arrow down

إرهاصات ميلاد المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم

خطبة لفضيلة د. عقيل بن محمد المقطري ( عضو رابطة علماء المسلمين )

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمد عبده ورسوله.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران:102].

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً} [النساء:1].

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً} [الأحزاب:70-71].

أما بعد:

فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

فإن هذه الأمة قد عاشت قبل مولد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حياة في غاية الإزراء، ولذلك كان قدر الله تعالى بعد تلك الحياة التي عاشتها هذه الأمة في غاية من التردي والانحطاط في جميع مناحي الحياة، فكانت إرادة الله بعد ذلك.

لقد عاشت هذه الأمة في الجانب الديني على وجه الخصوص في حياة منحطّة للغاية بالرغم من أنها كانت تعرف دين إبراهيم عليه السلام وكانت تعترف بأن الله تعالى هو الخالق وهو الرازق وهو المحيي وهو المميت، إلا أنها اتخذت أوثاناً وأصناماً تعبدهم من دون الله تعالى واتخذت رؤوسا كان هؤلاء هم الذين يقننون لها وهم الذين كانوا يسطرون لها القوانين الوضعية، لا يحيدون عن ذلك ولا يخرجون منها قيد أنملة، فلقد كانت الأصنام تُعبد من دون الله تعالى، ونتيجة لهذا الأمر صارت هذه الأمة في ذلك الوقت تابعة لا متبوعة، فكانت تتبع الروم أو الفرس، وكانوا هم الذين يتحكمون فيها من أجل هذا الانحطاط والتردي، كان مبعث محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وكان مولد هذا النبي العظيم من أجل أن يوجد أمة حرة، أمة فيها من الصفات ما يرضاه الله منها، لذلك سادت وقادت فترة من الزمان؛ لأنها تحررت من عبودية الأصنام، ولأنها صارت تتبع منهاجاً ربانياً، هذا المنهاج الرباني الذي يعلم الله تعالى فيه ما يصلح البلاد والعباد، لقد كان العرب الأوائل كان منهم من هو سائر في هذا الطريق وهو عبادة الأصنام والأوثان، وكان منهم ثلة قليلة على دين إبراهيم رغم ما حصل فيه من التحريف والتغيير، منهم زيد بن عمرو بن نفيل، ومنهم القس بن ساعدة ذلك الخطيب الحر الأبي المصقع العاقل الحكيم، كان أمثال هؤلاء ينأون بأنفسهم أن يسيروا في الطريق الذي سارت عليه قبائل العرب، فلقد كان زيد بن عمرو بن نفيل يرى قبائل العرب تعبد اللات والعزى وتعبد مناه ونائلة وإساف وهبلاً، وكان يربأ بنفسه عن ذلك حتى كان يقول:

أرباً واحداً أم ألف رب *** أدينُ إذا تقسمت الأمورُ

عزلتُ اللات والعزى جميعاً *** كذلك يفعل الجلد الصبورُ

فلا عزى أدين ولا ابنتيها *** ولا صنمي بني عمرو أزورُ

ولا هبلاً أدين وكان رباً *** لنا في الدهر إذ حلمي يسيرُ

ولكن أعبد الرحمن ربي *** ليفغر ذنبي الرب الغفور

وهكذا كان القسّ بن ساعدة ذلك الخطيب المصقع الأبي، كان إذا خطب في قومه في الجاهلية يبشر بمولد النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ لأنه كان يقرأ في كتب الأوائل، كان يقول لهم: «إن الحق قادم من هاهنا».

ويشير إلى مكة، وكان من جملة ما قاله هذا الرجل الحكيم: أنه إذا عاش حتى يولد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، لكان أول المؤمنين به، وكان أول الساعين إليه، وفعلاً تحقق أنه كان عايشاً عند مولد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، إلا أنه لم يدرك البعثة، وكان من جملة ما قال:

في الذاهبين الأولين *** من القرون لنا بصائر

لما رأيت موارداً *** للموت ليس لها مصادر

ورأيت قومي نحوها *** يمضي الأصاغر والكبائر

لا يرجع الماضي إليه *** ولا من الباقين غابــر

أيقنت أني لا محالة *** حيث صار القوم صائر

كانت الحياة قبل مولد محمد صلى الله عليه وآله وسلم تعيش في هذا الانحطاط، عبودية للأصنام والأوثان.. مرجعية ترجع إلى حثالة الأذهان.. علية القوم هم الذين يقننون ويسطرون، وما على عامة الناس إلا أن يسمعوا ويطيعوا، وفعلاً كان الأمر كذلك.

أما في الحالة السياسية فلقد كان العرب في جاهليتهم في شبة الجزيرة ينقسمون إلى قسمين: حضرٌ، وبدو.

وكانت القبيلة هي التي تسود، وكانت هي المرجع الأساس، وكان شيخ القبيلة يُختار من عِلية القوم من جملة مواصفات كالشهامة والكرم والشجاعة وما شاكل ذلك، وكان الناس يقدرون رئيس القوم ورئيس القبيلة، يجلونه ويحترمونه وينفذون أمره، وكان له من الحقوق الأدبية ما كان، من ذلك احترامه كما قلت وتبجيله وتنفيذ أمره والإحاطة به، أما النواحي المالية فكان له الربع من الغنيمة، وكان له ما تحصل عليه القبيلة قبل القتال، وكان له ما لا ينقسم، وكان له الحق في أن يصطفي ويختار ما يشاء من الأموال، خاصة أموال الغنائم قبل أن تقسم، هذه الحالة السياسية التي كانت موجودة قبل مبعث محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ولا شك أن هذه الحالة فيها من الأشياء الطيبة ما فيها، إلا أن ثمة انحراف لم يكن الله تعالى ليرضاه في هذا الجانب، ومن ذلك أن القبائل كان يغير بعضها على بعض لأتفه الأسباب، وكانت تقام الحروب وتزهق الأرواح وتسلب الأموال لأتفه الأسباب، حتى كان من أخلاقهم في هذا الجانب: أنصر أخاك ظالماً أو مظلوماً.

وإن كان الإسلام جاء بعد ذلك ليهذب هذا المبدأ؛ أنصره مظلوماً: خذ حقه، وأنصره ظالماً: امنعه عن الظلم، خلافاً لما كانت عليه الجاهلية الأولى، فإنهم ينصرون أخاهم ظالماً أو مظلوماً، وكان من قولهم:

لا يسألوا أخاهم حين يندبهم *** في النائبات على ما قال برهاناً

إذا نادى منادي القتال فإن الجميع ينفر، والجميع يحمل سلاحه ويخرج، لا يعرف ما السبب، ولا يعرف الظالم من المظلوم، وكان قول بعضهم:

وهل أنا إلا من غُزيّةَ إن غوت *** غويتُ وإن ترشد غزيةُ أرشدِ

فهو مع قومه في الحق أو الباطل، وهذا أمر لا شك أن الله تعالى لا يرضاه.. من أجل هذا بعث الله تعالى محمداً صلى الله عليه وآله وسلم.. من أجل هذا كان مولد محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

نعم أيها الإخوة؛ لقد كانت الحياة الاقتصادية في العرب قبل مولد محمد صلى الله عليه وآله وسلم في غاية من التردي، فجزيرة العرب كانت صحراء قاحلة مترامية الأطراف، ليس فيها تجارة ولا زراعة إلا ما كان في اليمن أو في الشام أو تلك الواحات المتناثرة في أواسط جزيرة العرب، إلا أنه كانت لقريش رحلتان: رحلة الشتاء إلى اليمن ورحلة الصيف إلى الشام، وأما الصناعة فكانت تُوكل إلى الخدم وإلى العجم، كانوا يرون أن العمل في الصناعة دناءة لدرجة أنهم حين أرادوا أن يبنوا البيت ما وجدوا بناءً حتى استعانوا بقبط نجا من الباخرة التي تحطمت وغرقت في جدة ثم آل به الحال للسكن في مكة؛ لأنهم كانوا ينأون عن الصناعة، وكانت الصناعة محتكرة بين اليهود في جزيرة العرب، سواء كانت في مكة أو في المدينة أو في اليمن أو في الشام، كان اليهود هم المسيطرون على الصناعات، وكان السائد بين العرب في ذلك الوقت في الناحية الاقتصادية، الربا الذي أكل الأخضر واليابس، الذي فشا بين العرب بسبب وجود اليهود الذين كانوا يتعاملون به، وكان الربا يبلغ أضعافاً مضاعفة، في ذلك الوقت وجدت طبقتان: طبقة غنية غنى فاحش وطبقة فقيرة فقراً مدقعاً، ولم يكن ثمة طبقة متوسطة بين هاتين الطبقتين، من أجل هذا كان المولد النبوي من أجل أن يوجد أمة متراحمة.. أمة تعيش بعدل.. أمة تعيش بكرامة.. أمة تعيش بينها المرحمة، وبينها التعاون، وبينها التكاثر.. من أجل هذا جاء الإسلام، من أجل أن يحث الناس أن يعملوا في جميع المجالات، وألا يستصغر أحدهم أي مهنة من المهن، فأشاد بالصناعة وأشاد بالتجارة وأشاد بالزراعة، ورتب على ذلك أجوراً عظيمة لما يترتب الحال على ذلك؛ لأن كثيراً من الناس يستفيدون من هذه الأعمال، فما من صناعة إلا ويعمل فيها قطاع عريض، وما من تجارة إلا وينطوي تحتها قطاع عريض من الناس، وما من زراعة إلا ويستفيد منها القاصي والداني، حتى الطيور والبهائم تستفيد من ذلك، من أجل هذا رتب الإسلام الأجور على من سلك في هذا المسلك وأوجد أمة متكاملة تقوم بحاجات المجتمع كلها، من زراعة وصناعة وتجارة وأعمال أخرى؛ لأن الدولة تحتاج إلى كل هذه المجالات، فلا قيام بدولة إلا أن تأخذ بمجامع ومكامن القوة حيث كانت، في الجانب السياسي والاقتصادي والعسكري والجانب التنموي، في جميع الجوانب تحتاج الأمة لقيام هذه الأمور كلها من أجل أن تقوم دولة قوية تسود وتمسك بزمام الأمور بإذن الله عز وجل.

جانب الأخلاق:

كانت الأخلاق متردية في جزيرة العرب، إلا أنه كانت ثمة إيجابيات عندهم، لقد كان الزنا منتشراً فما بينهم، ولقد كان الزواج عندهم على أربعة أصناف، هذا كان في الجاهلية، الزواج المعروف اليوم وزواج آخر ينبئ عن دناءة في الأخلاق، وينبئ عن انتكاسة في الفطر، كان الرجل يترك زوجته إذا حاضت حتى تطهر ثم يقول لها اذهبي إلى فلان أو استدعي فلاناً ثم بيتي معه، يجامعها ثم يعتزلها فلا يجامعها، حتى إذا استبان له أنها قد حملت منه، إن شاء جامعها وإن شاء ترك؛ من أجل هذا كان يفعل هؤلاء الناس أصحاب الفطر المنتكسة؛ من أجل أن يولد له ولد شجاع!! ولد صاحب نجابة وصاحب ذكاء وصاحب فطنة!! فينتسب الولد إليه، هذا نوع من أنواع نكاح الجاهلية.

نكاح آخر:

وهو أن المرأة كانت تستدعي الرهط -الستة والسبعة إلى التسعة ما دون العشرة- فتنام معهم، ثم يتركها زوجها فإذا حملت ووضعت، بعد أيام تستدعي هؤلاء التسعة ثم تنظر أيهم أقرب شبهاً بهذا الولد، فتقول: هذا ولدك. فلا يستطيع أن ينكر ذلك ولا أن يتملص من التبعة، وينسب إليه.

ونكاح رابع:

وهو ما تعمله البغايا، تجتمع عليها الرجال الكُثُر، فإذا حملت ووضعت جاء القافة -أي الذي ينظرون في الشبه فيقولون: هذا يشبه فلاناً. فتنسبه إليه، لا يستطيع أن ينفي ذلك ولا أن يتملص أو يتهرب منه، من أجل هذا كان مولد محمد صلى الله عليه وآله وسلم؛ ليوجد أمة ذات أخلاق.. ليوجد أمة ذات غيرة.. ليوجد أمة ينتسب فيها الولد إلى أبيه، ولا تخون المرأة زوجها، ولا تنتشر فيها الرذيلة لا من قريب ولا من بعيد، لقد كانت الحرائر في الزمان الأول تأبى على نفسها أن تزني، وتستحي أن تزني، حتى إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما كان يأخذ البيعة على النساء، كان يأخذ عليهن: «ولا يزنين، فتقول المرأة الحرة من قريش من المسلمات: أو تزني الحرة يا رسول الله؟!»، وهذا لا يعني أن الحرائر لا يزنين إطلاقاً، ولكن الغالب السائد في الحرائر أنهن لا يزنين، وإنما الزنا فشا وانتشر في قطاع قليل من الحرائر وكان منتشراً في الإماء اللاتي يؤخذن بالشراء، أو اللاتي كان يحصل عليها الرجال أثناء الحروب.

لكن هنالك إيجابيات:

كان الرجل، وكان العربي لا يكذب ولا يغدر ولا يلف ولا يدور، بل كان يعجبه الصراحة والوضوح، حتى أن أبا سفيان حين كان يسأله ذلك الملك عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يهم في أن يكذب، لكنه قال: ولولا أني أخشى أن يؤثر عني الكذب لكذبت.

لولا العار ولولا المسبة من الكذب لكذبت، ولكنه أبى أن يكذب حتى لا يعير فيه، من أجل هذا ولد محمد صلى الله عليه وآله وسلم؛ ليتمم مكارم الأخلاق على الصدق والأمانة والوفاء بالعهود والحفاظ على الحقوق، سواء كان حقوق الأفراد أو حقوق الأمة، وجاء ليرفع من شأن من يعزز هذه الأخلاقيات السامية، وجاء من أجل أن يصلح أولئك الذين يسلكون مسالك خاطئة تشوه وتشين بهذه الأمة أو يشينون بهذا الدين.

أيها الإخوة الفضلاء:

لقد كانت الأمة قبل أن يولد محمد صلى الله عليه وآله وسلم تعيش في ظلام دامس وتعيش في تخلف في جميع المجالات، وإن كان ثمة سلوك وأخلاقيات تستحق أن يشاد بها وتستحق أن يطور منها، إلا أن الغالب السائد قبل مبعثه صلى الله عليه وآله وسلم بل قبل مولده صلى الله عليه وآله وسلم كان في غاية من الانحطاط وغاية من التردي، لقد كانت المرأة قبل مولد محمد صلى الله عليه وآله وسلم في غاية من الابتذال، فلقد كانت تباع وكانت تُشترى وكانت تورث، وكان يستطيع ابن زوجها الأكبر أن يتزوجها إن شاء وأن يمنعها من الزواج طول حياتها إن شاء، وكانت لا تُعطى حقوقها المالية والاجتماعية، من أجل هذا كان مولد محمد صلى الله عليه وآله وسلم؛ ليعيد لهذه المرأة كرامتها ويعطيها حقها كاملاً غير منقوص وليضعها في المكانة التي تليق بها ويجعلها امرأة فاعلة في المجتمع، شريطة ألا تتجاوز حدودها، فلها حدود تقف عندها كما أن للرجال حدود يقفون عندها، فالحريات -على سبيل المثال- وإن كانت هذه الحريات من شيم العرب فلقد كان العربي يأبى الضيم والاستعباد ويأبى كذلك أن يذل، لكن هذه الحرية لها جدود محدودة، فلا يتجاوزها هذا الإنسان، فمهما كان عقله وفهمه ومهما كانت نجابته فسيظل مخلوقاً، سيظل عابداً لله عز وجل، فلا يتعدى هذه الحدود، فليس من حق الإنسان أن يشرع، وليس من حقه أن يصيّر نفسه طاغوتاً يُعبد من دون الله تعالى، ولا طاغوتاً يقنن للناس ما يتصادم مع شريعة الله عز وجل، من أجل هذه، من أجل تحرير المرأة وإعطائها حقها ووضعها في المكان اللائق بها، كان مولد محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

هذه الأمة حينما تراجعت وتركت ما جاء به محمد صلى الله عليه وآله وسلم وصلت اليوم إلى ما وصلت إليه، وإن كان ثمة فوارق بين واقعنا وبين ما كان قبل مولده صلى الله عليه وآله وسلم، فها أنت ترى أن اقتصاد المسلمين صار لا يتعامل إلا بالربا، وها أنت ترى أن الناس قُسّموا إلى طبقتين: غنى فاحش وفقر مدقع؛ نتيجة أن تقسيم الثروات وتوزيع المشاريع وفتح مجالات الأعمال صار ضيقاً أو لا يصل إلى مثل هذه الأماكن، إلا من كان يملك جاهاً أو وساطة أو مالاً يشتري لنفسه وظيفة، أما أن يكون صاحب الكفاءة وصاحب المكان اللائق في المكان المناسب هذا ما صار بعيداً في حال المسلمين وواقعهم اليوم، من أجل هذا كان الحديث في وقت يوافق مناسبة ميلاد محمد صلى الله عليه وآله وسلم؛ لأجل هذا تحرك كثير من الشعوب من أجل إعادة الأمور إلى نصابها، وفعلاً تتحقق شيء من هذا، نحن نعيش اليوم أيها الإخوة في وقت فيه تغيير وفيه تجديد في حياة الأمة، هذا التغيير وهذا التجديد لا شك أنه سيؤول إلى خير بإذن الله عز وجل، هذا التغيير والتجديد فرض أمراً واقعاً حتى على من كان يناصب العداء لهذه الأمة، ما كان للإسلاميين في المغرب وفي تونس وفي مصر أن يتربعوا مكانهم المناسب لولا رضوخ الغرب إلى حقيقة الأمر ما كانوا ليسلموا بذلك، من الذي أجهض وصول الإسلاميين في الجزائر غير الغرب؟ ومن الذي يعادي الإسلاميين غير الغرب وأذناب الغرب؟ من الذي يشوّه بالإسلام وأبناء الإسلام غير الغرب وأذيال الغرب؟ الإسلام يبرأ براءة تامة من كل ما يشوّه به أو من كل ما يشوه بمعتنقيه.

نعم، هنالك فئات انحرفت في سلوكياتها وأخلاقياتها الإسلام يبرأ منها والعلماء والدعاة يبرؤون منها، لكن سيعود الإسلام بإذن الله تعالى، وسيتربع مكانه اللائق به بإذن الله تعالى.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، وبعد:

هذه الأمة قبل مولد محمد صلى الله عليه وآله وسلم كانت أمةً أمية لا تكتب ولا تحسب، وكانت الكتابة والحساب منحصرة في اليهود والنصارى، حتى جاء هذا النبي الكريم فأشاع العلم، وأمر الناس أن يتعلموا الكتابة والحساب، وأوجد المدرسين الذين يعلمون لغات الغرب اليهود والنصارى وفارس حتى يترجموا له وحتى يأمنوا من مكر هؤلاء الناس، وجاء الإسلام من أجل أن يدعو إلى العلم؛ لأن العلم هو السبيل لبناء الأمة وهو السبيل إلى بناء الحضارة الصحيحة، وهو السبيل إلى وضع الرجل المناسب في المكان المناسب، ما مُنيت الأمة بما منيت به وما وصلت إلى ما وصلت إليه من الانحطاط والانحدار في هذا الزمان إلا نتيجة تردي العلم، وها نحن نرى في بلاد المسلمين كيف وصلت المدارس والجامعات إلى مستوى في غاية من الانحطاط والانحدار، هذه المؤسسات التي ينبغي أن تعلّم الناس السلوكيات الصحيحة والأخلاق الفاضلة لا يليق بإنسان أكاديمي أن تكون أخلاقه هابطة، ولا يليق بإنسان في مثل هذه الأماكن في المدارس أو الجامعات أو ما شاكل ذلك من المؤسسات أن يكون لصاً، أو أن يكون يدير عصابة في مثل هذه الأماكن؛ لأن هؤلاء لن يخرجوا أجيالاُ صالحة تخدم المجتمع إطلاقاً، بل سيخرجون أناساً يسيرون على نفس الطريق وعلى نفس المنوال.

تعود هذه المناسبة على هذه الأمة في هذا العام وهي تعيش حراكاً تريد من خلاله أن تغير، وإننا لا نشك ولا نرتاب أنه يوجد في هذه الأمة رجال أخيار، رجال يعملون بصمت، رجال لا يلتفتون إلى الأضواء ولا يلتفتون إلى وسائل الإعلام ولا يريدون تلميعاً، بل يقولون قولة الحق ويقفون مواقف الحق سواء مدحهم الناس أو لم يمدحوهم، لقد كانت هذه المدينة تعيش في غاية من الرعب ومن الخوف، لكن رجالاً وقفوا في الآونة المتأخرة، وعلى رأسها اللجنة الأمنية التي عملت جاهدة على استتباب الأمن، وعملت على وضع الرجل المناسب في المكان المناسب وأخذ من كان يجر هذه المدينة على سبيل التحديد إلى مربع العنف، نُزع من هذه الأماكن، فلهم الشكر ولهم الأجر والمثوبة من الله تعالى، وسوف يخلد التاريخ ذكرهم، وسوف يسجل التاريخ ما فعلوه في صفحات من نور، ستدرس الأجيال القادمة ما فعله هؤلاء الناس من وقوف جاد ومن عمل دءوب ومثمر من أجل استتباب الأمن.. من أجل إعادة الحياة إلى هذا البلد، إلى اليمن الميمون، إلى وضعه الصحيح، سوف تدرس الأجيال ما قام به هؤلاء الناس، وسوف يسجل التاريخ تاريخهم بصفحات من نور بإذن الله تعالى.

يأتي المولد النبوي أيها الإخوة ونحن بأمسّ الحاجة إلى أن تعود الأمور إلى نصابها، إلى أن يكرس العدل والمساواة بين الناس، إلى وضع الرجل المناسب في المكان المناسب، إلى أن يعاد النظر في تشكيلة كل المؤسسات، فمن كان مزوّراً.. ومن كان لصاً.. ومن كان يشيع الأخلاق الفاسدة يجب إصلاحه.

ويجب لا أقول: رميه في الزبالة، وإنما أن يعاد في المكان الذي يناسبه، إن وضعنا في بلاد الإسلام قاطبة يحتاج إلى تصحيح وإلى إعادة ترتيب، ويحتاج إلى وقوف جاد من أولئك الرجال الذين لهم صولة وجولة وهم أهل الحل والعقد في الوقت الراهن، أن يقفوا وقفة جادة وألا يلتفتوا إلى من يمدحهم ولا إلى من يقدحهم، بل يراقبون رباً قادراً على حمايتهم و على أن يقيَهم كل سوء ومكروه، أسأل الله تعالى أن يوفقنا إلى كل ما يحبه ويرضاه.

والحمد لله رب العالمين.