arrow down

الصبر ومنزلة الصابرين

الخطبة الأولى

الصبر

الحمد لله.. الحمد لله بشرَ الصابرين (الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ * أُولَـئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ)[156- 157) البقرة].

وأشهد أن لا اله إلا الله جازى الصابرين بحفظه ومعيته ورعايته وكلاءته: (إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ)[الأنفال46].

وأشهد أن محمدا إمام الصابرين وقائدهم إلى جنات النعيم فصلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

أيها المسلمون: إن الصبر هذه العبادة العظيمة والذي يغفل عنها كثير من الناس من الأهمية بمكان حتى إنه لا تستقيم حياة الإنسان في دنياه وفي أخراه لا تستقيم حياة المرء الدينية والدنيوية إلا بالصبر؛ وذلك لأن كل عمل يقوم به المرء فيه كلفة ومشقة قلّت أو كبُرت وذلك يحتاج إلى الصبر بقدره؛ فالصبر به تستقيم حياة الناس في دنياهم وفي دينهم وأكد القرآن على هذه العبادة العظيمة عبادة الصبر.

والصبر في اللغة: هو حبس النفس على ما تكره.

وفي الشرع: هو حبس النفس على مرضاة الله..

وهو أنواع ثلاثة:

1. صبر على طاعة الله 2. وصبر عن معصية الله 3. وصبر على أقدار الله.

فالصبر على طاعة الله وهو حبس النفس وتكليفها على القيام بالطاعات مثل أداء الصلوات الخمس، والإسباغ للوضوء، والاغتسال، وخصوصا عند المكاره في شدة الحر، وفي شدة البرد؛ وفي الحديث الصحيح أن الله قال لنبيه: ((فيم يختصم الملأ الأعلى؟)) فقال: ((في الكفارات والدرجات)) فقال له: ((وما الكفارات؟)) فقال: ((نقل الخطى إلى المساجد وإسباغ الوضوء في السبرات - أي في شدة البرد- وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرباط فذلكم الرباط)).

وبر الوالدين وأداء الحقوق وأداء الزكاة وتسديد الديون وغير ذلك من الطاعات الذي تحتاج إلى الصبر.

والصبر عن معصية الله بأن تحبس نفسك ولا ترسلها في إتباع هواها، فلا ترسل بصرك في النظر إلى محارم أو إلى صور حرمها الله عليك، ولا سمعك في سماع ما لا يحل لك من الغيبة أو الغناء أو النميمة.

والصبر عن المال الحرام وعن المعاملات المحرمة، وكل ما هو من معصية الله - عز وجل - فإنك بحاجة إلى أن تجاهد نفسك أن لا تقترف العصيان.

والنوع الثالث من الصبر هو الصبر على أقدار الله، وما قدره الله - عز وجل - عليك وحكم به عليك قدرا كالصبر على مصيبة الموت، والصبر على شدة الحر، وشدة البرد، والصبر على أذى الناس وظلمهم، والصبر على المصائب عموما، وذلك بالتسليم بقضاء الله وقدره، فضد ذلك هو التسخط على أقدار الله، والجزع الذي يفوِّت الأجر العظيم، فقد جعل الله - جل وعلا - أجرا عظيما للصبر، فقال - تعالى -: (إنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ)[الزمر10].

فكل عبادة لها مقدار من الأجر وحساب إلا الصبر فإنه يعطى المرء فيه أجره بغير حساب؛ ولذلك لما كان الصوم من جنس الصبر وعبادة متعلقة بالصبر أيما تعلق كان أجر الصائم أيضا بغير حساب؛ كما جاء في الحديث القدسي: ((كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به))، ((كل عمل ابن آدم له الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به)).

وبشر الله الصابرين بالرحمة والهدايه: (... وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ) (الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ)[البقرة155-156] أي نحن ملك لله "إِنَّا لِلّهِ "يتصرف فينا كما يشاء لأننا عبيده ولأننا ملكه: (إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ * أُولَـئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ)[البقرة157].

والصلاة من الله مغفرة: (أُولَـئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ)[البقرة157].

بل إن الله يكون مع الصابرين بلطفه ورعايته وتثبيته ورحمته، كما قال - تعالى -: (... وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ)[الأنفال46].

بل إن الله يحبهم كما قال - تعالى -: (وَاللّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ)[آل عمران146].

وذكر الله لكم نماذج من الصابرين في كتابه من أنبياء الله ورسله والصالحين وفي مقدمتهم أيوب - عليه السلام -: (... إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ)[ص44] وداود وغيرهم من أنبياء الله.

فكونوا مع الصابرين، والصبر يحتاج إلى عون عظيم من الله كما يحتاج أيضا إلى أن تبذل جهدك وتصبر ولا تتسخط ولا تجزع ويحتاج إلى جهد منك؛ كما قال - صلى الله عليه وسلم -: ((ومن يتصبر يصبِّره الله)) ويحتاج إلى عون من الله وعطف يحتاج إلى جهد منك، كما قال - صلى الله عليه وسلم -: ((ومن يتصبر يصبِّره الله)).

ويحتاج إلى عون من الله - تعالى - كما قال تعالى: (وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللّهِ..)[النحل127] أي لن تستطيع أن تصبر إلا بالله وبعون من الله، ولهذا تقول في كل ركعة: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ)[الفاتحة5].

(وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللّهِ..)[النحل127].

فلن تقدر على الصبر إلا بعون من الله ولطف منه وتأييد منه وكما أنه يحتاج إلى جهدك ومن يتصبر يصبره الله.

الخطبة الثانية

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا و سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له و من يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمد عبده ورسوله.

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ)[آل عمران102].

(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً)[النساء1].

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً)[الأحزاب70-71].

أما بعد:

وللصبر آداب في مقدمتها:

أن الصبر عند الصدمة الأولى وعند المصيبة في أول وقتها، كما قال - صلى الله عليه وسلم -: (إنما الصبر عند الصدمة الأولى).

وأيضا من آداب الصبر أنه إذا أصابتك مصيبة أن تقول: (... إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ)[البقرة156].

كما جاء في حديث أم سلمه: ((ما من مسلم تصيبه مصيبة فيقول "إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ، اللهم أْجرني في مصيبتي واخلف لي خيرا منها " إلا أجاره الله وأخلف له خيرا)) قالت أم سلمة: فلما مات زوجي أبو سلمة قلت هذا الدعاء ثم قلت في نفسي: ومن خير من أبي سلمة؟ قال: فخطبها النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد ذلك وتزوجها، وكان خيرا من أبي سلمة -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم -.

هذا من آداب المؤمن حينما يسمع بمصيبة حينما يقع في مصيبة، كما أنه لا ينبغي إذا صدمته المصيبة يتسخط، أو أن يلطم خده، أو يشق جيبه، أو أن يقول إلا ما يرضي ربه، ولا بأس بدمعة العين، وحزن القلب؛ كما قال - صلى الله عليه وسلم -: ((القلب يحزن والعين تدمع ولا نقول إلا ما يرضي ربنا)) فمن آداب المسلم إذا أصابته مصيبة أن تسكن أعضاءه، ويتلقى ذلك بالرضي والاستسلام والقبول، وعدم التسخط والجزع ولا يقول إلا ما يرضي الله - عز وجل -

فاتقوا الله -عباد الله- وكونوا مع الصابرين: (الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ * أُولَـئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ)[البقرة156-157].

نفعني الله وإياكم بهدي كتابه أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

ثم اعلموا -عباد الله- أن الله أمركم بأمر بدأه بنفسه، وثنى بالملائكة المسبحة بقدسه، وثلّث بكم أيها المؤمنون من جنِّه وإنسه، فقال ولم يزل قائلا عليما وآمرا حكيما (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً)[الأحزاب56].

اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.

وارض اللهم عن الأئمة الخلفاء الذين قضوا بالحق وبه كانوا يعدلون؛ أبي بكر الصديق وعمر الفاروق وذي النورين عثمان وأبي السبطين علي، وعن سائر الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان إلي يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك يا أكرم الأكرمين.

اللهم أعز الإسلام وانصر المسلمين، اللهم أعز الإسلام وانصر المسلمين واحفظ حوزة الدين، وأذل الشرك والمشركين.

اللهم أبرم لهذه الأمة أمرًا رشدًا يُعَزُّ فيه أهل طاعتك، ويُذلُّ فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر يا سميع الدعاء.

اللهم ارفع عنا الغلاء والوباء والربا والزنا والزلازل والمحن، وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن عن بلدنا هذا خاصة وعن سائر بلاد المسلمين عامه برحمتك يا أرحم الراحمين.

(رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ)[الأعراف23].

اللهم انصر المسلمين في فلسطين وفي العراق وأفغانستان وفي كل مكان أيدهم بتأيدك وانصرهم بنصرك.

اللهم عليك بأعداء الإسلام؛ فرق جمعهم شتت شملهم اجعل الدائرة عليهم يا قوي يا عزيز.

(رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) [البقرة201].

عباد الله: (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) [النحل90].

فاذكروا الله العلي الجليل يذكركم واسألوه من فضله يعطكم واشكروه على آلائه يزدكم وأقم الصلاة (إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ) [العنكبوت45].

خبطة لفضيلة

د. عبدالله بن فيصل الأهدل

عضو رابطة علماء المسلمين

الخميس 21 / رجب / 1437هـ

للاشتراك في قناة رابطة علماء المسلمين على التليجرام :

https://telegram.me/rabetaa