arrow down

وقفات في أيام المحن والأزمات

خطبة لفضيلة د. عقيل بن محمد المقطري ( عضو رابطة علماء المسلمين )

إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران:102].

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَتَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً} [النساء:1].

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً} [الأحزاب:70-71].

أما بعد:

فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدع ضلالة، وكل ضلالة في النار.

ثم أما بعد:

فإنني أذكر نفسي وإخواني أن ما يجري في هذا الكون من خير أو شر إنما يجري وفق قضاء الله وقدره، وليس ثمة شيءٌ يجري جزافاً ولا عفوياً؛ فكل شيءٍ في هذا الكون يجري وفق قضاء الله وقدره لا يمكن أن يخرج شيءٌ عن ذلك ولا مثقال ذرة، حتى الورقة تسقط من فوق الشجرة وفق قضاء الله وقدره، والحجرة تتدحرج من فوق الجبل إلى الوادي وفق قضاء الله وقدره، والأرزاق تنزل وتوسع وتضيق وفق قضاء الله وقدره، يقول الله عز وجل: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} [القمر:49].

ويقول صلى الله عليه وآله وسلم: «كُلُّ شَىْءٍ بِقَدَرٍ حَتَّى الْعَجْزُ وَالْكَيْسُ، أَوِ الْكَيْسُ وَالْعَجْزُ»(1)، أي: حتى عجز الإنسان وفطنته يجري وفق قضاء الله وقدره؛ فمتى شاء الله أن يجعله عاجزاً عن أن ينفع نفسه فعل، ومتى شاء أن يجعله فطناً فيخرج من الفتنة ويخرج من المصيبة إن شاء ذلك ربنا فعل.

ويقول صلى الله عليه وآله وسلم: «وَاعْلَمْ أَنَّ فِي الصَّبْرِ عَلَى مَا تَكْرَهُ خَيْرًا كَثِيرًا، وَأَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ، وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا»(2).

إذاً: فكل شيءٍ يجري وفق قضاء الله وقدره، ومن الإيمان بالقدر الإيمان بالقدر خيره وشره؛ فما أصاب العالم بأسره، وما أصاب شعباً بكامله، وما أصاب إنساناً من خير أو شر؛ فذلك من قضاء الله تعالى وقدره، وواجب على الإنسان أن يتقبل القضاء والقدر بصدر رحب يشكر الله على كل حال؛ فهو سبحانه وتعالى الذي لا يحمد على مكروه سواه؛ فعسى أن يكون الخير لهذا الإنسان ولهذا البلد وللعالم بأسره في ذلك الشر الذي أصابه، وفي ذلك الضيق الذي أصابه.. لعله يكون سبيلاً إلى الإنابة والتوبة والرجوع إلى الله سبحانه وتعالى؛ فكم من إنسان علمنا منه أنه في غاية من الإقلاق على بلده وعلى حارته وعلى أسرته وعلى مجتمعه، بمجرد أن نزلت به مصيبة إذا به يتوب ويؤوب ويعود ويرجع إلى الله عز وجل؛ فيصبح عضواً نافعاً في أسرته وفي وطنه وفي مجتمعه.

ثانياً: علينا أن نعلم أن الله عز وجل يملي للظالم أياً كان هذا الظالم، كما قال صلى الله عليه وآله وسلم: «إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته»(3).

والظلم حينما نتكلم عليه نتكلم عليه بعمومه؛ فالظلم هو من سجايا النفوس التي يحدث فيها نوع الانحراف، وبالتالي فالظلم لا يطرأ على الملوك والأمراء والوزراء والرؤساء فحسب بل إن النفس لتطغى وتظلم، وخاصة إذا أعطاها الله عز وجل الجاه، وربما آتاها العلم أحياناً يحدث منها الطغيان، ويحدث منها الظلم، وقد تكلمنا في خطبة كاملة حول هذا الموضوع.

الحاصل: أن الظلم يطال أناس كثر؛ فالتاجر قد يظلم، وصاحب الجاه قد يظلم، والمدرس قد يظلم، والأب في البيت قد يظلم، والزوج قد يظلم، والزوجة قد تظلم، وهكذا الظلم قد تجده هنا أو هناك؛ فالظلم حيث كان لا يحبه الله سبحانه وتعالى، ولذلك فالله تعالى يملي للظالم لعله يؤوب ولعله يرجع؛ فإذا لم يتب ولم يرجع أخذه أخذ عزيز مقتدر، ولذلك ضرب الله لنا الأمثال.

في مثل هذه الظروف علينا أن نلجأ إلى كتاب الله عز وجل قراءةً وتدبراً وتفحصاً للمعاني، ومعرفةً للتفسير، ومعرفة ً للتأريخ الذي جرى والذي حكاه الله عز وجل عن أحوال الشعوب، وعن أحوال الظلمة كأفراد، وعن أحوال الأمم.. علينا أن نرتبط بكتاب الله عز وجل؛ فالله تعالى قد أخذ النمرود مثالاً للطاغية الظالم ضربه مثلاً؛ فأخذه أخذ عزيز مقتدر، ودمّر جالوت وجنوده، وأغرق فرعون وجنده، وخسف بقارون وماله، وقذف الرعب في هذه الأيام والآونة المتأخرة في قلب طاغية تونس ففرمن بلده، وخذل طاغية مصر فلم ينفعه جنده، ولم تنفعه حاشيته، ولم ينفعه ماله، وفي النهاية آل به المآل مع حاشيته الذين كانوا يمنونه بالظلم والجبروت والغطرسة.. آلوا إلى ما وراء القضبان، وكذلك أيها الإخوة فالله تعالى بالمرصاد لكل ظالم أياً كان هذا الظلم بنص كتاب الله عز وجل:{أَلَمْ تَرَى كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ * وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِي * وَفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ * الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ * إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ} [الفجر: 5-14].

نعم. إن ربك لبالمرصاد لمعمّر الذي يقتل شعبه ويدمره ويرمل النساء وييتم الأطفال ويدمر البنى التحتية للبلد.. إن ربك لبالمرصاد وسوف ترون بأم أعينكم وسوف تسمعون ما سيحدث لهذا الطاغية الذي يملي له طغيانه وظلمه أن يعيث في الأرض فساداً، كيف سيدوي سقوطه العالم بأسره؟!

نعم. إن ربك لبالمرصاد للطاغية بشار الذي وزّع جيشه لقتل شعبه الأعزل الذي يرزح تحت وطأة الظلم منذ أربعة قرون، ومن ذلك الوقت جيشه الذي هو في تخوم وفي حدود اليهود لم يتوجه لضرب اليهود بل سقط جزء من بلده في أيدي اليهود المحتلين المغتصبين؛ فربك بالمرصاد له وسوف ترون وتسمعون بإذن الله عز وجل نتيجة ظلم هذا الظالم، سيسمع العالم بأسره ما سيحل به من عقوبة الله عز وجل.. إن ربك لبالمرصاد لكل من يقتل.. إن ربك لبالمرصاد لكل من ينتهك الأعراض.. إن ربك لبالمرصاد لكل من يفسد في البلاد طولاً وعرضاً؛ فدماء المسلمين حرام، وأموالهم حرام، وأعراضهم حرام، كما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حجة الوداع: {فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ قَالَ مُحَمَّدٌ وَأَحْسِبُهُ قَالَ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا أَلَا لِيُبَلِّغ الشَّاهِدُ مِنْكُمْ الْغَائِبَ}(4).

كيف يهنأ عيش من يقتل؟ وكيف يرتاح ضمير من يسرق؟ كيف يهدأ بال من يسرق؟ ألهؤلاء قلوب؟ ألهم ضمائر؟ ألهم مشاعر؟ ألهم أحاسيس؟ كيف تكون مشاعر هؤلاء؟ لو أن أحد أقاربهم قتل أو سلب ماله أو أنتهك عرضه؟ لا شك أنهم سيغضبون، وستتمعر وجوههم، وتحترق أعصابهم؛ فما الحاصل إذاً؟ الحاصل أن إيمان هؤلاء إمّا أن يكون مفقوداً أو أنه قد ضعف في القلوب، وصدق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين قال: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ»(5).

ثالثاً: هاأنتم أيها الإخوة! ترون الأوضاع والأحوال تتردى في كثير من البلاد، ومنها ما وصلت إليه الأحوال في بلادنا، ولعلكم تابعتم مجريات الأمور أولاً بأول؛ فنسأل الله عز وجل أن يجنب البلاد والعباد الفتن ما ظهر منها وما بطن، إن هنالك من يتآمر على هذا البلد الكريم، وعلى هذا الشعب الذي وصفه النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه بلد الإيمان والحكمة، وبأن أهله يحملون الفقه والحكمة.. هنالك من يتآمر عليه داخلياً وخارجياً، وعلى هذا ترون تردي الأوضاع وتردي الخدمات الأساسية؛ فيا ترى من المسئول عن هذا وعن غيابها؟ كيف نزعم أن البلد بلد المؤسسات؟ وما معنى مؤسسات؟ إن معنى مؤسسات أن هذه المؤسسات تسير وفق الأنظمة التي رسمت لها، لا دخل لها بأي نزاعات؛ فمؤسسات المياه مثلاً ومؤسسات الكهرباء على سبيل المثال وغيرها من المؤسسات الخدمية يجب أن تنأى بنفسها عن أي نزاع سياسي داخلي، وعليها أن تصدر الخدمات إلى المواطنين كي لا يتأذى الناس، وكي لا تزيد الأزمة تفاقماً، وهكذا أيضاً جميع المؤسسات يجب عليها أن تقوم بواجباتها على الوجه المطلوب، وألا تتدخل في مثل هذه الأمور؛ فتزيد الطين بلة. هذا معنى أن البلد يسير وفق القانون والبلد فيه مؤسسات.

نحن نرى ونشاهد في العالم بأسره كيف أن كثيراً من الأزمات تعصف بكثير من البلدان، لكن نتيجة وجود النظام والمؤسسات وسيران القانون، نرى أن عامة الناس لا يتأذون ولا يتأثرون من الخدمات؛ فنرى هزات كثيرة تحدث في أوروبا وفي آسيا، ومنها ما حصل في أفريقيا وفي تونس وفي مصر هزات عنيفة، لكن لم تتفاقم الأوضاع نتيجة وجود هذه المؤسسات وسريان القوانين، لكن في البلاد التي ربما يغيب عنها القانون لكم أن تنظروا ماذا يحدث في هذا البلد، ولكم أن تلاحظوا ماذا يحدث في العراق على سبيل المثال، أو ما يحدث في الهند أو في الباكستان، ترون أن هزة بسيطة تعصف بالبلد برمته نتيجة غياب هذه المؤسسات وغياب القوانين، هنالك من يصطاد في الماء العكر من التجار، خاصة في مثل هذه الظروف على وجه التحديد؛ فيحتكر السلع سواء كانت غذائية أو المشتقات أو غيرها، وأقول لهؤلاء: خذوا العبرة من أوضاع البلاد المضطربة، وكيف أن الأوضاع لو انفلتت أنها ستأكل الأخضر واليابس، وستدمر أموالكم أول ما ستدمر البلاد؛ «فالراحمون يرحمهم الرحمن».. «ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء» فبدلاً من أن تحتكر وتنفلت الأوضاع فيضيع مالك كله.. ارحم الناس لعل الله أن يرحمك، ولعل الله أن يحفظ مالك برحمتك للناس؛ فاقنع بالربح اليسير يحفظ الله لك مالك، والله تعالى سيحميك وسيحمي عرضك وسيحمي مالك إن رحمت أبناء بلدك؛ إنني هنا أوهيب بجهود العلماء والوجهاء في مدينة تعز على وجه الخصوص الذين سعوا في الأيام القليلة الماضية لعمل اتفاقية تهدئة بين السلطة الأمنية أولاً، ثم انتقلت إلى السلطة المحلية ثانياً من أجل تجنيب المدينة المظاهر المسلحة ومن القتل والاقتتال؛ فجزاهم الله خيراً.. جزا الله خيراً علماء هذه المدينة خيراً.. وجزا الله خيراً الوجهاء والشرفاء من أي جهة كانوا من السلطة المحلية أو الوجهاء خير الجزاء على هذه التهدئة؛ فإراقة الدماء ليست في مصلحة أي طرف من الأطراف لا للقبائل ولا للسلطة ولا لغيرها؛ فجر البلاد إلى الاحتراب ليس لمصلحة البلاد، وإنني أشكر خاصة لذلك الرمز المعروف في هذه المدينة الشيخ عبد الجبار هائل سعيد الذي كان له دور في هذه المبادرة التي تكللت إن شاء الله بالنجاح، وإن كان ثمة خروق كما يظهر لي، لكن لعلها تختفي إن شاء الله تعالى، وكذلك أشكر جميع الأطراف التي كانت مشاركة سواء كانت من العلماء أو من السلطة المحلية من دون تسميات.

رابعاً: أيها الإخوة الفضلاء! إن من الواجب علينا في مثل هذه الظروف الإحسان إلى الفقراء والجيران خاصة عند اشتداد الحاجة، وضيق المعيشة؛ فذلك من أسباب نزول رحمة الله تعالى، وعلى أقل تقدير إن لم نفعل صدقات تطوعاً فلنقدم من زكاة شهر رمضان ونحسبها منها ولا نترك الفقراء يتضورون جوعاً، وهكذا يجب أن نقدم المساعدات لأبناء بلدنا النازحين من أبين إلى عدن وإلى لحج نتيجة للاحتراب في تلك المدينة، وسوف نجمع تبرعات في هذا اليوم لهؤلاء النازحين بإذن الله عز وجل.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبة وسلم.

خامساً: أيها الإخوة! إننا نلحظ شيئاً من التراجع الملحوظ في كثير من الخدمات منذ الأحداث التي حدثت في أواخر الشهر الماضي في هذه المدينة على وجه الخصوص من ذلك تدهور كثير من الخدمات الأساسية التي يجب أن لا تتأثر في مثل هذه الأزمات خاصة الكهرباء التي صار كثير من الناس يشتكي منها، وخربت كثير من الأجهزة في البيوت. وإنني أذكر من ربما يتسبب في مثل هذا أن يجنب نفسه دعوات أولئك الفقراء الذين لا يملكون قيمة القوت الضروري؛ فضلاً عن إصلاح تلك الأجهزة التي تخرب نتيجة الانطفاء والفتح السريع بين لحظة وأخرى، أقول لهم: اتقوا الله وتجنبوا تلك دعوات المظلومين، ولا بأس إن كان هنالك عذر مقبول أن تجعلوا للناس أوقاتاً تجعل لكل حارة وقتاً محدداً يستقبل في مثل هذه الخدمات. أما أنها تأتي الكهرباء لمدة نصف ساعة ثم تطفأ ثم بعد خمس دقائق تأتي فما هو السبب في مثل هذا التدهور وسوء هذه الخدمات.

ثاني هذه الأمور: رفع المخلفات من المدينة من الأهمية بمكان التي تجعل الأمراض تستشري داخل البلد، وهذه الخدمات تشارك فيها كل بيت في تمويلها بدفع جزء من المال نظير رفع هذه المخلفات؛ فيلاحظ في كثير من الحارات تراكم هذه المخلفات، وإنني آمل من المسئولين وأرجو من السلطة المحلية أن توجه إلى صندوق النظافة في هذه المدينة أن يسارعوا في رفع المخلفات دون تمييز بين حارة وأخرى؛ فإن هذا من أوجب الواجبات عليهم، وعلينا أيها الإخوة أن نتعاون فيما بيننا في الحارات؛ فلا نرمي بالمخلفات مكشوفة؛ فإن حصل شيء من التقصير من صندوق النظافة فلا أقل من تكون هذه القمائم موضوعة في أكياس مغلقة حتى لا تتسبب في نشر الذباب الذي يكون سبباً في نشر الأمراض فلنتعاون بإذن الله تعالى من أجل مصلحة بلدنا جميعاً.

أخيراً أيها الإخوة! إن تعالى ذم من لا يحض على طعام المسكين فقال سبحانه:{أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ * وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ} [الماعون: 1-3].

ثانياً: أن من شق على هذه الأمة سيشق الله عليه، امتثالاً لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «اللَّهُمَّ مَنْ وَلِىَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِى شَيْئًا فَشَقَّ عَلَيْهِمْ فَاشْقُقْ عَلَيْهِ، وَمَنْ وَلِي مِنْ أَمْرِ أُمَّتِى شَيْئًا فَرَفَقَ بِهِمْ فَارْفُقْ بِهِ»(6).

إنها دعوة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم التي لا يمكن أن يردها الله صفراً إطلاقاً؛ فنحن نتعاون جميعاً، وعلى المسئولين أن يتقوا مثل هذه الدعوات.. دعوة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ودعوة المظلومين المتضررين.

ثالثاً: أن السماحة في البيع والشراء سبب من أسباب الرحمة، كما قال صلى الله عليه وآله وسلم:«رحم الله عبدا سمحا إذا اشترى سمحا إذا اقتضى»(7).

رابعاً: على التجار أن ينظروا المعسرين، خاصة في مثل هذه الظروف، ونتذكر قول ذلك التاجر من بني إسرائيل الذي حكا لنا صلى الله عليه وآله وسلم قصته يوم أن قال: «حُوسِبَ رَجُلٌ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ مِنَ الْخَيْرِ شَىْءٌ إِلاَّ أَنَّهُ كَانَ يُخَالِطُ النَّاسَ وَكَانَ مُوسِرًا، فَكَانَ يَأْمُرُ غِلْمَانَهُ أَنْ يَتَجَاوَزُوا عَنِ الْمُعْسِرِ، فقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: نَحْنُ أَحَقُّ بِذَلِكَ مِنْهُ تَجَاوَزُوا عَنْهُ»(8).

والحمد لله رب العالمين.

_____________________

(1) صحيح مسلم 8/51.

(2) مسند أحمد 5/19.

(3) صحيح البخاري 4/1726.

(4) صحيح البخاري 1/71.

(5) صحيح البخاري 1/17.

(6) صحيح مسلم 6/7.

(7) سنن ابن ماجه 2/742.

(8) صحيح مسلم 5/35.