
تضع الإنسان موقوف وزيرًا على الناس، تضع الإنسان الذي لا يستحق حاكمًا على الناس، هذا ظلم، تأخذ المال لك وتطرد الشعب، تسجن من لا يستحق السجن وتعفو عن من يستحق العذاب "هذا يُسمى ظلم".
كان من صفات دولة فرعون التي أبادها الله وأهلكها، {وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا}، كانت من صفاتها الظلم: {وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلا يَتَّقُونَ}[الشعراء:10-11]، قال موسى: {رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ}[القصص:21]، وقال له العبد الصالح لمّا وصل إلى مدين: {لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ}[القصص:25].
فالصفة الرابعة من صفات الدول الفاسدة: أن الظلم ينتشر فيها.
حـ- فسق القائمين عليها:
الصفة الخامسة: الفسق.
والفسق خروج عن الطاعة، أن يخرج الإنسان عن الطاعة، ما يكون طائعًا، ما يهمه الدين، لا يريدون الدين أبدًا، وإنما يريدون الدين عبارة عن رموز، الدين عبارة عن صلاة وآذان، وقوانين: أحوال شخصية وطلاق وزواج؛ دين حكم: لا يبغونه، دين شريعة يحكم بين الناس: لا يبغونه، دين يتدخل في السياسة والاقتصاد: لا يبغونه؛ يريدون دين شكل، ولذلك عندهم فسق، يعني: خروجهم عن الطاعة إلى المعصية.
قال الله تعالى عن فرعون: {فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ}[الزخرف:54]، أي: كانت هذه دولة فاسدة، ظالمة، مجموعة عصابة تحكمها كانوا فاسقين، يعني: في حياتهم ما كانوا ملتزمين بالطاعة، وإنما كانوا بعيدين أبعد الناس عن الخير ومتجهين إلى الفساد.
وقال الله لموسى، لمّا أرسل موسى بتسع آيات: {إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ}[النمل:12]، يعني: كانت هذه الدولة دولة فاسدة.
إذًا هذه الصفة الخامسة للدول الفاسدة: أن القائمين عليها فاسقين، غير ملتزمين بطاعة الله تعالى.
خـ- أن القائمين عليها مجرمين:
الصفة السادسة: مجرمين.
هذه دول يقودها أناس مجرمون، تاريخهم طويل في الإجرام، تاريخ مليء بالسرقات، تاريخ مليء بالفساد.
قال الله تعالى: {فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ}[الدخان:22]، {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ}[الأعراف:133].
الله تعالى يذكر الدول الفاسدة بالمجرمين، وأنهم يتعالون على الناس.
هذه الصفة السادسة للدول المستبدة: أنه عندهم إجرام.
جـ- الاستبداد بالرأي:
الصفة السابعة: الاستبداد بالرأي.
مصادرة الرأي الآخر، تكميم الأفواه، ممنوع تتكلم، ما يصير تقول، لا تعبر عن رأيك، الحرية شكلية، الديمقراطية لنا فقط، أنت: لا، لا تجوز لك، هذا من صفات الدول الفاسدة، هذا ما ذُكر عن فرعون، لكنك تسقطها على الواقع: أنهم يكممون الأفواه، ويصادرون الآراء، ويفرضون وجهة نظر واحدة – لا غيرها – بالقوة.
هذا فرعون: {مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي}[القصص:38]، يعني: ليس فقط إله، لكن لا أعرف إله ثاني، {مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي}، قال: {مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ}[غافر:29]، حتى اعتقاداتك لا تتقدر! ما يصير تعتقد إلا ما .. ما يصير أن تحب شيء أنا ما أحبه، لابد أن تسمعني، وحتى في قلبك لازم تطيعني، قال: {آمَنتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ}[الأعراف:123]، يعني: صدقت بقلوبكم قبل ما أسمح لكم أنا.
فهذا من صفات الدول المستبدة: أنهم يصادرون أي رأي آخر، ما في إلا رأيه، هم فقط الذين على الحق وغيرهم على الباطل.
د- اتهام المصلحين بالفساد:
الصفة الثامنة: اتهام المصلحين بالفساد.
وهذا منتشر وموجود في كل مكان:
يُتهم من يريد الإصلاح: بأنه إنسان متطرف.
من يريد الإصلاح: يُتهم بأنه إنسان يسعى لزعزعة الأمن.
من يريد الإصلاح: يُتهم بالمؤامرات.
من يريد الإصلاح: يُتهم بأنه عميل لدولة خارجية.
هذا من أيام موسى – عليه الصلاة والسلام – ولذلك الله – سبحانه وتعالى – عبّر هذه الصفة في الدول الفاسدة، أنهم يستخدمون هذا الأسلوب لرمي خصومهم بأنهم غير وطنيين، هذا فرعون: {ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى}[غافر:26] هو ما يحتاج واسطة الناس، لكن يريد أن يبرر للناس، قال: {ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَادَ} يعني: الرجل ما هو وطني، الرجل يريد أن يفسد في البلاد، الرجل يريد أن يخرب في البلاد، يقول في حق موسى: أخاف أن يفتنكم، {ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَادَ}.
قال الله تعالى حكايةً عن فرعون – فرعون يقولها لموسى –:{إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا}[الأعراف:123] يعني: أنت تسعى للانقلاب، تسعى لقلب النظام علينا وتريد أن تخرج الناس من الأمن إلى الفوضى التي تسعى لها أنت يا موسى.
قال: {وإني لأظنك} يا موسى، هو يقول مسرورًا، وقال: {إن هذا لساحر عليم} يقذف في وجهه الاتهامات على موسى بأنه مسحور – لا – بل هو ساحر، لا بل هو يزعزع الأمن، لا بل هو إنسان غير وطني، وهذا كله من صفات الدول الفاسدة.
اللي قاعد يتكبر، تتكبر لأن الناس إذا طالبوا بالإصلاح اتهموهم بالغير وطنية، واتهموهم بأنهم يزعزعون الأمن، وهذا كله من الصفات القديمة التي ذكرها الله تعالى عن فرعون.
ذ- قمع المصلحين وصدهم:
الصفة التاسعة: من صفات الدول الفاسدة: قمع المصلحين.
صدهم، تعذيبهم، إسكات أصواتهم، منعهم من أن يظهروا في أي مكان، هذا شبه فرعون قديمًا، الله تعالى ذكره ويتكرر مع الزمان، قال فرعون للسحرة لمّا آمنوا: {قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى}[طه:71].
وقال فرعون لموسى: {قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ}[الشعراء:29].
وقال عن بني إسرائيل: {سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ}[الأعراف:127].
هذه صفة قديمة، افعل ما بدا لك، هذه الصفة القديمة الله تعالى ذكرها عن الدول المستبدة "قتل، قهر، سجن، تعذيب، فتح المعتقلات، تكميم الأفواه، تشويه السمعة، .. الملاحقة" هذه صفة قديمة الله تعالى ذكرها من أيام فرعون لتكميم أفواه الصالحين، وهذه صفات الدول الفاسدة التي أذن الله تعالى بزوالها إذا ظهر منها هذا التصرف، ولذلك .. بنو إسرائيل، قالوا لموسى: {قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا}[الأعراف:129]، قعدنا مع فرعون بالأذية، قبل ما تأتي يا موسى ومن بعد ما أتيت ونحن في فيه.
الصفة العاشرة: من صفات الدول الفاسدة: الخوف من أي حركة إصلاحية.
أي حركة إصلاحية تسعى للإصلاح ولو كانت ضد القانون، ولو كانت ضد الديمقراطية التي شرعوها، ولو كانت على لهجتهم التي يعرفوها، لكن ممكن تنجح ويكون فيها إصلاح، محاربة الفساد، محاسبة، توسيع دائرة المشاركة في السلطة، فإن هناك خوف حقيقي من الفاسدين والدول الفاسدة من أي حركة إصلاحية، فإذا .. أن يذموا، ويُحذَر منهم، وأنهم يضيعوا عاداتنا، ويضيعوا تقاليدنا، وأنهم مدعومين من الخارج كما قال الله تعالى حكاية عن فرعون: {إِنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ * وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ}[الشعراء:54-55]، من تعليمنا بأفكارهم، {وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ}[الشعراء:56]، وفي قراءة: {وإنا لجميعٌ حَذِرون}، فهم شرذمة شوية، {وإنا لجميعٌ حَذِرون}.
وقال الله تعالى في آية أخرى: {إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى}[طه:63]، يتغنون بعاداتكم وتقاليدكم، يتغنون بكم، ولذلك الدول الفاسدة سخرت إعلامها وجرائدها وكتابها ومنافقيها، كل ما عندها تُسخر من أجل أنه لا يشاركهم أحد في هذه السلطة أو أن يضيق أحد إلا الحيز البسيط أو الصغير الذي منحوه لهذا الإنسان، فهذا من صفات الدول الفاسدة، الله ذكرها في قصة فرعون، أنهم يخافون من كل حركة إصلاحية، ويذمونهم ويحذرون منهم.
ر- استخفاف الشعوب والمن عليهم:
الصفة الحادية عشرة: من صفات الدول الفاسدة: استخفاف الشعوب، والمن على الشعوب ..
إحنا علمناكم، إحنا شربناكم، عد المستشفيات، عد المستوصفات، عد المدارس، بُنية تحتية، هذه خيرات البلد، نحن شركاء فيها، هذا من صفات فرعون، كان يمن على الناس أكلهم وشربهم، ولذا موسى كان .. فرعون، {وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ}[الشعراء:22]، يعني: أنت تمتن علي أنك سويت بني إسرائيل عبيد مقابل أن تؤكلهم وتشربهم، {وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ}، فهذه صفة قديمة من أيام فرعون، كانوا يمنون على الناس، أكلناهم وشربناهم، فيمنون على الناس ذلك، فهذا من صفات الدول الفاسدة من أيام فرعون.
ز- القرارات المتسرعة والمتعجلة:
الصفة الثانية عشرة: عندهم قرارات متعجلة وتصريحات متهطلة.
وهذه تنبئ عن فسادهم، هذا كلام فرعون ومستشاريه، قال الله تعالى: {فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ}[هود:97]، يعني: كان فرعون يقود الناس وليس برشيد ولا عاقل، إذًا طلع فيه آيات بينات، يعيشون في الدول لكي تسقط، إذا هو يقتل كيف تتساقط، .. ليس رشيد، قال الله تعالى: {فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ}، وقال تعالى: {وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى}[طه:79]، فرعون أضلهم ما هداهم، هذه الدول الفاسدة كانت تفسد وتستخف بالناس، قال الله تعالى: {فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ}، وقال: {زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ}[غافر:37].
إذًا من صفات الدول الفاسدة قرارات متعجلة لكنها غير رشيدة ولا تؤدي إلى الخير وإنما تؤدي إلى الفساد وإلى الهلاك.
س- إدعاء العدل:
الصفة الثالثة عشرة: من صفات الدول الفاسدة: ... إدعاء العدل.
وأن قضاءنا نزيه وأن عدلنا لا يوجد مثله، وعندنا حرية نسمع كل الآراء، لكن هذه الحرية حرية شكلية، إذا وصلت هذه الحرية إلى أنت نافسته فإنك تُسجن، انظر فرعون السوء، فرعون لما دخل عنده موسى وناقشه، قال ما عندنا شروط نتناول خطاب الناس، ندعو الناس إلى {يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى}[طه:59]، تعالوا.. هذا انتبه .. أنت أيضًا تعال، نجمع الناس وأنا أجمع السحرة، لكن لعلنا نتبع السحرة، إحنا نتبع السحرة، ترى السحرة هم الغالبين، ونعطيك حريتك، ... عندنا حرية نفرحك يا موسى، ناقشني، لكن في النهاية لما آمن السحرة: {قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ}[الشعراء:49]، أقطعكم من أيديكم، وأقطع أرجلكم وأصلبكم في جذوع النخل أمام كل الناس، هذه حريته، هذه الديمقراطية التي يدعو لها فرعون، أنه يدعو الناس إلى النزول وإلى المناظرة، ولما انهزم فرعون، قال الله سبحانه وتعالى عن هذه الهزيمة: {فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ}.
هذه من صفات الدول الفاسدة، حرية شكلية فقط، مجرد شكل ..
ش- الثراء الفاحش للحاكم وحاشيته فقط:
الصفة الرابعة عشرة – التي ذكرها الله تعالى عن الدول الفاسدة –: الثراء الفاحش للحاكم وحاشيته فقط.
هم من يعيشونها، عندهم ثراء فاحش، عندهم أموال، يتسوقون في أغنى المتاجر في العالم، أحسن السيارات يركبونها، أحسن طائرات الدرجة الأولى يسافرون، أحسن القصور يسكنون، أحسن الفلل، أحسن الأكل، كل شيء أحسن شيء، تتعجب لما تسقط بعض الأنظمة تكتشف أن الحاكم، انظر على سبيل المثال ليبيا أربعين مليار، أربعين ألف مليون ثروته، تكتشف أن الحاكم التونسي عنده مليارات، تكتشف أن الحاكم الفلاني عنده مليارات، هذه من صفات الدول الفاسدة، يختزن حصة الشعب كله في بطنه، في أسرته والملأ الذي حوله .. هذا ما ذكره الله عن فرعون، انظر الله جل وعلا له حكم في القرآن، يكرر القصة ليفهم الناس، ولذلك قال الله تعالى عن فرعون، قال:{أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي}[الزخرف:51]، من يملك هذه الأموال؟ {أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي}.
قال الله عنه لما ذهب: {كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ}[الدخان:25-27].
قال الله تعالى: {فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ}[الشعراء:57-58]، كانوا كنوز، حتى قارون: {مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ}[القصص:76]، ليس الخزائن، إنما المفاتيح فقط، إذا قلنا العصبة من خمسة عشر إلى أربعين أو إلى ثلاثين، ثلاثين واحد ما يقدرون يشيلون مفاتيح الخزائن، ليس الخزائن المفاتيح فقط، هذا شو عنده من الأموال؟ ولذلك الله تعالى قال: {كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ}، هذا من صفات الدول الفاسدة: اختزال الأموال والثروات عند العصابة الفاسدة، وبعض المساعدون، فذكره الله تعالى في القرآن الكريم لبيان أن هؤلاء من صفات الفاسدين الاستيلاء على الأموال، ولذلك موسى لما دعا الله، دعا الله أن يخسف بهذه الأموال، كما قال الله سبحانه وتعالى: {وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} أعطيتهم فلوس أموال كل شيء، {زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ} عندهم فلوس وأموال ويحاربون الصالحين ويحاربون الدين {رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ}[يونس:88]، قال هارون: آمين، قال الله تعالى: {قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا}[يونس:89]، أنت وهارون، الله تعالى استجاب لموسى أن دعا على هذا الظالم الطاغية المنافق.
إذًا هذه من صفات الدول الفاسدة أنهم يستولون على ثروات، والشعب .. منهم.
ص- التخضيم بأخطاء المصلحين:
الصفة الخامسة عشرة: من صفات الدول الفاسدة: تضخيم – وهذه عجيبة في القرآن – أخطاء المصلحين، والتهاون بأخطائهم.
يعني شوف إذا الصالح سوى شيء الإعلام كله يكتب عليه، في الجرائد في الصفحة الأولى، هؤلاء مجازفين، هؤلاء حركة إسلامية، وانظروا ماذا فعلوا، هو عمره كله يقتل، لا يتكلم عن نفسه، يضخم أخطاء الصالحين، انظر موسى لما أخطأ وقتل، ليس قصدًا، خانت موسى نخوته وكان شاب ورأى واحد من بني إسرائيل والثاني ضده، حاول .. فدفع الثاني في صدره، مات، قال رب اغفر لي، قتلت إنسان، أنا لا أقصد، وبعد ذلك أُخبر فرعون أن الذي قتل هو موسى، راح طارد موسى، وفي المقابل: فرعون قتل كل أطفال بني إسرائيل، هذا موسى قتل واحد، لكن فرعون في ثانية سوا شيء أكثر، {قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ}، هو يقتل الأبناء، بقر بطون النساء، قتل الأطفال وهم صغار، سجن الرجال، ... هذا سواه فرعون، ولذلك لما موسى قابل فرعون بعد سنوات طويلة، قال له فرعون: {قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ * وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ}[الشعراء:18-19] أنت قتلت الناس، ... ويقتل كل يوم آلاف من الناس، ويملأ السجون من الناس، ويقول على اللي قتل واحد أو بقر بطن واحد، ... الذي يقتل الملايين ويستحيي النساء ويملأ السجون ويستبيح الأعراض، وما عنده لا حرمة ولا حياء، ويستخدم الغازات السامة، وغازات الأعصاب، والكيماوي والمتفجرات والطائرات، والدبابات، وسحق المدن، ونشر الناس، أو مسكوا واحد أسير فقتلوه، هذا ..
أن من الصفات التي ذكرها الله مع الفاسدين: أنهم يضخمون أخطاء الصالحين وتصير متضخمة كما قال الله سبحانه وتعالى.
ض- الاعتزاز بقوتهم:
الصفة السادسة عشرة: من صفات الدول الفاسدة: الاعتزاز بما عندها من قوة، من جيش، من شرطة، من أمن داخلي، من مباحث، عندنا القوة، هذا من أيام فرعون يعتدون بما عندهم من قوة ونسوا قوة الله سبحانه وتعالى وبطشه، ولذلك قال الله تعالى: {وَفِي مُوسَى إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ * فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ}[الذاريات:38-39] الركن يعني قوة، فراح إلى قوته مباشرة، لما جاء موسى ونصحه تولى بركنه أي: راح للقوة التي عنده وأركان الجيش والشرطة لكي يبطش بموسى.
قال الله تعالى: {فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى}[طه:60]، يعني: جاب جنوده وشرطته ثم أتى، فقال: {فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ}[الشعراء:53] يعني: جمع جنوده من كل مكان، وقال الله تعالى عن فرعون: {وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ} يعني: قوة عندنا ونحن نقهرهم بقوة السلاح، وقال الله تعالى: {إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ}[القصص:8]، فهذه من صفات الدول الفاسدة أنها تأتي ما عندها من قوة وما عندها من سلطان.
طـ- تقسيم المجتمع إلى طبقات:
الصفة السابعة عشرة والأخيرة: تقسيم المجتمع إلى طبقات.
هؤلاء طبقة غير طبقة ثانية، هؤلاء العمال، هؤلاء خدم، هؤلاء الطبقة الحاكمة، القصر ومن حوله هم من يعيشون، والباقي .. يعني: الحمد لله كثير من الشعب لا توجد عنده، لكن كثير منها موجود في العالم الإسلامي ولذا الله تعالى يذكر الناس بها، حتى وإن تكرر الوقوع في ذلك.
لذلك فرعون قسم الناس إلى طبقات، {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا}[القصص:4] أي طبقات، هؤلاء أقباط، هؤلاء بنو إسرائيل، هؤلاء عمال، هؤلاء صناع، هؤلاء خدام القصر، هؤلاء حاشية القصر، هؤلاء وزراء، وهكذا قسم المجتمع إلى طبقات، أنت معنا في الحزب الحاكم إذًا تعيش، أنت لست معنا في الحزب الحاكم لازم تلتزم وتصير معنا في طبقتنا وإلا ما تعيش، وهكذا تقسيم فرعون القديم الذي ذكره الله سبحانه وتعالى عنه في القرآن الكريم.
4- الغرض من القصص القرآني:
إذًا أيها الإخوة والأخوات، هذه حكاية ذكرها الله سبحانه وتعالى حتى يُبيّن للناس أن هذه الصفات تتكرر في كل زمان ومكان، وأن هذه الصفات هي صفات الدول الفاسدة، إذا ظهرت هذه الصفات فهي من صفات الدولة الفاسدة، وهذا أيضًا زوالها ولو بعد حين، لأن الله تعالى يضرب القصة ليس حكي كلام، ولا لكي يسلي الناس، ما يذكر الله تعالى قصص القرآن لكي الناس يفرحوا بالقصص، وإنما يذكرها الله تعالى للعبرة وليعتبر الناس، {فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ}، فاعتبروا يا أولي الألباب، يا أصحاب العقول اعتبروا هذا فرعون وهذه صفاته، هذه صفات دولته، تتكرر هذه الصفات يتكرر معها الهلاك، يكون عند الدولة العدل الله ينصرها ولو كانت كافرة، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (إن الله لينصر الدولة الكافرة إن كانت عادلة)، إن الله لينصر الدولة العادلة ولو كانت كافرة، وإن الله يهلك ويقصي الدولة المسلمة إذا كانت ظالمة، ليش هجرة الناس من العالم الإسلامي؟ أكثر من يهاجر من العالم الإسلامي، يبحثون عن أوربا؛ لأن الناس يرون في أوربا عدل، لا يرون ما يرونه في كثير من دول العالم الإسلامي من القمع والاستبداد ومصادرة الآراء والملاحقة والبطش، ولذلك يرون أني أعيش في عدل وأمن وحرية وحياة في دولة ولو كانت كافرة أحسن لي من أن أعيش في دولة ألاحق فيها وتحبس أنفساني ولا يكون إلا الحاكم وأما غيره فرعاع، لذلك تهاجر كثير من العقول من دولنا الإسلامية بحثًا – على الأقل – عن حرية أو أن يعيش في أمان.
هذه صفات الله ذكرها لأهل الإيمان حتى يعتبروا وليس تسلية، وإنما ذكرها الله سبحانه وتعالى في القرآن عن فرعون وصفات دولته حتى لا تتكرر، نسأل الله تعالى أن يبصرنا في ديننا، أقول ما تسمعون وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله خير خلق الله والمرسلين، صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين؛ وبعد:
5- الفائدة من قصة سيدنا موسى مع فرعون:
قد يقول قائل: ما علاقتنا بدولة كانت وبادت؟ أو علاقتنا بدولة كان فيها نبي؟ فإن الله تعالى قصرها في وجود النبي؟
الحق أن الله سبحانه وتعالى كلما ذكر ظالمًا، قال: {إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ}، القرآن.. إذا رأيت الظالمين، قال: {إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ}، إذا رأيت الصالحين يقول: {إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ}، فكما جزا الله المحسنين الأوائل، يجازي الله المحسنين الأواخر، وكما انتقم الله من الظالمين الأوائل ينتقم الله من الظالمين الأواخر، لأنه مذكور في القرآن: {إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ}، مثل ما سوينا لهم نسوي، و{إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} يعني: المحسن فإن الله سبحانه وتعالى جازيه، فهذا للعبرة:
العبرة أن لا تكون سندًا للظالمين.
العبرة أن تبصر الناس بطريق الحق والصواب، هذه العبرة من هذا النص.
العبرة في قصة موسى: أن لا تكون سندًا للظالمين.
العبرة في قصة موسى: أن لا نكون في دائرة الظالمين.
العبرة في قصة موسى: أن نستمر بالنصيحة والنتائج على الله.
الناس كلهم في عهد موسى قُتلوا وماتوا وما رأوا نصر، لكن الأصل أننا ننصح بالتي هي أحسن، لا نرضى عن الفساد، ولا نرضى عن الاستبداد، وإنما ننصح ونوجه بالتي هي أحسن، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يحقق الأمن والأمان للأمة كلها، لكن إذا ما تحقق هذا في زماننا، أنت أديت الرسالة: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ}[المائدة:67]، مطلوب من النبي أن يُبلغ: {إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ}[الغاشية:25-26]، {إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ}[الشورى:48] عليك تنصح، علينا أن لا نكون سندًا لهؤلاء الظالمين، علينا أن نقلل من الفساد وأن نغير معالم الفساد كلما نقدر، تغيرت الأمة تغيرت، ما تغيرت .. هذا بيد الله، اللي عليك أنت أديته، لم تكن أنت للخائنين خصيمًا، لم تكن للظالمين سندًا، لم تكن للظالمين عونًا، وإنما نصحت ووعظت وبيّنت، أحد استجاب استجاب، ما استجاب .. جهنم حتى يعذب فيها من طغى ومن بغى ومن تعدى، لكن علينا أن ننصح، علينا أن نمنع، علينا أن نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر، أن لا نكون سندًا للظالم، أن لا نكون عونًا له، ألا نطبل له، وإنما نكون عونًا على الحق، ننصح بالتي هي أحسن، قبل قبل من قبل فليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء.
6- دعاء:
نسأل الله تعالى أن يحفظ لهذه الأمة الخير، ونسأل الله تعالى أن يهدينا وإياكم إلى سواء الصراط، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، أصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، أصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا، اجعل الحياة زيادة لنا من كل خير، والموت راحةً لنا من كل شر، اللهم اجعلنا هادين مهديين، غير ضالين ولا مضللين، سلمًا لأوليائك، حربًا على أعدائك، نحب بحبك من أحبك، ونعادي بعداوتك من خالف أمرك، اجعل يا رب اجتماعنا هذا اجتماعًا مرحومًا، واجعل تفرقنا من بعده تفرقًا معصوما، لا تجعل فينا ولا معنا ولا بيننا ولا حولنا شقيًا ولا محروما، اللهم اغفر لنا ذنوبنا أجمعين، اللهم أصلح لنا ديننا برحمتك يا أرحم الراحمين، انصر إخواننا المستضعفين المجاهدين في كل مكان، اللهم ارفع رايتهم، اللهم حقق غايتهم، انصر إخواننا في سوريا وفي الشام وغزة، اللهم انصرهم على عدوك وعدوهم، واحقن دماء إخواننا المسلمين في مصر وفي كل مكان، واهدنا إلى سواء الصراط يا أرحم الراحمين، اجعل بلدنا هذا آمنًا مطمئنًا وعموم بلاد المسلمين، اللهم اجعل بلدنا هذا آمنًا مطمئنًا وعموم بلاد المسلمين، اللهم اجعل بلدنا هذا آمنًا مطمئنًا وعموم بلاد المسلمين، اللهم قنا الفتن والمحن ما ظهر منها وما بطن، إنك على ذلك قدير وبالإجابة جدير، اللهم إنا نستغفرك إنك كنت غفارا، فأرسل السماء علينا مدرارا، اللهم إنا نستغفرك إنك كنت غفارا، فأرسل السماء علينا مدرارا، اللهم إنا نستغفرك إنك كنت غفارا، فأرسل السماء علينا مدرارا، اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، المؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات، إنك يا ربنا سميع قريب