arrow down

المسلم بين معركتين

خطبة لفضيلة د. علي بن محمد مقبول الأهدل ( عضو رابطة علماء المسلمين )

يخرج المسلم من بيته ليباشر العمل الذي يؤديه إن كان موظفاً فإلى مكتبه وإن كان عاملاً فإلى مصنعه وإن كان تاجراً فإلى دكانه وإن كان فلاحاً فإلى حقله.

والناس يغدون إلى أعمالهم وشؤون الرزق مستولية على أعصابهم مستحوذة على أفكارهم إنهم يريدون الكثير لأنفسهم وأهليهم، المُقلُّ يريد سعة والغني يريد مزيداً، ومآرب الحياة ومتطلباتها لا تقف عند حد والمصاريف والتكاليف تستنفذ الطاقة.

ترى كم تستهلك تكاليف الحياة ومصاريف الأولاد من جهود البشر؟

وهنا كأن صاحب الرسالة الخاتمة محمد صلى الله عليه وسلم يستحضر هذه المشاعر وهو يناجي ربه عندما يخرج من بيته يقول: «باسم الله توكلت على الله اللهم إني أعوذ بك أن أزِلَّ أو أُزلَّ أو أضِلَّ أو أُضلَّ أو أظْلم أو أُظْلَم أو أجْهَل أو يُجْهل عليَّ...».

أنه لا يريد غلباً على أحد، إنه يريد النجاة من الزلل يقع فيه أو يوقع أحداً فيه، إنه يبغي الهدى لنفسه ولغيره، إنه يستعيذ بالله أن يًجْهل على احد أو يُجهل عليه طاغ مفتون، إنه يكره الظلم في كل صوره وأشكاله ومن أكل أموال الناس بالباطل أو التقتير عليهم.

بذلك يدعو ربه ويستمد منه العون وقد طلب الرسول صلى الله عليه وسلم من كل مسلم عندما يغدو من بيته لما يهمه من شأنه أن يرتبط بربه فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قال - يعني إذا خرج من بيته – بسم الله توكلت على الله ولا حول ولا قولة إلا بالله يُقال له هُديت وكُفيت ووُقيت».

إن مخالطة الناس تعرض المرء لمشكلات كثيرة، وقد يتولد من الاحتكاك شر حارق.

والذكاء والاعتماد على النفس مهما كان المرء ذكياً لا تغنيه عن حماية الله وهو سبحانه يقي من اعتمد عليه ولاذ به؛ بل ينبغي للمسلم أن تهم نفسه وذكاءه ووساطته وقرابته في حل مشاكله وأن يتجه إلى الله مع فعل الأسباب ويطلب منه العون قائلاً كما علمه نبيه صلى الله عليه وسلم: «اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً وأنت إذا شئت تجعل الحزن – الصعب – سهلاً».

وعندما يزداد الغلاء وتضطرب أحوال العيش وتبرز صعوبات مقلقة يزداد تشبث المرء بربه فعن ابن عمر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما يمنع أحدكم إذا عسُر عليه أمر معيشته أن يقول إذا خرج من بيته: بسم الله على نفسي ومالي وديني اللهم رضني بقضائك وبارك فيما قُدِّر لي حتى لا أحب تعجيل ما أخرت وتأخير ما عجلت».

والحياة المعاصرة اليوم بما فيها من مشكلات وفقر وغلاء أسعار تشكو من عاملين وموظفين ومسئولين لا يتوكلون ولا يحاسبون أنفسهم لأن الصبغة المادية سادت العالم كلَّهُ.

الناس اليوم الموظف والمدرس والمسئول والعسكري والشرطي يغدون من بيوتهم وهم يتلهفون على صيد ثمين ينقضون عليه وإذا أمكنتهم الفرصة من مسكين أو مراجع او صاحب معاملة سال لعابُهُم، إنهم يأكلون ولا يشبعون ويأخذون الرشاوي ولا يرتدعون والسبب هذا الغلاء وهذه الجرعات وهذه الضرائب على المساكين وهذا ليس مسوغاً للرشوة والتحايل على المساكين من المراجعين، ومن هنا وفي هذه الحمى لا تعلق لهؤلاء إلا بالمزيد من حكام الدنيا...

ويأتيك هذه الموظف الذي لا يزيد راتبه على إيجار شقته وقد أخذ الرشوة وأخذ "حق التخزينة" على قولهم فيقول لك: الكدح والارتزاق على الأولاد وعلى النفس، ومن هذه المعادلة المغلوطة ومن هذه الحجج الضعيفة غلاء المعيشة الجرعات الضرائب ألــ ألـ... من هنا يختلط الطيب والخبيث والنقي والمغشوش، لكنني أقول: إن المسلم يعلم أنه لا يدخل الجنة لحْمٌ نبت من سحت وأن الله طيب لا يقبل إلا طيباً، ومن ثم وجب على المؤمن أن يتحرى وقد علمنا الرسول صلى الله عليه وسلم هذا الدعاء: «اللهم اكفني بحلالك عن حرامك وأغنني بفضلك عمن سواك».

«اللهم إني أسألك علماً نافعاً ورزقاً طيباً وعملاً متقبلاً».

إن الناس اليوم تهزهم المشاعر الفطرية وهي أن يرى ابنه يلبس ويأكل ويفرح أن يرى له بيتاً يسكنه ويأويه وله سيارة تقله إلى أشغاله ومن هنا وجب على الحكومات أن تتقي الله في جمهورها وعدم دفعهم إلى الرشوة وإلى زيادة الأسعار أنه يوجد عندنا وفي بلدنا بمجرد أن يتناقل الناس أن هناك جرعة زادت الأسعار وارتفعت فمن هنا كان على المسلم أن يبتعد عند هذا ورأف بالمسلمين وبالضعفة وأصحاب الحاجة... ومن هنا نذكر التجار والموظفين بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لأن أقول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر أحُّب إلي مما طلعت عليه الشمس».

إن سعادته صلى الله عليه وسلم وهو يردد هذه الكلمات ويستحلي معانيها أشهى لديه من امتلاك كل ما أضاءه النهار في الدنيا «أحب إلي مما طلعت عليه الشمس».

أيها التجار أيها الموظفون آخذوا الرشوة هب أنكم ملكتم القناطير المقنطرة من الذهب والفضة ما عساكم أن تفعلوا بها.. {يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ* وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ* وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْويهِ* وَمَن فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنجِيهِ} [المعارج:11-14].

أيها التجار أيها الموظفون أيتها الحكومات يا من زدتم في الضرائب وفي الجرعات وفي الغلاء نقول لكم: لقد كان لقارون دنيا عريضة وثراءً يشد إليه العيون وكان عشاق الحياة ينظرون إليه ويقولون يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون..

ولم يطلب الله من قارون تطليق هذه الدنيا لقد طلب إليه أموراً تعد على الأصابع... من مولك هذا المال ولولاه كنت صعلوكاً لا مال لك.

إنه الله.. إذن انظر إلى مالك وقل فضل الله عليَّ. لكنه قال عبقريتي هي سر غناي وتجارنا اليوم يقولون ذكاؤنا وارتفاع الدولار هو سبب غلاء البضائع والموظف يقول ذكائي على المراجعين هو سر غناي ولو فرضنا أن هذا القول صحيح فمن الذي منحك الذكاء والمال؟

إنه الله ولكن الغافل لا يحس، إن الله أيها التجار وأيها الموظفون وأيها المسئولون عن ميزانية الدولة عندما يعطي يطلب الاعتراف بعطائه فهل هذا تكليف صعب؟

وهو يطلب من آخذ فضله أن يرحم ولا يقسو وأن يعتدل ولا يطغى وأن يصلح ولا يفسد لا نرفع الأسعار لأن الجريمة قادمة ولا نوجد ضرائب وجرعات تزيد الناس هلكة وتعباً، إنه قال لقارون: {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ} [القصص:77].

ولكن المؤسف أن ناساً كثيرين وموظفين كثيرين وتجاراً كثيرين ومسئولين كثيرين يمنحهم الله الدنيا فيذكرون أنفسهم ولا يكترثون بغيرهم ويضاعفون متعهم على حساب الجياع ويعصف بأحلامهم الغرور فينظرون إلى الناس من فوق وقد حذر الله عباده المؤمنين من هذا الطيش وقال لهم: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ* وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ} [المنافقون:9-10].

وفي السيرة الشريفة حثٌ موصول على الصدقة وزجر شديد عن الشح وقد ثبت أن الفلسفات المارقة عن الدين أغوت الجماهير عن الإنفاق والخير والصدقة وهذه الفلسفات لا تنمو إلا في بيئات الكزازة والشح والقسوة والغلظة والأثرة العمياء.

لكن التاجر المسلم والموظف الناصح مع انطلاقة الأحياء صباح كل يوم يتذكرون قول المصطفى صلى الله عليه وسلم: «ما من يوم يصبح فيه العباد إلا وملكان ينزلان يقول أحدهما اللهم أعط منفقاً خلفاً ويقول الآخر اللهم أعط ممسكاً تلفاً».

يمسك البضاعة ليرتفع سعر الدولار.

وفي الأثر: «عبدي أَنفق أُنفق عليك يد الله ملأى لا تغيظها نفقة سحاء الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض فإنه لم يفضى ما في يده».

ونقول للتجار والموظفين: نشأ من هذه التعاليم مجتمع يحنوا أغنياؤه على ضعفائه، ويبرؤون من عبادة المال ويرفضون مصادره المربية.

وكانت سيرة الرسول أمامهم شعاعاً هادياً فإن الرسول بإزاء الدنيا والمال كان يجمع بين منقبتي الغني الشاكر والفقير الصابر.

نعم فقد كان ذا مال {وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى} [الضحى:8]، وكان غناه من تجارته الرابحة في مال زوجة خديجة أيام شبابه ثم كان ماله من الخمس والفيء شيئاً طائلاً، لكنه أيها المسئولون والتجار لم يستحوذ على شيء من هذا كله بل كان يضعه في حاجات الناس والفقراء وربما ظل يعطي وظل أهل بيته كذلك يعطون حتى يستنفذ العطاء كل ما لديهم فيمسون وليس لديهم ما يغني من جوع.

والمعروف في سيرته عليه الصلاة والسلام أنه وهو في مرض موته أهمته ذهيبة تصغير ذهبة أو ذهب كانت عنده فما استراح حتى وزعت على الفقراء وتساءل كيف يلقى الله وهي عنده؟

والمعروف كذلك أيها المسئولون وأيها الأغنياء وأيها التجار: أن أملاكه صلى الله عليه وسلم ليست ميراثاً لأهله وأقاربه لقد وُزِّعت هي الأخرى في سبيل الله!!

لقد كان يدعو «اللهم اجعل رزق آل محمد قوتاً – أي كفافاً – فلما آثر الرفيق الأعلى صلى الله عليه وسلم كان قبل أن يصل إلى السماء أشبه بسكان السماء ترفعاً عن مطالب الأرض وزينات الدنيا..».

وقد يسألني سائل فيقول هل تريد منا أيها الخطيب أن نترك الدنيا ونزهد فيها ونوزع أموالنا على الفقراء والمساكين؟!

والجواب:

لا، لم أقل ذلك؛ بل إن الله أثنى على ناس في القرآن الكريم فقال {رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ} [النــور:37]، إذاً هم يتاجرون ويبيعون ويشترون ولكن لا يلهيهم ذلك عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة فكان الواحد منهم إذا حرك الكفة ووضع الأمر في كفة وأراد أن يضع بالكفة الأخرى ما يقابلها ثم سمع المؤذن ترك الميزان وذهب إلى الصلاة لا يقول أزنُ هذه السلعة أو هذه البضاعة ثم أذهب بل ترك ذلك ويصلي فأثنى عليهم.

قال قتادة: كان القوم يتبايعون ويتجرون ولكنهم إذا نابهم حق من حقوق الله لا يلههم تجارة ولا بيع حتى يؤدوه إلى الله لم يكونوا يحتكروا البضاعة من أجل أن هناك جرعات لم يكونوا حكاماً أو محكومين يثقلون كواهل الناس بالضرائب أو الجرعات أو نحوها.

إن عنصر الإيمان والخوف من الله حماية من الغش وحماية من التزوير وحماية من الكذب حماية من الاستغلال وحماية من المتاجرة في الحرام وحماية من فرض البضائع الفاسدة على المسلمين.

أقول أيها التجار إن الزهد ليس هو الفقر وليس أن تُعرض عنك الدنيا فتعرض عنها ولكن الزهد أن يكون المال في يدك لا في قلبك.

ولهذا قال الإمام أحمد رحمه الله يوصي التجار والموظفين والمسئولين وأصحاب القرار والقائمين على الميزانيات في وزارات المالية قال: "أن يكون المال لديك فلا يستبد بك الحزن إن نقص ولا يستبد بك الفرح إن زاد؛ بل إن زاد المال أو نقص فالأمر عندك سواء وهؤلاء هم كبار الزهاد من الصحابة لكننا لا نريد منك أن تكون مثلهم بل أن تتقي الله في تجارتك لا ترفع السعر لأنك سمعت أن جرعة ستنزل أو تضع على الناس ضرائب أو غيرها لأن مستواهم متحسن.

السلف الصالح كانت لهم أموال وضياع ونساء فلم نرهم جزعوا على فائت من الدنيا كلا؛ بل كان الواحد منهم وهو على فراش الموت يقول لا أفلح من ندم، غداً ألقى الأحبة محمداً وصحبه، فهم ما أسفوا على الدنيا كلها يوم زالت.

ومن هنا نقول إن المجتمع المسلم هو مجتمع التكافل وهو مجتمع الرحمة، فهل من تيسير على مجتمعاتنا هل من نظام للتكافل الاجتماعي يكون نظاماً لتربية الفرد المسلم الموظف التاجر المسئول المدرس.

تربية روحه وضميره وشخصيته وسلوكه الاجتماعي نعطيه راتباً يعزه ويرفع من قدره فلا يمد يده إلى رشوة ولا رمق بعينه إلى خيانة لمواطن المرافق الدولة العامة أو الخاصة.

كل فرد في مجتمعنا مكلف أن يحسن عمله الخاص الموظف في وظيفته والمسئول أمام مسئولية والتاجر أمام تجارته والمدرس في مدرسته؛ لأن ثمرة عمله عائدة على الجماعة وعلى الدولة ومرافقها «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه» ولكل فرد حق العمل على الدولة أن تعطيه وتهيئه وتيسره فالتكافل الاجتماعي في الإسلام ليس نظام إحسان أو صدقة في أصله، إنما هو نظام إعداد وإنتاج تنشأ عنهما الكفاية الذاتية ولاً وقبل كل شيء.

فهل نعي اليوم المشاكل التي سنجرها على الأمة من خلال الفساد الإداري والمالي.

اننا نطالب حكومتنا أن تنظر وهي تضع ميزانيتها إلى المحرومين والمشردين والفقراء، وبذلك نكون حقاً من المسلمين الذين أدوا الأمانة "والله لو أن بغلة عثرت في الطريق لسُأِلت عنها يا ابن الخطاب لماذا لم تسوي لها الطريق"

اللهم إنا نعوذ بك من الفقر إلا إليك ومن الذل إلا لك ومن الخوف إلا منك ونعوذ بك أن نقول زوراً أو نغشى فجوراً أو أن نكون بك مغرورين ونعوذ اللهم من شماتة الأعداء وعضال الداء وخيبة الرجاء وزوال النعمة وفجاءة النقمة.

اللهم اجعلنا ذكارين لك شكارين لك مطواعين لك، مخبتين لك أواهين منيبين، ربنا تقبل توباتنا واغسل حوباتنا وأجب دعواتنا وثبت حجتنا واهد قلوبنا وسدد لساننا وأزل سخيمة صدورنا..

اللهم أعز الإسلام والمسلمين...