arrow down

أسوتنا في محبة النبي صلى الله عليه وسلم ونصرته

خطبة لفضيلة د. أحمد بن حسن المعلم ( عضو رابطة علماء المسلمين )

الحمد لله الذي جعل برهان محبته إتباع رسوله الكريم، وعنوان عبوديته لزوم صراطه المستقيم، وأحب ما يقرب إليه فرائضه المكتوبة، والسبيل إلى محبته التقرب بالنوافل المطلوبة، وأبغض ما يبغضه بعد الشرك البدع المنسوبة.

والصلاة والسلام على من لا إيمان إلا بمحبته، ولا فوز إلا بطاعته، ولا فرج يوم القيامة إلا بشفاعته، ولا ربح إلا لمن تاجر ببضاعته، سيدنا وقدوتنا وحبيبنا محمد، وعلى آله القائمين بسنته بأعلى ذروة، والمستمسكين بشريعته من أوثق عروة، وصحابته الملازمين لسننه البينات، والموصين بالمداومة عليها وحسن الثبات، والناهين عما خالفها من البدع والمحدثات، وعلى التابعين لهم بإحسان في الأقوال و الأفعال والنيات، ومن تبع سبيلهم ولزم سنتهم في سائر الأوقات، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

أما بعد.

عباد الله.

هذا شهر ربيع الأول، شهر مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذا الشهر الذي يتبارى فيه المسلمون لإظهار محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم كل حسب طريقته وما اختار لنفسه من منهج ومن قدوة وأسوة، وإن أعظم محب ومناصر للرسول صلى الله عليه وسلم هم أصحابه من المهاجرين والأنصار، الذين شهد الله لهم بالمحبة والتعزيز والتوقير والمناصرة فقال سبحانه شاهداً لهم: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ * وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الحشر:9]، وقد سئل علي -رضي الله عنه- عن مقدار محبتهم للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: "كان والله أحب إلينا من أموالنا وأولادنا وآبائنا وأمهاتنا ومن الماء البارد على الظمأ"(1) وعبر سعد بن معاذ -رضي الله عنه- عن نصرتهم له فقال: "هذه أمولنا بين يديك فاحكم فيها بما شئت، وهذه نفوسنا بين يديك لو استعرضت بنا البحر لخضناه نقاتل بين يديك ومن خلفك وعن يمينك وعن شمالك"(2) وتعبيرهم بأفعالهم أعظم وأكبر مما قالوه بألسنتهم، وهم القدوة والأسوة الحسنة لمحبي النبي صلى الله عليه وسلم ومناصريه، وإن كل محبة ليست على طريقهم هي كاذبة وكل مناصرة ليست على منهجهم فهي فاشلة.

كيف وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ»(3)إن سنة الخلفاء الراشدين والصحابة الأكرمين والتابعين بإحسان وتابع التابعين يجب أن تكون هي المتبوعة ظاهراً وباطناً قولاً وفعلاً واعتقاداً ومحبة وبغضاً وتعظيماً لله ورسوله و توقيراً.

إنه لم يبق مظهر من مظاهر محبة الرسول صلى الله عليه وسلم إلا وقد سبقونا بإظهاره وإشاعته وإعلانه، ولم تبق وسيلة لنصرة النبي صلى الله عليه وسلم إلا وقد اتخذوها في حياته وبعد مماته.

في حياته بأنصع أنواع الحب والتقدير والتبرك به والتسابق لطاعته وحسن التأسي به والتأدب معه، حتى قال عروة بن مسعود الثقفي لقريش حين رجع من الحديبية حيث نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه: "أي قوم، والله لقد وَفَدت على الملوك، كسرى، وقيصر، والنّجاشي، والله إن رأيت ملكاً يعظمه أصحابه كما يعظم أصحاب محمّد محمّداً، والله ما انتخم نخامة إلاّ وقعت في كفّ رجلٍ منهم، فدلك بها وجهه وجلده، ثم أخبرهم بجميع ما تقدم، ثم قال: وقد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها"(4) هذا بعض براهين محبتهم له في حياته.

وحينما توفاه الله واختاره إلى جواره تجلت محبتهم ونصرتهم له في الحفاظ على دينه وشريعته وبذل كل ما يملكون في محاربة المرتدين عن الإسلام الذين شكلوا أعظم المخاطر عليه حين أزالوا خطرهم وبددوا شملهم، بل وأعادوا أكثرهم إلى حظيرة الإسلام، ولم يقتصروا على ذلك بل سيروا الجيوش لحمل الإسلام إلى العالم وفتحوا ممالك فارس والروم، وهم في أثناء ذلك يكملون بناء دولة الإسلام التي بدأ في بنائها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويحفظون القرآن بجمعه في مصحف واحد، ويحفظون الحديث الشريف والسنة المطهرة بروايتها وتعليمها، ووضع قواعد المحافظة عليها والعمل بها في جميع شئونهم، ثم أكمل التابعون ذلك وأحكموه ودونوا السيرة على أكمل الوجوه مع استمرار عملهم بالسنة والفرائض كاملة دون تفريط في شيء منها ودون إحداث فيها أو ابتداع.

إن محبة ونصرة جيل الصحابة والتابعين وخيار رجال القرون الثلاثة المفضلة كانت هي المحبة الصادقة والنصرة الكاملة، كانت حقائق لا مظاهر وسنناً لا مبتدعات، لم يعرف في عهدهم برقيات التهاني بمولده صلى الله عليه وسلم ولا حفلات الأكل والشرب والحلوى والحفلات الصاخبة المليئة بالكذب عليه والتشويه لسيرته وعرضها على أكفان الموتى، كما قال الشيخ محمد الغزالي -رحمه الله- :"ما كانوا يعبرون عن محبتهم بالرقص والسماع ولا بالدف واليراع، ولم يحولوا المساجد إلى ملاهي ومراقص ولم تصر المساجد في عهدهم إلى ما قال الإمام ابن المقرئ رحمه الله:

برغم سنة خير العرب والعجم *** ما كان صلى الله عليه يأمرنا

أضحت مساجدنا للهو و اللعب*** بضرب دف ولا زمر ولا قصب

إلى إن قال:

فضحتمونا و صيرتم مساجدنا*** شوشتم الدين غيرتم محاسنه

وهي المصونة كالحانات للعلب*** فعلتم فيه فعل النار في الحطب

لقد كانت مظاهر حبهم ووسائل نصرتهم وبراهين تعزيرهم وتوقيرهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم جهاداً وفداءً واتباعاً واقتداءً وتأسياً واهتداءً؛ وبذلك أوصلوا الأمة إلى أوج عزتها ومنعتها وفسيح فضاء مدنيتها وحضارتها حتى رهبها الأعداء واستجداها الشرق والغرب وقبسوا من جذوتها، ثم بعد تلك العصور الزاهرة و القوة القاهرة خلف من بعدهم خلف: {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا} [مريم:59].

ففي أواخر القرن الثالث ومعظم القرن الرابع تسلط على الأمة منافقوها وضلالها، ففي شرقها بنو بويه الضلال الغلاة المارقون، وفي شرقها العبيديون الباطنيون المنافقون، وفي جزيرة العرب القرامطة الملحدون وهؤلاء جميعاً يجمعهم ادعاء محبة آل البيت النبوي الطاهر، والتظاهر بالتشيع لهم والانتقام من أعدائهم.

فشوهوا معالم الدين، وأفسدوا عقائد المسلمين، ونشروا بدع العقائد والعبادات في سائر الميادين، وكان مما أحدثوه إبان سلطتهم في مصر لشغل المسلمين وصرفهم عن معاداتهم والقيام عليهم ولإضعاف عقائدهم وأبعادهم عن حقيقة الإتباع لرسولهم صلى الله عليه وسلم، وإغرائهم بالانحراف عن منهج السلف الصالح الاحتفالات الكبرى ذات البهارج والمظاهر والإنعام على الناس لكسب قلوبهم إليهم وتجنب باطلهم لديهم.

فاخترعوا كما ذكر ذلك المؤرخان المقريزي والقلقشندي الاحتفال بالإسراء والمعراج وبنصف شعبان وبالموالد: وهي مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وموالد علي وفاطمة والحسن والحسين رضي الله عنهم، ومعها الاحتفال بمولد خليفة العصر يعنون طاغيتهم و ملكهم المعاصر، اخترعوا ذلك قبل أن يعرف أي شيء من ذلك في أي مكان من العالم الإسلامي، وداوموا عليه حتى نهاية ملكهم الذي انتهى على يد السلطان الناصر صلاح الدين الأيوبي سنة 567هـ، وعن هؤلاء المنافقين الباطنيين أخذ هؤلاء الصوفية هذا الاحتفال، فأول من فعله في بلاد أهل السنة وفي بلد الموصل بالذات صوفي معروف اسمه عمر بن محمد الملا أو ابن الملا المتوفى سنة 570ه، ثم الأمير بهاء الدين كوكبري وهو مغرم بالصوفية معظم لها وقد توفي سنة 630هـ وعبر الصوفية انتشر في عموم بلاد المسلمين.

وبعدما انتشر وظهر في بلاد المسلمين اختلف إزاءه العلماء فمنهم من أقره على أساس أن يحتفل مرة واحدة ليلة الثاني عشر من ربيع الأول بشرط أن لا يكون فيه بدع ولا معاصي إضافية مع إقرار الجميع بأنه بدعة، غير أن هؤلاء يقولون هو بدعة حسنة.

والفريق الآخر ينكره وينهى عنه ويقول أن البدع كلها محرمة فرسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «كل بدعة ضلالة»(5) غير أن الجميع يتفقون على تحريمه والنهي عنه إذا اشتمل على بدع إضافية وعلى معاصي ومنكرات مثل: الاختلاط، واستعمال المعازف المحرمة، والكذب على الرسول صلى الله عليه وسلم بأحاديث موضوعة وقصص مكذوبة وغير ذلك مما تطفح به الموالد المعروفة، فهذه الموالد المعاصرة بشكلها الحاضر وما تحتوي عليه من بدع وكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعاصي مختلفة محرمة منكرة عند كل من نسب إليه القول بإباحة المولد من العلماء المعتبرين والذين يحتج بأقوالهم مروجو الموالد؛ لأنهم قد قيدوا الإباحة بقيود لا توجد في ما هو موجود من موالد.

الخطبة الثانية

عباد الله:

إن الأمة وهي تعيش أزمة الإساءة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد جمعت كلمتها على ذلك بجميع فئاتها ووقفت صفاً واحداً في سبيل نصرته صلى الله عليه وسلم.

ما كان ينبغي أن تثار معركة حول الاحتفال بالمولد وينشغل الناس بذلك عما هم متفقون عليه من القيام بصد ذلك العدوان، غير أنه وللأسف الشديد استغلت بعض الطوائف فرصة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم و انتشار الدعوة لقراءة سيرته صلى الله عليه وسلم - استغلت ذلك في الدعوة إلى بدعتها وتعزيز موقفها والطعن في مخالفيها وإثارة الشبه لتقرير باطلها، فهناك مقابلات في الفضائيات ومقالات في الصحف والمجالات وإصدار العديد من الكتب و المطويات كلها من ذلك الصدد مما قد يؤثر على الناس ويقنعهم بالخطأ ويصرفهم عن الصواب.

ومما وقع في يدي كتاب يزين فيه مؤلفه أمر المولد بشبه ومغالطات كثيرة بل وبكذب صريح على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد قال صلى الله عليه وسلم في الحديث المتواتر: «من كذب على متعمداً فليتبوأ مقعده من النار»(6) وقال صلى الله عليه وسلم: «من حدث عني بحديث يرى إنه كذب فهو أحد الكاذبين»(7) [رواه مسلم في مقدمة صحيحه].

ويقول صلى الله عليه وسلم: «كفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع»(8) [رواه مسلم في مقدمة صحيحه]، مع ذلك نرى هذا المؤلف يقول: "وقد ذكر الشيخ محمد نووي البنتني في كتابه "مدارج الصمود شرح مولد البرزنجي" أحاديث جليلة لا أعلم مخارجها ومصادرها" ثم نقلها عنه ومنها "قال صلى الله عليه وسلم من عظم مولدي كنت شفيعاً له يوم القيامة و من أنفق درهماً في مولدي فكأنما أنفق جبلاً من ذهب في سبيل الله" هذا الحديث لا يوجد في كتاب من كتب الحديث المعروفة ولم يحتج به أحد ممن دافعوا عن المولد من العلماء المتقدمين وهم أحرص الناس على ذكر ما يؤيد قولهم وأكثر اطلاعاً على حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم كالسيوطي و غيره، على أن هذا الحديث كذب مفترى على رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يكتف المؤلف بذلك، بل كذب على أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم أجمعين.

فأي فضيلة هذه لا يستدل عليها إلا بالكذب، وأي عمل صالح يدعون إليه بوقوعهم في قول الرسول صلى الله عليه وسلم «من كذب عليّ متعمداً فليتبوأ معقده من النار»(9).

أيها الأخوة:

إننا أحرص الناس على جمع الكلمة ولم الشمل وتوحيد المواقف في كل ما يخدم الإسلام والمسلمين، ولكننا مع ذلك لن نسكت على منكر ولن نزين باطلاً ولن نهون من شأن البدع والمحدثات ولن ندع دعاة البدعة ينشرونها ويشبهونها على الناس، هذا واجب من يدعو إلى الله ويعمل على جمع كلمة المسلمين، ولن تتوحد الكلمة إلا على كلمة التوحيد ولن يجتمع الشمل إلا بالاعتصام بحبل الله المتين قال تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} [آل عمران:103] وحبل الله كتابه وسنة نبيه، وقال داعياً إلى الاجتماع على كلمة الله ومخاطباً أهل الكتاب: {قُلْ يَا أَهْلَ الكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [آل عمران:64] فالجمع إنما يكون على التوحيد وعلى السنة أما وجود البدع و الانحرافات فإنها أعظم وأخطر أسباب التفرق والخصام قال تعالى: {وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ العَدَاوَةَ وَالبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} [المائدة:14].

________________________________________

[1] الشفا بتعريف حقوق المصطفى ج2ص22.

[2] السيرة النبوية لابن كثير 0(2/ 392).

[3] أبوداود:4609، والترمذي:2676، وابن ماجه:42، وأحمد:17184 وصححه الألباني في صحيح الجامع (4314).

[4] مختصر سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم ص180.

[5] ابن ماجه:42، وأحمد:17184وغيرهما وصححه الألباني في صحيح الجامع 2549.

[6] البخاري:1291، ومسلم في مقدمة صحيحه:4.

[7] مسلم في مقدمة صحيحه:1.

[8] مسلم في مقدمة صحيحه:7.

[9] تقدم تخريجه.