arrow down

أمور خافها النبي صلى الله عليه وسلم على امته

خطبة لفضيلة د. صالح بن علي الوادعي ( عضو رابطة علماء المسلمين )

الخطبة الأولى:

الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه والسالكين طريقه إلى يوم الدين.

أما بعد:

فأوصيكم أيها الناس ونفسي بتقوى الله تبارك وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران:102].

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب:71].

ثم أما بعد:

أيها الأحبة في الله!

روى مسلم في صحيحه عن النواس بن سمعان رضي الله تعالى عنه أنه قال: «ذكر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الدجال غداةً فَخفَّض فيه ورفَّع، حتى ظنناه في طائفة النخل، فلما رجعنا إليه عرف ذلك فينا، فقال: ما شأنكم؟ قلنا: يا رسول الله! ذكرت الدجال غداةً فخفضت فيه ورفعت حتى ظنناه في طائفة النخل، فقال عليه الصلاة والسلام: غيرُ الدجال أخوفَني عليكم؛ إن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجكم دونه، وإن يخرج ولست فيكم فامرؤ حجيج نفسه، والله خليفتي على كل مسلم. إنه شاب قطط، عينه طافئة، كأني أشبهه بعبد العزى بن قطن؛ فمن أدركه منكم فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف».

أيها المؤمنون!

في الحديث يقول عليه الصلاة والسلام: «غيرُ الدجال أخوفني عليكم»، أي: أخاف عليكم غير الدجال، ما هو هذا الأمر الذي خافه النبي عليه الصلاة والسلام على أمته أشد مما يخاف من الدجال؟!

أتعرفون من الدجال؟ الدجال يقول عليه الصلاة والسلام فيه: «ما من خلق بين آدم إلى قيام الساعة أعظم من الدجال».

إذاً: ما هو هذا الأمر الذي يخافه علينا النبي صلى الله عليه وسلم؟!

الدجال معلوم عظم فتنته لدى كل مسلم، ولنا وقفات معه في جمع قادمة -إن شاء الله تعالى- «غيرُ الدجال أخوفني عليكم» أعظم من الدجال يا رسول الله؟ نعم. أعظم من الدجال، هناك أمور خافها النبي عليه الصلاة والسلام على أمته، هاكم بعضها أيها الأحباب في الله.

وهذا يدل على شديد حرص النبي عليه الصلاة والسلام على أمته؛ فهو الرحيم الرؤوف الشفيق على أمته عليه الصلاة والسلام، يذكر عذاب الله تبارك وتعالى فيبكي على أمته.. يذكر قول إبراهيم وعيسى فيبكي على أمته صلى الله عليه وآله وسلم.

أول ما يخافه النبي عليه الصلاة والسلام علينا ما جاء عن عمر رضي الله تعالى عنه، قال عليه الصلاة والسلام: «أخوف ما أخاف عليكم منافق عليم اللسان».

أيها الناس!

إن لهذه الشريعة أعداء ألداء لا يعرفون انهزاماً في محاربتها، يحاولون وأدها، وذلك بزعزعة ثوابتها، والتشكيك في مسلماتها بطرق مختلفة؛ بالكذب والدجل والتحايل ولبس الحق بالباطل، بأقوال مزخرفة، وألفاظ خادعة، يتولى كبر ذلك قوم أبطنوا غير ما يظهرونه، يفسدون في الأرض ولا يصلحون، سلكوا -إذ لم يقدروا على إظهارها- أساليب في رد الشريعة، يأتون بوسائل ظاهرها جميل وباطنها مكر وخداع.

قال زياد بن حُدير: قال لي لعمر رضي الله عنه: "هل تعرف ما يهدم الإسلام؟ قال: قلت: لا، قال: يهدمه زلة عالم، وجدال منافق بالكتاب، وحكم الأئمة المضلين".

قد جاء في وصف هؤلاء قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم عن حذيفة رضي الله عنه وأرضاه، قال رضي الله عنه: «كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول الله! إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير؛ فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم. قلت: فهل بعد هذا الشر من خير؟ قال: نعم. وفيه دخن، قلت: وما دخنه؟ قال: قوم يستنون بغير سنتي، ويهدون بغير هديي، تعرف منهم وتنكر»، لاحظ هذا الدخن يستنون بغير سنة النبي عليه الصلاة والسلام، يهتدون بغير هداه، تعرف منهم بعض الحق وتنكر منكرات، «قلت: فهل بعد هذا الخير الذي فيه دخن من شر؟ قال: نعم. دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها».

دعاة على أبواب جهنم، {وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ} [القصص:41]، لا يدعون إلى الهدى.. لا يدعون إلى الشرع الحنيف.. لا يدعون إلى هدي النبي عليه الصلاة والسلام، بل ذلك يفرق، بل ذلك إنما كان في زمان ماضٍ، أما الآن فالدولة المدنية والمنهج الديمقراطي «دعاة على أبوب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها»، نسأل الله تبارك وتعالى العافية، وأن يجعلنا دعاة خير لا دعاة شر، «فقلت: يا رسول الله صفهم لنا؟ قال: نعم. من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا، فقلت: يا رسول الله! -العلاج- ما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال: تلزم جماعة المسلمين وإمامهم، قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام، قال: تعتزل، تلك الفرق كلها، ولو أن تعضَّ على أصل شجرة حتى يأتيك أمر الله».

وفي سنن أبي داود والنسائي وأحمد وأصله في البخاري، عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، أنه قال: «بينما نحن حول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذ ذكروا الفتنة أو ذكرت عنده، فقال عليه الصلاة والسلام: إذا رأيت الناس قد مرجت عهودهم، وخفت أماناتهم، وكانوا هكذا. وشبك بين أصابعه عليه الصلاة والسلام».

«مرجت عهودهم وخفت أماناتهم» أي: اختلط الأمر والأمانة ضعفت، «وكانوا هكذا» أي: في نزاع وفرقة وخلاف، فقمت إليه، فقلت له: كيف أفعل عند ذلك؟ اسمع وصية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لابن عمرو، وهو يعلم أنه لم يدرك ذلك، ماذا قال عليه الصلاة والسلام؟ فقال: «قلت: جعلني الله فداك! قال: الزم بيتك، وأملك لسانك، وخذ ما تعرف، ودع ما تنكر، وعليك بأمر خاصة نفسك، ودع عنك أمر العامة».

إذا الأمر اختلط عليك، فعليك بخاصة نفسك، لا تلوك بلسانك في أعراض الناس، «الزم بيتك وعليك بخاصة نفسك»، الآن نسينا أنفسنا، الواحد لا يفتش في نفسه عما فيه من عيوب، وما هي الذنوب التي يقترفها، وما هي الخيانات لأمانات ربه، «عليك بخاصة نفسك، ودع عنك أمر العامة»، هؤلاء: «تعرف منهم وتنكر».

فيا أيها الناس! الحق أبلج، والغربة الأولى زالت بالتوحيد والاتباع، وغربة الأمة الثانية التي نحن فيها لن تزول إلا بالتوحيد والاتباع، توحيد الله في عبادته.. توحيد الله تبارك وتعالى في ألوهيته.. توحيد الله في حاكميته، التي لا يجوز أن تصرف لغير الله تبارك وتعالى، مهما زخرفت الأقوال، ومهما فرح الناس بهذه الأمور، والمنهاج المستوردة.

أيها الناس!

الحل في الكتاب والسنة، والحل في رجوعنا إلى الله تبارك وتعالى، لو أن كل واحد منا اهتم بنفسه وراجع نفسه؛ فإن الأمور إن شاء الله ستنفرج، ولكن نحن في غفلة إلا من رحم الله تبارك وتعالى منا.

في خضم هذا الاختلاط في الأمور واجب على أهل العلم بيان الحق، وتوضيح المحجة؛ فهذا دور العلماء، كما جاء في الأثر عن النبي عليه الصلاة والسلام -وإن كان فيه ضعف، وقد صححه بعض أهل العلم-: «يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله؛ ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين».

يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: "حكم الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم يظهر على أربعة ألسنة: لسان الراوي، ولسان المفتي، ولسان الحاكم، ولسان الشاهد. والواجب عليهم أن يخبروا بالصدق المستند إلى العلم، وآفة أحدهم الكذب والكتمان؛ فمتى كتم الحق أو كذب فيه فقد حادَّ الله في شرعه ودينه، وقد أجرى الله سنته أن يُمحق الله بركة علمه ودينه ودنياه إذا فعل ذلك"، إذا كتم العلم الذي أخذ الله ميثاقه على أولي العلم لتبيننه للناس ولا تكتمونه.

رضا الناس غاية لا تدرك، إنما الذي يريد السعادة والبركة في الدنيا والآخرة فليوضح الحق، ولو تاه الناس، ولو أعرضوا عنه؛ فإنما الواجب عليه البلاغ، وهو واجب الأنبياء والمرسلين، {إن عليك إلا البلاغ}، ثم قال: "ومن التزم الصدق والبيان بورك له في علمه ووقته ودينه ودنياه".

ويدخل -أيها الأحباب- في كتم العلم ما خافه النبي صلى الله عليه وآله وسلم على أمته، عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال عليه الصلاة والسلام: «إنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين»، فعلماء الضلال لشدة خطرهم خافهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم على أمته.

من الأمور التي خافها النبي عليه الصلاة والسلام على أمته ما جاء في حديث أبي أمامة وأبي مِحجن رضي الله عنهما من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «أخاف على أمتي بعدي ثلاث: حيف الأئمة، وإيماناً بالنجوم، وتكذيباً بالقدر».

«حيف الأئمة» أي: ظلمهم وجورهم، وخاف النبي عليه الصلاة والسلام على هذه الأمة تصديقهم بالنجوم، ما معنى ذلك؟ مطرنا بنوء كذا وكذا، انظروا إلى المجلات والجرائد يفتح الواحد إذا فتح صفحة الأبراج: برج السرطان. برج العقرب. الشعوذة والسحر.. كل ذلك داخل في باب الإيمان بالنجوم، وهو مما يخافه النبي صلى الله عليه وآله وسلم على أمته هذا، وهو باق في الأمة، «اثنتان في أمتي هما بهم كفر، الاستسقاء بالنجوم»، وقال: «أربع في أمتي من أمور الجاهلية -وذكر منها- الاستسقاء بالنجوم».

وقال النبي عليه الصلاة والسلام يوم الحديبية: «قال الله تعالى: أصبح مؤمن بي وكافر بالكوكب، ومؤمن بالكوكب وكافر بي؛ فمن قال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، ومن قال: مطرنا بنوء كذا وكذا فهو كافر بي مؤمن بالكوكب»، {وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ} [الواقعة:82].

يقول عليه الصلاة والسلام: «من اقتبس شعبة من النجوم اقتبس شعبة من السحر زاد ما زاد»، ويقول ابن عباس رضي الله عنهما في قوم يكتبون "أباجاد"، ويستدلون بهذه الحروف على أمور غيبية، وينظرون في النجوم: "ما أرى من فعل ذلك له عند الله من خلاق".

وقال قتادة بن دعامة: "خلق الله النجوم لثلاث: زينة للسماء، ورجوماً للشياطين، وعلامات يهتدى بها؛ فمن تأول غير ذلك فقد أخطأ حظه، وأضاع نصيبه، وتكلف ما لا علم به».

ومما خافه النبي عليه الصلاة والسلام على أمته التكذيب بالقدر، لما قالوا لابن عمر رضي الله عنهما: "إن قوماً يكذبون بالقدر ويقولون: إن الأمر أنف" أي: جديد ما كتبه الله تعالى في اللوح المحفوظ، ولا قدره وكتبه في بطن أم أحدنا لما جاء الملك وأمر بكتب أربع كلمات. يقول الله عز وجل: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} [القمر:49]، ويقول تبارك وتعالى: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ} أي: في اللوح المحفوظ {مِنْ شَيْءٍ} [الأنعام:38].

فكل ما يقع في هذا الكون قد علمه الله، وكتبه، وقدَّره تبارك وتعالى قبل أن يخلق السموات بخمسين ألف عام، كما جاء ذلك في صحيح مسلم عن النبي عليه الصلاة والسلام لما سمع ابن عمر قال: "أخبرهم أنهم برآء مني وإني بريء منهم"، ثم ذكر حديث جبريل الطويل الذي رواه عن أبيه عمر وفيه: «ما الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره».

ومما خافه النبي عليه الصلاة والسلام على أمته: الرياء المحبط للعمل، روى الإمام أحمد رحمه الله تعالى عن محمود بن لبيد رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر الرياء»، يقول الله تعالى يوم القيامة إذا جزا الناس بأعمالهم: «اذهبوا إلى الذين كنتم تراءون في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم جزاءً»، {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا} [الفرقان:23].

نسأل الله تعالى الإخلاص في الأعمال والأقوال، فإن الله عز وجل لا يقبل عملاً إلا به.. إن الله لا يقبل من الأعمال إلا ما كان خالصاً وابتغي به وجهه، {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ} [البينة:5].

يقول عليه الصلاة والسلام فيما يرويه عن ربه تبارك وتعالى، «قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه»، لا يقبل الله الشرك، ولو رآى الإنسان في أثناء عمله، لا بد أن تكون الأعمال خالصة لله تبارك وتعالى، قال الله تعالى: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [الكهف:110].

نفعني الله وإياكم بآيات الذكر الحكيم، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم؛ فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه، والسالكين طريقه إلى يوم الدين.

أما بعد:

فمما خافه النبي صلى الله عليه وآله وسلم على أمته الدنيا وزخرفها، في الصحيحين عن أبي سعيد رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إنما أخاف عليكم من بعدي ما يُفتح عليكم من زهرة الدنيا وزينتها»، هذه الدنيا التي خافها النبي عليه الصلاة والسلام على أمته، وقد قال فيها: «إن الدينار والدرهم قد أهلك من كان قبلكم، وإنهما لمهلكاكم».

ما جاءت الدنيا أيها الأحباب في الله في كتاب الله تعالى إلا مذمومة، إلا إذا استغلت في طاعة الله، يقول عليه الصلاة والسلام: «الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه، وعالماً ومتعلماً»، يقول الله تعالى: {إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [يونس:24].

يا أيها الناس!

{فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ} [لقمان:33]، {وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ} [آل عمران:185]، {أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ} [التكاثر:1]، كم هي النصوص في كتاب الله تبارك وتعالى المحذرة من الاغترار بالدنيا! يمر النبي عليه الصلاة والسلام بالسوق فيرى جدياً أسكاً ميتاً؛ فيأخذه صلى الله عليه وآله وسلم، ويقول لأصحابه: «أيكم يحب أن هذا له بدرهم، فقالوا: يا رسول الله! ما نحب أنه لنا، وما نصنع به؟ قال: أتحبون أنه لكم -أي: بغير شيء- قالوا: والله لو كان حياً كان عيباً فيه؛ إنه أسك، فقال عليه الصلاة والسلام: فوالله للدنيا أهون على الله من هذا عليكم».

في الصحيح يقول عليه الصلاة والسلام: «والله ما الفقر أخشى عليكم» الفقر ليس عيباً، ولن يحاسب الله العبد على الفقر، بل الفقراء يدخلون قبل الأغنياء الجنة بخمسمائة عام، لما يأتي النبي عليه الصلاة والسلام وأهل الصفة يسقطون من الجوع، فيقول: «والله لو تعلمون ما لكم عند الله لأحببتم أن تزدادوا فاقة».

لا تبيعوا دينكم بدنياكم! هذه المنظمات التي تلف حول اليمن الآن، هل تريد الخير باليمن؟ فيها أيها الناس .. يا أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم! تمسكوا بالدين، والقناعة كنز لا يفنى، «والله ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم الدنيا أن تبسط عليكم كما بسطت على من كان قبلكم؛ فتنافسوها كما تنافسوها، فتهلككم كما أهلكتهم».

أخذ النبي صلى الله عليه وآله وسلم بمنكب ابن عمر وقال له: «يا ابن عمر! كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل»، وكان ابن عمر يقول: "إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لسقمك، ومن حياتك لموتك".

يقول النبي عليه الصلاة والسلام: «ما لي وللدنيا! ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت ظل الشجرة، ثم سار وتركها».

ويقول عليه الصلاة والسلام: «إن مطعم ابن آدم جعل مثلاً للدنيا، وإن قزَّحه وملَّحه؛ فلينظر إلى ما يصير»، ما هي نهاية مطعم ابن آدم؟ هذه الدنيا التي أغوتنا -إلا من رحم الله تبارك وتعالى- أذهلت عقولنا، أولها عناء، وآخرها فناء، حلالها حساب، وحرامها عقاب، من استغنى بها افتتن، ومن افتقر إليها حزن، ومن سعى إليها فاتته، ومن نأى عنها أتته راغمة، ومن نظر إليها أعمته، أما سمعتم قول النبي عليه الصلاة والسلام: «لو كانت الدنيا تساوي عند الله تعالى جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء» [رواه الترمذي وصححه].

هذه الدنيا إذا حلت أوحلت، وإذا كست أوكست، وإذا جلت أوجلت، وإذا أينعت نعت، وإذا دنت أودنت، يقول علي رضي الله عنه: "إن الدنيا قد ارتحلت مدبرة، وإن الآخرة قد ارتحلت مقبلة، ولكل منها بنون، فكونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا؛ فإن اليوم عمل ولا حساب، وغداً حساب ولا عمل".

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يعيننا وإياكم على الخير والطاعة.

مما خافه النبي عليه الصلاة والسلام على أمته: النساء، يقول عليه الصلاة والسلام: «إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تفعلون، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء».

ويقول عليه الصلاة والسلام: «ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء»، فيا رجال الأمة! للمرأة بيتها وقرارها في بيتها، {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ} [الأحزاب:33] لما تنظر إلى إعلام الأمة ترى حرباً شعواء على نساء الأمة، وحرباً شعواء على من دعا المرأة إلى أن تبقى في بيتها مستورةً مصونةً عفيفة كما أراد الله تبارك وتعالى لها.

الإعلام عجيب! حتى إعلام الدعاة إلى الله تبارك وتعالى أصبح فيه رقة، الله أعلم بنا فهو خالقنا، وأعلم بما يصلحنا، الأمة إذا جعلت نساءها في بيتها أخرجت هذه النساء لنا العلماء والقادة والمفكرين. بيتها يسعها كما وسع نساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ووسع نساء هذه الأمة. خروجها مضبوط بالضوابط الشرعية، أما أن تكون في كل ميدان، وفي كل ساحة، وفي كل مكان كالرجل؛ فأنى للأمة أن تحفظ هويتها؟!

أيها الأحباب في الله

المرأة قرارها في بيتها بقول ربها: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى} [الأحزاب:33]، يقول النبي عليه الصلاة والسلام: «المرأة عورة فإذا خرجت استشرفها الشيطان، فما تمر على ملأ إلا وأعجبتهم، ونظروا إليها وافتتنوا بها». الله عز وجل ركَّب فينا الشهوة، فالذي يقول خلاف ذلك مكايد وخداع، يعلم من نفسه خلاف ما يقول.

أيها الأحباب!

لو قرأتم تقارير مفكري الغرب -وهذا لا يعنينا لكن من باب وشهد شاهد من أهلها- لرأيتم أن الكثير من مفكريهم الآن يدعوا إلى ترك الاختلاط، وفصل الرجال عن النساء، كم من نساء الغرب من تمنت أن لو لم تخرج من بيتها! انظروا إلى الدراسات كم هي نسب التحرش بالنساء في كل مكان، نسب مهولة مخيفة؛ لأنها ما قنعت بكلام ربها تبارك وتعالى، ورجالها لم يصونوها في بيتها كما أمر الله تبارك وتعالى!

خاف النبي صلى الله عليه وآله وسلم على أمته: عمل قوم لوط، قال عليه الصلاة والسلام: «إن أخوف ما أخاف على أمتي عمل قوم لوط».

ومما خافه النبي صلى الله عليه وآله وسلم على أمته: ما رواه الطبراني عن عوف بن مالك قال عليه الصلاة والسلام: «أخاف عليكم ستاً: إمارة السفهاء، وكثرة الشرط، وبيع الحكم، واستخفافاً بالدم، وقطيعة الرحم، ونشوى يتخذون القرآن مزامير، يقدمون أحدهم ليغنيهم -لا يجاوز القرآن تراقيهم- وإن كان أقلهم فقهاً».

الدعاء:

نسأل الله سبحانه وتعالى بمنه وكرمه أن يفقهنا في الدين وأن يردنا إلى دينه مرداً جميلاً ...